الامام الحسين شـهيـد الفضيلة الخالد

بقلم: الشيخ باقر شريف القرشي

لا أرى الموت إلاّ سعادة   ****   والحياة مع الظالمين إلاّ برما

وهكذا يأبى التفكير الصحيح من الخضوع لمسالمة من أراد بالأمة سوء وتحكم فيها مستبداً دون أن تثيره النخوة فلا يفتأ أن يصرخ في وجوه المستبدين فيبني كيان أمته بكل ما يستطيعه وإن وجوده في الأمة لنادر بل لا يدركه الشعور والحسين أبو الشهداء، لأنه المثل الأعلى للمجاهدين حيث ضرب المثل العليا لجميع الشهداء.

وواقعة الطف متى ذكرت تذكر مقرونة بالتعظيم والتبجيل ذلك لأنها اشتملت على مفاخر وعبر ما لم تحويه أيَّ مأساة جرت في الوجود فحلت في قلب كل إنسان خضع لصاحب الرسالة أو لم يخضع. وحتى أخذت اثرها في قلب كل رجل كان الناس لا يظنون به إلاّ سوء فأسمعه يرثيه بما يتم عن أثرها العميق في نفسه فيقول:

وعلى الأرض من دماء الشهيدين  ****   علي ونجـلـه شـاهـدان
فهـما في أواخـر الليل  فجران   ****  وفي أوليـائـه قـمــران

فما سبب هذا التأثير الذي يجده كل من قدس الفضيلة وما سبب خلود هذه التضحية إلاّ لأنها قاومت الباطل بكل ما استطاعت من رفع الظلم عن الأمة وإزالة حلم الإستبداد الجائر عنها. يقول علي لأبيه ألسنا على الحق، فيقول له ابوه بلى والذي إليه يرجع أمر العباد، وهكذا كانت نية أصحابه وأهل بيته إيماناً بالحق وتفانياً أزاء المبدأ القويم. خرج من مكة عالماً بمصرعه متيقناً أن تضحيته هذه ستعود بالخير الكثير على أمة جده سار في طريقه وهو يرتل.

سأمضي وما بالموت عار على الفتى  ****   إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلـما

نعم هان الموت عنده وعند اصحابه الأشاوس وعظم عليهم الخضوع لذلك الفاسق المستهتر لقد خاب ظن أبن هند فيما فكَّر فيه من تنصيب يزيد خليفة على المسلمين وتمكينه من رقابهم ولسنا ببعيدين عن الحقيقة إذا قلنا أن إذهاب الإسلام  وفل شعاعه كان أمنية في نفس معاوية فلم يستطعها في حياته فخلف ابنه من بعده واسر اليه بها فما تربع يزيد دست الخلافة إلاّ أخذ يجاهر بقوله لاخبر جاء ولا وحي نزل وبأعماله التي ينفر القلم من ذكرها فهل يا ترى يخضع الحسين لهذا الفاجر وهو سبط صاحب الرسالة والمثل الأعلى لجده القائل فيه (( حسين مني وأنا من حسين)) فصرخ في وجوه المعادين لدين الله فعاد بأجمل الذكر وفل عروش الدولة الجائرة وأوضح ما إنطوت عليه نفوس أمية فحصل كما قيل:

من رام تفسير الحياة لقومه   ****    قدم الشهيد يبين عن معناها
لولا الدماء تراق لم تك أمة  ****    بلغت من المجد العريق مناها
تسمو الحياة بكل حر ماجد  ****   وجبت عليه حقوقها فقضاها

فسلام عليك يا ضحية الفضيلة وعلى أصحابك تحيات من الله.

عـظمـة الشـهيـد

بقلم: السيد محمد رشيد المرتضى

إن في ثنايا التاريخ العربي الإسلامي أو بعبارة أشمل التاريخ العالمي ثغرة وثلمة من الزمان خطيرة ليس في وسع الكتاب البلغاء ان يبلغوا حد خطورتها كما ليس في مقدور الخطباء الفصحاء ان يصفوا مدى تأثير حادثتها ولكنها في الوقت نفسه حادثة تشع من نوافذها انوار الكمال الإنساني والخلقي انوار المبادئ السامية والمثل العليا انوار الشمم والأباء والتضحية العظمى.

تلك هي حادثة يوم عاشوراء التي استشهد فيها ريحانة رسول الله (عليه السلام) ومن قتل معه من آل وأصحاب وانها لحادثة عظيمة في معناها وغايتها خليلة فيما خلقت من أجواء تحريرية يجد فيها المتكلمون عزاءهم وسبيل التعبير عن آرائهم.

لقد اهتز هذا الشهيد اضطراباً لأنين الشعب المضطهد تحت ارهاق جبابرة ذوي أطماع استبدوا به وأرهقوا ومضوا على خطتهم في الضغظ عليه وتكميم فاه.

فقام الحسين (عليه السلام) بحملة عنيفة وهب لثورة عتيدة ثار بعشيرته وصحبه متحملاً كل عبء مرهق هب يقاوم جيوش الطغيان منتصراً للشعب المهضوم الراسف في القيود ليرد عنه عادية الطغاة المستبدين.

لقد كان قرير العين هادئ البال وهو يرى نفسه يسام المر حيث يرى صبيته تتلوى من شدة العطش ويرى نساءه يتفجعن بين يديه ثم يشاهد مصرع فتيانه من آل وأصحاب يتهاوون على وجه الصعيد حتى الرضيع فتارة يقول (عليه السلام) في طفله:(هون عليَّ ما بك أنه بعين الله) وتارة يقول لشبله (قاتل فاني أرجوا أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك)  وتارة يصيح في بني هاشم:(صبراً يا بني عمومتي صبراً يا آل بيتي فوالله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم) وتارة يقول لأصحابه: ( قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابد منه فهذه السهام رسل القوم اليكم) ولعل هذا الموقف من أروع مواقف بطولته وأقوى مشاهد اقدامه لأن هذه الفقرة كما قال بعضهم: ((ترسم بكل وضوح نفسية الحسين (عليه السلام) غير هياب ولا وجل يدعوا اصحابه الى الموت كأنما هو يدعوهم الى مأدبة لذيذة)) ولقد كانت لذيذة عنده حقاً لأنه وهو ينازل الباطل يرتسم له برهان ربه الذي هو مبدأه ويسمع صوت الله الذي هو ضميره.

ولذلك كان يرى تلك الفظائع كلها وهو قرير العين هادئ البال في نشوة من المبادئ الحرة الخالدة التي يدافع عنها ويتفانا دونها وفي غمرة من المثل العليا التي تشع انوارها الساطعة بين ناظريه لأن من تسيطر عليه الفكرة السامية وتملك شعوره الأماني العذاب لا يشعر بمريرات العذاب لا يحس بآلام الحياة وأزمات الأعصاب ولو سجر من حوله الأتون.

وكما قال الأستاذ العلايلي في الحلقة الثالثة من حياة الحسين عليه السلام) المطبوعة حديثاً (( إن الحياة الإنسانية الحقيقية هي الفكرة فقط بلا جرم ان نجد المؤمن بفكرة في الحياة يسعى لنشرها ويكافح من اجلها مهما كلفته لأن فكرته هي تمده بالحياة أو تجعل لها لوناً يجذبه اليها فإن خرجت الحياة عن قاعدة فكرته التي يؤمن بها فأما ان يعيش غريباً متألماً وأما أن يخلد مجاهداً.

وكذلك الحسين (عليه السلام) فضل الخلود في الجهاد على العيش في غربة.

ثم يقول وأما الذي يعيش بدون فكرة فإنه حيوان ساذج يحيا بالغريزة وحدها وبذلك ينحدر عن مستوى النوع الإنساني.

اذاً فلشهادة الحسين (عليه السلام) عظمتها البالغة وأهميتها العظمى لأنها تركت تيارات كبيرة في مجر ى التاريخ الإسلامي العربي وكيفت الوضعية العامة في الشرق الإسلامي بكيفية بقيت طوابعها ملموسة قوية ورائعة مشعة كما كان ذلك الحدث الخطير مثلاً فذاً خالداً في التضحية والإستماتة في سبيل المبدأ.

فظل الحسين (عليه السلام) بطلاً انساناً كما ظل بطلاً دينياً لأنه استشهد في سبيل الدين والأخلاق وضحى من أجل المبادئ والحريات ولذلك تقيم حادثته العالم وتقعده في كل مكان وزمان من مشارق الأرض الى مغاربها فيقفون جميعاً واجمين خاشعين اعجاباً وإجلالاً يملأ القلوب واكباراً تفيض به الأرواح وسيبقى ذلك كذلك على ممر الدهور والأعوام.

أيها الذائد عن شرع الهدى   ****   أنت رمـز للمعالي يا حسين
ذكرك السامي سيبقى خالداً   ****  أبد الـدهر يهز الـخافقين

ذكرى حفيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

بقلم: الأستاذ محمد مبروك نافع
استاذ تاريخ الأديان بدار العلوم

ما أحسست طوال حياتي برهبة الموقف وما تهيبت المنبر من قبل، قدر تهيبي هذه المرة. لقد الفتم أيها السادة في هذا الموقف أن يتحدث الناس الى عواطفكم فحسب، أما أنا فسأحاول أن أتحدث إلى قلوبكم وعقولكم معاً، فمن كان الحسين عليه السلام) الذي تجتمع الآلاف المؤلفة للإحتفال بذكراه، ومن كان يزيد الذي نكب العالم في عهده النكبات الثلاث المعروفات فأما الحسين فهو أشهر من أن يعرف، هو أبن بنت رسول الله وأبن الإمام الأكبر علي بن أبي طالب(عليهم السلام) وكفاه هذا تعريفاً، وأما يزيد فهو أبن معاوية من ميسون الكلبية بعث به أبوه إلى البادية ليربى في قبيلة بني كلب المسيحية فنشأ على شر خصال البادية من معاقرة للخمر وولع بالصيد ومجالسة النساء والاستهتار بشؤون الدين، وأراد أبوه أن يأخذ له البيعة قسراً من جلة الصحابة وشيوخ العرب الأفاضل فقبل البيعة من قبل ممن جارى معاوية استجلاباً لرضاه، وأبى أهل المدينة أن يلي شؤون المسلمين شاب حدث تلك بعض صفاته، ولم يكن معاوية بالرجل الذي يترك ما إنتواه بسهولة، فلما فشلت الحيلة إذ بنا نراه يأخذ البيعة ممن ذكرنا قسراً في المسجد وقد أوقف الى جوار كل واحد شرطي شاهراً سيفه على أهبة الإستعداد للإطاحة برأس كل من ينبس ببنت شفة. وكان الحسين قد أفلت من المدينة إلى مكة وبينما هو هناك إذ بالرسائل تترى من أهل الكوفة والرسل تتوافد تحمل عرائض الثقة بالحسين(عليه السلام) وبأنهم كممثليه لأهل العراق لا يرضون بيزيد خليفة وأنهم عقدوا العناصر على بيعة الحسين(عليه السلام) والدفاع عنه وحاول فريق أن يثنوا الحسين(عليه السلام) عن عزمه ولكنه اقدم وهو يعلم أنه مقدم على امر خطر وهو لا يتردد أن يجعل دمه فداءاً للفكرة السامية التي كانت تعمر قلبه ويؤمن بها وجدانه وهي أنه لا يجوز أن يلي شؤون المسلمين في ذلك الصدر الأول من الإسلام رجل غير تقي، بل رجل لا يتورع عن المجاهرة بالفسوق والعصيان.

كان الحسين(عليه السلام) عظيماً فما أقدم غير مقدر للموقف على هذا الأمر العظيم، والعظيم أيها السادة يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه وكذلك كان الزعماء في كل العصور.

وأتصل بالحسين(عليه السلام) وهو في ركبه إلى الكوفة من أنبأه بأن قلوب القوم معه ولكن سيوفهم مع بني أمية، ولكنه لم ينثن بل لم ينس أيضاً عندما قيل له أن رسوله إلى أهل الكوفة وهو مسلم بن عقيل قد قتل، وقتل معه هانيء بن عروة، فلم يتحرك أهل الكوفة للثأر لهما، لم ينثن إذ أبت عليه مروئته وشهامته ألاّ يجيب بني عقيل الذين أصروا على ان يثأروا لقتيلهم فكان في طليعتهم، حتى إذا ما أشرفوا على أرض الكوفة إذا بجند الوالي عبيد الله بن زياد تحيط به فلا تفارق ركبه ويحاول الحسين(عليه السلام) التفاهم مع زعيمهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فيتردد الرجل أو لا يتهيب أن يقتل حفيد رسول الله . ولكن خبث بن زياد وشناعة الملعون شمر بن ذي الجوشن تغير الموقف وتجعل عمر وهو ابن سعد بن أبي وقاص يخشى أن يفقد ما مني به من ولاية الري فيقدم على أكبر جريمة إقترفها الأمويون، وإذا، بالمعركة تدور بين فريقيـن لا تكافئ بينهما، فريق عدته الـوف وآخر عدته عشرات، وأخذ اتباع الحسين وأقرباؤه وبنوه يتساقطون الواحد تلو الآخر أمامه بعد أن أبلوا بلاءً حسناً وقتلوا من عدوهم أكثر مما قتل منهم، وأخيراً خرَّ حفيد الرسول صريعاً، فروى بدمه الطاهر أرض كربلاء فأنبت دمه الطاهر بذور المذهب الشيعي بأكثر مما أنبته أبوه وولدت الشيعة منذ اليوم العاشر من شهر محرم ولا أريد أيها السادة أن أذكر تفاصيل القتلة الشنيعة فأنتم تعرفونها جميعاً وتحذقون كل تفاصيلها، وما هذه الدموع المترقرقة في مآقيكم وهذه الآنات المتصاعدة من صدوركم، وذلك الوجوم الذي يعلو جموعكم الزاخرة إلاّ دليل على ما تنطوي عليه جوانحكم من التقدير والتبجيل لحفيد الرسول الشهيد والآلم الشديد لشناعة مصرعه.

وقال قائل لقد فشل الحسين في محاولته ومات، فورب الكعبة إن الحسين لم يفشل، فما حدث أن حييت ذكرى رجل في التاريخ فحكم من ملايين الناس بعد موته كما حدث للحسين وأبيه من قبل وأولاده من بعد، إن الحسين(عليه السلام) لم يمت بل هو حي في كل شخص منكم، هو حي في جماهيركم وذاكرتكم، هو حي في هذا الحشد الحافل هنا في الكاظمية وفي كربلاء والنجف وأرض العراق وفي فارس والهند ومصر وشمال أفريقيا وأندنوسيا وغيرها من الأقطار التي يسكنها الأربعمائة مليون من البشر الذين يدينون بدين جد الحسين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فمنذ ثنتين وثلاث مئة وألف سنة وملايين المسلمين تحتفل بذكرى هذا اليوم إن لم يكن إحتفالاً عاماً رسمياً كإحتفالكم هذا فهو إحتفال قلبي هادئ في كل بيت وفي كل مجتمع.

وألفتم ايها السادة منذ تلك القرون الغابرة أن تتخذوا هذا اليوم العاشر من محرم يوم مناحة وبكاء عام، أما أنا فأريد أن اقول يجب أن نتخذ من هذا اليوم عيداً لإحياء مبادئ الحسين ومبادئ جده رسول الله تلك المبادئ السامية التي نقلت العالم من الظلمة إلى النور، وخرجت الأبطال من اواسط شبه الجزيرة العربية إلى ربوع العالم الزاهرة في الشرق والغرب فنقلها من الظلم والطغيان إلى العدل والإيمان، أجل لنحتفل في هذا اليوم بذكرى الحسين الذي استشهد في سبيل تحقيق هذه المبادئ ولنقف جميعاً نحن معاشر المسلمين كالبنيان المرصوف كتفاً إلى كتف في تأييد هذه المبادئ لافرق بين مذهب ومذهب وصاحب رأي وصاحب رأي ، فإن تحقيق مبادئ الإسلام ونصرة كلمة الدين هي التي تطمئن لها أرواح أولئك الشهداء الذين فاضت أرواحهم في سبيل الحق، إن تحقيق هذه المبادئ تطمئن له أجسامهم في باطن الأرض أكثر مما تطمئن إلى أي شيء آخر، وأذكروا أيها السادة أنكم تجتمعون هنا في ساحة الإمام الكاظم فإكظموا غيظكم وأعفوا عن المسيئين إليكم.

أيها الأخوان إن الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس أحب إلى الله ورسوله من الذين قست قلوبهم ونقموا على إخوانهم ولم يغفروا لهم زلاتهم.

ايها السادة، لنتخذ من مبادئ الحسين عليه السلام) أكبر هادٍ لنا ولنتكاتف جميعاً أفراد وجماعات على نصرة هذا الدين الحنيف ورفع شأن المسلمين.

ولنتخذ من هذا الإحتفال بداية عهد جديد يسود فيه السلام والوفاق بيننا جميعاً ولتكن وحدتنا العربية أقوى بداية للوحدة الإسلامية التي ينشدها الجميع وإذ ذاك تطمئن روح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرواح كل الأبرار الشهداء، وفقنا الله جميعاً إلى ما فيه صالح هذا العالم الإسلامي وهدانا .. إنه نعم الهادِ والسلام عليكم ورحمة وبركاته.

يومان من حياة سيد الشهداء عليه السلام

بقلم: الأستاذ عبد الرزاق العايش

في أية بداية من بدايات العظماء يجد الكاتب لقلمه وبيانه متسعاً للبحث ومجالاً للتنقيب، إلاّ في بداية الحسين  عليه السلام) . فما من كاتب خاض البحث عنها إلاّ تملكاه دهشة وذهول. لأن في بدايته يداً تزج الى نهايته، ونهايته خضم صاخب في وسط امواجه المتلاطمة اقلعت سفينة النجاة، تحفها قدسية الإيمان وتكتنفها هيبة البطولة، ويعلوها علم التضحية..!!

لذا مهما حاولت افصل بين نقطتي البداية والنهاية، وبالغت في اسباب الفصل بين بداعة هذه وفداحة تلك. ذهبت محاولتي سدى، إذ تغلغلت النهاية الى اعماق نفسي، وتمثلت أمام عدسة احساسي، فكأني - والحال هذه - اتعاطى مزيجاً من عسل وعلقم.

منذ ألف وثلثمائة ونيف وستين سنة خلت... استحالت احدى أماسي الثلث الأول من شعبان ضحى سعادة وهناء، في مهبط الوحي الإلهي، ومحيط السمو المعنوي، (حيث كانت عبقات السماء تهب مثلما يتضوع شذى الغيث المندفق، هذا ليمد الصعيد بالحياة وهذا ليمد النفوس بالمعنى الحي، إذ تجلت من الغيب طفولة سامية..!! كيف لا..؟ والمولود خامس خمسة شاء الله ان تعلو بهم كلمته ويتبع فيهم هداه كما دل بعدئذ - قوله تعالى } قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين}.

ولدت فاطمة حسيناً فأخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وأذن في اذنه اليمنى كما يؤذن للصلاة - والأذان معناه اعلان العابد الإخلاص لمعبوده، والصلوة صلة بين الخالق والمخلوق.

هذا أول غذاء نفسي غذي به هذا المولود الجديد... وغني عن البيان ما لتهنين الطفل من يد في توجيه اخلاقه، وتثبيت انطباعاته. فلا عجب اذا مامنه واليه، وعليه سمت نفسه، وهفا فؤاده، واتقدت حميته.. وهكذا أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسكب في نفس فتاه خلاصة السمو بما فيها من جود وسخاء وشمم وأباء وتفان في سبيل العقيدة والمبدأ مضافاً الى هذا عاملين مهمين من عوامل تكوين الطفل وتنشئته من كلاهما نال الحسين اجل واعظم صفات السمو...

أما العامل الأول فأجد فيَّ غنى عن الإفاضة للتدليل عليه ما دامت كلمتي هذه آخذة سبيلها الى أذهان قوم يعلمون تمام العلم بأن ( الحسين) تكون من مزاج ينبوعي النبوة والإمامة. – فاطمة وعلي (عليهما السلام) - وأما العامل الثاني فما عسى أن أقول في بيئته نما السمو وطاب جنيه.

هذه البداية.. ما أحلاها وأعذبها..! بل وأعلاها وأعزها، لدى ذو النفس السامية..! فيا حبذا لو استطاع الخيال أن يخلق في سمائها الصافية العبقة. ويتمتع بجمال نجومها الزاهية الألقة، ليملي على القلم بعض مشاهداته يملي (على الأقل) مشهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قال (حسين مني وأنا من حسين).

هذه الجملة لو فاه بها بعض الناس لكان معناها – حسين مني بمنزلة المولود من الوالد وانا من الحسين بمنـزلة الوالد من المولود - او ما شابه هذا لكن القائل نبي عظيم} ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى علمه شديد القوى} من تكن هذه صفته لاشك أن كلامه يبعد كل البعد عن السطحي المبتذل. فلا بدع ان قلت انما المقصود من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسين مني بمنزلة الصفة من الموصوف، وأنا من حسين بمنزلة الموصوف من الصفة- لذا عزز القول بما لن يتسنى لأحد سواه أن يقول - إني أحب حسيناً فمن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله.

من هذه النقطة الحساسة وامثالها كم وددت لو أني استطيع التغلغل إلى أعماق الواقع، لأتمتع بجمالها البديع فأشبع نفسي التواقة الى الجمال الذهبي لكن..! أنى لي هذا ما دامت هناك نهاية تحطم القلم وتلعثم اللسان.
مامن منصف إلاّ ويؤمن بأن ((الحسين  عليه السلام) كان البناء الثاني للإسلام بعد جده )) فقد علم القاصي والداني ما بلغـه المسلمون من الإنحطاط – آنذاك- فبعد أن كانوا مثالاً للمزايا الحميـدة، وعنـواناً للسجايـا المحببـة - كألأخلاق  والأباء، والشمم، وما شابه هذا من مقتضيات السمو المعنوي- بعد هذا انحطوا الى الخضوع لما عليه وحشية (( يزيد)) مع علمهم بما جبل عليه يزيد من خساسة لا تتفق ومبدأهم السامي النبيل.

هكذا ويذهب سدى ما بنوه المسلمون من مجد خالد، وكادت آمالهم أن تخيب. لو لم يجعل الله الحق وضاح الجبين لا تخفيه حجب الضلال مهما تكالبت وقوي العزيمة لا تهزمه جيوش الباطل مهما تألبت.

وهكذا جاء يوم الحسين، فياله من يوم أجهد الليالي حمله، فولدته وحيداً لا ثاني له، مع أن الليالي (يلدن كل عجيب).

يوم تبلى الأيام وتفنى السنون وهو خالد خلود الشمس في الأفق... فكأن لم يزده البعد عن أعيننا إلاّ تعمقاً في نفوسنا. كما لم يزدنا الحزن فيه إلاّ تحبباً لقلوبنا. نستعذب النهل من منهله مع ما فيه من شقاء وعذاب (( والأبي يجد طعم المنية شهداً)).

يوم جمع الحسين العظمة، وصاغها حلية يزدان بها كل عظيم، حين تلاها آية... أبكمت الألسن فصاحتها وأذهلت العقول بلاغتها، فأفاق الدين العليل من غشوته ولسان حاله يقول:

وما سمعنا عليلاً لا علاج له  ****   إلاّ بموت مداويه اذا هلكا

وهذا صدى صوت الحسين يطبق الافاق معلناً:

إن كان دين محمد لم يستقم  ****  إلاّ بقتلي، يا سيوف خذيني

فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.

أصحاب الحسين (عليه السلام) يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل بلبن أمه

بقلم: الشيخ جعفر النقدي

لم يعهد التاريخ لنبي ولا وصي من الأوصياء ولا لملك من الملوك ولا لزعيم من الزعماء ولا لقائد من قائدي الحروب أصحاباً كأصحاب أبي عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام فإنهم صلوات الله عليهم كانوا ينظرون الى حركات إمامهم وسكناته ويعملون ما كان يعمله عليه السلام ويتركون ما كان يتركه وكانوا لا يحيدون عن ذلك قيد شعرة.

نهضوا مع الحسين (عليه السلام) غضباً لله ولرسوله وطلقوا الدنيا وما فيها وتآزروا وتكاتفوا على احقاق الحق وإبطال الباطل في نصرة ابن بنت نبيهم باعوا هذه الدنيا الفانية بالحياة الباقية وقفوا مع سيدهم في وجه الكفر والإلحاد وقفة لم يسجلها تاريخ البشر لأحد من أبطاله.

نعم لم يسجل التاريخ من عهد آدم الى اليوم أن سبعين رجلاً وقفوا في مقابلة سبعين ألفاً من الرجال ولله در المبرور السيد حيدر الحلي قدس سره حيث يقول:

لقد وقفوا في ذلك  اليوم موقفـاً *** الى الحشر لا يزداد إلا  معاليـا
بكل ابن هيجاء تربـى بحجرهـا *** عليه أبوه السيف لا زال حانيـا
طويل تجاد السيف فالدرع لم يكن *** ليلـبسه إلاّ من الصبر ضافيـا
يرى السمر يحملن المنايا شوارعـا *** الى صدره ان قد حملن  الأمانيا
من القوم اقمار للندى وجوههـم *** تضيء من الآفاق ما كان داجيا

وصفهم سيدهم الحسين صلوات الله عليه لأخته الحوراء الأنسية زينب الكبرى عليها السلام فقال إنهم يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل بلبن أمه. ولما جمعهم عليه السلام وخطبهم بخطبته المشهورة ليكونوا على بصيرة من أمرهم وأذن لهم بالإنصراف عنه وأخبرهم أن آل ابي سفيان وأتباعهم لا يريدون غيره ولا حاجة لهم في سواه وانه يقاتلهم ولا يعطيهم بيده اعطاء الذليل وأنه مقتول لا محالة، فقال من جملة تلك الخطبة:

((أما بعد فإني لا أعلم اصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاهم الله عني خير الجزاء، ألا وإني قد اذنت لكم فأنطلقوا وأنتم جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً)).

فأجابوه بلسان واحده (( لم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك)) ولما قال لبني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فأذهبوا قد أذنت لكم، جرت دموعهم على خدودهم وقالوا يا سبحان الله فما يقول الناس لنا  تركنا شيخنا وسيدنا ولم نرم معه بسهم ولم نطعن برمح ولم نضرب دونه بسيف ولا ندري ما صنعوا به لا والله ما نفعل ذلك لكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا ونقاتل دونك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك، وقام مسلم بن عوسجة فقال أنحن نخلي عنك وما عذرنا الى الله تعالى لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ماثبت قائمه بيدي والله لو علمت اني اقتل ثم احرق ثم احيى يفعل بي ذلك  سبعين مرة ما فارقتك فكيف وهي قتلة واحدة ثم الكرامة التي لا انقضاء لها ابداً، وقام زهير بن القين فقال والله وددت أني قتلت ونشرت ثم قتلت ونشرت ثم قتلت يفعل بي ذلك الف مرة وان الله دفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الصبيان من أهل بيتك. ثم تكلم جماعة من اصحابه بما يشبه هذا الكلام فجزاهم الحسين عليه السلام خيراً، وأنصرف الى مضربه، ومن الذين أذن لهم الحسين (عليه السلام) بالإنصراف جون مولى أبي ذر وكان عبداً أسود قال له الحسين (عليه السلام)  يا جون أنت في حل مني إنما تبعتنا لطلب العافية فاستعبر باكياً وقال يابن رسول الله أفي الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم، والله أن ريحي لنتن وإن حسبي للئيم وإن لوني لأسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض  وجهي، وهملت عيناه بالدموع فدعى له الحسين (عليه السلام) ولما أخبر محمد بن بشير الحضرمي أن أبنه أسر في ثغر الري قال عند الله أحتسبه ونفسي ما أحب أن يؤسر وأبقى بعده فبلغ الحسين (عليه السلام) قوله فقال له رحمك الله أنت في حل من بيعتي أمض وأعمل في فكاك إبنك فقال أكلتني السباع حياً إن فارقتك  قال عليه السلام  فأعط أبنك هذه الأثواب يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار وفي الليلة العاشرة من المحرم وهي الليلة التي قتلوا في صباحها قسموا أنفسهم أولئك الصفوة قسمين القسم الأول الهاشميون ويرأسهم أبو الفضل العباس بن علي عليه السلام والقسم الثاني الأنصار ويرأسهم حبيب بن مظاهر الأسدي وصار كل قسم منها يطلب التقدم على الآخر في الذب عن أبي عبد الله (عليه السلام) فكان الهاشميون يقولون لا نترك أصحابنا يتقدمونا الى القتال لأن الحمل الثقيل لا يقوم به إلاّ أهله وكان الأنصار يقولون بل نحن نتقدم الى الموت حتى لانرى هاشمياً مضرجاً بدمه وهكذا كانوا يتنافسون على طلب المنية.

متنافسين  على المنية بينهـم *** فكأنما هي غادة معطار
يتسابقون على الكفاح ثيابهم *** فيها وعمتهم قناً وشفار

ولما مشى الحسين (عليه السلام) ومعه حبيب بن مظاهر الى مصرع مسلم بن عوسجة فأدركوه وبه رمق من الحياة ومما قال له حبيب لولا علمي أني لاحق بك لأحببت أن توصي إلي فأجابه مسلم مشيراً الى الحسين (عليه السلام) أوصيك بهذا، قاتل دونه حتى تموت فقال له حبيب لانعمنك عيناً.

هذا بعض ما يؤثر عن أولئك الأصحاب الكرام من المودة والوفاء لسيدهم الحسين (عليه السلام) ونصرتهم لمبدأه السامي من الإنتصار للدين الحنيف والمكافحة عنه حتى النفس الأخير من أنفاسهم وبذلوا تلك النفوس الطاهرة الزكية في هذه الغاية الشريفة التي تقتصر دونها الغايات ولم يقتل الواحد منهم حتى قتل العشرات أو المئات من أعداء دين الله وما أحسن قول القائل فيهم:

تحملوا محناً لو بعضـها حمـل الـ *** ـسبع الطباق هوت ضعفاً على التـرب
بساعة لو تكون الساعة اقتربـت *** منـها تكـافئتـا في شـدة الكرب
حيث الكريهة ترمـي للسما شرراً *** كـالقـصر نيرانـها من شدة اللهب
وحين قامت على ساق جثت غضباً *** لـها بنو مضـر الحمـرا على الركب
من تحتهم لو تزول الأرض لانتضبوا *** على الهوى هضباً  أرسـى من الهضب
ابطال حرب اذا عضوا نواجذهـم *** لا منـجد لأعاديهـم  سـوى الهرب

وقلت انا من قصيدة فيهم عليهم الصلاة والسلام:

وقام سبط رسول الله ليس يـرى *** لنصرة الدين إلاّ بـذل مهجتـه
في فتية عجنت في الذر طينتهـم *** كـف الـهدى بقراح من محبته
لنصره طلقوا الدنيا وقد نهضـوا *** يسـارعـون الى العقبى بصحبته
على حفيظته شدوا الحبا وعلـى *** أجسـادهم لبسوا ابراد طاعتـه
كأنما الطف إذ في أرضها نزلـوا *** افـق السماء تـراها في أهلتـه
من كل أبلج أن ليل الخطوب دجا *** يهـدي الأنام على انوار غرتـه
وكل ذي سطوة تحكي صوارمه *** على جموع العدى اسياف عزمته
الروس تسجد اجلالاً لصارمـه *** وتـركـع الهام تعظيماً لصعدته
يستقبل الموت مرتاحاً على طرب *** كـأن نيـل الأمـاني في منيتـه
حتى إذا كشف الله الغطاء لهـم *** وأبصـروا النعمة العظمى بجنتـه
تسابقوا للقا حتى قضوا وغـدا *** يثني الـزمان لهم اسرار مدحتـه

إن نساء هؤلاء الكرام لم يكنَّ أقل مودة ووفاء للحسين عليه السلام وأهل بيته من رجالهن فأنهن رضوان الله عليهن كن بأعمالهن الخالدة يطلبن المواسات بل المساوات للرجال فمنهن زوجة زهير بن القين الذي كان يساير الحسين في الطريق عند خروجه من الحجاز ويتباعد عنه ولما جاءه رسول الحسين (عليه السلام) يدعوه نظرت اليه زوجته فرأته كالمتثاقل إليه (عليه السلام) فأخذت تلومه على ذلك قائلة يا سبحان الله يدعوك إبن رسول الله وتتثاقل ثم أخذت تستفز حفيظته وتقوي عزيمته على الإلتحاق بالحسين (عليه السلام) ((ومنهن)) زوجة علي بن مظاهر الأسدي حين أمرها بالإلتحاق بأهلها بكت بكاء عالياً وقالت والله لا أذهب فأنتم تشاركون الرجال ونحن نشارك النساء فجاء الى الحسين (عليه السلام) وقال سيدي أبت الأسدية إلاّ مشاركتكم ((ومنهن)) زوجة مسلم بن عوسجة التي قتل زوجها في المعركة دعت ولدها الذي لم يبلغ الحلم وشدت له سيف والده مقصرة له الحمائل ليجاهد دون سيده الحسين (عليه السلام) ((ومنهن)) أم وهب بن حباب الكلبي وزوجته المجاهدتين هذه بيدها عمود الخيمة وتلك بالحجر الصلد وهكذا بقية الكريمات من نساء هؤلاء الأبطال فهل كان في العالم منذ نشأته الى اليوم أصحاباً لأحد كهؤلاء الصفوة الكرام من رجال ونساء كلا ثم كلا فجزاهم الله عن هذا الدين وأهله وعن الحسين وجده المختار خير جزاء المحسنين ولعنة الله على القوم الظالمين.

ثورة عاشوراء بقلم بطلها الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام

بقلم: عبدالله

سمع الناس كثيراً منذ يوم الحسين حتى الآن فضائل جمه في نواح كثيرة من ثورة الحسين التحريرية، وسيظلون يسمعون الكثير من هذه الفضائل المتجددة في هذه النواحي التي يظل فيها دائما متسع للجدة، لأنها تظل دائما قدوة للثائرين بنظم الاجتماع والاقتصاد والأخلاق البالية وهي التي نقمها الإمام الحسين من الحكم الأموي، بعد إن استشرى الإقطاع، واستفحل سوء التوزيع، ودفعت الحياة الاجتماعية إلى الهوة، فضاعت المقاييس، وحوربت الكفايات وصرخت الحياة تلتمس (الفداء) الذي يصد ((العجلة)) المنحدرة.
سمع الناس كثيرا، وسيظلون يسمعون آلاف الِخطباء، ويقرأون آلاف الكتب ولكننا نريد في هذا (الباب) أن نسمع من فم الحسين (عليه السلام) أسباب ثورته مستمدةً من مصادرها الفكرية ومنابعها الإيمانية في نفسها الرفيقة وسيرته القائمة بذاتها شامخة وحدها في عالم -كعالمنا اليوم- تركع به الردة الأثيمة.

لا يستوي لقلم أن يختار، وهو يلتقط النفائس الحسينية من خطبه وكتبه وحواراته فكلها خيرة منتجة، لذلك نعترف أننا إنما نأخذ ما اتفق لنا من أقوال أبى عبد الله الحسين (عليه السلام) دون تخير، ونتركها دون تعليق، تاركين للقراء أن يتعمقوها كما يشاءون ملاحظين أمرين:
 1- الأسباب الموجبة لثورته.
 2- سمو تعبيره عن حياة عصره، بل تعبيره عن الحياة في كل عصر، ولهم أن يلحظوا ((المقارنة)) يبحث عن المشكلة بين موضوع هذا الباب وبين حياتنا الحاضرة ومما لابد من قوله أن كل كلمة قالها الحسين (عليه السلام) في هذا ونحوه تعد عنصراً من عناصر تكوين ثورته المستمدة من نقمته على الانحلال في شتى مظاهر الحياة.

 تحديد الإمكانيات: 
قال:  لا تتكلف بما لا تطيق، لا تتعرض لما لا تدرك، ولا تعد بما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت ولا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلاً لها. 

 تعاون ونبالة: 
وقال:  حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا النعم، فتعود نقماً.
*صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤاله فأكرم له عن رده.
 
ترفع:
 إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس، فاجتهد أن لا يعرفك فان أشقى الأعراض به معارفه. 

هم الناس:
الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.

مع الحاكم:
قال له معاوية بعد قتل حجر، في شيء من الاستخفاف:  يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعت بحجر وأصحابه من شيعة أبيك؟ 
فأجابه وهو يستدرجه: لا

قال معاوية:  قتلناهم، وكفناهم وصلينا عليهم .
فضحك الحسين وقال:  خصمك القوم يا معاوية .

وقد بلغني وقوعك بأبي حسن وقيامك به، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، وأيم الله لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك، وتناولتنا بالعداوة من مكان قريب.
ولقد أطعت أمرءاً-يعني ابن العاص-ما قدم أيمانه، ولا حدث نفاقه، وما نظر لك، فانظر لنفسك، أو دع.

 بذرة الثورة:
قدم معاوية إلى المدينة ليهيئ (الحكم) لأبنه يزيد،وخلا بالحسين وعبدالله بن العباس وتكلم معهما كلاما طويلا باجتذاب الحسين إلى التنازل عن حقه في العهد الذي أبرمه الحسن في وثيقة الصلح، واصطنع مدح يزيد في حديثه فوصفه بالفقه والعلم وبعد النظر والإخلاص للإسلام، فلما انتهى أراد ابن العباس أن يتكلم فأمره الحسين أن يتريث، ثم قال:
(( يا معاوية فصح الصبح فحمة ألدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى فرطت،واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى نجلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى اخذ الشيطان حقه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص؟!
وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ يزيد فيما أخذ به من أستقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصرا، ودع عنك ما تحاول، فما اغناك من أن تلقى الله بوزر هذا الخلق، باكثر مما انت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت ألا غمضة عين فتقدم على عمل مشهور، ولات حيـن مناص))
واسترسل في نقاشه نقاشا علميا مبنيا على ذكر الحوادث من سيرة النبي، وذكر له وجود بقية صالحة من اقرباء النبي واصحابه قائلا ((فكيف تتخطاهم إلى مسرف مفتون؟ تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، أن هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم 
)).

 شـرارة الثـورة:
كتب لأهل البصرة يقول ((فأن السنة قد أميتت، وان البدعة قد أحييت، فان تسمعوا قولي وتطيعوا أمري اهدكم سبيل الرشاد )).

عناصر الثورة:
قال يوم الطف:
(( انه نزل من الامر ما ترون، وان الدنيا قد تغيرت، وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، والا خسيس عيش كالكلاء الوبيل، الاترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه؟ والمؤمن يرجو لقاء ربه؟ فوالله اني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما )).

الفداء:
خطب في طريقه إلى كربلاء فقال:
(( خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى لقاء أسلافي، شوق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع انا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا، وأجربة سغباً، لا محيص من يوم قد خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، يوفينا اجور الصابرين )).

ماذا نتعلم من سيرة الامام سيد الشهداء عليه السلام

قلم: رشاد دارغوث

لم يكن الامام الحسين (عليه السلام) قدوة وحسب، بل كان مدرسة قائمة بذاتها.
مدرسة اخلاق، اولاً ومدرسة علم ثانياً. ثم فوق هذا وذاك، كان الامام الحسين بن علي سيد الشهداء.
وفي الشهادة، في الاستشهاد في سبيل الحق، ونصرة الحقيقة، اعظم درس يلقيه انسان على الدنيا، واكبر تضحية يقدمها في سبيل ارساء المثل العليا، واستمرار الحياة الفاضلة.
تلك المثل، التي لا قيمة للوجود من دونها وهذه الفضيلة التي لا تعيش المجتمعات اذا لم تسد هي فيها.
فكانت سيرة الامام (عليه السلام)، منذ نشأ في احضان الرسول صلوات الله عليه، حتى سالت دماؤه على رمال الصحراء، كانت سيرة سيد الشهداء هذا مدرسة حية، مثالية ومخططاً سلوكياً لا اعلى ولا انبل، ولا اكرم.
ماذا نتعلم من سيرة الامام سيد الشهداء
أليس الحسين بضعة من ذلك النبي المصطفى، وابن عمه العظيم، ووليه الصميم ووصيه المختار؟
ثم كيف لا يكون الحسين صورة تعكس ملامح الوالد والجد، وهو ابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين؟

هذا الانسان الذي زكا اصلاً، من فوقه ومن تحته، واشرب روح الخير كما اشرب روح النبوة، في احضان صاحبها وابيه العظيمين –لايمكن الا ان يكون جندياً من جنود ذلك الخير، وحارساً على مقدرات الامة التي كانت امة وسطاً، لتحكم بين الناس، بالحق والعدل والقسطاس المبين !
هذا الدرس الاول مما اعطانا الامام الشهيد من دروس باقية، ومواعظ لا تبلى جدتها على كربلاء زمان: لقد كان الحسين جندياً من الخير، في هذه الامة، فلما رأى الشر يسود، او يكاد، انبرى له، بحزم دونه كل بطل، وبتصميم فوق تصميم كل انسان ! وماذا يكون لو قتل في سبيل ذلك الخير الذي آمن به، لانه جزء من رسالة نبيه وجده، بل وجه من وجوه تلك الرسالة الانسانية، التي حملها الله محمداً وآله، ليكونوا أئمة للناس، وقدوة ومثالاً ينسج الخلق على منواله؟
بل ان استشهاد البطل، حينئذ، مما يذكي تلك الرسالة، وينشر مبادئها، وما دانت به او دعت اليه من مثل وقيم، كما ينتشر الزيت على صفحة الكتاب، او ينتشر النسغ في عروق الشجر، او الدم في شرايين البشر، ليحيي الموات، ويبعث الرميم.

واما الدرس الثاني، في سيرة الامام الشهيد. فهو ذلك الاصرار على الاستشهاد، في سبيل الحق، مهما غلا الثمن ! فامامنا، ككل من سبقه من اركان هذه الدوحة المحمدية، وكل من تلاه من فروعها الطيبة لا يخاف في الحق لومه لائم، ولا يخذل ذلك الحق، ولو خذله من حوله الناس اجمعون.
انه اصرار الابطال على خوض المعارك الحاسمة، في سبيل اعلاء كلمة الحق، ولو على جثث المستشهدين، وجماجم الطغاة المستبدين.
الحق عندهم سلطان يستمد قوته من ذاته، ومن ذواتهم، من نصوعه، ومن ايمانهم… وهم، دون سائر الخلق، مؤهلون لرؤية ذلك الحق، والايمان به، لان لهم عيوناً ترى ما لا يراه المبصرون !
انهم مزودون بتلك الآلات الخفيه، نوع ((من الرادار)) الالهي، يحسون به، ويحاولون نقل احساسهم الى الآخرين، وقد رأى الامام الحسين (عليه السلام) دولة الاسلام التي شيدها جده وابوه واصحابهما العظام المنتجبون، رآها تكاد تنهار، بفعل ذلك الدجل، والظلم، والاستبداد –بعد ان سادها الحق والعدل والحرية- زمانا.. فهب الامام ابن الامام، هبة المصلح البطل، والاسد الهصور، ليصفع الدجل والدجالين، والظلم والظالمين، والاستبداد والمستبدين، فقضى دون غايته، واستشهد في سبيل تلك الغاية العظمى !

وذلك درس لا تنساه الانسانية. وهي في الواقع لم تنسه. ففي كل زمان يهب في الامم الحية من يناضل في سبيل الحق، ولو دفع حياته ثمناً لذلك الكفاح، الذي كثيراً ما انتهى وينتهي الى استشهاد صاحبه او اصحابه، وهم على الدرب. سواء وجدوا اعواناً لهم او كافحوا بمفردهم. ولكن الثمرة التي جنتها البشرية من استشهادهم، كانت ولا تزال هي قاعدة الحياة الحرة، وقوام الديمقراطية السليمة، ورأس مفاخر الافراد والامم، يوم يضفر التاريخ لهم تيجان الوفاء بما عملوا، والتقدير لما قدموا في سبيل بقاء الانسان، واستمرار حياة الكرامة والعزة والفضيلة في المجتمع !
والدرس الثالث، في رأيي نستخلصه نحن، هنا في لبنان، من استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) انه في موقف ذلك الراهب الذي يحدثنا عنه ابو مخنف لوط بن يحيى، مؤلف كتاب ((مقتل الحسين)) في القرن الاول الهجري –حيث يقول، وهو يصف رحلة ((السبايا)) من آل البيت، ورؤوس الشهداء المحمولة على الرماح، في ركب الشهادة العظمى… على قرب زوال الحكم الاستبدادي اذ ذاك، وانهياره –فيقول صاحب القصة عنهم، بعد خروجهم من بعلبك الى دمشق في طريقهم اليها من الكوفة: ((باتوا تلك الليلة))… ورحلوا عن بعلبك، ثم ادركهم المساء عند صومعة راهب. فانشأ زين العابدين –علي بن الحسين-، وهو الشخص الوحيد الذي نجا من مجزرة كربلاء بسبب مرضه- انشأ يقول:

 هو الزمان فما تغني عجائبـه
عن الكرام، ولم تهدأ مصائبه
فليت شعري الى كم ذا تجاذبنا
صروفه، والى كم ذا نجاذبه؟

 فلما جن الليل رفعوا رأس الحسين الى جانب الصومعة. فلما عس الليل سمع الراهب دوياً كدوي الرعد. وتسبيحاً وتقديساً، واستأنس من انوار ساطعة. فاطلع الراهب رأسه فنظر الى الحسين، واذا هو يسطع نوراً الى عنان السماء. ونظر الى باب قد فتح من السماء والملائكة ينـزلون كتائب، ويقولون: السلام عليك يا ابن بنت رسول الله، السلام عليك يا ابا عبد الله.
فجزع الراهب جزعاً شديداً. فلما اصبحوا هموا بالرحيل. فاشرف الراهب عليهم ونادى:
-من زعيم القوم؟
فقالوا: خوله بن يزيد !
وقال الراهب: وما الذي معكم؟
قالوا: رأس خارجي خرج بأرض العراق قتله عبيد الله بن زياد.
قال الراهب: ما اسمه؟ قالوا: الحسين بن علي بن ابي طالب، وامه فاطمة الزهراء، وجده المصطفى !
حينئذ قال الراهب: تباً لكم... لقد صدقت الاخبار في قولها: اذا قتل هذا الرجل تمطر السماء دماً، ولا يكون الا بقتل نبي او وصي نبي !
ويقول ابي مخنف: ثم طلب الراهب ان يدفعوا اليه بالرأس الشريف ساعة واحدة، لقاء، عشرة آلاف درهم، كان يؤمل خوله بن يزيد ان ينالها من سيده... الظالم. فاخذ الراهب الرأس الشريف وجعل يقبله ويبكي ويقول:
-((يعز والله علي يا ابا عبد الله ان اؤاسيك بنفسي… اذا لقيت جدك رسول الله فاشهد لي… عنده !)) ثم دفع الرأس اليهم، فجعلوا يقتسمون الدراهم، واذا هي بايديهم خزف، مكتوب عليها: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ! 


هذا الراهب الذي بكى، وآسى، واعلن غضبه على الظالمين... درس آخر نتلقاه في لبنان،وفي كل بلد يؤمن بالخير والقيم الانسانية المطلقة،ثم نعمل بموجبه !
ان شهداءنا، وفي طليعتهم الامام الحسين (عليه السلام) كانوا، ولن يبرحوا، مدرسة تعلمنا تلك القيم، وتزكي نفوسنا المحبة وروح الخيرة والعدل والايمان بالحق وبالله، على انه مصدر لتلك الخيرات جميعها ! وفي كل مؤمن، اياً كان لون ايمانه، اذا صح ان للايمان الواناً، مدعوا، في كل زمان ومكان، الى الاتعاظ بسيرة هذا الامام العظيم، الفذ في تاريخ الانسانية، لا امة الاسلام وحدها. ومتى اتعظ الناس تجنبوا الاسباب التي كانت وراء تلك الكارثة الكبرى، والبلية العظمى التي ادت الى مصرعه، ومصرع آل البيت المحمدي بيد اتباع جدهم، والقابعين على سدة خلافته !
ان الحق واحد، كما هو الله واحد، وقد كان الامام الحسين (عليه السلام) عنواناً لذلك الحق، بل تجسيداً له، في اروع صوره واجلى بيان ! فجاء استشهاده تأكيداً لذلك الحق ودلالة عليه، وكان بذلك سيد شباب اهل الجنة وامام الابطال المنقذين.