ما ورد في مدح المال وذمه على لسان الآيات والروايات الشريفة وكلمات الحكماء

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

إعلم أنه قد ورد من الشرع مدح المال وذمه، وقد تقدم من الأخبار ما يدل على مدحه، وجميع ما دل على الحث على الحج والزكاة والخمس والتصدق والهبة والعطية والإحسان والإنعام والإطعام مما لا يتم إلا بالمال فهو مدح له، وقد سماه الله تعالى خيراً في مواضع، فقال تعالى:((إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ))[1][2]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:نعم المال الصالح للرجل الصالح[3].

وورد ذمه أيضاً فقال تعالى:((إِنَّمٰا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ))[4] وقال تعالى:((لا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ))[5]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل[6]. ونحوه كثير[7].

والسر في ذلك أن المال ذو وجهتين: نافعة، ومضرة، ومثاله مثال الحية فيها سم وترياق[8]، ففوائدها ترياقها وغوائلها[9] سمومها. والمال إن صرف في طاعة الله ومرضاته كان من الآخرة، وإلا كان من الدنيا.

والمال فيه فوائد وغوائل، من عرفها وأخذ الفوائد واجتنب عن الغوائل نجا.

وفوائد المال الدنيوية معلومة ولهذا تهالك أهل الدنيا عليها، وأما الدينية فهي ثلاثة أنواع:

الأول: ما ينفقه على نفسه في عبادة أو الاستعانة عليها.

والثاني: ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام: الصدقة، والمروة، ووقاية العرض، وأجرة الاستخدام:

أما الصدقة فقد حث الشارع عليها ورغب فيها بالثواب وقال إنها تطفئ غضب الرب[10].

وأما المروة وهي صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وإطعام الطعام، وهذا أيضاً مما رغب الشارع فيه ووعد عليه الثواب.

وأما وقاية العرض وهو بذل المال لدفع هجو[11] الشعراء وثلب[12] السفهاء ودفع شر الأشرار، فمع تنجز فائدته في الدنيا حث الشارع عليه أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما وقى المرء به[13] عرضه فهو له صدقة[14].

وأما الاستخدام في الأعمال التي اضطر إليها الإنسان من المأكول والمشروب والملبس ونحوها فهو ضروري لولاه لتعذر عليه سبيل الآخرة، ولو تولاها بنفسه لضاعت أوقاته وتعذر عليه الفكر والذكر.

النوع الثالث: ما لا يصرفه الإنسان إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام، كبناء المساجد والقناطر والرباطات ودار المرضى ونصب الحباب في الطرق وغير ذلك. هذا كله مضافاً إلى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر، ولكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء.

وأما الآفات فدينية ودنيوية، أما الدينية فثلاثة أنواع:

الأول: إنه يجر إلى المعاصي، فإن الشهوات متقاضية[15] والعجز يحول بين المرء والمعصية، ومن العصمة أن لا تقدر.

الثاني: أن يجر إلى التنعم في المباحات، وربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المراء والمداهنة والكذب والنفاق وسائر الأخلاق المردية لتحصيل مطلوبه ليتيسر له التنعم.

الثالث: وهو الذي لا ينفك عنه أحد، وهو أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى، وكل ما يشغل العبد عن الله فهو خسران، ولذلك قال عيسى عليه السلام: في المال ثلاث آفات إن[16] يأخذه من غير حله. فقيل: إن أخذه من حله؟ قال: يضعه في غير حقه. فقيل له[17]: إن وضعه في حقه؟ فقال: يشغله إصلاحه عن الله[18].

ومن أراد أن ينجو من غائلة المال فعليه بأمور:

الأول: أن يعرف المقصود من المال، وأنه لماذا خلق، وأنه لِمَ يحتاج إليه حتى لا يكتسب ولا يحفظ إلا قدر حاجته.

الثاني: أن يراعي جهة دخل المال، فيجتنب الحرام المحض وما الغالب عليه الحرام، ويجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروة.

الثالث: أن يراعي جهة الخرج ويقتصد في الإنفاق غير مبذر ولا مقتر، قال تعالى:((وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً))[19].

الرابع: أن يضع ما اكتسبه من حله وحقه ولا يضعه في غير حقه، فإن الإثم في الأخذ من غير حقه والوضع في غير حقه سواء.

والخامس: أن يصلح نيته في الأخذ والترك والإنفاق والإمساك فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادات والطاعات، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له، وإذا فعل ذلك لم يضره وجود المال[20].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لو أن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه الله فهو زاهد، ولو أنه ترك الجميع ولم يرد وجه الله فليس بزاهد[21].

وقال عليه السلام[22]: الزهد كله بين كلمتين من القرآن[23]:((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مٰا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمٰا آتاكُمْ))[24] ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه[25].


ــــــــــــــــــ

[1] سورة البقرة/ 180.

[2] أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 158، بيان مدح المال.

[3] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 158، بيان مدح المال.

[4] سورة التغابن/ 15.

[5] سورة المنافقون/ 9.

[6] منية المريد، الشهيد الثاني: 156، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، النوع الأول آداب اشتركا فيها، القسم الأول آدابهما في أنفسهما، الأمر الثاني استعمال ما يعلمه كل  منهما،  الفصل الثاني في الغرور في طلب العلم و المغترين من أهل العلم.

[7] أنظر في حب المال: كتاب الزهد، الأهوازي: 58، باب 10 باب التواضع والكبر. الأمالي، الطوسي: 532، المجلس 19/ ح 1. معدن الجواهر، الكراجكي: 53، باب ذكر ما جاء في ستة. غرر الحكم، الآمدي: 368، حب المال/ ح 8315. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 7/253، الخطبة 113. أعلام الدين، الديلمي: 195، وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر.

[8] الترياق: لغة في الدرياق، وهو: دواء.

كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 127، مادة "ترق".

[9] الغائلة: الحقد الباطن. الغوائل: الدواهي. فلان قليل الغائلة والمغالة، أي: الشر.

لسان العرب، ابن منظور: 11/512، مادة "غيل".

[10] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صدقة السر تطفئ غضب الرب".

الكافي، الكليني: 4/ 7، أبواب الصدقة، باب فضل صدقة السر/ ح1.

[11] هجا يهجو هجاء، ممدود: الوقيعة في الأشعار.

كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 65، مادة "هجو".

[12] ثلبه ثلبا: إذا صرح بالعيب وتنقصه.

الصحاح، الجوهري: 1/ 94، مادة "ثلب".

[13] في مجموعة ورام: "ما وقى به المرء".

[14] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 160، بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم.

[15] انقضى الشيء وتقضى، أي: فني وذهب.

كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 185، مادة "قضي".

[16] في المحجة: "أن".

[17] ليس في المحجة: "له".

[18] المحجة البيضاء،الفيض الكاشاني:6/49،كتاب ذم المال،بيان تفصيل آفات المال وفوائده.

[19] سورة الفرقان/ 67.

[20] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 40 ــ 59، كتاب ذم المال. جامع السعادات، النراقي: 2/  46 ــ 57. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 206 ــ 215، كتاب ذم البخل و ذم حب المال.

[21] الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني:119، الفصل الرابع النجاة من غائلة المال.

[22] أي: "الإمام أمير المؤمنين عليه السلام".

[23] في النهج: "قال الله سبحانه" قبل الآية.

[24] سورة الحديد/ 23.

[25] نهج البلاغة، الشريف الرضي: 553 ــ 554، فصل نذكر فيه شيئا من غريب كلامه المحتاج إلى التفسير/ ح439.

أسباب طول الأمل وأخطاره الدنيوية والأخروية

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من دنياك لآخرتك[1]، ومن حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً[2].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن اشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق، وأما طول الأمل فإنه يحبب الدنيا[3].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس أما تستحون من الله؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وتبنون ما لا تسكنون[4].
وطول الأمل له سببان: أحدهما الجهل، والآخر حب الدنيا. فإنه إذا أنس بها وشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقلت على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئاً رفعه من نفسه والإنسان مشغوف[5] بالأماني الباطلة، فتمنى نفسه أبداً ما يوافق مراده وهو البقاء في الدنيا، فلا يزال يتوهمه ويقرره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه معكوفاً[6] عليها ويلهو عن ذكر الموت.
وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا، وأما الأمل فإن الإنسان قد يعوّل[7] على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب، وليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر أهل البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب.
وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد، وإن كان بعيداً ففجاء المرض غير بعيد، وكل مرض فإنما يقع فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً والموت ليس له وقت مخصوص من شاب وشيب وكهولة، ومن صيف وشتاء وخريف وليل ونهار، لعدم اشتغاله بالاستعداد واستشعاره.
وعلاج الجهل الفكر الصافي من القلب الحاضر وسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة، وعلاج حب الدنيا الإيمان باليوم الآخر وما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، وإذا حصل اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا. وقد تقدم في الزهد وحب الدنيا ما فيه بلاغ[8].
نسأل الله أن يحسن عملنا ويقصر أملنا، ويخرج حب الدنيا عن قلبنا، ويحبب إلينا لقاءه، ويوفقنا للأعمال الصالحة بحمد الله.
ــــــــــــــــــــــ
[1] في مسكن الفؤاد: "وخذ من حياتك لموتك "بدل" وخذ من دنياك لآخرتك".
[2] مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 16.
[3] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 8/ 244 ــ 245، كتاب ذكر الموت وما بعده، الباب الثاني في طول الأمل.
[4] إحياء علوم الدين،الغزالي:4/394، كتاب ذكر الموت وما بعده،فضيلة قصر الأمل.
[5] الشغاف ككتاب: غلاف القلب وهي جلدة دونه كالحجاب. ويقال: هو حبة القلب، وهي: علقة سوداء في صميمه. وشغف قلبه الهوى شغفا من باب نفع والاسم الشغف بفتحتين. وفلان مشغوف بفلانة، أي: ذهب به الحب إلى أقصى المذاهب.
مجمع البحرين، الطريحي: 2/521، باب ما أوله الشين، مادة "شغف".
[6] عكف بعكف ويعكف عكفا وعكوفا، وهو: إقبالك على الشيء لا تصرف عنه وجهك. كتاب العين، الفراهيدي: 1/205، مادة "عكف".
[7] عولت عليه: استعنت به.
كتاب العين، الفراهيدي: 2/ 248، مادة "عول".
[8] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 8/ 246 ــ 248، كتاب ذكر الموت وما بعده، بيان السبب في طول الأمل وعلاجه. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 315 ــ 317، الباب الرابع في ذكر الموت وقصر الأمل، الفصل الرابع. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 397 ــ 398، كتاب ذكر الموت وما بعده، بيان السبب في طول الأمل وعلاجه.

رذيلة الغضب أسبابها وسبل علاجها

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

وهو شعلة من النار اقتبست من ((نارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ))[1] إلا أنها لا ((تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ))[2] وإنها لمستكنة في طي[3] الفؤاد استكنان[4] الجمر تحت الرماد، ويستخرجها الكبر الدفين من قلب ((كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ))[5]، كما يستخرج الحجر النار من الحديد، وتستخرجها حمية الدين من قلوب المؤمنين.

وسببه ثوران نار الغضب، وهي الحرارة المودعة في الإنسان واشتعالها، فيغلي بها دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها تحكي ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها.

وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، فإن صدر الغضب على من هو فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزناً، ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب.

وقوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان دم القلب لطلب الانتقام، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام فوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به.

والناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط[6] والإفراط[7] والاعتدال[8]:

أما التفريط: فبفقد هذه القوة أو ضعفها، وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له، ومن ثمرته عدم الغيرة على الحرام، واحتمال الذل وصغر النفس والخور[9] والسكوت عند مشاهدة المنكرات. وقد وصف الله تعالى خيار الصحابة بالشدة والحمية فقال:((أَشِدّاء عَلَى الْكُفّارِ))[10] وقال تعالى:((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ))[11] والشدة والغلظة من آثار قوة الغضب[12].

والإفراط: هو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج من سياسة العقل والدين وطاعتهما فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر واختيار، ويعمى ويصم عن كل موعظة، ومن آثاره تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام وانطلاق اللسان بالفحش والشتم[13] وقبح الكلام والضرب والتهجم[14]، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل[15].

وعن ميسر[16] قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت[17].

وعن أبي حمزة الثمالي[18] عنه عليه السلام[19] قال: إن الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض، فإن رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك[20].

وعن الصادق عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر[21].

وعنه عليه السلام[22] قال: من كف غضبه ستر الله عورته[23].

وعنه عليه السلام[24] قال: إن في التوراة مكتوب: ابن آدم[25] اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك في ما أمحق[26]، وإذا ظلمت بظلمة فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك[27].

وقال عليه السلام[28]: من لم يملك غضبه لم يملك عقله[29].

وعنه عليه السلام[30] في ما ناجى الله به موسى: يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي[31].

واعلم أن قمع أصل الغيظ من القلب غير ممكن، بل التكليف إنما هو بكسر سورته[32] وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن، وينتهي ضعفه إلى أن يظهر أثره في الوجه، بل ينبغي للإنسان أن يكون غضبه تحت إشارة العقل والشرع، فيغضب في محل الغضب ويحلم في محل التحلم، ولا يخرجه غضبه عن الاختيار. قال تعالى:((وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ))[33] ولم يقل: والفاقدين الغيظ.

والأسباب المهيجة للغضب: الزهو[34]، والعجب، والهزل[35]، والهزء[36], والذل والتعيير، والمماراة[37] والمضادة، والعذر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه. وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً.

ولا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب، فلا بد من إزالتها بأضدادها، فينبغي أن يميت الزهو بالتواضع، والعجب بالمعرفة بنفسك, والفخر بمعرفة أنه من الرذائل وإنما الفخر بالفضائل، وأما الهزل فيزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة، وأما الهزء فيزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يُستهزأ بك، وأما التعيير فبالحذر عن قول القبيح وصيانة النفس عن مرِّ الجواب، وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء وترفعاً عن ذل الحاجة.

وكل خلق من هذه الأخلاق يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة، وأصل الرياضة في إزالة هذه الأخلاق يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها. ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت عن الغضب الذي يتولد منها[38].

وعلاجه عند هيجانه ــ كما أشير إليه في الأخبار المتقدمة ــ الاستعاذة من الشيطان، والجلوس إن كان قائماً، والاضطجاع إن كان جالساً[39]، والوضوء أو الغسل بالماء البارد[40]. قال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغتسل فإن الغضب من النار[41]. وأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعاذة من الشيطان، وأن يتفكر في ما ورد في فضائل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال[42]. قال الله في معرض المدح: ((وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ))[43] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره، ومن خزن لسانه ستر الله عورته[44].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أشدكم من ملك[45] نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند القدرة[46].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب السبيل إلى الله تعالى جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم، وجرعة مصيبة تردها بصبر[47].

وعن السجاد صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أحب أن لي بذل نفسي حمر النعم[48]، وما تجرعت جرعة أحب إلى من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها[49].

وعن الباقر عليه السلام قال: من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة[50].

وعن الصادق عليه السلام قال: نعم الجرعة[51] الغيظ[52] لمن صبر عليها، فإن عظيم الأجر لمن عظم[53] البلاء، وما أحب الله قوماً إلا ابتلاهم[54].

وعنه عليه السلام[55]: ما من عبد كظم[56] غيظا إلا زاده الله تعالى عزاً في الدنيا وعزاً في الآخرة[57].

وعنه عليه السلام[58]: من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه[59].

وعن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أعز الله بجهل قط، ولا أذل بحلم قط[60].
وعن حفص[61] قال: بعث الصادق عليه السلام غلاماً له في حاجة فأبطأ، فخرج عليه السلام في أثره فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا فلان والله ما ذلك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار[62].

ــــــــــــــــ
[1] سورة الهمزة/ 6.

[2] سورة الهمزة/ 7.

[3] الطية تكون نزلا، وتكون منتوي، تقول: مضى فلان لطيته، أي: لنيته التي نواها.

كتاب العين، الفراهيدي: 7/465، مادة "طوي".

[4] منه الحديث: "على ما استكن"، أي: استتر.

النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 206.

[5] سورة إبراهيم/ 15.

[6] فرط في الأمر يفرط فرطا، أي: قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط.

لسان العرب، ابن منظور: 7/ 368، مادة "فرط".

[7] الإفراط: إعجال الشيء في الأمر قبل التثبت. وأفرط فلان في أمره،أي: عجل فيه جاوز القدر. كتاب العين، الفراهيدي: 7/419، مادة "فرط".

[8] الاعتدال: توسط حال بين حالين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل وكل ما أقمته فقد عدلته وعدلته.

القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 13، مادة "العدل".

[9] الخور: رخاوة وضعف في كل شيء، تقول خار يخور خورا، ورجل خوار، وخور تخويرا. كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 302، مادة "خور".

[10] سورة الفتح/ 29.

[11] سورة التوبة/ 73.

[12] أنظر: بحار الأنوار، المجلسي: 70/ 269، كتاب الإيمان والكفر، باب 132 ذم الغضب ومدح التنمر في ذات الله.

[13] الشتم: السب، والاسم الشتيمة.

الصحاح، الجوهري: 5/ 1985، مادة "شتم".

[14] هجم على القوم يهجم هجوما: انتهى إليهم بغتة. وقيل: دخل بغير إذن. وقال الجوهري وغيره: وهجمت أنا على الشيء بغتة أهجم هجوما وهجمت غيري، يتعدى ولا يتعدى.

لسان العرب، ابن منظور: 12/600 ــ 601، مادة "هجم".

[15] الكافي، الكليني: 2/ 302، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح1.

[16] ميسر بن عبد العزيز: بياع الزطي، مات في حياة الصادق عليه السلام، وقيل: ميسر بفتح الميم، من أصحاب الباقر  والصادق عليهما السلام.

وقال الكشي: قال علي بن الحسن: إن ميسر بن عبد العزيز كان كوفيا وكان ثقة.

نقد الرجال، التفرشي: 4/ 446، الرقم 2.

[17] الكافي، الكليني: 2/ 302، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح2.

[18] ثابت بن دينار: أبو حمزة الثمالي، ودينار أبوه يكنى بأبي صفية، كوفي، ثقة، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا الحسن عليهم السلام، وروى عنهم، وكان من خيار أصحابنا، وثقاتهم، ومعتمدهم في الرواية والحديث.

نقد الرجال، التفرشي: 1/ 311 ــ 312، ثابت بن دينار/ الرقم 14.

[19] الإمام الباقر عليه السلام.

[20] أنظر:الكافي،الكليني:2/304 ــ 305،كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ح12.

[21] إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 177، الباب الحادي والخمسون في أخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام.

[22] الإمام الصادق عليه السلام.

[23] الكافي، الكليني: 2/ 303، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح6.

[24] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[25] في الكافي: "يا ابن آدم".

[26] في الكافي: "فلا أمحقك فيمن أمحق".

[27] الكافي، الكليني: 2/ 304، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح 10.

[28] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[29] الكافي، الكليني: 2/ 305، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح13.

[30] الإمام الباقر عليه السلام.

[31] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 303، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح7.

[32] سورة كل شيء: حده.

لسان العرب، ابن منظور: 4/ 387، مادة "سور".

[33] سورة آل عمران / 134.

[34] الزهو: الكبر والعظمة. و المزهو: المعجب بنفسه.

كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 73، مادة "زهو".

[35] الهزل: نقيض الجد. ورجل هزل ككتف: كثيره. والهزالة: الفكاهة.

القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 69، فصل الهاء، مادة "الهزل".

[36] الهزء والهزؤ: السخرية.

لسان العرب، ابن منظور: 1/ 183، مادة "هزأ".

[37] الامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري. والمراء: المماراة والجدل.

لسان العرب، ابن منظور: 15/ 278، مادة "مرا".

[38] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 73 ــ 78، الباب الثالث في الغضب. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 147 ــ 160، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد.

[39] إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 156، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، بيان علاج الغضب بعد هيجانه. ونص الحديث: «إذا غضبت فإن كنت قائما فاقعد وإن كنت قاعدا فأتكئ وإن كنت متكئا فاضطجع».

[40] أنظر: بحار الأنوار، المجلسي: 70/ 272، كتاب الإيمان والكفر، باب 132 ذم الغضب ومدح التنمر في ذات الله.

[41] المصدر السابق.

[42] أنظر: ما ورد في الغيظ والعفو والحلم والاحتمال ما يلي: الكافي، الكليني: 2/ 109، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ، و 2/ 107، باب العفو، و 2/ 111، باب الحلم.  من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 2/ 274. الاختصاص، المفيد: 342. غرر الحكم، الآمدي: 246.  روضة الواعظين، النيسابوري: 2/ 376.

[43] سورة آل عمران/ 134.

[44] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 308 ــ 309، كتاب آفة الغضب والحقد والحسد، فضيلة كظم الغيظ.

[45] في الإحياء: "غلب" بدل "ملك".

[46] إحياء علوم الدين،الغزالي:3/157،كتاب ذم الغضب والحقد والحسد،فضيلة كظم الغيظ.

[47] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:5/310،كتاب آفة الغضب والحقد والحسد،فضيلة كظم الغيظ.

[48] في الحديث "ما أحب بذل نفسي حمر النعم " هي بضم حاء وسكون ميم الإبل الحمر، وهي أنفس  أموال النعم وأقواها وأجلدها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله.

مجمع البحرين، الطريحي: 1/ 573، باب الحاء.

[49] الكافي، الكليني: 2/109، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ/ ح1.

[50] الكافي، الكليني: 2/110، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ/ ح7.

[51] جرع الغيظ: كظمه. وجرعه غصص الغيظ فتجرعه، أي:كظمه.

لسان العرب، ابن منظور: 8/ 46، مادة "جرع".

[52] الغيظ: غضب كامن للعاجز.

الصحاح، الجوهري: 3/ 1176، مادة "غيظ".

[53] في مجموعة ورام: "عظيم" بدل "عظم".

[54] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 189.

[55] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[56] كظم الرجل غيظه: اجترعه.

كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 345، مادة "كظم".

[57] أنظر: مشكاة الأنوار، الطبرسي: 217، الباب الرابع في آداب المعاشرة مع الناس وما يتصل بها، الفصل الحادي عشر في الحلم وكظم الغيظ والغضب.

[58] أي : «الإمام الصادق» عليه السلام.

[59] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5 / 310، كتاب آفة الغضب والحقد والحسد، فضيلة كظم الغيظ.

[60] الكافي، الكليني: 2/ 112، كتاب الإيمان والكفر، باب الحلم/ ح5.

[61] حفص بن أبي عائشة المنقري بالولاء، الكوفي. محدث إمامي. روى عنه عبد الله الحجال.

الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام، الشبستري:1/431/ الرقم 871، المنقري.

[62] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 112، كتاب الإيمان والكفر، باب الحلم/ ح7.

العجب في حقيقته وأقسامه والفرق بينه وبين الإدلال

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

وهو غالباً إنما يقع بعد تصفية العمل من شوائب الرياء، والكلام فيه يقع في فصول:

الفصل الأول: في حقيقته وأقسامه والفرق بينه وبين الإدلال


العجب هو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم[1]. وفي الكافي عن علي بن سويد[2] عن أبي الحسن عليه السلام[3] قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل؟ فقال: للعجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً ويحسب أنه يحسن صنعاً، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمنّ على الله ولله عليه فيه المنّة[4].

ثم إذا كان خائفاً على زوال تلك النعمة مشفقاً على تكدرها أو يكون فرحه بها من حيث إنها من الله فليس بمعجب، بل هو إعظام النعمة مع نسيان إضافتها إلى المنعم، وإذا انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقاً وأنه منه بمكان حتى توقع بعمله كرامة له في الدنيا، واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعاداً يزيد على استبعاده في ما يجري على الفساق سمي هذا الإدلال بالعمل، فكأنه يرى لنفسه على الله دالة. وكذلك قد يعطي لغيره شيئاً فيستعظمه ويمن عليه فيكون معجباً، فإن استخدمه واقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلاً عليه.

وآفات العجب كثيرة، فإنه يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه، ويتولد من الكبر الآفات الكثيرة، ويدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها لظنه أنه مستغنٍ عن تفقدها، ويدعو إلى استعظام العبادات والطاعات والمنة بها على الله، وكفى بذلك نقصاً. ويدعو إعجابه بها إلى التعامي عن آفاتها، والمعجب يغتر بنفسه وبربه ويأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون[5].

ويمنعه العجب عن الاستشارة والاستفادة والتعلم، فيبقى في ذل الجهل.

وربما يعجب برأيه الخطأ في الأصول والفروع فيهلك[6].

الفصل الثاني: في ما ورد في ذمه


قال الله تعالى في معرض الإنكار: ((وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ))[7] وقال تعالى: ((وَظَنُّوا أَنَّهُم مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا))[8] فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم[9]. وقال تعالى: ((الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً))[10] وقال تعالى: ((أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً))[11] وهو يرجع إلى العجب بالعمل[12].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه[13].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب العجب[14].

وقال الصادق عليه السلام: إن الله تعالى[15] علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمناً[16] بذنب أبداً[17].

وقال عليه السلام[18]: من دخله العجب هلك[19].

وقال عليه السلام[20]: إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك، فلئن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه[21].

وعنه عليه السلام[22] قال: أتى عالم عابداً فقال له: كيف صلواتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلواته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا. قال: فكيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي. فقال العالم: إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدلّ إن المدل لا يصعد من عمله شيء[23].

وعنه عليه السلام[24] قال:دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صدّيق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلاً[25] بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك، وتكون فكرة الفاسق في الندم على نفسه ويستغفر الله مما صنع من الذنوب[26].

وعنه عليه السلام[27] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بينما موسى عليه السلام جالس إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلما دنا منه خلع البرنس وقام إلى موسى عليه السلام فسلم عليه. فقال له موسى: من أنت؟ فقال أنا إبليس. قال: أنت فلا أقرب الله دارك. قال: إني إنما جئت لأسلم عليك لمكانك من الله تعالى. قال: فقال له موسى عليه السلام: فما هذا البرنس؟ قال: أختطف به قلوب بني آدم. فقال له موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه؟ فقال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه. وعنه عليه السلام[28] قال: قال الله تعالى لداود عليه السلام[29]: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم، فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك[30].

وقال الصادق عليه السلام في مصباح الشريعة: العجب كل العجب ممن يعجب بعمله وهو لا يدري بم يختم له، فمن أعجب بنفسه وفعله فقد ضل عن نهج الرشاد وادعى ما ليس له، والمدعي من غير حق كاذب وإن خفيت دعواه وطال دهره، فإنه أول ما يفعل بالمعجب نزع ما أعجب به ليعلم أنه عاجز فقير، ويشهد على نفسه لتكون الحجة عليه أوكد ــ كما فعل بإبليس.

والعجب نبات حبها الكفر وأرضها النفاق وماؤها البغي وأغصانها الجهل وورقها الضلالة وثمرها اللعنة والخلود في النار، فمن اختار العجب فقد بذر الكفر وزرع النفاق، ولابد من أن يثمر[31].

الفصل الثالث: في علاج العجب إجمالا


فحيث كانت علة العجب الجهل المحض فالعلاج هو العلم والمعرفة المضادة لذلك الجهل، فليفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادات، فإن العجب بها أبلغ من العجب بالجمال والقوة والنسب مما لا يدخل تحت الاختيار، فيقال له الورع والتقوى والعبادة.

والعمل الذي به يعجب إما أن يكون يعجب به من حيث إنه فيه وهو محله ومجراه، أو من حيث إنه منه وبسببه وقدرته وقوته، فإن كان الأول فهو جهل، لأن المحل مستخر وإنما يجري فيه وعليه من جهة غيره، وهو لا مدخل له في الإيجاد والتحصيل، فكيف يعجب بما ليس إليه. وإن كان الثاني فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وسائر الأسباب التي بها يتم عمله أنها من أين كانت له، فإن كان علم أن جميع ذلك نعمة من الله إليه من غير حق سبق له فينبغي أن يكون إعجابه بجود الله تعالى وكرمه وفضله، إذ تفضّل عليه بما لا يستحقه.

وإن قال: وفقني للعبادة لحبي له، فيقال له: ومن خلق الحب في قلبك؟ فسيقول: هو، فيقال له: فالحب والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك، إذ لا وسيلة لك ولا علاقة، فيكون الإعجاب بجوده تعالى إذ أنعم بوجودك ووجود صفاتك وأعمالك وأسباب أعمالك، فلا معنى لعجب العالم بعلمه والعابد بعبادته والجميل بجماله والغني بغنائه، لأن كل ذلك من فضل الله.

ومن العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله وبجوده وفضله وكرمه وإنعامه[32].

الفصل الرابع: في أقسام العجب وتفصيل علاجه


إعلم أن الإنسان قد يعجب بالأسباب التي بها يتكبر وعلاجه ما يأتي في التكبر، وقد يعجب بما لا يتكبر به كعجبه بالرأي الخطأ الذي تزين له بجهله وفي ما به العجب ثمانية أقسام:

الأول: أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته وقوته وتناسب أشكاله وحسن صورته، وعلاجه التفكر في أقذار باطنه وفي أول أمره وما إليه يكون، وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة كيف تمزقت في التراب واستقذرها طباع أولي الألباب.

الثاني: القوة والبطش، كما حكى الله عن قوم قالوا ((مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً))[33] وعلاجه أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته، وأن البقة والذباب والشوكة تعجزه.

الثالث: العجب بالعقل والفطنة لدقائق الأمور من مصالح الدين والدنيا وعلاجه أن يشكر الله على ما رزقه من العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يختل عقله بحيث يصير مضحكة للناس.

الرابع: العجب بالنسب الشريف كالهاشمي، وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه لحق بهم قد جهل[34]، ويحق أن يقال له:

لـــئـن فــخـرت بـــآبـــاء ذوي نـــســـب[35]***لقد صدقت ولكن بئسما ولدوا[36][37]

الخامس: العجب بنسب السلاطين والظلمة وأعوانهم دون نسب العلم والدين، وعلاجه أن يتفكر في مخازيهم ومساوئهم وأنه ممقوتون عند الله وقد استحقوا النار وبئس القرار.

السادس: العجب بكثرة العدد من الخدم والغلمان والولد والأقارب والعشائر والأنصار، كما قال الكافرون: ((نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً))[38] والعلاج أن يتفكر في ضعفه وضعفهم، وأنهم كلهم عبيد وعجزة ((لا يَمْلِكُونَ لأَِنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا))[39]، ((وَلا مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا))[40] و((كَم مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ))[41]، وكيف يعجب بهم وسيدفن في قبره بعد نزول هادم اللذات ذليلاً مهيناً لا ينفعه ولد ولا أهل ولا صاحب ولا حميم، ويهربون منه ((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ))[42].

السابع: العجب بالمال، كما قال من قال: ((أَنا أَكْثَرُ مِنكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا))[43] وعلاجه التفكر في آفات المال وغوائله وأنه غادٍ ورائح لا أصل له.

ومــــا الــــمــال والأهــــلـون إلا وديـعـــة*** ولابــــــد يــومــاً أن تــــــرد الـــــودائع[44]

وإلى أن في اليهود والكفار من هو أكثر منه مالاً، فينبغي أن يكونوا أحسن منه.

الثامن: العجب بالرأي الخطأ[45]، كما قال تعالى: ((أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً))[46] وقال تعالى: ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))[47] وعلاجه أن يكون متهماً لرأيه أبداً لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وعرض ذلك على العلماء والعرفاء والصلحاء الماهرين[48].

ـــــــــــــــ
[1] الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 96، الفصل السادس في العجب.
[2] علي بن سويد: الظاهر من طريق السند وطبقته في الحديث أنه: علي بن سويد السائي  الثقة. أنظر: رجال الطوسي، الشيخ الطوسي: 359، باب العين / الرقم 6. معجم رجال الحديث، السيد الخوئي: 13/ 56 ــ 57/ الرقم 8199.
[3] الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.
[4] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 313، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب/ ح 3.
[5] إشارة لقوله تعالى: ((أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)) سورة الأعراف/99.
[6] أنظر:الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 97 ــ 98، الباب الرابع في الرياء والكبر والعجب وعلاجهم، الفصل السابع آفات العجب. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 325 ــ 326، كتاب ذم الكبر والعجب، بيان آفة العجب.
[7] سورة التوبة/ 25.
[8] سورة الحشر/ 2.
[9] إحياء علوم الدين،الغزالي: 3/ 325، كتاب ذم الكبر والعجب،بيان ذم العجب وآفاته.
[10] سورة الكهف/ 104.
[11] سورة فاطر/ 8.
[12] إحياء علوم الدين،الغزالي:3/325،كتاب ذم الكبر والعجب،بيان ذم العجب وآفاته.
[13] عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 273، الفصل العاشر في أحاديث تتضمن شيئا من الآداب الدينية/ ح96.
[14] شرح أصول الكافي، المازندراني: 8/200. بحار الأنوار، المجلسي: 69/329، كتاب الإيمان والكفر، باب 119 ذم الشكاية من الله وعدم الرضا بقسم الله / ح 12. وفي ذيل الحديث: "العجب" مرة واحدة.
[15] ليس في الكافي: "تعالى".
[16] في الكافي: "مؤمن" بدل "مؤمنا".
[17] الكافي، الكليني: 2/ 313، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب/ ح1.
[18] الإمام الصادق عليه السلام.
[19] الكافي، الكليني: 2/ 313، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب/ ح2.
[20] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[21] الكافي ، الكليني : 2 / 313 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العجب/ح4.
[22] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[23] أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 206.
[24] في الكافي: "عن أحدهما عليهما السلام" أي: "الإمام الباقر عليه السلامأو الإمام الصادق عليه السلام".
[25] المدل، بكسر الميم: الرجل الخفي الشخص. الصحاح، الجوهري: 5/ 1818، مادة "مدل".
[26] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 314، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب/ 6.
[27] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[28] أي: "الإمام الصادق عليه السلام" والحديث متصل مع ما قبله.
[29] نبي الله داود عليه السلام: هو داود بن يسى، وقيل: إيشا بن عوبيد بن بوعز، وقيل: عامر، وقيل: ياعز بن سلمون بن أحشون، وقيل: نحشون بن عمينا  داب، وقيل: عويناداب، من سلالة إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ومعنى داود بالعبرية: الحبيب. ولد في بيت لحم بفلسطين حوالي عام 1033 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وقيل: قبل الميلاد بـ 1071 سنة، وقيل: 1086 سنة قبل الميلاد. ولم يزل متصدرا للنبوة والملوكية في بني إسرائيل أربعين سنة حتى توفي فجأة في أورشليم يوم السبت، وقيل: يوم الأربعاء، حدود عام 962، وقيل: عام 1015 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، بعد أن عمر 100 سنة، وقيل: 77 سنة، وقيل: 71 سنة، وقيل: 80 سنة، وقيل: 120 سنة، فدفنوه في مدينة داود على جبل صهيون بفلسطين.
أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري : 361 ــ 364، نبي الله داود عليه السلام.
[30] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 314، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب/ ح8.
[31] أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام:81، الباب السادس والثلاثون في العجب.
[32] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 99 ــ 100، الباب الرابع في الرياء والكبر والعجب وعلاجهم، الفصل التاسع علاج العجب. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 325 ــ 326، كتاب ذم الكبر والعجب، بيان آفة العجب.
[33] سورة فصلت/ 15.
[34] في تفسير عليّ بن إبراهيم: حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفرعليه السلام: إن صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها. فأقبلت. فقال لها عمر: غطّي قرطك! فإنّ قرابتك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنفعك شيئا. فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا بن اللّخناء!؟ ثمّ دخلت على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. فأخبرته بذلك و بكت.  فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فنادى: الصّلاة جامعة! فاجتمع النّاس. فقال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع!؟ لو قد قمت المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم. والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. تفسير القمي، القمي: 1/ 188، تفسير سورة المائدة، أقسام الصوم. وفي مجمع البيان: و قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ حسب ونسب  منقطع، إلاّ حسبي ونسبي. مجمع البيان، الطبرسي: 7/ 211، تفسير سورة المؤمنون. ونشير ههنا بإيجاز أننا أوضحنا منابع المؤلف السيد عبد الله شبر (قدس سره) في كتابه هذا عن الفيض الكاشاني من مصنفاته، وهذا الأخير قد اعتمد بالأخذ على الغزالي وقد حدث مزج وخلط بين عقائد المدرستين حين النسخ دون الإشارة إلى ذلك، فأوجزنا الإشارة لعدم الإطالة.
[35] في البيت النص: "ذوي حسب".
[36] البيت لابن الرومي.
[37] ديوان ابن الرومي، ابن الرومي: 2/ 305، حرف الدال/ الرقم 660.
[38] سورة سبأ / 35.
[39] سورة الرعد/ 16.
[40] إشارة إلى قوله تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً)) سورة الفرقان/3.
[41] سورة البقرة/ 249.
[42] سورة عبس/ 34 ــ 37.
[43] سورة الكهف/ 34.
[44] البيت للشاعر: لبيد بن ربيعة العامري، المتوفى 41 هـ، أحد أصحاب المعلقات. ديوان لبيد بن ربيعة، لبيد بن ربيعة: 56، البيت ضمن قصيدة يرثي فيها أربدا أخاه.
[45] أنظر: أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 180 ــ 182. جامع السعادات، النراقي: 1/ 371 ــ 377، علاج العجب إجمالا وتفصيلا. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 329 ــ 332، كتاب ذم الكبر والعجب، بيان أقسام ما به العجب و تفصيل علاجه.
[46] سورة فاطر/ 8.
[47] سورة الكهف/ 104.
[48] مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ أَنَّهُ حَضَرَ ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ اخْتِلافِ الْحَدِيثِ، يَرْوِيهِ مَنْ نَثِقُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا نَثِقُ بِهِ، قَالَ: إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِداً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَإِلاّ فَالَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ أَوْلَى بِهِ. الكافي،الكليني:1/ 69،كتاب فضل العلم،باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب/ح2.

الحسين الشهيد في روائع التضحية

بقلم: محسن جمال الدين

استعرض الفكر حكمة الفيلسوف الفرنسي الشهير (باسكال) اذ قال ( في النور الضئيل يكتب انصار الحرية وتحت ظلال السيوف يعمل رجال العقيدة وعلى نغمات اجراس السجون يسير ابناء الثورة ).
ولقد كتب ابو الشهداء (عليه السلام) التضحية على نور الحق اللامع، وكتب سطور المجد، وجمع صفحات الخلود وصنع كتاب الاباء، وطالب بالحرية والحرية شيء ثمين غالي، ونشيد الانطلاق والانطلاق فكر حر وعقيدة راسخة وسعي لتحرير يحتاج لنضال وكفاح وجلد، هذا وهو لم يكتب ولم يسطر ولم يجمع تلك الاحرف النورانية بنور خافت ضئيل بل بشعلة لامعة وهاجة تنير سبل الضالين، وتهدي طرق التائهين، ممن يتعرفون الى معاني الجهاد ولم يتفقهوا دروس العمل.
ومن بين شفار السيوف الحادة التي بعثها الباطل وسممها التزييف والتسويف وارسلها الاستبداد والمال وناضل الحسين (عليه السلام) عن عقيدته الناصعة وخلف من وراءه التاريخ العربي الاسلامي والنفوس المعتقدة بالايمان الصادق يلهجان بذكراه وينشدان اناشيد بطولته الرائعة ويذكران آيات حكمته الطيبة، ويرفعان رايات ثورته الحمراء الدامية التي سارت على النور ومشت على السيوف البيض وتفننت على الاجراس الناعمة المهدهدة للقلوب المنعشة للأفئدة الباعثة للرقود الموقظة للاموات.

الحسين ايها السادة:
يجب ان لا يذكر بالحزن الممض وحده بل بالاعجاب الوافر والفخر العظيم. فهو قد غرس شجرة الحرية بدمائه. واثمرت خير الثمار الا وهو العقيدة والمبدأ.
العقيدة على ان الشباب العربي والاسلامي اليوم –ورجالات الغرب المستشرقين اخذوا يتحسسون ذكرى الشهيد لا لأنها تبعث الألم والحزن واللطم واللوعة وحدها بل لانها تشيد البناء القائم الراسخ على العمل وتشيده على انقباض الاستكانة والخمول والندب والعويل.
اما المبدأ فهو مبدأ التضامن بين طبقات الامة على اختلاف طبقاتها واجناسها. مبدأ الأخوة والمحبة. مبدأ السعي واليقظة.
حتى تعاد ايام محرم الحرام والشعب في اهنأ العيش وفي وارف العز وتحت اردية الصحة وفي مدراج العلم، وبين وافر الخيرات… وهناك يحتل الشباب الصدارة ويرسلون الالحان الى كافة العالم ترددان ايام الحسين الشهيد (عليه السلام) هي ايام العز وساعاته ساعات اليقظة وذكراه ذكرى الامجاد.
وانني من لبنان هذا البلد العربي الجميل: ارسل هذه الصرخة وهذا النداء مغتنماً هذه الفرصة السانحة الكريمة للتعبير عن خوالج وخواطر شاب عربي عراقي يشارك اخوانه النابهين واخوته العاملين ((لجنة الشباب النجفي)) في تقديم احر الرغبة ومنتهى التجلة الى المثاب بطل العروبة والاسلام رجل العمل مولانا سيد الشهداء (عليه السلام).
الذي استمد من قوة ايمانه هذه الكلمة المختصرة. وآخذ من مجال خلوده هذه النفحة العابقة واسطر على ضوء انواره وعلمه هذه الاحرف المثبتة. لتتلى على جمع محب وعلى مسامع واعية ممن حضروا واقاموا هذا الاحتفال مستخلصاً منها ان تكون هي وما سبقها ولحقها عظة وعبرة وهداية وارشاداً الى طريق التحرر والى ميدان العمل والنشاط والى بوادر الخير منشداً مع الشاعر العربي الفلسطيني المجاهد قوله:

 فاما حياة تملأ الارض عزة
واما ممات يترك الطير ناعياً 

الــوثبة الحسينية

بقلم: خليل رشيد

 وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
 

عشاق الحرية هواة العدل والإنصاف هذا اليوم وقف بن علي حسين الطهر والفضيلة قبالة اشياع يزيد الرجس والرذيلة مندداً بأعمال الخليفة الأموي وبطانته: بمثل هذا اليوم وقف حسين المجد والشرف متوسطاً تلك الجموع الزاخرة التي يناضل من أجل حرياتها ويسعى في سبيل اسعادها وهي شاهرة في وجهه سيوف البغي والعدوان فلم يأبه ذو النفس الأبية بتلك السيوف المشهورة في وجهه ولا بالجموع المحتشدة لقتله حيث ساءه أن يرى وهو بن علي صرح العدل والإنسانية والإخلاق والمساوات والحق وما ينظم تحت الدين ينهار بالمعاول الأموية. ساءه أن يرى الحق مضاعاً والأمن مشوشاً والظلم سائداً ولا من مذكر ساءه أن يرى الخليفة تضرب من دونه الخمائل والستور وتقف عند بابه الحجاب والنواب ترد ذوي الظلامات والحاجات عن رفع ظلامتهم وحاجتهم: ساءه ان يرى تركيز بيت مال المسلمين بيد حفنة من ذوي الجاه والسلطان تلعب به كيف تشاء وتضعه حيث تريد ولامن رادع أو وازع. ساءه أن يرى حرمان الطبقة الكادحة وهي الشعب كله حتى من العيش تلك الطبقة التي تنسج القز والحرير لتلبس غيرها وتعرى هي تلك الطبقة التي تبني القصور الفخمة وتشيد البنايات الضخمة لتنام هي في العراء تلك الطبقة التي تزرع ما لذ وطاب من الخيرات وتقدمه للطبقة الخاصة لتأكل هي الذرة والدخن أجل رواد الحقيقة: وثب بن علي روحي فداه في وجه تلك الطغمة الغارقة في البذخ والترف والنعيم والمستغلة لآتعاب الملايين الغارقة في الجهل والفقر والمرض ليظهر للملأ أن ليس هذا من الدين في شيء حيث قال عز من قائل (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)وقال جلت قدرته ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) وقال تعالى ( وما غنمتم من شيء فأَن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).

أجل ايها الجمع الكريم: وثب الحسين روحي فداه في وجه السلطة الزمنية الحاكمة ليقطع الفساد من جذوره وينتشل ذلك المجتمع المريض من تلك الهوة التي حدرته اليها بنو أمية وذلك بتحطيم العرش الأموي ونيل تاج يزيد غير مبال بالتضحية في سبيل اسعاد البشرية وانقاد الإنسانية من المخلب الأموي جاعلاً دمه الزكي شعاراً للحرية وأحسن من وصف وثبة الحسين كاتب لا أذكره الآن حيث يقول ( فأتخذ الحسين من نفسه لغماً انفجر تحت الصرح الأموي): فليس بالكثير أن تساقط العيون دموعها وتصاعد الصدور زفراتها لمثل هذا المنقذ العظيم ألا ولمثل هذا فليعمل العاملون.

طبيعة الخلود في الجهاد الحسيني

بقلم: عبد الغني شوقي

تفتقر الأمم كلما هبت عليها رياح الفتن وغشيتها دياجي الظلال الى زعامة دينية سديدة ترد اليها يقينها ويهديها الى محجة الصواب وتجنبها مزالق الغواية، ولم يكن المسلمون في سائر عصورهم يفتقرون الى الزعامة الدينية الرشيدة مثل افتقارهم اليها في الآونة الحرجة التي اغتصب فيها الطاغية يزيد منصب الخلافة العظمى وأكره المسلمين على أن يلقبوه بأمير المؤمنين وهو أبعد الناس عن ذلك اللقب.
ولقد كان من مهازل الدهر وعجائبه ومنكراته أن يتبوأ يزيد مرتبة الخلافة وهو على ما هو عليه من ارتكاب الفواحش وتظاهر بالفسق واستخفاف بالدين وأهله. ففي ذلك الوقت الذي تحكم فيه يزيد بمصائر الأمة العربية بمقتضى اهوائه الدنيئة ونزعاته الشيطانية كانت الأمة على مفترق طريقين: اما أن تخضع ليزيد خضوعاً يسوده الجهل واليأس فتفتقد اعز ما تتباهى به من عقيدة وكرامة، واما أن يظهر فيها الزعيم الديني الذي يقودها الى سواء السبيل فينقذها واذاً فقد كانت حاجتها الى الزعيم الديني كحاجتها الى سائر عناصر الحياة ولم يكن ذلك الزعيم المنشود سوى الحسين (عليه السلام).

رأى الحسين ما جره حكم معاوية بن أبي سفيان من مساوئ على المسلمين وفطن ببصيرة الإمامة الى أن تلك المساوئ لا تكاد تذكر بجانب المساوئ التي تنتظر المسلمين من جراء طغيان يزيد، وأبصر الحسين (عليه السلام) ما حوله من سائر أقطار المسلمين الذين يجب أن يؤازروه في مقاومة يزيد وهم ما بين حائر منعزل أو خائف مصانع فأنفرد بالنهوض باعباء الزعامة الدينية مستجيباً لمبدئه ومحققاً لآمال الجماهير الإسلامية المعقودة عليه فوقف في وجه يزيد وعصابته مدافعاً عن الدين ذاباً عن كرامة المسلمين متحملاً في سبيل ذلك أشد مما تحمله سائر الصديقين والشهداء، وكيف لا يكون تحمله أشد وقد فقد في ميدان الطف نفسه وأنفس انصاره وأهل بيته حتى طفله الرضيع، ولكنه انقذ الدين وايقظ المسلمين.
فبهذا الجهاد والحسين المنقطع النظير قد اكتسب بحق وجدارة طبيعة الخلود، فلا عجب اذا كان أثره خالداً في نفوس المسلمين جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر.

كيـف نفـهم ذكــرى الحسين (عليه السلام)

بقلم: عبد الصاحب جواد الفضلي

1-في ذكريات العظماء والعباقرة… آفاق رحبة، تقف عندها الأمم لتتقظ وتعتبر وتتذكر… فهي كما عبر عنها بعض المفكرين ( علامات مرورية) وضعت على مفترق طرق لتستطيع الأمم في مسيرتها أن تواجه الواقع وجهاً لوجه.. ومن ثم تسير في دروبه بسلام متسلحة بالضمانات الواقية لحين تحقيق الهدف المنشود وبلوغ الغاية.
والى هنا حيث اتضحت لنا بجلاء خطورة هذه الذكريات وأهميتها.. في مجال بعث الحياة في روح الأمم واثارة العزم والمواصلة في نفوس ابنائها.
اقول الى هنا حيث اتضحت لنا جميعاً أهمية هذه الذكريات فنحن مدعوون جميعاً الى ان نتفهمها تفهماً واقعياً لنستطيع أن نستفيد منها مجال تقويم الواقع وانعاشه.

2-وعند حلول شهر محرم الحرام في كل سنة تقف الأمة الإسلامية امام ثورة الحسين وجهاً لوجه فتتذكر.. وتتعظ.
تتذكر بالرسالة المفروضة على كل فرد من افراد المسلمين في جميع مجالات الحياة.
وتتذكر ان دولة الباطل لا محالة زائلة ولا تستطيع أن تصمد امام واقع الحياة الحقة.
وتتذكر تلك المجزرة الرهيبة فتعرف من آمن وضحى فبدد ظلمات الكفر عن سماء المجتمعات واعلن عن بزوغ فجر الحق وتعرف من انحرف وشط عن الحق فبات لعنة للأجيال ورمزاً للإنحراف والطغيان.
ولكن مهلاً فالأمر ليس يقتصر على هذا التذكر والتوعيظ بل ان هذا التذكر والتوعيظ لا تجدي ثماره اذا لم تتم بعده المرحلة الثابتة واعني بها صياغة هذا التوعيظ وبرمجته في واقع السلوك كنموذج مثالي احتفظ به التاريخ عن كل النماذج الثورية الأخرى للمسلم الواعي.

وهذه – كما اتصور- تتطلب منا ان نتفهم هذه الذكرى المؤلمة تفهماً عميقاً.. تفهم واقعي بحيث تستطيع ان تبرعم في نفوسنا روحاً حسينية… تثور على القيم البالية والأجواء اللإسلامية والواقع المنحرف.
يقول مستشرق فرنسي عند زيارته الى احدى مدن الهند وقد شاهد هناك عشرات من مجالس التأبين والعزاء في هذه المناسبة الأليمة يقول:
( حضرت احدى مجالس التعزية في الهند فسمعت الخطيب يقول ايها الناس ان سيدنا ومولانا ومقتدانا أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) قد ضحى بنفسه وأهله وعياله وأطفاله ولم يعط بيديه اعطاء الذليل ولم يفر فرار العبيد… اما انا فعلمت ان الخطيب يلقي على القوم درساً بليغاً انه يقول لهم يا أهل الهند اذا أردتم ان تكونوا احراراً وان لا يكون للأجنبي سلطان عليكم فأقتدوا بمثل هذا الرجل العظيم، ولكن الخطيب والمستمعين- على حد قول هذا المستشرق- لا يدركون مغزى هذا القول ولا يفكرون إلاّ في البكاء أو التباكي والثواب الأخروي وهم لا يعرفون أن كل عمل مادي لابد من ان يكون له نتيجة مادية ايضاً مضافاً الى الثواب )).

وليس العسير علينا- نحن المسلمون- أن نتفهم ثورة الحسين ودوافعها ونتائجها بقدر ما نلاقي من صعوبة وعسر في تفهم هذه الذكرى واستثمار عطاءتها الحيوية في تغيير الأجواء اللإسلامية على مرِّ الزمن.
وقد استمعتم الى حديث المستشرق الفرنسي في هذه المناسبة بالذات والذي كان مؤكد لحديثي هذا فالمسيرات الشعبية والشعائر الحسينية التي تقام هنا وهناك ما هي في الحقيقة إلاّ نوع مؤكد على ضرورة التذكرة والتوعظة ومن ثم خلق نماذج حسينية في كل جيل لا اسلامي ليستطيع ان يعبر هذا الجيل عن ارادته الفطرية في التغيير.. في التطلع نحو شمس حياة اسلامية مشرقة.
فمن هذا الأساس ترون خطورة وأهمية هذه الذكرى عن باقي الذكريات الإسلامية الخالدة.

وحديث آخر لمستشرق في هذا المجال يقول (  ان مجالس التعزية (مؤتمرات مجانية) فحسب المرء أن يعلن عن عزمه على اقامة المجلس الفلاني للعزاء في المكان الفلاني أو الساعة الفلانية فيقصده الناس من كل جهة فلا يكلفه ذلك غير قليل من السكائر والقهوة.. فما أكثر المؤتمرات المجانية عند المسلمين ولو أنهم أرادوا الإستفادة منها في دراسة شؤونهم ومعالجة مشاكلهم في وقت لا نستطيع فيه نحن الغربيين اقامة مؤتمراً من افراد معدودين إلاّ بشق الأنفس وبذل الجهد والمال ) ان تفهمنا لهذه الذكرى ومواكبتنا اليها في التطلع نحو حياة حرة.. نحو حياة سعيدة.. تلزمنا ان نطبق هذا الإتجاه الثوري كدستور لانطلاقتنا عليه.. حديث ساقه مستشرق جاء هو الآخر مؤكداً على ضرورة وخطورة هذه الشعائر والظواهر الحسينية.

ولكن أتساءل بحرارة…
ماذا استفدنا من هذه المؤتمرات المجانية التي تقام في مجتمعاتنا في كل يوم وليلة..!
فأين وحدة الكلمة ورص الصفوف وأين التضحية والجهاد..؟ أين العقيدة والكفاح في سبيلهما..؟
لنكن صرحاء في الحديث.. فهذا أجدى لنا وأثمر انها مرآة ترينا سلوكنا بوضوح لنتلافاها في مسيرتنا الصاعدة.
وبكلمة قصيرة: أين من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر..؟

انني اعتقد جازماً بأنه من النادر أن نجد اشخاصاً درسوا سيرة هذا العظيم.. هذا الثائر على النحو الذي يجب أن تدرس بها حياة عظيم.. ثائر مثله.
كما اعتقد جازماً بأنه من النادر ان نجد اناساً فهموا عطاءات هذه المواكب والشعائر والمسيرات الحسينية التي تقام هنا وهناك في ربوع العالم الإسلامي.
فلو درسنا هذه العطاءات بعد دراستنا العميقة لحياة هذا العظيم لكان حال الأمة الإسلامية غير ما عليه اليوم.

السعادة الخالدة في مبدأ الحسين (عليه السلام) ونهضته

بقلم: محمد صفي الدين الحسيني
ليست السعادة في بناء قصور شامخة وجنائن يانعة وخزائن قارونية إذ كلها تنهار ولا في جلال جمال مزان بتيجان يذهب شعاع سناها الأبصار وكلها تذبل.
ولا في سلطة وسلطان يتسع سير الأمر والنهي فيهما اتساع مسير النيرين وكله عرضة للزوال. أجل ليست السعادة في هذه المتع لذاتها وبما هي هي.
بل السعادة في معرفة الحق ونصرته والعدل وسيرته والجهاد فيهما، وحب الخير وعمله والتضحية بالمال والأهل والنفس في سبيل الواجب ونزع رداء الكبرياء والعجب للمثول بالخلق الجميل.

السعادة في قيادة الأمة ورفع مستواها لنيل خير الدارين في كبح جماح الظلم عنها في تحطيم أنياب الظالم المستخف بحرمة الشرائع والأنظمة في تجنيد المثل العليا بالعلم والعمل لتحويل الألم ألى أمل والكبوة والغفلة الى وثبة جبارة وثورة فعالة تسحق عروش الإستبداد في تلبية صوت الحق للقيام بفكرة الفنان المبدع لتوحيد الميول إلى أسمى مطامع العزة والإباء والعبقرية والشمم وبعث النفوس من أعماقها لحب الفناء في مرضاة خالقها وحماية شعائر دينها وشرف عرضها وكرامة أوطانها في هذا السبيل ولهذه الغايات الشريفة كانت الوثبة الهاشمية والنهضة الحسينية حيث طغت الغفلة على الإنتباه والأوهام على الحقائق والظلمة على النور ودولة الباطل على الحق وصولة الجائر على العدل حيث تاهت الإنسانية تتخبط في سراديب الظلمات المطبقة الملتوية المتعفنة برذائل شهوات النفوس المنحطة سعياً وراء خيال سعادة موهومة.
وأرتفع الكامل بالإنسانية عن ذلك الأفق المظلم والمرتع الوخيم إرتفع ناظراً بمدارك العقل ونور العلم الى السعادة الخالدة سائراً في طريقها المنير المستقيم المعبد العباق بطيب كمال النفس الرفيعة المحفوف بجداول ينابيع الحكمة شاكراً مولاه على ما اولاه والكامل في انسانيته الشاكر لمولاه قليل في كل زمن وقليل من عباد الله الشكور.

إرتفع الحسين (عليه السلام) بنفسه العالية وصحبه عن مساوي سلطان النفوس المنحطة ليفتح للأمة طريق المجد الخالد والسعادة الدائمة ورأى لزاماً عليه خروجه من حرم جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كخروجه من حرم الله المعظم كي لا تنتهك حرمة أحد الحرمين.
خرج متوجهاً نحو العراق بأثقال بيت الوصي وتراث النبوة وشعار الإمامة واعلام الشرف والعزة تخفق عليه كخروج موسى خائفاً يترقب.
وعلى مقدار ارتفاع الحسين (عليه السلام) اللأمتناهي بآله وبمن والاه في سماء الفضائل والكمال كان انخفاض طاغية أمية بآله وأتباعه في حضيض الرذائل والفحش والفجور حتى غرقوا في أوحال المتع الدنسة ولفظوا على أبوابها أنفاسهم.
توجه السبط مرتفعاً ونفس أبيه بين جنبيه يستعذب الموت في سبيل استقامة الدين وأقتلاع الأسلاك الشائكة من طريقه وتطهير أرضه وسمائه من جراثيم أوباء فساد السلطة الأموية الفتاكة المنتشرة التي حنضلت ذوق الحجاز ومصر والشامات ونخلات العراق.

العراق الذي تجند بحلاوة الإيمان وفيض الشهامة ونجدة العروبة تحت الراية الحيدرية قبل حين مجاهداً حتى أحرز النصرة بواقعة البصرة وأخمد أنفاس الشياطين يوم النهروان وصفين.

وليس العراق بمر المذاق لأهل بيت النبوة كغيره. أوجف يوم صراع الحق والباطل والخير والشر يوم واعية الطف حينما أرجف ابن زياد بأشرافه وحال بينهم وبين نصرة الحق بالحبس والقتل والتهديد والوعد والوعيد بمعونة الحرورية واشياع الأموية.
اختار الحسين (عليه السلام) من العراق كربلاء على انها رمز كرب وبلاء طالت به على سواها وعلت، حل بها السبط مستبدلاً موارد عذب فراتها بورود مناهل الصبر على طعن الرماح وبضع السيوف بأصحابه وأسرته وأبنائه وأخوته ونفسه مستعذباً مرارة كل خطب وألم في سبيل احقاق الحق ورفع منار الشرف الهاشمي والشرع الأحمدي والشمم العربي ضارباً بموقفه الذي لم يزل مفرداً في التاريخ المثل العليا بالحكم البالغة بقوله والحكم الفاصل بعمله حيث انفجرت براكين البغي والظلم والطغيان والحقد القديم والعدوان من عرش أمية في الشام وتاه يزيد بتفكيره وضل في تدبيره واستباح بجيوشه الجرارة أعظم الحرمات وداس بحوافر خيول ضلاله وبدعه مقدسات الشرائع وسود بمساوئ أخلاقه ومخازي فحشه وجه الكرامة العربية والسيادة القرشية وتغطرس في هواه واستشعر رداء الكبرياء فأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر واقتلع من تخوم أرضه بذور شجرته الموصوفة في كتابه وجعله لعنة الأولين والآخرين.

ولأن تكن أصابت سهام واقعة الطف مضارب الحسين (عليه السلام) وجسمه الشريف فقد فتكت بروح طاغية أمية وأدمت قلبه وهدمت علاه ومجده وأجتثت أرومته فلا عين ترى شخصاً ولا إذن تسمع صوتاً ينتسب اليها فأما اجتثاث أرومة وقطع دابر أو قبح سيرة كاشف عن خبث سريرة يتهرب العامل من الأنتساب اليه فآية من آيتين وكرامة من كرامتين يثبتها العقل بعد الأنتباه والتحليل لسيد الشهداء سبط الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
فالسعادة الخالدة إذن في مبدأ الحسين (عليه السلام) ونهضته.
والأمة السعيدة أمة تقتفي أثره وترد قوله (لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما…).

أرفع كلمتي هذه الى من لهم الفضل علينا بما قاموا به من إحياء ذكرى سيد الشهداء بهذه الصورة التي تتمشى مع ميول الثقافة العالمية فهي جهاد في ميدان الثقافة تتصرف فيه الأفكار مرشدة من لا يزال يرى هذه الذكرى سداً في طريق الوفاق والتقدم الى ما تبعثه في النفوس من الأنتباه للإقتداء بسيد الشهداء عليه السلام.

عِبرة وعَبرة في ذكرى سيد الشهداء

بقلم: عباس جودي

ايها السادة لقد قضي الأمر، ووقعت الواقعة، وانجلت معركة الطف الدائرة بين أنصار الحق والخير والفضيلة، ودعاة السوء والباطل والرذيلة، وبين جنود العدل والنور، وجيوش الظلم والظلام عن مصرع امام الشهداء وفخر الإنسانية في التضحية والشهامة والإباء، أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ومصرع الأنجاد المغاوير من آله وأنصاره، تسفي عليه الريح في العراء، وتبكيهم الملائك في السماء، بل بكتهم السماء بوكفها وإحمرارها، والأرض بآكامها وأحجارها، وحتى الوحوش في آجامها وأوجارها، وعن جزع الفواطم وحيرتهن وذعر الأطفال وعويل اليتامى في ذلك المهمة القفر والموقف الرهيب في البلد النازح الغريب.

وراح الجيش المبتهج بالنصر المزيف والظفر المؤقت يقرع الطبول ويضرب بالصنوج مسرعاً في سيره نحو الشام حيث يعتصم طاغيته الرعديد، وطاغوته الأرعن البليد، يجرجر خلفه السبايا من عقائل هاشم وبنات محمد، ويحمل اليه ذلك النبأ المرعب الأثيم، نبأ اندحار جيوش الحق، وانتحار جنود الفضيلة، وليستنجزه وعوده وأمانيه من غرض زائل وعطايا تافهة لا تلبث أن تذوب وتتلاشى في حمأة الرذيلة والشهوات، الشهوات الدنيئة التي جبلت عليها نفوس ذلك الجيش المجموع من سفلة الأوباش والأذناب، وطبعت عليها نفوس قادته الذين أرخصوا ضمائرهم في سبيل شهواتهم، وباعوا آخرتهم بدنياهم وفضلوا عرض الجاه والسلطان على جوهر الدين والإيمان.

الى هذا الموقف الحاسم – ايها السادة- انتهت معركة الطف منذ ثلاثة عشر قرناً وسبع سنين عدداً، فلمن كان النصر المؤزر بعد ذلك ..؟ ولمن كان المجد والخلود..؟ أللحسين الشهيد، أم ليزيد الظالم العنيد..؟
هنا يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( أبي الشهداء) ((وقد بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه وابعد غايته، فأنتصر الحسين بأشرف ما في النفس الإنسانية من غيرة على الحق وكراهة للنفاق والمداراة وانتصر يزيد بأرذل ما في النفس الإنسانية من جشع ومراء، وخنوع لصغار المتع والأهواء)).

لقد انتصر يزيد في جولة من جولات الباطل الفاشلة وفلتة من فلتات الزمن الغادرة ولكن ( الحق يعلو ولا يعلى عليه) ولو بعد حين، ( والظلم لا يدوم فإن دام دمر).

اذا شاء القدر العادل مرة أخرى وفي بضع سنين فقط أن يظهر الحق فيدمغ به الباطل وأن ينصر الفضيلة فيقمع بها الرذيلة، وأن يديل الظلم والجور ويزلزل أركانها فيبعث رجلاً من ثقيف هو ( المختار) ابن أبي عبيد يؤازره قوم عرفوا بالتوابين اتخذوا الأخذ بثارات الحسين وآله شعاراً لثورتهم التي قاموا بها ضد البغي والطغيان، فنصرهم الله نصراً عزيزاً، ومكنهم من أولئك المجرمين فمثلوا بهم وجزوهم مثلما فعلوا، وما كان ربك بظلام للعبيد، وكذلك يجزي الظالمين.
ثم تلاحقت الثورات وتعاقبت الدعوات وكلها تتذرع بذريعة واحدة هي (( فاجعة الطف)) وتتخذ شعاراً واحداً هو أسم الشهيد الأعظم، فلم يمض نصف قرن على تلك الفاجعة العظمى والمصيبة الكبرى إلاّ وأنهارت أعظم امبراطورية عربية على وجه الكرة الأرضية، ذلك لأن تلك الفاجعة الأليمة كانت أشبه (بالديناميت) وضع في اساس تلك الدولة التي قامت على الظلم والبغي والغصب فنسف كيانها وهدَّ بنيانها وتركها أثراً بعد عين، ولم يبق لأولئك الذين خيل اليهم أنهم انتصروا على جند الله وسيوف الحق في تلك الملحمة التاريخية الموجعة غير الذكر السيء والأسم المقرون باللعنة والخزي والعار لتسويدهم صفحات التاريخ الإسلامي تلك الجريمة الشنعاء والجريرة النكراء، وما أعقبها من جرائم لا تقل عنها بشاعة وشناعة، كجريمتي هدم الكعبة واستباحة مدينة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
تلك عاقبة الذين ظلموا، وفي ذلك لعبرة لقوم يعتبرون.

هذا ما كان أيها السادة- من نتيجة منتظرة وعاقبة سيئة مقررة لتلك الفئة الباغية والعصابة الطاغية التي حاربت قلبها لأجل بطنها وحاربت ربها لأجل منافعها وشهواتها، وبئس العاقبة وبئست النتيجة.

اما العاقبة التي صار اليها الشهيد الأعظم الحسين بن علي (عليه السلام)، الحسين الذي سخى بنفسه وضحى بأولاده واخوته ورضي بسبي حريمه وأطفاله، وذلك في سبيل اعلاء كلمة الله وشأن الدين ورفع منار الحق وراية الفضيلة، الحسين الذي خط لبني الإنسان طريق التضحية والتفاني في سبيل المبدأ والكرامة والعزة وعلمهم القيام في وجه البغي والعدوان، فقد انتصر انتصاراً أبدياً وبقي أسمه الكريم وسيبقى الى أبد الآباد محاطاً بهالة من التقديس والإجلال والإعجاب من قبل المسلمين وغيرهم، وكذلك شأن الشهداء الذين باعوا أنفسهم رخيصة في سبيل نصرة الحق ومبدأ الحسين.

وليس أدل على انتصار الشهداء في تلك المعركة الخاطفة من اهتمام العالم الإسلامي بتخليد ذكراهم وتمجيد اعمالهم على كرِّ العصور ومر الدهور، وتقديس قبورهم الطاهرة واقامة المباني الفخمة والقباب الرفيعة عليها المآذن السامقة من الذهب الأبريز والحجر النفيس، وزيارتها في كل مناسبة وفي غير مناسبة للتبرك بها والتقرب الى الله تعالى بمن حل فيها، تلك القباب المقدسة الزاهرة التي يقول عنها كاتب العرب وأديب القاهرة ( العقاد) ما نصه (( فما أظلت قبة السماء مكاناً قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء)) ويقول أيضاً (( فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متفقين ومختلفين، ومن حقه أن يطيف به كل انسان لأنه عنوان قائم لاقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي على سائر الأحياء)).

وأخيراً أيها السادة فما هذه المآتم والإحتفالات، وما هذه المجالس والزيارات ، إلاّ مظهراً من مظاهر ذلك الإنتصار الروحي الذي توخاه الحسين الشهيد من وراء استشهاده وتضحيته لأنها خير واسطة لنشر حقائق الدين وتعاليمه وأرشاداته وتهذيب النفوس وصقل العقول بما يجري فيها من مواعظ وحكم وما يروى فيها من سير الأبطال من المسلمين الذين خدموا الدين وذادوا عن حياضه ونشر لوائه في أركان المعمورة ولا يبغون من وراء ذلك إلاّ الأجر والثواب من الله، فهي في الحق مدرسة جامعة للشعوب الإسلامية جمعاء فأجدر بها أن تقوم وتبقى ما دامت الأرض والسماء.

دروس بليغة في التضحية

بقلم: علي الملا ضامن
ما أعظمك يا يوم عاشوراء وما أفدحك وما أجلك بل وما أقساك وما أخطرك بل وما أفجعك.
عظيم لأنك أمليت دروساً بليغة في التضحية يعجز عنها وصف الواصفين وعلمت العظماء عظمة المبادئ وكيف أنه يجب التضحية من أجلها.
عظيم وكيف لا تكون عظيماً وفيك وفي نهارك الأغبر القاتم عرفت قيمة الإباء ومعناه وفي اليوم الحالك عرفت الشهامة والمرؤة بل يومك هذا عرف الحق وتميز الباطل.

عظيم وكيف لا تكون كذلك وهذه صيحتك الداوية بقيت خالدة على مر الدهور والأجيال عظيم وهذه ذكراك المجيدة التي تعج بها أصوات الأحرار مستمدة تلك الروح من عظمة ذلك اليوم المشهود.
عظيم وعظيم جداً اقترانك في مستهل كل عام من أعوام التاريخ لتمل علينا تلك الدروس الخالدة لتكون عبرة للمعتبر ومنهاجاً قويماً يحسن العمل به والأخذ بتعاليمه.
عظيم ومدى تلك العظمة ظاهرة بأجلى مظاهرها على مر السنين وتعاقب الأزمان.
عظيم لأنك الهبت النفوس حماساً وعلمتها كيف تثور على البغي والطغيان وعلى الظلم والجور والباطل فتمزقه شر ممزق.
عظيم لأنك اذكيت تلك الشعلة في النفوس ولولا اذكائك لهذه الشعلة لبقي العالم خاضعاً لتلك النواميس العابثة والعبودية العمياء التي لا يمكن أن يسود فيها سوى الجور والظلم والطغيان.

وما أفدحك يا يوم عاشوراء لأنك أثكلتنا رمز الحرية ونبراس الحق ومبدأ المجد وغذي النبوة وصفوة الخليقة فجدير بك بعد أن سودت صحائف التاريخ بتلك الفوادح الممضة أن تسمى يوماً فادحاً مشؤماً.
وما أجلك يا يوم عاشوراء لأنك لم تدع لناهض من عذر في التضحية مهما بلغت منه ومهما كان نوعها بعد الذي جرى في طف كربلاء من ذلك القتل والسلب والنهب الذي لم يزعزع ولم يؤثر في موقف سيد أباة الضيم مع علمه بوقوع هذه الكوارث بل وما هو أعظم منها فأقدم ذلك الإقدام المهيب الرهيب الذي حق أن يخلده له التاريخ بل وأن يسجل له صفحات القلوب بمداد العبرة.
وما أقساك يا يوم عاشوراء حيث عدوت على توزيع أوصال رمز الحق والحقيقة فقطعتها بخنجر البغي ظلماً منك انك قضيت على كل شيء ولم يدر بخلدك ان الآيةتنعكس وذلك الرمز يعود زاهياً بل أنه ينمو ويربو كأنما كأن هذا النمو موقوفاً على سفك تلك الدماء الزكية التي لولا سفكها لما سميت قاسياً.

وما أخطرك يا يوم عاشوراء وما أخطر موقفك ذلك الموقف العصيب الرهيب الذي كاد أن يديل الحق فلا يعرف له ذكر ولا يؤثر له خبر لولا أن تنهض بالحسين وبالنخبة الذين آزروه حميتهم فيهب الى ذلك الكفاح الذي لم يشهد له التاريخ من مثيل ويضحوا بكل ما عز لديهم من أجل انتشال الحق من تلك الهاوية السحيقة حتى لقد برهنوا على خساسة نوايا أولئك الطغاة بأنهم أشر قوم عرفهم التأريخ حيث أدت بهم النوايا الخسيسة الى ذبح الرضع من الأطفال وقتل من لاذنب لهم من أولئك الصغار فحقيق بك أن تسمى يوماً خطيراً لأنك أوقعت الزلزال في صفوف اولئك الجائرين بعد ما شعروا بما ارتكبوا فشتت شملهم.
وما أفجعك يا يوم عاشوراء حيث أرتكبت فيك منتهى الفجائع من قتل شنيع وتمثيل فضيع.

الإمام الحسين علیه السلام إلهي المنطلق

بقلم: عبدالعباس عبد الكاظم محمد السيد الزهيري
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على جد الحسين نبينا محمد واله الطاهرين.
لو عرف كل الناس الحسين عليه السلام بالقدر الذي أذن الله تعالى بمعرفته لما إستغرب من بينهم مستغرب ولا إستعجب مستعجب لما له من المزايا العظيمة التي تفرد بها وما أعده الله للعارفين بحقه المحبين لها.
وحين يقال أن السماء بكت الحسين ومطرت دماً عند شهادته وأربعة ألاف من الملائكة شعث غبر يطوفون حول مرقده ينوحون ويبكون عليه ويستغفرون لزائريه وقبره الشريف على روضة من رياض الجنة والدعاء تحت قبته والشفاء بتربته وللباكِ عليه بدمعة وإن بقدر جناح بعوضة يجعل الله بها غسلاً لذنوبه ولكل زائر لمشهده عارفٍ بحقه حجة وعمره ومن علامات المؤمن الخمس زيارته في اربعينيته وأكثر من ألف نبي يصافحون زائريه في ليلة النصف من شعبان وان الله تعالى أطلع أنبياءه ورسله على مصيبته فبكوا عليه وحنوا إليه ولعنوا قاتليه فمن غير المطلوب وليس من المتوقع أن يحتمل الكثير هذا الأمر وتقبله عقولهم لأنه من الصعب المستصعب الذي لا يدركه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن أمتحن الله قلبه بالإيمان من جهة.
ومن جهة أخرى إن الحسين خامس أهل العبا وهم جده وأبوه وأمه وأخوه عليهم السلام أول وأكمل وأفضل واجمل كل الخلق أول ما خلق الله وخلق الخلق جميعاً لأجلهم والملائكة والأنبياء والرسل والسموات والارضون والجنة والكعبة مما خلق الله لأجله.

ومن هنا يستنبط الجواب لمن ساوره الشك والارتياب بما للحسين من ربه الوهاب ولأن الحسين إلهي بخلقه وخلقهِ ومنطقه، ومنطقهِ من الله وفي الله والى الله أعطى في كربلاء كل شيء لربه لإحياء دين جده فأعطاه الله تعالى رحمته الواسعة وجعله مصداقا لها واعد للباكين عليه ولزائريه والباذلين بخدمته المحبين لشعائره من الفضل ما لا يعد ولا يحصى في الدنيا وفي الآخرة.
والملائكة عند هلال المحرم من كل عام تنشر قميصه مخضباً بالدماء بين السماء والأرض فيراه محبوه وشيعته بعين البصيرة فينحبون ويبكون عليه بدموع ما إن تذرفها عيونهم إلا ويشعرون معها براحة بقلوبهم والحسين الذي بكى على قاتليه الجاحدين لحقه لما ينتظرهم في أخرتهم من العذاب على جريمتهم ليس بالضعيف الذي يستدر العطف بالدموع رحمة من الباكين وشفقة منهم عليه إنما يبك الحسين من هو طاهر المولد من أبوين طاهرين بالولادة لان دمعتهم عليه كعبادة الأحرار لا لطمع في جنةِ ولا لخوف من نار.

لذلك يخاطبه حفيده الحجة الإمام المهدي بن الحسن (عجل الله تعالى فرجه) يا جد لأندبنك كل صباح ومساء ولا بكين عليك بدل الدموع دماً عبيطاً وشعار نهضته عند ظهوره المبارك بالثارات الحسين لان ذكر الحسين يحيي الضمائر ويلهب المشاعر ومن هنا يدرك معنى إن كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء:
 فقد خلد الله بالحسين الخلودا 
 ولولاه ما كان الوجود موجودا

الحسين بطل الاباء وابو الشهداء

بقلم: محمود جواد جلال
هذا يوم مثله عبس وجه الزمان وتنكرت صورة الدهر وطغت موجة الباطل فيه على معالم الهدى والصلاح.
هذا يوم تمخظت فيه الايام عن اروع صورة للنفس الانسانية واشنع صورة للنفس الانسانية، يوم تقابل فيه الحق والباطل في ميدان صراع عنيف استطاع الباطل فيه ان يؤكد نفسه واستطاع الحق فيه ان يؤكد نفسه فاذا الباطل صريح لا لبس فيه واذا الحق صراح لا غبار عليه.
لو كان صوت الباطل عالياً فيما يكتبه ابن زياد لابن سعد:
 اذا قتلت الحسين فأوطئ صدره وظهره فانه عات ظلوم.  وكان صوت الباطل عالياً فيما ينادي به عمر بن سعد فرسانه.
 يا خيل الله اركبي.   واذا بالجسم الهامد الصغير تتكسر عظامه تحت سنابك الخيل، وتتحطم اوصاله فتختلط بالتراب والدم. وكان صوت الباطل عالياً فيما يوعز به عمر بن سعد الى حرملة:  اقطع نزاع القوم، ارم الطفل بسهم الست ترى عنقه كابريق فضة؟   واذا السهم يثبت في منحر الوليد فيذبحه من الوريد الى الوريد، واذا ابوه يملأ كفه من دم الطفل المضطرب فيرمي به صعداً الى السماء ليشهد ملكوت السموات على صنيع اهل الارض.

وكان صوت الباطل عالياً فيما ينادي به منادي القوم عصر عاشوراء احرقوا بيوت الظالمين. واذا النار تشتعل في الخيام فتروع من فيها من ارامل وايتام واذا الاطفال الصغار يفرون خوفاً من الحريق والعقائل يتركن خيامهن ولكن الى اين ؟ الى حيث لا يبصرون الا جثثاً مطروحة ودماء مسفوحة من رجالهن وذوي قرباهن.

ثم ماذا ياسادتي ؟
اجل، لقد كان صوت الباطل عالياً فيها يخاطب به ابن زياد في مجلسه عقيلة علي وسليلة هاشم وحفيدة عبد المطلب شامتاً بها غاضباً عليها:  الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم واكذب احدوثتكم.   واذا بالعقيلة يثور تأثرها فتقف من خصمها موقف المناصر للحق المدافع عن الدين. واذا بالخصم العنيد يقول لها فيما يقول:  اسكتي ياعدوة الله.   فتنفجر باكية لا ترى في ذلك المجلس من يرحم عبرتها او يسعد زمزتها. وكان صوت الباطل عالياً فيما يتمثل به يزيد في مجلس شرابه يقرع رأس السيد بالقضيب.
 لعبت هاشم بالملك فلا  
 خبر جاء ولا وحي نزل  
ذلكم يا سادتي صوت الباطل بدأ مدوياً تستك منه الآذان، وتتقزز منه النفوس ولم يقابله في ذلك اليوم الا صوت الحق الذي رن صداه في الافاق ولم تصم عنه الآذان لجلاف الجفاة من آل سفيان وحزب مروان.
لقد كان صوت الحق عالياً كان يقوله سيد الشهداء وابي الضيم:  لا اعطي بيدي اليكم اعطاء الذليل، ولا اقر إقرار العبيد. الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز لي بين اثنين بين السلة والذلة.  
ذلكم يا سادتي صوت الحق اعربت عنه الكلم الفصاح وبرهنت على صدقه البيض الصفاح فلم يستجب له من ذلك الشخص المعكوس والجسم المركوس الا حجر ابي الحتوف بصك جبهة الحسين فيدميها والاسهم خولي بن يزيد يقع في لبة قلبه فخر صريعاً يتخبط بدمه.

ساداتي
لقد كانت عرصات الطف يوم عاشوراء مسرحاً لتمثيل افظع مأساة عرفها التاريخ فيه مثل شبل علي دور الملك الرحيم وفيه مثل الدعي بن الدعي دور الشيطان الرجيم. وقد شاء الزمن ان يجيد كل منهم دوره ويحسن اداء مهمته واذا الفضائل والرذائل تصطرع صراعاً لا هوادة فيه ولا لين واذا الحسين العظيم يزحف بما تحمل نفسه الزكية من إباء وكرم وعدل وغيرة وتضحية وصبر ومضاء وعزم وبصير بعواقب الامورواذا خصمه الزنيم يزحف بما تحمل نفسه الخبيثة من جشع وظلم وقسوة وانانية وخسة نفس وفساد وسريرة واذا المعركة تسفر عن انتصار الفضيلة باجمل صورها وانتصار الرذيلة باشنع مناظرها وياتي بعد ذلك التاريخ ليسجل حكمه فاذا الحسين بطل الاباء وابو الشهداء واذا خصمه اشقى الاشقياء ولعنة الارض والسماء وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

تعالوا الى نهج الحسين ايتها النخبة الواعية

بقلم: : الأستاذ عبد الصاحب المختار
إن لمن المستغرب حقاً أن نجد معظم النخبة الواعية من فلاسفة المسلمين وأدبائهم عاكفين عن طريق ملؤه هداية وضياء وعبرة وإرشاد وفلسفة وسياسة لأن يبذلوا أوقاتهم ويصرفوا جهودهم بالنقب في ضلال بعض السبل الضئيلة المورد باحثين ومدققين عن دروب الهداية بين صفحات الماضي والحاضر في مسالك العظماء من البشرية ليخلصوا من أبحاثهم بين آونة وأخرى بظفر تحنُ اليه نفوسهم وكأنها مطمأنة الى قياسها بواجب من الواجبات الملقاة على عاتقها واجب استخلاص المثل العليا لأفراد الأمة من سير الزعماء لتوجيههم نحو تلك الفضائل لينيروا بذلك الظفر جزءاً من سبل الجهل والضلال بين العامة كاتبين ومحاضرين عن أعظم السير صفحات.

ظفر في فلسفة فلان وآخر في سياسة فلان وثالث في جهاد فلان من سير جزئية انبعث شملها في شخصيات شرقية أو غربية اكتسبت من معاني العظمة شيئاً أسبغ عليها صفات القدوة أو شاء القدر لأن تكون كذلك زماناً ومكاناً ساعداها على ما وصفت به وما بدت فيه حسبما ترآى للابصار.

وفي مثل هذا الشهر من كل سنة والباحثون في جدياتهم تلك وبينما لا يركن الإسلام للإستفادة من آثار تلك السير نجد الشعوب المسلمة في كآبة تمور نادبة تموج بالبكاء والعويل بينما نجد أولئك الزعماء لا يسعهم إلاّ أن يقفوا بمنعزل عنها يوهمون أو يتوهمون بأن تلك الظواهر التي تتكرر كل عام ما هي إلا عقائد تقليدية أو دوافع عصبية شعوبية يجب أن لا يكونوا عنها إلاّ بمنأى عازل أو بموقف المتفرج الهازل دون أن يساهموا بحثاً أو إرشاداً في سيرة شخصية الذكرى هذه وكأنهم لا يعلموا أو أنهم إذ علموا فتغافلوا عن كون هذه الأصوات المتعالية بعويلها وأناشيدها الشجية إذ يعلوها مظهر التجرد الهياج المحزن ما هي إلاّ حاصل عدم توجههم نحو عظمة ذلك السبيل الهادي المنير الذي عكفوا عنه الى سبيل ابعد يلتمسون بواسطتها غاية الوصول الى السبيل نفسه دون أن يجدوا في البحث والتعمق بين طيات السبيل الأرشد عظمة والأكمل هداية ذلك السبيل الذي خط نهجه من اعاظم الشخصيات الإسلامية لتوجيه تخليدها بأعظم الإحتفالات واشبع المحاضرات درساً وتمحيصاً بين تلك الكآبة وذلك الندب لنزعهما نحو الهدف المقصود من هذه الذكرى أما وأنهم قد نسوا أو تناسوا منهل هذا السبيل أو كانوا قد عجزوا عن تفهم مغزى ينبوعه الخالد بنواحي العظمة بما تعنيه هذه الكلمة من مثل سياسية أو دينية فلسفة أو إيمان وعقيدة أو جهاد فتركوا الإسلام ولا مرشد لشعبه إلى ما يجب أن يسلكه في الحياة من وجوب السير على هدى تلك العظمة ومنار سبيل عظمائهم فقد تركوا البون شاسعاً بين ما راحوا يتلمسون فيه التوجيه بالبحث في بطون التاريخ الغربي أو الجاهلي من عظمة جزئية وقدوات اعتيادية وبين من يلزم توجيههم ومن ذلك كانت الشعوب الإسلامية تصر على الإحتفاظ بتقاليدها الشكلية مصرة على تغافل انتاج تلك الطبقة ما لم تستمد فلسفة هؤلاء الساسة طرق رشادهم وإرشادهم مما تندبه تلك الشعوب ببكائها وتقاليدها من عظمة خالدة وشخصية خالدة هي أسمى من أن يتقدمها جاهل أو يستخلفها مكتسب للعظمة، عظمة الحسين (عليه السلام) تلك العظمة الطبيعية فيه إرثاً وتكويناً مما تعالت عن مجرد الحزن والبكاء أو التساوي بمن شاوءا بحثهم من العظماء كقدوة، الشخصية التي لا يلتقي عند سبيلها الطرفان من الرعاة والرعية وهما في سبيلهما التائه مالم تكتمل فضائل البحث وتجتمع وسائل الإفادة بأن يتحمل الأولون وجائب تخليد تلك العظمة فينهجوا على استنباط وعظهم وإرشادهم من تلك السير النبوية ويأخذوا على عاتقهم إقامة تلك الذكرى فعند ذاك وعند ذلك فحسب ستخلد الشعوب إلى الإفادة بدلاً من الذكرى المجردة عن العمل وعند ذاك فحسب سيقال بأن الرعاة قد شاركوا الرعية أحاسيسها وساروا على اصلاحها وهدايتها وعند ذاك وحسب ما في ذاك من أوج الكمال سيجنح الرعاة إلى العظمة وسينفر الشعب لاستقائها والسير على منارها فتقوم الأخلاق وتقوض الجهالة وتلبس العقائد ويرعاها التمجيد ممن كان يتهزأ لجهالته مغزاها.

أما التساؤل عن كيف السبيل لبلوغ ما نهدف فجوابه أوضح من أن يجاب لو هبط البرجيون لبساط السواد ودرجوا بهم سلم المعرفة والكمال عن طريق القيادة الشعبية المسترشدة بما يحتفلون به وأعني لو أن الأدباء والعلماء قد تزعموا هذه الحفلات وأقاموا بأنفسهم تلك المشاعر على ضوء ما يتوصلون بالتعمق فيه من سيرة العظمة الحسينية تحدوهم ببعض ما يجب أن يقوموا به تجاه الأمة من خدمات لطالما كانت في مقدمة وجائب المثقفين ولعمري أن لفي ذلك تتجلى نواحي العظمة بإيمانها بواجبها فما من عظيم تعاظم شأنه دون رعية شعبية ولا تكون هذه إلاّ إذا تلمس ذاك أحاسيسها ولا يحصل ذلك إلاّ إذا عاش الرسول إلى خلفائه ومن الأئمة إلى من اكتسبوا منهم أو ساروا على نهجهم من عظماء وهي واضحة كل الوضوح بأن كلاً منهم قد عاش ومات بين الأمة لا فوقها ولا بمنأى عنها وهذه سر عظمة عظماء الأمم الآخرين من الذين اسحرتنا عظمتهم فعكفنا عما تبنته عظمة أمجادنا من كمال العظمة ومقامها العليا الى معرفة السر الدفين في بقاء تلك الزعامة زمناً أو دوامها عمراً.

هذا سر من اسرار تلك الزعامات تعلوها زعامات عظمائنا الخالدين وسر آخر من أسرار الزعامة سلف ذكره عرض ما يتطلبه هذا الموضوع هو التوفيق بين ما جمعه الزعيم وشذبه من أفكاره الدراسية وبين ما تبعثر في أذهان الأمة عن طريق الصعود بالآخرين معهم من أسفل ما وقفوا عنده لا محاولة انتشالهم في حالة بقائه في أعلى القمم هذا ما يجب أن نعمله لأداء مطلب الذكرى الحسينية الخالدة ومن ثم مطلب الأمة الإسلامية المجيدة أما ما تتطلبه الذكرى فلا يمكن أن يؤدي بما تؤديه العامة من أحاسيس بالألم وتعابير شتى عن الحزن فلم يكن الحسين (عليه السلام) ولعمري قد ضحى بما ضحى به من نفسه وأنفس مشايعيه لغاية إظهار الأمة بمظهر الموالي أو الذاكر وإنما ضحى ويعنيه العمل على تفهم ما ضحى به لأجله والعمل على السير في ركابه وهو ما لا يمكن أن يؤدي إلاّ عن طريق توجيه الزعامة وعظمتها بتلك العظمة وعند ذاك فستلبس هذه الذكرى لبوسها الجدي وثوبها الجديد ألا وهما لبوس العمل وثوب الفكرة كي يتسنى انتزاع ظواهر التظلم المجردة عن العمل بالدأب على السير في انهاض الشعور بالعمل لنصرة الحق المهضوم ولا نعني بكلمة الحق في هذا المجال حق الخلافة كما يزعمون فإنها الفكرة الأنانية والحق الشخصي اللذان تعالى نفسه وإنما إذ يضحي بها فلغيرها وكان ذلك الغير عند الحسين (عليه السلام) هو دينه الحنيف ومن ثم فيكون المطلوب لنصرة الحق هو العمل لاسترجاع الفضائل التي جاهد من أجلها لسعادة أمة هذا الدين فسلام على من ضحى في سبيلها وسلام على من اهتدى بذاك السبيل وسلام على من صارح بالحق وجاهد ضد الباطل وعمل على خدمة المجموع والله المعين.

مواقف الامام الحسين الخالدة

بقلم: : الأستاذ حسن الجواد
إنني لم احضر هاهنا لأندب امامكم أو أنوح، ولم اقم خطيباً فيكم لأستدر منكم الدموع على مصيبة سيد الشهداء، ذلك لأن العشرة الأولى من المحرم قد كفتني هذا العناء فقد أديتم خلالها من الواجب الديني ما أرضى الله والملائكة وأرضى محمد والأئمة الأطهار من أهل بيته.

إنني أقصد من كلمتي هذه أن أحدثكم عن شيء قليل من النهضة الحسينية وما فيها من قوة وحق لأتعاون واياكم على ان نستمد من تلكم القوة وذلكم الحق روحاً جديدة، روحاً وثابة تأخذ بيد هذه الأمة، بما فيها من شباب ناهض متجدد فتجعلها امة ذات كرامة قادرة على الوقوف في معترك الحياة الجديدة التي تجتازها شعوب الأرض اليوم.

سادتي من منكم لا يعرف أن الحسين الشهيد هو ابن سيدة النساء فاطمة الزهراء..؟ ومن منكم لا يعرف ان جده الأقرب هو محمد رسول الله وباعث النهضتين الإسلامية والعربية..؟ ومن منكم لا يعرف أن جدته خديجة الكبرى نصيرة الرسالة المحمدية..؟ ومن منكم لا يعرف ايضاً أن أباه هو الإمام علي بن أبي طالب كاسر الأصنام وحامي بيضة الإسلام في أكثر الغزوات المحمدية..؟ اعتقد انكم كلكم تعلمون ذلك حق العلم، وتؤيدون معي إن الحسين ربيب بيت قائم على الشرف والإيمان والشجاعة والكرم.

نعم في بيت النبوة هذا ولد الحسين فورث هذه المزايا الأربع: الشرف والإيمان، والشجاعة والكرم.

ولكن ( سادتي) هل تعلمون أيضاً أن الإمام الحسين لم يكتف بهذه المزايا الموروثة فاضاف اليها صفات جديدة دوت خالدة في التاريخ فسجل بها للأجيال القادمة أروع صفات المجد والخلود.
سأروي لكم الآن بعض الصفحات من نهضة الحسين وأرجو أن تصبروا على ما فيها من مواقف ومشاهد رائعة تملك عليكم قلوبكم وتأخذ بالبابكم. وقد اخترت لكم المواقف الثلاثة التالية:
 (1) موقف بينه وبين أصحابه. 
 (2) موقف بينه وبين اعدائه. 
 (3) وموقف بينه وبين نسائه. 

 الموقف الأول: 
بات الحسين ليلة العاشر من المحرم ومعسكره يغلي كالبركان نساء حائرات، أطفال عطاشى، شيوخ سجود وركوع وشبان يعدون العدة ويصلحون السيوف لقتال اعدائهم. أما سيدهم، وقد رأى عصراً الأعداء تحيط بمعسكره من كل جانب وتسد عليه الطرق والمسالك، استعظم أن يجد في مخيماته ضعاف الإيمان من اصحابه وخشي ان يؤثر في نفوسهم جزع الموقف وحراجته فأخذ يطوف البيوت خيمة خيمة ويوصي الرجال بالرحيل الى اهليهم والإنفضاض عنه فلم يجد بينهم إلاّ من اشترى الموت بالحياة وقد إزدادوا تكتلاً وتحمساً لدينه ومبدئه فصادف أحد خدامه فقال له :( يا جون انك تبعتنا للعافية فما عليك إلاّ أن تأخذ هذا الطريق في ظلام هذا الليل وتتخذه لك جملاً). فانتفض العبد كمن اصابته هزة كهربائية وقال: ((سيدي أبا عبد الله إنني في أيام الرخاء الحس قصاعكم وأيام الشدة أخذلكم. لا والله. سيدي..! إن لوني لأسود وأن حسبي للئيم فلا فارقتك أبا عبد الله حتى أقتل بين يديك فيبيض وجهي ويكرم حسبي). فجزاه الحسين خيراً.

تلاحظون من هذا الموقف أن الحسين لم يشأ أن يخدع أحد من أصحابه ليسوقه الى الحرب قسراً. وقد خبر أصحابه تلك الليلة اختبار القائد المحنك وعرف نواياهم فضرب بهم مثلاً رائعاً في الطاعة والجهاد بين يدي الزعيم...

 الموقف الثاني: 
لما وقف الحسين وحيداً بين الصفوف وقد قتل جميع اصحابه وأهل بيته، ولم يبق بينه وبين الشهادة إلاّ فترة قصيرة من الزمن رأى ببعد نظره أن لا يترك اعدائه يقترفون جريمتهم بدون موعظة يعظهم فيها وان من الإنصاف أن ينذرهم وخامة العاقبة في الدارين ويلقي عليهم الحجة فقال: (إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات أن اعطيكم بيدي اعطاء الذليل وأقر لكم اقرار العبيد، اما اقيم صدور مجدي بالقنا وتقرعيني أو تقوم نوادب إنكم والله قد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فعلام تستحلون دمي وأنا ابن بنت نبيكم)).

فأجابه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: (( هذا جواب وعظك يا ابن فاطمة)). فتم للحسين ما أراد فألقى عليهم الحجة ثم أخذ يبارزهم وقاتلهم قتالاً شديداً حتى قال فيه أحد اعدائه: والله ما رأيت مكسوراً قط قد قتل أهل بيته وأصحابه أربط جاشاً من حسين فقد كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها فتنتشر بين يديه انتشار المعزى اذا شد فيها الذئب. لقـد ضـرب بموقفه هـذا مثلاً أعـلى في الإيمان والصبر والشـجاعة والإبـاء رغم ما كـان عليه مـن ضعف سببه نزيف الدماء ومن آلام تركها فراق الأحبة والأصحاب.

 الموقف الثالث: 
لما جاء الحسين يودع نساءه وأطفاله الوداع الأخير أوصاهم بوصايا مختلفة واحدة واحدة ثم قال لأخته الكبرى (يا زينب اذا انا قتلت لا تشقي عليَّ جيباً ولا تخمشي علي وجهاً. ثم نادى في تلك الساعة الرهيبة من يقدم لي جوادي…؟) فقامت اخته الكبرى فاسرجت له الجواد وألجمته ثم قدمته اليه ليركب ويعود الى جهاد اعدائه. وبهذا الموقف ضرب الحسين لنسائنا وبناتنا مثلاً أعلى في الخدمة التي تستطيع أن تقدمها المرأة حتى في ساحة الحرب والجهاد فتسد فراغاً قد يحدثه فقدان الرجل عند الشدة.

 وبالإختصار: 
إن الحسين بن علي بما يملكه من مزايا عالية موروثة من البيت الهاشمي، وبما اضاف اليها من مزايا سامية اختص بها هو نفسه، استطاع أن يجعل من نهضته قوة وحقاً بعثهما خالدين في الأجيال خلود الزمن وهما لا شك سر عظمته وخلوده في التاريخ.