وحدة الأمة - وذكرى واقعة الطف

بقلم: نور الدين داود / صاحب جريدة الرائد

كلما آن لنا ان نستعيد ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام) لابد لنا من استذكار الظلمة ووحشية الانسان من جهة وان نستذكر الايمان بالعدالة ومن الدفاع عن الحق والتضحية في سبيله من جهة اخرى.

وقد أجمع المؤرخون - الا من شذ منهم والشاذ لا يكون قياساً - ان سيدنا الحسين (عليه السلام) كان حريصاً على العدل واستقامة شؤون الدين واحقاق الحق والرأفة بالرعية وتحمل مسؤولية ادارتها وفق قواعد الشريعة السمحاء .

ولكن عندما قبض معاوية على ازمة الحكم في الشام فشق المسلمين على انفسهم وقف علي بن ابي طالب (عليه السلام) يريد وحدتهم ولم يكن غيره يؤيد وحدتهم ولم يكن غيره لهذه الوحدة وهو ابن عم الرسول وصهره وخليفته فلما مضى ذلك الدور وجاء دور الابناء كان يزيد بن معاوية اكثر استهتاراً بشؤون المسلمين وحقوقهم وكان الحسين بن علي (عليه السلام) قطب الوحدة ليس لها غيره ابى ان يقر يزيد وظلمه غير انه كان في حاجة الى عون المسلمين وقوتهم فلما دعي (عليه السلام) الى العراق جاء ملبياً واجباً دينياً ودنيوياً جاء لينقذ رسالة جده وابيه من عبث الطغاة وحينما بلغ تخوم الكوفة وعلم بما مكر الطغاة مع انصاره واعوانه وما اعدوا من قوات سدت عليه السبل لم تستهوه (عليه السلام) الحياة الدنيا فصمد لها والايمان بملأ قلبه العظيم بحق المسلمين. صمد ببسالة فصبر وتجلد الى ان دقت ساعة التضحية فتقبلها راضياً مرضياً. فكانت مأساة تركت في تاريخ العروبة والاسلام صحيفة سوداء لا تمحوها الايام اذ بدت وحشية الطغاة ازاء احفاد الرسول بافظع ما عرفته الانسانية في تاريخها ولم يرتدع اولئك الطغاة بحكم الشريعة التي نشر الويتها جد الحسين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا بما نقضي به الضمائر. اذ تناسى اولئك الطغاة بان آل الرسول جزء من الدين سيبقون كذلك ما دامت العصور ودام الاسلام وهو دائم ان شاء الله.

ولكن من المؤسف ان تمضي على المسلمين حقب لا يتعظون خلالها بهذه الذكرى المؤلمة في تاريخهم وان لا يتخذوا منها عبرة تجمع كلمتهم وتوحد صفوفهم ازاء الظلم والطغيان بل على عكس ذلك رأينا المسلمين يختلفون بعد حقب من هذه المأساة ويفرقون شيعاً وطوائف بحجة ما كان من امر هذه المأساة وان تدوم هذه الفرقة الى يومنا هذا دون ان ينتبه لا الحكام ولا رجال الدين ولا السياسيين ولا المثقفين الى اخطار هذه الفرقة او منافاتها لمبدأ تضحية الحسين (عليه السلام).

قلت ان المسلمين على اختلاف مذاهبهم يعتبرون آل البيت جزءاً من الدين بعكس غيرهم ممن حكموا المسلمين بعناوين مختلفة وفي ازمان وظروف وهل يحتاج هذا الامر الى دليل وكل مسلم كلما صلى قال ((اللهم صل على محمد وآل محمد)).

اما اختلاف الاجتهاد في التفرعات حسب ظروف المجتهد وزمانه ومكانه فليست مما تضير المسلمين وتؤثر على وحدتهم الاصلية التي قضت بها العقيدة الاسلامية وتناسق اصولها.

ولكن من المؤسف ان تدوم الفرقة بين المسلمين وان تستمد هذه الفرقة قوتها من وقايع تاريخية مؤلمة لا يسئل عنها الجيل الحاضر ولسنا نشك في ان مسببات هذه الفرقة في العصر الحاضر لا تعزى الا الى  عناصر ضئيلة تربط منافعها الخاصة بعوامل موهومة تذكى بها نيران الفرقة خلاف ما يقضي به صالح المسلمين واوطانهم.

فكلما اتت ذكرى واقعة الطف اشعر بالم الفرقة واندفع بدافع هذا الشعور الى المناداة بالوحدة التي امرنا بها الله في قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} فبحق دم الحسين الزكي ودماء الابرار الاطهار من آل البيت استحلف كل من يغار على الشريعة السمحاء وصالح العرب والمسلمين ان يحارب كل ((مفرق)) وان يعتبره دجالاً خارجاً على الدين مارقاً عاقاً لا يستحق من الامة الا الاحتقار والازدراء.

من العار علينا ان نقر في القرن العشرين ما افسد شؤوننا في العصور الماضية فترك لنا تاريخاً مملوءاً بالمساوئ والمآسي.

من العار علينا ان نتخاذل لمصلحة افراد وان نرضى بما ينشأ عن تخاذلنا من ضعف وما يؤدي اليه هذا الضعف من تأخر وتدخل في شؤوننا العامة.

لقد شكونا ولا نزال نشكو التأخر ولكننا لم نفكر الى الان تفكيراً صحيحاً بمسببات التأخر. ان ((الفرقة)) السائدة فيما بيننا وعدم ثقتنا ببعضنا وتحكيمنا العواطف والمصالح الشخصية في شؤوننا العامة والانانية المستقرة في نفوسنا كلها عوامل اساسية في تاخرنا، فسبيل التقدم هو ((الوحدة)) و((انكار الذات)) وايثار الصالح العام والتضحية وبتأثير هذه العوامل ناضل الحسين (عليه السلام) وتقبل التضحية الكبرى وما علينا الا ان نقتفي اثره عليه السلام فهل نحن فاعلون.

ما فائدة خلق الشهوة في الإنسان على الرغم من كثرة مشاكلها وآفاتها

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية 

إعلم أن هذه الشهوة من أعظم المهلكات لابن آدم إن لم تضبط وتقهر وترد إلى حد الاعتدال، ولها طرفان: إفراط بأن تقهر العقل فتصرف همة الرجل إلى التمتع بالنساء والجواري فتحرمه عن سلوك طريق الآخرة وقد تقهر الدين وتجر إلى اقتحام الفواحش، وقد تنتهي به إلى الفسق البهيمي الذي ينشأ عن استيلاء الشهوة فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة. وقد خلق العقل ليكون مطاعاً لا ليكون خادماً للشهوة محتالاً لأجلها، وهو مرض قلب فارغ لا همة له، ولذا قيل: إن الشيطان قال[1] للمرأة: أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي[2]. فنصف جنده الشهوة ونصفه الغضب.

وأعظم الشهوة شهوة النساء، ويجب الاحتراز منها في مبدأ الأمر بترك معاداة النظر والفكر، وإلا فإذا استحكم عسر دفعه، ولهذا قيل: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله[3].

وقال الله تعالى: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ))[4].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: النظرة[5] سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفاً من الله أعطاه الله[6] إيماناً يجد حلاوته في قلبه[7].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء[8].

وتفريط هذه الشهوة إما بالعفة الخارجة من الاعتدال أو بالضعف عن امتناع المنكوحة، وهو أيضاً مذموم، والمحمود أن تكون هذه الشهوة معتدلة منقادة للعقل والشرع في الانبساط والانقباض، ومهما أفرطت فكسرها يكون بالجوع والصوم وبالتزويج. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: معاشر الشباب عليكم بالباءة[9]، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم[10] له وجاء[11]. [12]

والحكمة في إيجاد هذه الشهوة مع كثرة غوائلها وآفاتها بقاء النسل ودوام الوجود، وأن يقيس بلذتها لذات الآخرة، فإن لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد، كما أن ألم النار أعظم آلام الجسد، والترهيب والترغيب يسوقان الخلق إلى سعاداتهم وثوابهم[13].


ــــــــــــــ

[1] في الإحياء: "يقول".

[2] إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 90، كتاب كسر الشهوتين، القول في شهوة الفرج.

[3] أنظر: جامع السعادات، النراقي: 2/ 12 ــ 13، المقام الثالث، الشهوة الجنسية. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 90، كتاب كسر  الشهوتين، القول في شهوة الفرج.

[4] سورة النور/ 30.

[5] في الجامع: "النظر".

[6] ليس في الجامع لفظ الجلالة: "الله".

[7] جامع الأخبار، الشعيري: 145، الفصل السابع والمائة في الزنا.

[8] كشف الخفاء، العجلوني: 1/ 39، الهمزة مع التاء المثناة/ ح76.

[9] عليكم بالباءة، يعني: النكاح والتزوج. يقال فيه الباءة والباء، وقد يقصر، وهو من الباءة: المنزل، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا. وقيل: لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يستمكن كما يتبوأ من منزله.

النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 1/ 157، باب الباء مع الواو، مادة "بوأ".

[10] في الإحياء: "فالصوم".

[11] وجى بوزن عصا، يريد التعب والحفى، إلا أن يراد فيه معنى الفتور. لأن من وجي فتر عن المشي، فشبه الصوم في باب النكاح بالتعب في باب المشي.

لسان العرب، ابن منظور: 1/ 191. مادة  "وجأ".

[12] إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 91، كتاب كسر الشهوتين، القول في شهوة الفرج.

[13] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 68، الباب الثاني فيما يؤدي إلى مساوي الأخلاق، الفصل الأول الاعتدال في شهوتي البطن والفرج. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/90 ــ 91، كتاب كسر الشهوتين، القول في شهوة الفرج.

المثل الاعلى لكل معلم أجيال

بقلم الأستاذ: جميل رؤوف

في مثل هذا اليوم روع العالم الإسلامي بأعظم مأساة عرفها التاريخ وسجلتها الأيام، وأفظع جريمة ارتكبتها يد الأنسان، ألا وهي مقتل الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، وأي جريمة يا سادة..؟ إنها جريمة سودت وجه التاريخ والإنسانية، وصمت جبين الدنيا الإسلامية بالخزي والعار… جريمة يشيب من هولها الوليد وترتعد لها الفرائص وتخمد عند رؤيتها الأنفاس.. جريمة جعلت في كل بيت مناحة وفي كل قلب لوعة وآهة.

جريمة تستدر الدمع السخين وتملأ القلوب أسى على مرِّ السنين كلما تجدد ذكرها ولاح خيالها..

جريمة خرَّ فيها سبط الرسول وابن فاطمة الزهراء(صلوات الله وسلامه عليهم) صريع الظلم والعدوان، جريمة ملأت آفاق الأرض وأرجاء السموات بكاء وعويلاً على حفيد محمد نبي الله ورسوله، الذي استشهد في سبيل الحق والمبدأ..

ايها السادة مهما نبكي ونشق الجيوب ونضرب الصدور ونفج الرؤوس فلن نوفي إمامنا حقه.. إنه ضحى بنفسه وأولاده وعشيرته في سبيلنا وتلبية لدعوتنا واعلاء لكلمة الله في بلادنا، ومن أحق بإعلاء كلمة الله غير حفيد محمد، وريحانة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ناهيكم أيها السادة بما يتصف به إمامنا من صفات تجعله بحق خليفة المسلمين وزعيمهم ومربيهم. ولأترك البحث عن الخلافة والزعامة الى غيري ممن يحق له البحث فيهما وتثبيت احقية إمامنا بهما، ولأبحث عن الإمام عليه السلام ((كمرب)) بصفتي مرب ولو بموجز القول لأن الحفل في هذه المناسبة لا يتسع للإسهاب والتطويل، اقول إن الإمام (عليه السلام) كان مربياً بحق لأنه اتصف بصفات هي من مستلزمات المربي الناجح، منها الإيمان بعدالة قضيته والحماس لها بدرجة لا تعرف الوهن والفتور، وهكذا يتطلب من المعلم المربي أن يكون شديد الإيمان بالحياة ومتحمساً بلزوم تحسينها وترقيتها، وقد كان الإمام ذا شخصية قوية وخلق عال وشجاعة متناهية ونفس أبية فارطة في الإباء، وقد تجلت هذه الصفة الأخيرة بأروع مظاهرها عند إمتناعه من مبايعة يزيد على يد عمر بن سعد بن أبي وقاص والنزول على حكم عبيد الله بن زياد عندما طلب اليه، بالرغم من حراجة موقفه، ومعرفة نهايته، وهو الموت المحقق..

وهكذا يطلب من المعلم المربي أن يتصف بهذه الصفات ليلقنها الى طلابه ويدربهم عليها..

وقد كان الإمام صادقاً أميناً مخلصاً منصفاً عادلاً نزيهاً صبوراً عطوفاً يؤثر غيره على نفسه كما يتجلى ذلك بشكل لم يسبقه نظير حينما طلب الى اصحابه في آخر ليلة أن يتركوه لوحده يقاتل ويستسلم للقدر، ويتخذوا هم من الليل جملاً يفرون به من الموت المحتم - ولكنهم أبو عليه ذلك - وهذا مما يجب أن يتصف به المعلم المربي ليكون قدوة لطلابه ومثلاً أعلى لهم.

ومما تقدم يتضح لكم أيها السادة إن الإمام عليه السلام كان يجب أن يكون بحق ((مربياً)) للأمة الإسلامية حينذاك ليقودها الى الهداية والصلاح ويعمل على توحيد صفوفها واعلاء شأنها لتكون خير أمة أخرجت للناس.

للناس في ذكر الموت وقصر الأمل أحوال وأقسام

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

قال الله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ ذآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ))[1].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات. قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: الموت، فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا، ولا في شدة إلا اتسعت عليه[2].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الموت كفارة لكل مسلم[3].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تحفة المؤمن الموت[4].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الموت الموت، ألا ولابد من الموت، جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرّة المباركة الى جنة عالية، لأهل دار الخلود اللذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم[5].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عدّ غداً من أجله[6].

وقال عليه السلام[7]: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل[8].

وكان يقول[9]: لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض العمل من طلب الدنيا[10].

وقيل للباقر عليه السلام: حدثني ما أنتفع به. قال[11]: أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر ذكره إنسان إلا زهد في الدنيا[12].

وقال الصادق عليه السلام: إذا أنت حملت جنازة فكن كأنك أنت المحمول، وكأنك سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل، فانظر ماذا تستأنف. ثم قال: عجباً لقوم حبس أولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون[13].

وقال عليه السلام[14]: ما خلق الله[15] يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت[16].

واعلم أن الموت هائل وخطره عظيم، وغفلتنا عنه لقلة فكرنا وذكرنا له، وإذا ذكرناه فلسنا نذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا، والطريق فيه تفريغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة[17] مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه، فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه، وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكر قلبه.

وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله، فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم، وانقطعت آثارهم، وأوحشت ديارهم.

ومهما تذكر رجلاً رجلاً وفصل في قلبه حاله وكيفية حياته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وأمله في العيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمؤاتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله الى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه، وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه الى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر، وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لا يحتسبه، فانكشفت له صورة ملك الموت، وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم، والسعيد من اتعظ بغيره.

والذاكرون للموت على أقسام: فمنهم المنهمك في اللذات المنكب على الشهوات، فهو إن اتفق ذكره للموت تأسف على دنياه واشتغل بمذمته وفرّ منه غفلة عن قوله تعالى: ((أَيْنَما تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[18] وقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ))[19] ويزيده ذكر الموت من الله بعداً. نعم ربما استفاد تنغص نعيمه وتكدر لذته، فيتجافى عن الدنيا.

ومنهم: التائبون الذين يكثرون ذكر الموت لينبعث من قلوبهم الخوف والخشية فيفوا بتمام التوبة، وربما كرهوا الموت خيفة من أن يختطفهم قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهم معذورون في كراهة الموت غير داخلين في قوله عليه السلام[20]: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه»[21] لأنهم يخافون فوت لقاء الله للقصور والتقصير، فهم كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعدّ كارهاً للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له.

ومنهم: العارفون الذين يكثرون ذكر الموت، لأنه موعد للقاء الحبيب والمحب لا ينسي موعد لقاء حبيبه وينبغي أن لا يحبوا الموت إلا لأجل التزود من الأعمال وتحسين الأخلاق والأحوال.

ومنهم: وهو الأعلى ــ المفوضون، وهم الذين يفوضون أمرهم إلى الله ولا يختارون لأنفسهم موتاً ولا حياة[22]، وأحب الأشياء لديهم ما يختار لهم مولاهم[23].

ـــــــــــــ
[1] سورة آل عمران/ 185.
[2] أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام:171 ــ 172، الباب الواحد والثمانون في ذكر الموت.
[3] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 268، بيان ذكر الموت.
[4] الدعوات، الراوندي: 235، الباب الرابع في أحوال الموت وأهواله، فصل في ذكر الموت وفرحته وترحته/ ح1.
[5] الكافي، الكليني: 3/ 257 ــ 258، كتاب الجنائز، باب النوادر/ صدر الحديث 27.
[6] الأمالي، الشيخ الصدوق: 108، المجلس الثالث والعشرون/ ح4.
[7] أي: "الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام".
[8] كتاب الزهد، الأهوازي: 81، باب 14 ذكر الموت والقبر/ ح10.
[9] الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
[10] الكافي، الكليني: 3/ 259، كتاب الجنائز، باب النوادر/ ذيل الحديث 30.
[11] في الكافي: "فقال يا أبا عبيدة ".
[12] الكافي، الكليني: 3/ 255، كتاب الجنائز، باب النوادر/ ح18.
[13] أنظر: كتاب الزهد، الأهوازي: 77 ــ 78، باب 14 ذكر الموت والقبر/ ح1.
[14] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[15] في الفقيه: "الله عزّوجل".
[16] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 1/ 194،  باب النوادر/ ح596.
[17] المفازة: المهلك.
المفازة: المنجاة، وهي مفعلة من الفوز، يقال فاز فلان: إذا نجا.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 437، مادة "فوز".
[18] سورة النساء/ 78.
[19] سورة الجمعة/ 8.
[20] أي: "الإمام الصادق عليه السلام وفي ذيل الحديث يروي الإمام الصادق عليه السلام هذا النص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[21] مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 172، الباب الواحد والثمانون في ذكر الموت / ذيل الحديث.
[22] إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفرقان الآية/3 : ((وَلا يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً)).
[23] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 8/ 238 ــ 244، كتاب ذكر الموت وما بعده. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 312 ــ 314، الباب الرابع في ذكر الموت وقصر الأمل. جامع السعادات، النراقي: 3/ 45 ــ 46، فصل مراتب الناس في ذكر الموت. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 391 ــ 393، كتاب ذكر الموت وما بعده.

يومان من حياة سيد الشهداء عليه السلام

بقلم: الأستاذ عبد الرزاق العايش

في أية بداية من بدايات العظماء يجد الكاتب لقلمه وبيانه متسعاً للبحث ومجالاً للتنقيب، إلاّ في بداية الحسين  عليه السلام) . فما من كاتب خاض البحث عنها إلاّ تملكاه دهشة وذهول. لأن في بدايته يداً تزج الى نهايته، ونهايته خضم صاخب في وسط امواجه المتلاطمة اقلعت سفينة النجاة، تحفها قدسية الإيمان وتكتنفها هيبة البطولة، ويعلوها علم التضحية..!!

لذا مهما حاولت افصل بين نقطتي البداية والنهاية، وبالغت في اسباب الفصل بين بداعة هذه وفداحة تلك. ذهبت محاولتي سدى، إذ تغلغلت النهاية الى اعماق نفسي، وتمثلت أمام عدسة احساسي، فكأني - والحال هذه - اتعاطى مزيجاً من عسل وعلقم.

منذ ألف وثلثمائة ونيف وستين سنة خلت... استحالت احدى أماسي الثلث الأول من شعبان ضحى سعادة وهناء، في مهبط الوحي الإلهي، ومحيط السمو المعنوي، (حيث كانت عبقات السماء تهب مثلما يتضوع شذى الغيث المندفق، هذا ليمد الصعيد بالحياة وهذا ليمد النفوس بالمعنى الحي، إذ تجلت من الغيب طفولة سامية..!! كيف لا..؟ والمولود خامس خمسة شاء الله ان تعلو بهم كلمته ويتبع فيهم هداه كما دل بعدئذ - قوله تعالى } قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين}.

ولدت فاطمة حسيناً فأخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وأذن في اذنه اليمنى كما يؤذن للصلاة - والأذان معناه اعلان العابد الإخلاص لمعبوده، والصلوة صلة بين الخالق والمخلوق.

هذا أول غذاء نفسي غذي به هذا المولود الجديد... وغني عن البيان ما لتهنين الطفل من يد في توجيه اخلاقه، وتثبيت انطباعاته. فلا عجب اذا مامنه واليه، وعليه سمت نفسه، وهفا فؤاده، واتقدت حميته.. وهكذا أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسكب في نفس فتاه خلاصة السمو بما فيها من جود وسخاء وشمم وأباء وتفان في سبيل العقيدة والمبدأ مضافاً الى هذا عاملين مهمين من عوامل تكوين الطفل وتنشئته من كلاهما نال الحسين اجل واعظم صفات السمو...

أما العامل الأول فأجد فيَّ غنى عن الإفاضة للتدليل عليه ما دامت كلمتي هذه آخذة سبيلها الى أذهان قوم يعلمون تمام العلم بأن ( الحسين) تكون من مزاج ينبوعي النبوة والإمامة. – فاطمة وعلي (عليهما السلام) - وأما العامل الثاني فما عسى أن أقول في بيئته نما السمو وطاب جنيه.

هذه البداية.. ما أحلاها وأعذبها..! بل وأعلاها وأعزها، لدى ذو النفس السامية..! فيا حبذا لو استطاع الخيال أن يخلق في سمائها الصافية العبقة. ويتمتع بجمال نجومها الزاهية الألقة، ليملي على القلم بعض مشاهداته يملي (على الأقل) مشهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قال (حسين مني وأنا من حسين).

هذه الجملة لو فاه بها بعض الناس لكان معناها – حسين مني بمنزلة المولود من الوالد وانا من الحسين بمنـزلة الوالد من المولود - او ما شابه هذا لكن القائل نبي عظيم} ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى علمه شديد القوى} من تكن هذه صفته لاشك أن كلامه يبعد كل البعد عن السطحي المبتذل. فلا بدع ان قلت انما المقصود من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسين مني بمنزلة الصفة من الموصوف، وأنا من حسين بمنزلة الموصوف من الصفة- لذا عزز القول بما لن يتسنى لأحد سواه أن يقول - إني أحب حسيناً فمن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله.

من هذه النقطة الحساسة وامثالها كم وددت لو أني استطيع التغلغل إلى أعماق الواقع، لأتمتع بجمالها البديع فأشبع نفسي التواقة الى الجمال الذهبي لكن..! أنى لي هذا ما دامت هناك نهاية تحطم القلم وتلعثم اللسان.
مامن منصف إلاّ ويؤمن بأن ((الحسين  عليه السلام) كان البناء الثاني للإسلام بعد جده )) فقد علم القاصي والداني ما بلغـه المسلمون من الإنحطاط – آنذاك- فبعد أن كانوا مثالاً للمزايا الحميـدة، وعنـواناً للسجايـا المحببـة - كألأخلاق  والأباء، والشمم، وما شابه هذا من مقتضيات السمو المعنوي- بعد هذا انحطوا الى الخضوع لما عليه وحشية (( يزيد)) مع علمهم بما جبل عليه يزيد من خساسة لا تتفق ومبدأهم السامي النبيل.

هكذا ويذهب سدى ما بنوه المسلمون من مجد خالد، وكادت آمالهم أن تخيب. لو لم يجعل الله الحق وضاح الجبين لا تخفيه حجب الضلال مهما تكالبت وقوي العزيمة لا تهزمه جيوش الباطل مهما تألبت.

وهكذا جاء يوم الحسين، فياله من يوم أجهد الليالي حمله، فولدته وحيداً لا ثاني له، مع أن الليالي (يلدن كل عجيب).

يوم تبلى الأيام وتفنى السنون وهو خالد خلود الشمس في الأفق... فكأن لم يزده البعد عن أعيننا إلاّ تعمقاً في نفوسنا. كما لم يزدنا الحزن فيه إلاّ تحبباً لقلوبنا. نستعذب النهل من منهله مع ما فيه من شقاء وعذاب (( والأبي يجد طعم المنية شهداً)).

يوم جمع الحسين العظمة، وصاغها حلية يزدان بها كل عظيم، حين تلاها آية... أبكمت الألسن فصاحتها وأذهلت العقول بلاغتها، فأفاق الدين العليل من غشوته ولسان حاله يقول:

وما سمعنا عليلاً لا علاج له  ****   إلاّ بموت مداويه اذا هلكا

وهذا صدى صوت الحسين يطبق الافاق معلناً:

إن كان دين محمد لم يستقم  ****  إلاّ بقتلي، يا سيوف خذيني

فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.

دعوة للتفكر والتدبر في آيات الله وصفاته ومخلوقاته

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

قال الله تعالى: ((وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ))[1] وقال تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها))[2].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تفكر ساعة خير من عبادة سنة[3].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: التفكر يدعو الى البر والعمل به[4].

وقال عليه السلام[5]: نبه بالتفكر قلبك، وجاف[6] عن الليل جنبك، واتق الله ربك[7].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تفكروا في آلاء[8] الله ولا تفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره[9].

وقال الباقر عليه السلام: إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته[10] فانظروا إلى عظم خلقه[11].

وقال الصادق عليه السلام: من نظر في الله كيف هو هلك[12].

واعلم أن التفكر الذي أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام أنه يدعو الى البر والعمل به قد يكون في الحسنات والسيئات بأن يتفكر العبد في حسناته هل هي تامة أو ناقصة، موافقة للسيئة أو مخالفة لها، خالصة عن الشرك والشك أو مشوبة بهما، فيدعوه هذا التفكير لا محالة إلى إصلاحها وتدارك ما فيها، وكذا إذا تفكر في سيئاته وما يترتب عليها من العقوبات والبعد عن الله، فيدعوه ذلك إلى الانتهاء عنها وتداركها بالتوبة والندم.

وقد يكون بالتفكر في صفات الله وأفعاله، من لطفه بعباده وإحسانه إليهم بسوابغ[13] النعماء وبسطة الآلاء، والتكليف دون الطاقة، والوعد بالثواب الجزيل والثناء الجميل على العمل الحقير القليل، وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما[14] ونحو ذلك، فيدعوه ذلك الى البر والعمل به، والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي.

وهذا تفكير المتوسطين، وإليه الإشارة بقول الرضا عليه السلام: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله[15].[16]

وسئل الصادق عليه السلام عما يروي الناس «إن تفكر ساعة خير من قيام ليلة» قيل: كيف يتفكر؟ قال: تمر بالخربة أو بالدار فتقول: أين ساكنوك وأين بانوك ما لك لا تتكلمين؟[17].

وهذا التفكر دون الأولين في الفضل، وللناس فيه مراتب[18].

ــــــــــــــــــ
[1] سورة آل عمران/ 191.
[2] سورة محمد/ 24.
[3] تفسير العياشي، العياشي: 2/ 208، تفسير سورة الرعد/ ح 26.
[4] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 184.
[5] أي: "الإمام أمير المؤمنين علي  بن أبي طالب عليه السلام".
[6] جفا الشيء يجفو جفاء وتجافى:لم يلزم مكانه،كالسرج يجفو عن الظهر،وكالجنب يجفو عن الفراش. لسان العرب، ابن منظور: 14/ 147، مادة "جفا".
[7] الكافي، الكليني: 2/ 54، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر/ ح1.
[8] ((آلاء الله)) سورة الأعراف/ 69، أي:نعمه، واحدها "ألى". وقيل: "الآلاء" هي: النعم الظاهرة. مجمع البحرين، الطريحي: 1/ 97، مادة "ألى".
[9] بحار الأنوار، المجلسي: 68/ 322، كتاب الإيمان والكفر، أبواب مكارم الأخلاق،  باب80 التفكر والاعتبار والاتعاظ/ ح3. وفيه النص: «تفكروا في آلاء الله فإنكم لن تقدروا قدره».
[10] في التوحيد: "إلى عظمة الله".
[11] التوحيد،الشيخ الصدوق:458،باب 67 النهي عن الكلام والجدل والمراء في الله عزّوجل/ ح20.
[12] المحاسن،البرقي: 1/ 237، باب 24 جوامع من التوحيد/ ح3.
[13] نعمة سابغة، وأسبغ الله عليه النعمة: أكملها وأتمها ووسعها.
لسان العرب، ابن منظور: 8/ 433، مادة "سبغ".
[14] إشارة إلى قوله تعالى في سورة لقمان/ الآية 20. ونصها: ((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَْرْضِ)).
[15] في مجموعة ورام: "الله عزّوجل".
[16] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 183 ــ 184.
[17] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 54 ــ 55، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر/ ح2.
[18] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 308 ــ 309، الباب الثالث في التفكر والتدبر.

المعاني السامية في ذكرى الحسين (عليه السلام)

بقلم: الاستاذ بدوي احمد طبانه / استاذ الادب العربي بدار المعلمين العالية ببغداد

تمضي الايام، وتمر الشهور، وتكر السنون، والذكرى الخالدة، ذكرى الحسين، تتجدد فتبعث الاسى وتثير الشجون.

خطب أي خطب، خطب ينفطر له القلب ذلك الذي نزل بالمسلمين في مختلف الديار، ومتفرق الامصار فاعمل فيهم الكروب وادمى منهم القلوب، وقوض بنيان الامة المرصوص وقضى على الشمل الملتم، وطوح بالطود الاشم، الذي صدعوا صف الزمن شرقيها وغربيها وذل له ما استقصى وفتح له ما استفلق من الصياحي والحصون.

لم يكد يندمل الجرح الذي اصاب المسلمين بقتل باب مدينة العلم، زوج البتول وسيف الله المسلول، وهيهات له ان يندمل وانى له ان يلتئم حتى تواكلت الكلوم، واثخنتهم الجراح لقد التمس المسلمون العزاء في ابي الحسنين، بهذه البضعة الطاهرة زينة الدنيا، وهداة الانام في الحسن والحسين، في ريحانتي اكرم النبيين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم .

بقيت الريحانتان بقي الحسن والحسين، يضوع نشرهما فيعطر الكون، ويصل الشذا العبق الى قلوب المؤمنين المخلصين فيكون بلسماً لأفئدتهم الكليمة، وشفاء لجراحهم الدامية ! عزاء وامنية ما اعذبها. فالولد سر ابيه وظل المسلمون يعللون انفسهم بهذه البقية الكريمة، والاثاره الحبيبة يحرصون على هذا التراث الغالي، والوديعة الفريدة وينظرون الى المجد المذخور في طيهما، ويرون فيهما طلعة رسول الله، واشراق جدهما الكريم.

ولكن اكثر ايماض البوارق خلب، واذا هذا الامل الذي جهدوا في التطلع اليه والتعلق باسبابه وعشيت عيونهم في ارتقابه، تسطو عليه المحن، وتعبث به عوادي الزمن فيهوى احد الفرقدين وما طال به المقام.

وضلت الاعناق تشرئب الى اخيه ابي عبد الله الذي انحصرت آمالهم فيه ووقفت احلامهم عليه.

ولكن ترى ايسعدهم الزمن فيمكنهم من هذه الاماني العذاب؟ صحا المسلمون من هذه الاغفاءة اللذيذة التي عبرت كما يعبر الحلم اللذيذ، على الحقيقة المفزعة، على الفاجعة المروعة على الامل المرتقب على ابن بنت رسول الله، واذا الاستجابة للحق تحفزه فيلبي دعوة الحق والباطل، الى زياد العتاة الجبارين عن الغاية المثلى، والمبدأ القويم. فيخوض الميدان اشبه بالاعزل الا عن الحمية الملتهبة، والايمان الراسخ واذا ضربة من شقي فاجر تهوى على السبط الكريم فيجود بنفسه الزكية، وتصعد الروح الطاهرة الى ربها راضية مرضية.

خر ابن الزهراء، واحب البشر الى سيد البشر صريعاً على ايدي الرجال صرعة الحر الابي الذي عاف دينه السوم وابى له الدنية، وكره له ان يكون لعبة يتسلى بها طلاب العاجلة وعبردة الدنيا الغابنة، اولئك الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً.

عاد الطغاة مستبشرين فلقد نكلوا بقتيلهم، ومثلوا بعدوهم عدو الظلم والاستبداد، عودة الذئاب الضارية والوحوش الكسرة والقساة الظالمين. وما يظلمون الا انفسهم وما يشعرون وعاد المؤمنون العارفون، يعزي بعضهم بعضاً، فهم في الرزء سواء، وفي الخطب شركاء عالمين ان قد كتب للحسين الخلود والحياة على مر العصور وتتابع الدهور ولسان حالهم يقول:

يامن بمقلته زها الدهر **** زعموا قتلت، ومالهم خبر
ياقبر سيدنا المجن سماحة *** ما خبر قبر فيه شلوك ساكن
فلينبعن سماح جودك في الثرى *** واذا غضبت تصدعت فرقاً
واذا رقدت فانت منكبه *** والله لو بك لم ادع احداً
قد كان فيك تضاءل الامر *** كذبوا، وقبرك، مالهم عذر
صلى الاله عليك يا قبر *** الايمر بأرضه القطر
وليورقن بقربك الصخر *** منك الجبال وخافت الذعر
واذا انتبهت فوجهك البدر *** الا قتلت لفاتني الوتر

عودة الى امس الدابر، ونظرة الى اليوم الحاضر ترى هل أشر الزمان وهل عبث بذكرى الحسين الملوان؟ ان في هذا الحشد الحاشد امس واليوم لجواباً دونه كل جواب وفي هذا الجمع الزاخر الكريم فصل الخطاب.

حب الجاه من أعظم الآفات المهلكة للدين

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

وهو انتشار الصيت[1] والاشتهار، وحبه مذموم في القرآن والأخبار، وهو آفة عظيمة في الدين، والمحمود هو حب الخمول إلا من شهره الله من غير تكلف طلب للشهرة.

قال الله تعالى:((تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسٰاداً وَالْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))[2].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل[3].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً من حب الجاه والمال[4].[5]

وقال عليه السلام[6]: إنما هلك الناس باتباع الهوى وحب الثناء[7].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: تبذل لا تشهر ولا ترفع شخصك لتذكر بعلم، واكتم واصمت تسلم تسر الأبرار وتغيظ الفجار[8].

وقال الصادق عليه السلام: إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك[9].

وقال عليه السلام[10]: ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه[11].

وقال عليه السلام[12]: رب ذي طمرين[13] لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره[14].

وتحقيق الكلام في الجاه في فصول:
 

الفصل الأول: في سبب حب الجاه


إعلم أن المال ملك الأعيان المنتفع بها، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوبة تعظيمها وطاعتها، والسبب في حب المال هو السبب في حب الجاه وزيادة، لأن ملك القلوب يتبعه ملك الأعيان، ويرجح الجاه على المال من وجوه ثلاثة:

الأول: إن التواصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، إذ العالم والعابد الذي يريد حصول الجاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له، فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزاً ولم يكن له جاه يحفظ ماله وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له.

الثاني: إن المال معرض للتلف بالغضب والسرقة والقلوب سالمة من ذلك، وإنما تغضب القلوب بقبح الحال وتغير الاعتقاد، وذلك مما يهون دفعه.

الثالث: إن ملك القلوب ينمو ويسري ويتزايد من غير حاجة إلى تعب لأن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله نطقت وانطلقت الألسنة لا محالة بما فيها، وانتشر ذلك في الأقطار والأمصار، ولا يزال في زيادة اقتناص القلوب والنمو، والمال لا يمكن استنماؤه إلا بتعب شديد.

ولكن الجاه ليس بمذموم مطلقاً، بل هو كالمال ممدوح من جهة ومذموم من أخرى، وكما أنه لابد للإنسان من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس فلابد له من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق كما يحتاج الإنسان إلى طعام يتناوله ويجوز أن يحب الطعام والمال الذي يباع به الطعام، وكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، وكذا حبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته، وكذا حبه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به، وأن يكون له من المحل في قلب السلطان ما يحثُه على دفع الشر عنه، فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال[15].

الفصل الثاني: في علاج حب الجاه


إعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفاً بالتودد إليهم، وابتلي بالرياء والسمعة والنفاق والمداهنة والتساهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، وعلاجه العلم والعمل:

أما العلم: أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه ــ وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم ــ إن صفا وسلم فأخره الموت ولا ينفعه في الآخرة لو لم يضره، ولو سجد له كل من على وجه الأرض فعن قريب لا يبقى الساجد ولا المسجود له[16]، ويكون حاله كحال من مات قبله من ذوي الجاه مع المتواضعين له ، ولمثل هذا لا ينبغي أن يترك الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها.

والكمال الحقيقي الذي يقرب صاحبه من الله ويبقى كمالاً للنفس بعد الموت ليس إلا العلم بالله وبصفاته وأفعاله، ثم الحرية وهي الخلاص من أسر الشهوات. هذا هو الكمال الباقي بعد الموت والباقيات الصالحات التي تبقى كمالاً للنفس.

والمال والجاه هو الذي ينقضي سريعاً، وهو كما مثله الله تعالى:((إِنَّمٰا مَثَلُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الأَرْضِ))[17]، وكل ((تَذْرُوهُ الرِّيٰاحُ))[18] بالموت فهو ((زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنيٰا))[19] وكل ما لا يقطعه الموت فهو من ((الْبٰاقِيٰاتُ الصّالِحٰاتُ))[20].

فمن عرف الكمال الحقيقي صغر الجاه في عينه، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها، ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده.

وأبصار أكثر الخلق ضعيفة تؤثر الدنيا على الآخرة، كما قال تعالى: ((بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى))[21] وقال تعالى: ((بَلْ تُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ))[22].

ومن كان كذلك فينبغي له العلاج بالعلم بالآفات العاجلة لصاحب الجاه، فإن صاحب الجاه مخاطر على نفسه وماله، ومحمود مقصود بالإيذاء، مبتلى بالناس خص بالبلاء، من عرفته الناس يقاسي الشدائد العظيمة، ولأجلها يتمنى الخمول.

ولا يزال ذو الجاه خائفاً على جاهه ومحترزاً من زوال منزلته عن القلوب والقلوب أشد تغييراً من القدر في غليانه، وهي مرددة بين الإقبال والإعراض، وما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر، فإنه لا ثبات له.

والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن الله وتعرض لمقته في العاجل والآجل. وجميع ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه الموهومة فضلاً عما يفوت في الآخرة. هذا هو العلاج العلمي.

وأما العملي: فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالأنس بالخمول والقناعة بالقبول من الخالق والاعتزال عن الناس والهجرة إلى مواضع الخمول، فإن المعتزل في بيته في البلدة التي هو بها مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، ومن قنع استغنى عن الناس وانقطع طمعه عنهم، وإذا استغنى عنهم لم يكن لقيام منزلته في قلوبهم عنده وزن، ويستعين على ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول[23].
 

الفصل الثالث: في حب المدح والثناء


وسببه شعور النفس بالكمال والدلالة على أن الممدوح قد ملك قلب المادح وسخره، وملك القلوب أحب من ملك الأموال ــ كما تقدم.

ولهذين السببين يكره الذم ويتألم به القلب، والسبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، لاسيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بشأنه، وهذا يختص بثناء يقع على الملأ.

والرابع من المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء عليه إما طوعاً أو قهراً، والحشمة أيضاً لذيذة لما فيها من القهر والقدرة، وقد تجتمع هذه الأسباب فيعظم الالتذاذ ويندفع استشعار الكمال بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في مدحه، فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثابتة ــ وهو استيلاؤه على قلبه ــ وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة.

وحب المدح والثناء كحب الجاه حرمة وإباحة ونفعاً وضراً، وعلاجه علاجه، وعلمه بأن الصفة الممدوح بها إن فقدت فاستهزاء وإن وجدت فالدنيوية كمال وهمي والدينية موقوفة على الخاتمة.

وعلاج كراهة الذم العلم بأن الصفة المذموم بها إن وجدت فتبصير للعيوب، وفيه الفرح والشغل بالإزالة، وإن فقدت فكفارة للذنوب وفيه الشكر لله والترحم للذام حيث أهلك نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كسروا رباعيته: اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون[24].

والإنسان يفرح ممن يذم عدوه وهو عدو نفسه، فينبغي أن يفرح إذا سمع ذمها ويشكر الذام عليها ويعتقد ذكاءه، وفطنته لما وقف على عيوبها، فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعين الناس حتى لا يبتلى بفتنة الجاه، وإذا سبقت إليه حسنات لم يتعب فيها فعساه يكون جبراً لعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها.

ولو جاهد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة ــ وهي أن يستوي عند ذامه ومادحه ــ لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره.
وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحدى تلك العقبات، ولا يقطع شيء منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل[25].

ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس. لسان العرب، ابن منظور: 2/ 58، مادة "صوت".

[2] سورة القصص/83.

[3] كشف الريبة، الشهيد الثاني: 51، الفصل الرابع.

[4] في المحجة: "من حب الجاه والمال والشرف في دين الرجل المسلم".

[5] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 112، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان ذم حب الجاه.

[6] في المحجة: "قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام".

[7] المصدر السابق.

[8] الإختصاص، الشيخ المفيد: 232، حديث في زيارة المؤمن لله. وفيه النص: «قال أمير المؤمنينعليه السلام: تبذل لا تشهر، ووار شخصك لا تذكر، وتعلم، واكتم، و اصمت تسلم، قال: وأومأ بيده إلى صدره، فقال: يسر الأبرار ويغيظ الفجار».

[9] الكافي، الكليني: 2/ 297، كتاب الإيمان والكفر، باب طلب الرئاسة/ ح3.

[10] أي: «الإمام الصادق عليه السلام».

[11] الكافي، الكليني: 2/ 298، كتاب الإيمان والكفر، باب طلب الرئاسة/ ح4.

[12] في مجموعة ورام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[13] في مجموعة ورام: "رب أشعث أغبر ذي طمرين".

[14] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 182، بيان ذم الاشتهار وفضيلة الخمول.

[15] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 128 ــ  129، الفصل الثاني. جامع السعادات، النراقي: 2/ 352 ــ 354، الجاه أحب من المال. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/248 ــ 249، كتاب ذم الجاه و الرياء، بيان سبب كون الجاه محبوبا.

[16] تنبيه: المقصود بالمسجود له، هو: من غلب على قلبه حب الجاه، وابتلي بالرياء، كما هو موضح أعلاه.

[17] سورة يونس/ 24.

[18] سورة الكهف/ 45.

[19] سورة طه/ 131.

[20] سورة الكهف/ 46.

[21] سورة الأعلى/ 16 ــ 17.

[22] سورة القيامة/ 20 ــ 21.

[23] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 128 ــ 131، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان علاج حب الجاه. جامع السعادات، النراقي: 2/ 364 ــ 366، فصل علاج حب الجاه. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 254 ــ 256، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان علاج حب الجاه.

[24] أنظر: إيمان أبي طالب، السيد فخار بن معد الموسوي: 155، الفصل الثاني.

[25] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 129 ــ 132، الفصل 2 ــ 3. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 131 ــ 138، كتاب ذم الجاه والرياء. جامع السعادات، النراقي: 2/ 368 ــ 372.

في الإنصاف سعادة

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

قال الامام الحسين عله السلام: «فَإنْ أعْطَيْتُمُونِي النَّصَفَ كَنْتُمْ بِذلِكَ أسْعَدَ... الخ».

أنصف الشيء: عدل، أنصف فلانا: عامله بالعدل، أعطى له حقه[1].

الإنصاف: هو أن تعدل مع الآخرين ولا تبخسهم حقهم وإن كان من نفسك وما يؤيد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام:

«العَدْلُ الإنْصافُ»[2].

حثت الأحاديث الشريفة على ضرورة التحلي بهذه الفضيلة التي لا يتصف بها إلاّ أهل الإيمان والصلاح، ولا يتزين بها إلاّ الأشراف من الناس فلذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«الإنْصافُ شيمَةُ الأشْرافِ»[3].

فللإنصاف آثار رائعة نلمس من خلالها السعادة التي يعيشها المنصف وهذا ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في الأحاديث الآتية:

1ـ الإنصاف يوجب المثوبة العظيمة كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«إنَّ أعْظَمَ المَثوبَةِ مَثوبَةُ الإنْصافِ»[4].

2ــ إذا حرص المرء على إدامة العلاقة مع الناس بالمودة والمحبة فليتصف بالإنصاف وهذا ما أكده قوله عليه السلام:

«الإنْصافُ يَسْتَديمُ المَحَبَّةَ»[5].

3ــ الإنصاف يوجب الوحدة والأخوّة ويمنع التنازع والخصومة كما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«الإنْصافُ يَرْفَعُ الخِلاَفَ، وَيُوجِبُ الايتِلاَفَ»[6].

4ــ الإنصاف وسيلة للتلاقي والاستمرارية في العلاقات كما في قوله عليه السلام:

«بالنَّصفَةِ يَكْثُرُ المُواصِلونَ»[7].

5ــ الإنصاف يوجب توسيع الرقعة الاجتماعية للفرد إذ جاء عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام:

«المُنْصِفُ كَثيرُ الأوْلِياءِ والأوِدّاءِ»[8].

6ــ الإنصاف يورث الاستقرار والطمأنينة وعدم التعب كما ورد عنه عليه السلام:

«الإنْصافُ راحَةٌ»[9].

7ــ الإنصاف يخلع على المنصف الجمال المعنوي، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«تاجُ الرَّجُلِ عَفافُهُ، وَزَينُهُ إنْصافُهُ»[10].

8ــ الإنصاف يدل على سخاء وجود صاحبه، حيث قال عليه السلام:

«المُنْصِفُ كَريمٌ، الظّالِمُ لَئيمٌ»[11].

9ــ الإنصاف يدفع عنك السوء والضرر، بل قد يدفع عن غيرك ممن أنت معهم، كما جاء في قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصّيته لابن مسعود:

«يا بنَ مَسْعودٍ، أنْصِفِ النّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وانْصَحِ الأُمَّةَ وارْحَمْهُمْ، فَإذا كُنْتَ كَذلِكَ وَغَضِبَ اللهُ عَلى أهْلِ بَلدَةٍ أنْتَ فيها وأرادَ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ العَذابَ نَظَرَ إلَيْكَ فَرَحِمَهُمْ بِكَ، يَقُولُ اللهُ تَعالى:

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[12]»[13].

10ــ من أراد العزة والابتعاد عن الذلة فليكن منصفا كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«ألاَ إنَّهُ مَنْ يُنْصِفِ النّاسَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إلاّ عِزّاً»[14].

وبعد التأمل في الآثار الرائعة التي يورثها الإنصاف نجد أن المنصف يعيش السعادة الحقيقية ولكي يتضح العنوان (في الإنصاف سعادة) نجري هذا التأليف بين أحاديث أهل البيت عليهم السلام وكما يلي:

1ــ ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أن للمنصف محبة ومودة في قلوب الناس بدليل قوله عليه السلام:

«المنصف كثير الأولياء والأودّاء».

والمنصف الذي يتخذ الإنصاف صفة يتعامل بها مع الناس ينال محبتهم وتواصلهم وهذا مضمون قوله عليه السلام:

«الإنصاف يديم المحبة».

وقوله عليه السلام:

«بالنصفة يكثر المواصلون».

فلا شك في أن من اتصف بالإنصاف ينال ثناء الناس ومدحهم وإلاّ كيف يتواصلون معه وكيف يكنّون له المودّة دون أن يكون لهم في قلوبهم منزلة؟

2ــ ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«عُنْوانُ صَحيفَةِ السَّعيدِ حُسْنُ الثَّناءِ عَلَيْهِ»[15].

وبضم هذا الحديث مع الأحاديث أعلاه يتضح أن المنصف هو من نال ثناء الناس وحبهم، وأن من نال ثناء الناس وحبهم فهو السعيد، فصار المنصف سعيداً.

3ــ قلنا في عنوان البحث (في الإنصاف سعادة) وحيث إن الإنصاف هو الالتزام بالحق قولاً ومنهجا فهذا يؤدي بدوره إلى السعادة، إذن في الإنصاف سعادة ومما يؤكد ذلك أيضا قول أمير المؤمنين عليه السلام:

«في لُزومِ الحَقِّ تَكونُ السَّعادَةُ»[16].

وبهذا المقدار نكتفي لبيان عنوان البحث.
ــ نصائح في الإنصاف

1ــ ليكن الإنصاف خلقاً تتعامل به مع عامة الناس ولكن لابد من إكرام المؤمن بما هو أفضل من الإنصاف وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام:

«عامِلْ سائِرِ النّاسِ بِالإنْصافِ، وَعامِلِ المُؤْمِنينَ بِالإيثارِ»[17].

2ــ إذا حرصت على إدامة الأخوّة بينك وبين غيرك من أخوانك فلا تبخل عليهم بالإنصاف ولكن من دون أن تطالبهم به كما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام:

«لَيْسَ مِنَ الإنْصافِ مُطالَبَةُ الإخْوانِ بِالإنْصافِ»[18].

3ــ لكي تكون أفضل من غيرك لابد أن تمتاز عليه بشيء، فلذا أنت مطالب بإنصاف من لم ينصفك بل من ظلمك وهو ما صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في هذين الحديثين:

«المُؤْمِنُ يُنْصِفُ مَنْ لاَ يُنْصِفُهُ»[19].

وعنه عليه السلام قال:

«أعْدَلُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مَنْ ظَلَمَهُ»[20].

4ــ الانتصار على النفس وسيلة من وسائل التزكية والسلوك إلى الله تعالى فلذا ورد في الأحاديث التالية:

قال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام:

«إنَّ أفْضَلَ الإيمانِ إنْصافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسِهِ»[21].

وعنه عليه السلام قال:

«أنْصَفُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حاكِمٍ عَلَيْهِ»[22].

وعنه عليه السلام أيضا:
«إنَّكَ إنْ أنْصَفْتَ مِنْ نَفْسِكَ أزْلَفَكَ اللهُ»[23].

 
ـــــــــــــــــــــ
[1] المعجم الوسيط: ص926.

[2] تفسير العيّاشي: ج2، ص267، ح61. ميزان الحكمة: ج6، ص2427، ح11991.

[3] غرر الحكم: 570. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20199.

[4] غرر الحكم: 3387. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20194.

[5] غرر الحكم: 1076. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20196.

[6] غرر الحكم: 1702. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20198.

[7] نهج البلاغة: الحكمة: 224. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20205.

[8] غرر الحكم: 2116. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20206.

[9] غرر الحكم: 16. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20200.

[10] غرر الحكم: 4495. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20201.

[11] غرر الحكم: 54. ميزان الحكمة: ج10، ص4330، ح20207.

[12] سورة هود، الآية: 117.

[13] مكارم الأخلاق: ج2، ص360، ح2660. ميزان الحكمة: ج10، ص4332، ح20226.

[14] الكافي: ج2، ص144، ح4. ميزان الحكمة: ج10، ص4332، ح20228.

[15] كشف الغمة: ج3، ص137. ميزان الحكمة: ج4، ص1737، ح8537.

[16] غرر الحكم: 6489. ميزان الحكمة: ج4، ص1738، ح8545.

[17] غرر الحكم: 6342. ميزان الحكمة: ج10، ص4331، ح20210.

[18] أمالي الطوسي: ص280، ح537. ميزان الحكمة: ج10، ص4331، ح20214.

[19] غرر الحكم: 1410. ميزان الحكمة: ج10، ص4331، ح20215.

[20] غرر الحكم: 3186. ميزان الحكمة: ج10، ص4331، ح20216.

[21] غرر الحكم: 3439. ميزان الحكمة: ج10، ص4332، ح20220.

[22] غرر الحكم: 3345. ميزان الحكمة: ج10، ص4332، ح20221.

[23] غرر الحكم: 3803. ميزان الحكمة: ج10، ص4332، ح20224.

مساوئ التخمة في ضوء علم الأخلاق وروايات أهل البيت عليهم السلام

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

إعلم أن البطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات، إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق(1) إلى المنكوحات، ثم يتبع شهوة المطعم والمنكح شدة الرغبة في المال والجاه اللذين هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ويتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات(2) وضروب المنافسات والمحاسدات، ويتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة(3) التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد من بطر(4) الشبع والامتلاء.

ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق مجاري الشيطان لأذعنت(5) نفسه لطاعة الله ولم تسلك سبيل البطر والطغيان، ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة على العقبى، ولم يتكالب(6) هذا التكالب على الدنيا(7). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل ملكوت السماوات قلب من ملأ بطنه(8).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة(9).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب كالزرع(10) يموت إذا كثر(11) عليه الماء(12).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان هو فاعلاً لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه(13).

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش(14).

وقال الصادق عليه السلام: إن البطن ليطغى من أكلة، وإن أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله تعالى إذا امتلأ بطنه(15).

وعنه عليه السلام(16) قال: ليس لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه، فإذا أكل أحدكم طعاماً فليجعل ثلث بطنه للطعام وثلث بطنه للشراب وثلثه للنفس(17)، ولا تسمنوا سمن(18) الخنازير للذبح(19).

وقال الباقر عليه السلام: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى(20) من بطن مملوء(21).

وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة(22).

وفوائد الجوع كثيرة:

الأولى: صفاء القلب واتقاد(23) القريحة(24) ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة(25) ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ كشبه السكر.

الثانية: رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر(26).

الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر(27) الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله.

الرابعة: أن لا ينسى بلاء الله وعذابه، ولا ينسى أهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائعين وينسى الجوع، والفطن(28) لا يشاهد بلاءً إلا ويتذكر بلاء الآخرة، فيتذكر بالجوع جوع أهل النار وأن ((لَيْسَ لَهُمْ طَعٰامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ))(29)، وبالعطش عطشهم وعطش أهل المحشر في عرصات(30) القيامة.

الخامسة: كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء(31)، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى، ومادة الشهوات والقوى الأطعمة والأشربة.

السادسة: دفع النوم ودوام السهر، فإن من شبع شرب كثيراً، ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب.

السابعة: تيسير المواظبة على العبادة، لأن كثرة الأكل تحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل وتحصيله وتحصيل الآلة وأسبابه، والاشتغال بإدخاله وإخراجه.

الثامنة: صحة البدن ودفع الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضول الأخلاط في المعدة والعروق، ثم المرض يمنع العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر ويحوج إلى الفصد(32) والحجامة(33) والدواء والطبيب، وإلى مؤن وتبعات لا يخلو الإنسان فيها بعد التعب من أنواع المعاصي.

قال عليه السلام(34): المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء(35)، وأعط كل بدن ما عودته(36).

التاسعة: خفة المؤونة.

العاشرة: التمكن من الإيثار والتصدق بالفاضل عن الضروري(37).

وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: قلة الأكل محمودة على كل حال وعند كل قوم، لأن فيها المصلحة للظاهر والباطن، والمحمود من المأكول أربعة: ضرورة، وعدة، وفتوح، وقوت. فالضرورة للأصفياء، والعدة لقوم الأتقياء، والفتوح للمتوكلين، والقوت للمؤمنين.

وليس شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة شيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة. والجوع أدام للمؤمن، وغذاء للروح، وطعام للقلب، وصحة للبدن(38)ــ الحديث.

واعلم أنه حيث كان طبع الإنسان طالباً لغاية الشبع جاء الشرع في المبالغة في الجوع، حتى يكون الطبع باعثاً والشرع مانعاً، فيتقاومان ويحصل الاعتدال والوسط المطلوب في جميع الأخلاق والأحوال، فالأفضل حينئذ بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا بألم الجوع، فإن المقصود من الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة، وثقل الطعام يمنع العبادة وألم الجوع أيضاً يشغل القلب ويمنع منها، فالمقصود أن يأكل أكلاً معتدلاً بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر، ليكون متشبهاً بالملائكة، فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام وألم الجوع(39). وإليه الإشارة بقوله تعالى:((كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلا تُسْرِفُواْ))(40).
 
والقوام فيه أن لا يأكل طعاماً ولا يشرب شراباً حتى يشتهيه، ويكف نفسه عنهما وهي تشتهيه(41).

ــــــــــــــــــــــ
(1) الشبق: شدة الغلمة وطلب النكاح. يقال: رجل شبق وامرأة شبقة. وشبق الرجل، بالكسر، شبقا، فهو شبق: اشتدت غلمته، وكذلك المرأة. لسان العرب، ابن منظور: 10/ 171، مادة  "شبق".

(2) رعن: الأرعن: الأهوج في منطقه المسترخي.  والرعونة: الحمق والاسترخاء. رجل أرعن وامرأة رعناء، بينا الرعونة والرعن أيضا. لسان العرب، ابن منظور: 13/ 182، مادة  "رعن".

(3) الغوائل جمع غائلة: وهي: الحقد. يقال: غاله يغوله غولا من باب قال: إذا ذهب به وأهلكه. مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 3/ 339، مادة  "غول".

(4) البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى. لسان العرب، ابن منظور: 4/ 69، مادة "بطر".

(5) أذعن له: خضع وذل وأقر وأسرع في الطاعة وانقاد كذعن، كفرح. القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/225، فصل الذال.

(6) من المجاز: الكلب (الحرص)، كلب على  الشيء كلبا إذا اشتد حرصه على طلب شيء. تاج العروس، الزبيدي: 1/459، مادة  "كلب".

(7) أنظر: جامع السعادات، النراقي: 2/ 8، المقام الثالث، الشره. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/73، كتاب كسر الشهوتين.

(8) المحجة البيضاء،الفيض الكاشاني:5/146،باب كسر الشهوتين،بيان فضيلة الجوع وذم الشبع.

(9) المغني عن حمل الأسفار، أبوالفضل العراقي:2/ 749،كتاب كسر الشهوتين/ ح2745.

(10) في شرح  ابن أبي الحديد: "فإن القلب يموت بهما كالزرع".

(11) في شرح ابن أبي الحديد:"إذا أكثر".

(12) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 19/ 187، باب الحكم والمواعظ، نبذة من الأقوال الحكمية في حمد القناعة وقلة الكلام.

(13) المحجة البيضاء،الفيض الكاشاني:5/147،كتاب كسر الشهوتين،بيان فضيلة الجوع وذم الشبع.

(14) أعلام الدين، الديلمي: 121، باب صفة المؤمن.

(15) أنظر: المحاسن، البرقي:2/446،كتاب المآكل،باب 44 النهي عن كثرة الطعام وكثرة الأكل/ح 6.

(16) أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

(17) في الكافي: "وثلث بطنه للنفس".

(18) في الكافي: "تسمن".

(19) الكافي، الكليني: 6/ 269 ــ 270، كتاب الأطعمة، باب كراهية كثر الأكل/ح9.

(20) في المحاسن: "إلى الله عزّوجل".

(21) المحاسن، البرقي:2/447،كتاب المآكل،باب النهي عن كثرة الطعام وكثرة الأكل/ح8.

(22) مجموعة ورام، ورام ابن أبي فراس: 1/ 102، باب تهذيب الأخلاق.

(23) وقد: وقدت النار توقدت، وبابه وعد، ووقودا بالضم ووقيدا بالفتح وقدة بالكسر ووقدا ووقدانا بفتحتين فيهما وأوقدها هو واستوقدها أيضا، والاتقاد كالتوقد والوقود بالفتح الحطب وبالضم الاتقاد. مختار الصحاح، الرازي: 374، باب الواو, مادة  "وقد".

(24) قرحا: رماه به واستقبله به. الاقتراح: ارتجال الكلام. والاقتراح ابتدع الشيء تبتدعه وتقترحه من ذات نفسك من غير أن تسمعه، وقد اقترحه فيهما. لسان العرب، ابن منظور: 2/ 558، مادة "قرح".

(25) البلادة ضد الذكاء. وقد بلد بالضم فهو بليد. الصحاح، الجوهري: 2/ 449، مادة "بلد".

(26) قال السيد الخوئي: الذكر، هو: الصلاة. كتاب الصلاة، السيد الخوئي: 3/ 184، فصل في القيام. قال الكاشاني: قيل، هو: الدعاء. بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني: 2/ 136، فصل الوقوف بمزدلفة.

(27) الأشر: البطر. وقد أشر بالكسر يأشر أشرا، فهو أشر وأشران. الصحاح، الجوهري: 2/ 579، مادة  "أشر".

(28) الفطنة: كالفهم. والفطنة: ضد الغباوة. ورجل فطن بين الفطنة والفطن  وقد فطن لهذا الأمر. وأما الفطن فذو فطنة للأشياء. لسان العرب، ابن منظور: 13/ 323،  مادة  "فطن".

(29) سورة الغاشية/ 6 ــ 7.

(30) العرصات: جمع عرصة، وقيل: هي كل موضع واسع لا بناء فيه. لسان العرب، ابن منظور: 7/ 53، فصل العين المهملة، مادة "عرص".

(31) إشارة إلى قوله تعالى: ((وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ )) سورة يوسف/53.

(32) الفصد: شق العرق، فصده يفصده فصدا و فصادا، فهو مفصود وفصيد. لسان العرب، ابن منظور: 3/ 336، مادة  "فصد".

(33) الحجم: فعل الحاجم، وقد حجمه يحجمه من باب قتل: شرطه، فهو محجوم، واسم الصناعة، حجامة بكسر الحاء. والمحجم بالكسر والمحجمة: الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المص. مجمع البحرين، الطريحي: 445 ــ 446، باب الحاء، مادة  "حجم".

(34) النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

(35) في العوالي: "والحمية رأس الدواء".

(36) عوالي  اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 2/30، الباب الأول في أحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الرابع/ح72 .

(37) أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 3 / 77 ــ 80، كتاب كسر الشهوتين، بيان فوائد الجوع وآفات الشبع.

(38) أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 77، الباب 34 في الأكل.

(39) أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 67، الباب الثاني فيما يؤدي إلى مساوي الأخلاق، الفصل الأول الاعتدال في شهوتي البطن والفرج. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/76 ــ 80، كتاب كسر الشهوتين، بيان فوائد الجوع وآفات الشبع.

(40) سورة الأعراف/ 31.

(41) طب الأئمة، ابنا بسطام: 60، لوجع الخاصرة.