حقيقة الشكر وأقسامه وطرق تحصيله

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

الفصل الأول: في فضله


إعلم أن الله تعالى قرن الشكر مع الذكر[1] في قوله: ((وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ))[2] فقال: ((اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلا تَكْفُرُونِ))[3] وقال تعالى: ((ما يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ))[4] وقال تعالى: ((وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ))[5] وقال تعالى: ((لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ))[6]، وقال تعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ))[7].

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الطاعم الشاكر له من الأجر كأجر الصائم المحتسب والمعافي الشاكر له من الأجر كأجر المحروم القانع[8].

وعنه عليه السلام[9] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما فتح الله على عبد باب شكر فخزن عنه باب الزيادة[10].

وعنه عليه السلام[11] قال: من أعطي الشكر أعطي الزيادة، قال الله تعالى[12]: ((لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ))[13].[14]

وعنه عليه السلام[15] قال: ما أنعم الله على عبد بنعمة[16] فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهراً بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد[17].

وعن الباقر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟[18] فقال: يا عائشة ألا أكون عبداً شكوراً. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم على أصابع رجليه[19]، فأنزل الله سبحانه[20]: ((طه (1) ما أَنزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى))[21].[22]

وعن الصادق عليه السلام قال مكتوب في التوراة: أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير[23].

وسئل عليه السلام[24] عن قوله تعالى: ((وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ))[25]؟ قال: الذي أنعم الله عليك بما فضلك وأعطاك وأحسن عليك. ثم قال: فحدث بدينه وما أعطاه الله وما أنعم به عليه[26].

وقال عليه السلام[27]: ثلاث لا يضر معهن شيء: الدعاء عند الكرب، والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة[28].

وقال عليه السلام[29]: شكر النعمة اجتناب المحارم، وتمام الشكر قول الرجل ((الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)) [30].[31]

وقال عليه السلام[32]: شكر كل نعمة وإن عظمت أن يحمد[33] الله عزّوجل[34].

وقال عليه السلام[35]: ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال: ((الْحَمْدُ للّهِ))[36] إلاّ أدى شكرها[37].

وقال عليه السلام[38]: إن الرجل منكم ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله بها الجنة، ثم قال عليه السلام: إنه ليأخذ الإناء فيضعه على فيه فيسمي، ثم يشرب فينحيه وهو يشتهيه فيحمد الله، ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله، فيوجب الله عزّوجل بها له الجنة[39].

وقال الكاظم عليه السلام: من حمد الله على نعمة[40] فقد شكره، وكان الحمد أفضل من تلك النعمة[41].

وعن عمر بن يزيد[42] قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:إني سألت الله عزّوجل أن يرزقني مالاً فرزقني، وإني سألت الله أن يرزقني ولداً فرزقني، وسألته أن يرزقني داراً فرزقني، وقد خفت أن يكون ذلك استدراجاً. فقال: أما والله مع الحمد فلا.[43]

وعنه عليه السلام[44] أنه خرج من المسجد وقد ضاعت دابته، فقال: لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق شكره، فما لبث أن أوتي بها فقال: الحمد لله. فقيل له: جعلت فداك أليس قلت لأشكرن الله حق شكره؟ فقال عليه السلام: ألم تسمعني قلت ((الْحَمْدُ للّهِ))[45].[46]
وعنه عليه السلام[47] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ورد عليه أمر يسره قال:«الحمد لله على هذه النعمة»، وإذا ورد عليه أمر يغتم به قال: «الحمد لله على كل حال».[48]

وعنه عليه السلام[49] قال: تقول ثلاث مرات إذا نظرت إلى المبتلى من غير أن تسمعه «الحمد لله الذي عافاني بما ابتلاك به ولو شاء لفعل»[50] من قال[51] ذلك لم يصبه ذلك البلاء أبداً[52].

الفصل الثاني: في حده وحقيقته


إعلم أن الشكر من أفضل الأعمال، وهو ينتظم من علم وحال وعمل. فالعلم هو الأصل فيورث الحال، والحال يورث العمل، والعلم هو معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه، ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان.

وينبغي لمن أراد شكر الله أن يعلم بأن النعم كلها من الله تعالى، والوسائط مسخرون سخرهم لك برحمته وألقى في قلوبهم من الاعتقاد والرأفة ما صاروا به مضطرين إلى الإيصال إليك، وهذا هو الشكر بالقلب.

وأما الفرح بالنعم مع هيئة الخضوع والتواضع فهو أيضاً في نفسه شكر على حدة، كما أن المعرفة شكر، فإن كان فرحك بالنعم خاصة لا بالنعمة ولا بالإنعام بل من حيث إنك تقدر النعمة على التوصل إلى القرب من المنعم فهو المرتبة العليا من الشكر، وإمارته أن لا تفرح بنعم الدنيا إلا من حيث أنها مزرعة الآخرة ومعينة عليها، وتفرح بهذا المقدار وتحزن بكل نعمة تلهيك عن ذكر الله، وهذا أيضاً شكر بالقلب.

وأما العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم فهو يتعلق بالقلب واللسان والجوارح: أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق، وأما باللسان فبإظهار الشكر لله بالتحميدات الدالة عليه،وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، حتى إن شكر العينين أن يستر كل عيب يراه بمسلم، وشكر الأذنين أن يستر كل عيب يسمعه لمسلم، فيدخل هذا وأمثاله في جملة شكر نعمة هذه الأعضاء[53].

بل قال أرباب المعرفة[54]: إن من كفر نعمة العين فقد كفر نعمة الشمس أيضاً، إذ الإبصار إنما يتم بها، وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بهما ما يضره فيهما، بل المراد من الخلق الأرض والسماء وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بها على الوصول إلى الله، ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا والتجافي عن غرورها[55]، ولا أنس إلا بدوام الذكر، ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر[56]، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا ببقاء البدن، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء والهواء، ولا يتم ذلك إلا بخلق الأرض والسماء وخلق سائر الأعضاء، وكل ذلك لأجل البدن، والبدن مطية[57] النفس، والراجع إلى الله هي المطمئنة[58] بطول العبادة والمعرفة، فكل من استعمل شيئاً في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لابد منها لإقدامه على تلك المعصية، ولذا كان الشاكر الحقيقي قليلاً، قال تعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)).[59]

الفصل الثالث: في بيان معنى الشكر في حقه تعالى


لعلك تقول: إن الشكر إنما يعقل في حق منعم هو صاحب حظ في الشكر، فإنا نشكر الملوك إما بالثناء ليزيد محلهم في القلوب ويظهر كرمهم عند الناس فيزيد صيتهم[60] وجاههم، أو بالخدمة التي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم، أو بالمثول[61] بين أيديهم في صورة الخدم لتكثير سوادهم وزيادة جاههم، وهذا كله محال في حقه تعالى لوجهين.

أحدهما: إنه تعالى منزه عن الحظوظ والأغراض والحاجة ونشر الجاه والحشمة[62] وتكثير السواد ونحو ذلك.

الثاني: إن جميع ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى علينا من نعم الله، إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق الله تعالى ونعمته، فكيف نشكر نعمته بنعمته؟.

ولو أعطانا الملك مركوباً فأخذنا مركوباً آخر له وركبناه، وأعطانا مركوباً آخر لم يكن الثاني شكراً للأول منا بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول، ثم لا يمكن شكر الشكر إلا بنعمة أخرى فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشكر محالاً في حقه تعالى، وقد ورد الشرع به فكيف طريق الجمع بينهما؟.

فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود[63] أو لموسى[64] على اختلاف الروايتين ففي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: أوحى الله عزّوجل إلى موسى: يا موسى أشكرني حق شكري. فقال: يا رب وكيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشركك به إلا وأنت أنعمت به علي. قال: يا موسى الآن شكرتني حيث علمت أن ذلك مني[65].

وفي حديث آخر: وشكري لك نعمة أخرى منك توجب الشكر لك. فقال تعالى: إذا عرفت أن النعم مني رضيت منك بذلك شكراً[66].

وعن السجاد عليه السلام أنه كان إذا قرأ هذه الآية ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها))[67] قال: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه[68].

والجواب عن الأول: إن طلب الله من عباده الشكر كسائر التكاليف يرجع نفعه إليهم لا إليه.

وإن أردت إيضاح ذلك فاعلم أن ملكاً من الملوك لو أرسل إلى عبد قد بعد عنه مركوباً وملبوساً ونقداً لأجل زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ويقرب من حضرة الملك، فذلك الملك يتصور له حالتان: الأولى أن يكون قصده من إحضار عبده القيام ببعض مهماته والحظ بخدمته، والثانية أن لا يكون له حظ في حضوره أبداً ولا يزيد حضوره في ملكه مثقال ذرة، ولكنه قصد بذلك أن يحظى العبد بالقرب منه وينال سعادة حضرته ليرجع النفع إلى العبد نفسه لا إلى الملك، وإرادة الله الشكر من عباده مثال الحالة الثانية.

الفصل الرابع: في طريق تحصيل الشكر


وهو مركب من العلم والعمل، بأن يعرف الله ويتفكر في مصنوعاته وينظر إلى الأدنى في الدنيا فيشكر الله، وإلى الأعلى في الدين فيجتهد في الوصول إلى مرتبته، ويشكر في المصائب على أنه لم يصب بأكبر منها، وأنها لم تكن مصيبة دينية بل دنيوية، وأنه قد عجلت عقوبتها ولم تدخر للآخرة وأن ثوابها خير له، وأنها تنقص من القلب حب الدنيا، بل ربما بغضت الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة إليه، فهي في الحقيقة نعم يجب الشكر عليها، إذ لا تخلو مصيبة عن تكفير خطيئة أو رياضة نفس أو رفع درجة[69].

وليسأل الله العافية فإنها خير من البلاء[70]، فكان النبي والأئمة عليهم السلام يستعيضون بالله من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة[71]، وكانوا يقولون: ((رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً))[72] وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء ومن سوء القضاء ومن حلول البلاء[73]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سلوا الله العافية، فما أعطي[74] عبد أفضل من العافية إلا اليقين[75]. وأشار باليقين إلى عافية القلب من مرض الجهل[76].

ـــــــــــــــ
[1] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 141، كتاب الصبر والشكر، بيان فضيلة الشكر.
[2] سورة العنكبوت/ 45.
[3] سورة البقرة/ 152. ونصها: ((فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ)).
[4] سورة النساء/ 147.
[5] سورة آل عمران/ 145.
[6] سورة إبراهيم/ 7.
[7] سورة سبأ/ 13.
[8] الكافي، الكليني: 2/ 94، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح1.
[9] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[10] وسائل الشيعة، الحر العاملي: 16/ 311، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب فعل المعروف، باب 8 تحريم كفر المعروف من الله كان أو من الناس/ ح5.
[11] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[12] في الكافي: "يقول الله عزّوجل".
[13] سورة إبراهيم/ 7.
[14] الكافي، الكليني: 2/ 95، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح8.
[15] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[16] في المحجة: "من نعمة".
[17] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 144، كتاب الصبر والشكر، بيان فضيلة الشكر.
[18] إشارة الى قوله تعذالى في سورة الفتح / الآية 2: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَما تَأَخَّرَ...الآية)).
[19] في الكافي: "على أطراف أصابع رجليه".
[20] في الكافي: "سبحانه وتعالى".
[21] سورة طه/ 1 ــ 2.
[22] الكافي، الكليني: 2/ 95، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح6.
[23] الكافي، الكليني: 2/ 94، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح3.
[24] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[25] سورة الضحى/ 11.
[26] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 94، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح5.
[27] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[28] الكافي، الكليني: 2/ 95، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح7.
[29] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[30] سورة الفاتحة/ 2.
[31] الكافي، الكليني: 2/ 95، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح10.
[32] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[33] في الخصال: "أن تحمد".
[34] الخصال، الشيخ الصدوق: 1/ 21، باب الواحد، شكر كل نعمة خصلة/ ح73.
[35] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[36] سورة الفاتحة/ 2.
[37] الكافي، الكليني: 2/ 96، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح14.
[38] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[39] أنظر: جامع الأخبار، الشعيري: 127، الفصل الخامس والثمانون في الشكر.
[40] في الكافي: "على النعمة".
[41] الكافي، الكليني: 2/ 96، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح13.
[42] الظاهر من كلام الكشي والطوسي عنه، وكلام النجاشي عن ابنه، أنه عمر بن يزيد بياع السابري: وهو مولى ثقيف، ثقة له كتاب. رجال الكشي، الكشي: 331، ما روي في عمر بن يزيد بياع السابري مولى ثقيف/ الرقم 605. رجال النجاشي، النجاشي: 364، محمد بن عمر بن يزيد بياع السابري/ الرقم 981. رجال الطوسي،الطوسي:339، باب العين،عمر بن يزيد بياع السابري/ الرقم7.
[43] الكافي، الكليني: 2/ 97، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح17.
[44] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[45] سورة الفاتحة/ 2.
[46] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 97، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح18.
[47] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[48] الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 155، الباب الثاني في الرضا وطريق تحصيله،الفصل الثالث في الشكر وطريق تحصيله.
[49] الإمام الباقر عليه السلام.
[50] في الكافي: "ولو شاء فعل".
[51] في الكافي: «قال: من قال».
[52] الكافي، الكليني: 2/ 97، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح20.
[53] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 153 ــ 154، الباب الثاني في الرضا وطريق تحصيله، الفصل الثالث في الشكر وطريق تحصيله. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 144ــ 149، كتاب الصبر والشكر، بيان حد الشكر وحقيقته. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 72 ــ 74، كتاب الصبر والشكر، بيان حد الشكر وحقيقته.
[54] القائل هو: محمد بن مرتضى المشهور بالملا محسن الفيض الكاشاني.
[55] غرت: استغفلت. وغرته الدنيا غرورا من باب قعد: خدعته بزينتها. مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 303، مادة "غرر".
[56] قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الفكر إحدى الهدايتين".
غرر الحكم، الآمدي: 1/ 56 / ح541.
[57] المطا وزن عسى: الظهر، والجمع أمطاء، ومنه قيل: البعير  "مطية". مجمع البحرين، الطريحي: 4/ 211، مادة "مطو".
[58] إشارة إلى قوله تعالى: ((يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)) سورة الفجر/ 27.
[59] سورة سبأ/ 13.
[60] الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس، دون القبيح. يقال ذهب صيته في الناس. لسان العرب، ابن منظور: 2/ 58، مادة "صوت".
[61] المثول: الانتصاب قائما، والفعل مثل يمثل.
كتاب العين، الفراهيدي: 8/ 229، باب الثاء واللام والميم معهما، مادة "مثل".
[62] حشمة الرجل وحشمه محركتين وأحشامه: خاصته الذين يغضبون له من أهل وعبيد أو جيرة. والحشم محركة للواحد والجمع: وهو العيال والقرابة أيضا. والحشمة بالكسر: الحياء والانقباض. القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 96، مادة "الحشمة".
[63] نبي الله داود عليه السلام: هو داود بن يسى، وقيل : إيشا بن عوبيد بن بوعز، وقيل: عامر، وقيل: ياعز بن سلمون بن أحشون، وقيل: نحشون بن عمينا داب، وقيل: عويناداب، من سلالة إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ومعنى داود بالعبرية: الحبيب. ولد في بيت لحم بفلسطين حوالي عام 1033 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وقيل: قبل الميلاد بـ 1071 سنة، وقيل: 1086 سنة قبل الميلاد. توفي فجأة في أورشليم يوم السبت، وقيل: يوم الأربعاء، حدود عام 962، وقيل: عام 1015 قبل ميلاد المسيح عليه السلام بعد أن عمر 100 سنة، وقيل: 77 سنة، وقيل: 71 سنة، وقيل: 80 سنة، وقيل: 120 سنة، فدفنوه في مدينة داود على جبل صهيون بفلسطين. أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري: 361 ــ 364، نبي الله داود عليه السلام.
[64] موسى بن عمران عليه السلام: هو موسى، وبالعبرية: موشي بن عمران، أو عمرام، أو عمرم بن قاهث بن لاوي ابن نبي الله يعقوب عليه السلام. ولد موسى عليه السلام، وذلك بين سنتي 1605 و1645 قبل الميلاد. توفي على جبل نبو، وقيل: نبا بالقرب من جبل طور سيناء حدود سنة 1525 قبل الميلاد أيام التيه، ودفن هناك، ويدعي اليهود أن فلسطين قبرا لموسى عليه السلام يقصدونه في كل سنة. توفي موسى عليه السلام وعمره 240 سنة، وقيل 120 سنة، وقيل 126 سنة، وقيل 137 سنة. أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري: 937 ــ 944، موسى بن عمران عليه السلام.
[65] أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 98، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر/ ح27.
[66] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 151 ــ 152، كتاب الصبر والشكر، بيان كشف الغطاء عن الشكر في حق الله سبحانه.
[67] سورة النحل/ 18.
[68] أنظر:تحف العقول،الحراني:283،وروي عن الإمام سيد العابدينعليه السلام في قصار هذه المعاني.
[69] قال الإمام علي عليه السلام: صبرك على المصيبة يخفف الرزية ويجزل المثوبة.
غرر الحكم، الآمدي: 283، الصبر على البلية/ ح24.
[70] ورد في الخصال عن أمير المؤمنينعليه السلام: «سلوا الله العافية من جهد البلاء فإن جهد البلاء ذهاب الدين». الخصال، الشيخ الصدوق: 2/620، علم أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب.
[71] ورد في مهج الدعوات : «وأعوذ بك من الجهل والهزل ومن شر القول والفعل ومن سقم يشغلني ومن صحة تلهيني وأعوذ بك من التعب والنصب والوصب والضيق والضنك والضلالة والغائلة والذلة والمسكنة والرياء والسمعة والندامة والحزن والخشوع والبغي والفتن ومن جميع الآفات والسيئات وبلاء الدنيا والآخرة وأعوذ بك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من وسوسة الأنفس مما تحب من القول والفعل والعمل». مهج الدعوات، ابن طاووس: 101، دعاء أمير المؤمنين عليه السلام.
[72] سورة البقرة/ 206.
[73] ورد في مصباح الكفعمي: "أعذني من شماتة الأعداء ومن حلول البلاء ومن الذل والعناء". مصباح الكفعمي، الكفعمي: 679، الفصل الثامن والأربعون فيما يعمل في ذي الحجة.
[74] في المحجة: "أعطى" بدل "أعطي".
[75] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:7/235،كتاب الصبر والشكر،بيان فضل النعمة على البلاء.
[76] أنظر: جامع السعادات، النراقي: 3/ 273 ــ 276، فصل طريق تحصيل الشكر. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 75 ــ 79، كتاب الصبر والشكر، بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى.

الصبر حقيقته وأساميه وأقسامه

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

الفصل الأول: في فضله


قال الله تعالى: ((إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ))[1] وقال تعالى: ((أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا))[2] وقال تعالى: ((وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ))[3] وقال تعالى: ((وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا))[4] وقال تعالى: ((وَجَعَلْناهُمْ[5] أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا))[6].

وما من طاعة إلا وأجرها بحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر[7] قال تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به»[8].

ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: ((وَاصْبِر إِنَّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ))[9].

وعلق النصرة على الصبر فقال: ((بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ))[10].

وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال: ((أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ))[11].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر نصف الإيمان[12].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار[13].

وسئل صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة[14].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر كنز من كنوز الجنة[15].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس[16].

وقيل: أوحى الله إلى داود: تخلق بأخلاقي، أنا الصبور[17].

وقال الصادق عليه السلام: إذا دخل المؤمن قبره[18] كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبر مظل عليه[19]، ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه[20].

وعنه عليه السلام[21]: من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد[22].

وعنه عليه السلام[23] قال: إن الله تعالى أنعم[24] على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم وبالاً، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة[25].

وعنه عن أبيه عليه السلام قال[26]: من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز[27].

وعن الباقر عليه السلام قال: الجنة محفوفة بالمكاره والصبر. فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار[28].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر والجهاد، والعدل[29].

الفصل الثاني: في حقيقته وأساميه وأقسامه


إعلم أن القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى، والحرب بينهما على ساق، ومحل المعركة قلب المؤمن، ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله، ومدد باعث الشهوة والهوى من الشياطين الناصرين لأعداء الله فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة.

ثم إنه ضربان[30]: بدني كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة من العبادات، وإما بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والمرض العظيم والجراحات الهائلة، ونفسي وهو الصبر عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وهو إن كان عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر.

وضده حال يسمى الجزع[31] والهلع[32]، وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشق[33] الجيوب[34] وغيرها.

وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس،ويضاده حالة تسمى البطر[35].

وإن كان في الحرب سمي شجاعة، ويضاده الجبن.

وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمي حلماً،ويضاده التذمر[36] والغضب.

وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة[37] سمي سعة الصدر، ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر.

وإن كان في إخفاء كلام سمي كتماناً وصاحبه كتوماً، وضده الإذاعة.

وإن كان في فضول العيش سمي زهداً، ويضاده الحرص.

وإن كان صبراً على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة، ويضاده الشره.

فالصبر جامع لأكثر أخلاق الإيمان، وهو الرئيس الأعظم والإمام الأقوم فلذلك لما سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان[38] قال: الصبر[39].

ثم إن العبد لا يستغني عن الصبر في جميع الأحوال، لأن ما يلقاه العبد في الدنيا إما يوافق هواه وإما يكرهه، وحاله غير خارج عن هذين القسمين، وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما:

أما النوع الأول: كالصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا، فما أحوج العبد إلى الصبر في هذه الأمور، لأنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان، فإن ((الإِْنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى))[40]، ولذا قال بعض العارفين: «البلاء يصبر عليه المؤمن، والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق»[41] لأنه مقرون بالقدرة، ومن العصمة أن لا تقدر.

ولذا حذر الله تعالى عباده عن فتنة المال والزوج والولد، فقال: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ))[42] وقال: ((إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّ لَكُمْ))[43] وقال: (( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ))[44].

وأما النوع الثاني: وهو ما لا يوافق الهوى ــ فهو إما الذي يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختياره كالمصائب والنوائب، أو لا يرتبط أوله باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي والانتقام منه.

والقسم الأول: هو سائر أفعاله التي توصف كونها طاعة أو معصية، أما الطاعة فالعبد يحتاج إلى الصبر عليها، لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية.

ثم من الطاعات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما معاً كالحج والجهاد، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد، ويحتاج فيه إلى ثلاثة أحوال:

الأولى: قبل الطاعة، وذلك في تصحيح النية والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء ومكائد النفس، وهو شديد ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الأعمال بالنيات[45]. وقال تعالى: ((وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ))[46] وقال تعالى: ((إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ))[47].

الثانية: الصبر حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ويلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، وهو أيضاً شديد.

الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل عن إفشائه للسمعة والرياء، والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن جميع المبطلات، قال تعالى: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ))[48] وقال: ((وَ[49]لا تُبْطِلُواْ صَدَقاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذى))[50].

والضرب الثاني المعاصي، وما أحوج العبد إلى الصبر عنها، وأشدها المعاصي المألوفة بالعادة، سيما إذا سهل فعله كالغيبة والكذب والرياء والثناء لأن العادة طبيعة ثابتة فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله.

والقسم الثاني: ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه، كما لو أوذي بقول أو فعل أو جني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة، ولذا قال تعالى: ((وَلَتَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا))[51] وقال تعالى: ((وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ))[52] وقال تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً))[53] وقال تعالى: ((وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ))[54]. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صل من قطعك وأعط من حرمك وأعف عمن ظلمك[55].

القسم الثالث: ما لا يدخل تحت الاختيار أوله وآخره، كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وسائر أنواع البلاء، وهذا صبر مستنده اليقين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: أسألك من اليقين ما يهون[56] به عليّ مصائب الدنيا[57]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى[58]: «إذا وجهت على عبد[59] من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً»[60].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: انتظار الفرج بالصبر عبادة[61].

وقال عليه السلام[62]: ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله تعالى «إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيراً منها» إلا فعل الله ذلك[63].[64]

وفي الكافي عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجه ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش[65].

وقال الباقر عليه السلام: الصبر صبران: صبر على البلاء حسن جميل، و[66] أفضل الصبرين الورع عن محارم الله[67].

واعلم أن الإنسان إنما يخرج من مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى، وهذه الأمور داخلة تحت الاختيار، فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بالقضاء، لا أنه لا يكره المصيبة في نفسه لأن ذلك غير مختار فلا يخرجه ذلك عن حد الصابرين ولا توجع القلب وفيضان العين، ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاضت عيناه، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ قال: إن هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء[68] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب[69].

بل ذلك أيضاً لا يخرج عن مقام الرضا، فإن المقدم على الفصد[70] والحجامة راض به وهو متألم بسببه لا محالة. نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب[71]، فعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: من مرض فلم يشك إلى عواد أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، فإن عافيته عافيته ولا ذنب له، وإن قبضته قبضته إلى رحمتي[72]. وفُسّر التبديل بأن يبدله لحماً ودماً وبشرة لم يذنب فيها، وفسرت الشكاية بأن يقول: ابتليت بما لم يبتل به أحد وأصابني ما لم يصب أحداً وقال عليه السلام[73]: وليس الشكوى أن يقول: سهرت البارحة وحممت اليوم ونحو هذا[74].

وسئل الباقر عليه السلام عن الصبر الجميل فقال: ذاك صبر ليس فيه شكوى، وأما الشكاية إلى الله تعالى فلا بأس بها كما قال يعقوب: ((إِنَّما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ))[75].[76]

الفصل الثالث: في دواء الصبر وعلاجه


إعلم أن «الذي أنزل الداء أنزل الدواء»[77] ووعد الشفاء، فالصبر وإن كان شاقاً ولكن يمكن تحصيله بمعجون العلم والعمل، بتقوية باعث الدين، وتضعيف باعث الهوى بالمجاهدة والرياضة وذكر قلة قدر الشدة ودقتها، وإضرار الجزع وقبحه، وأن يكثر فكره في ما ورد في فضل الصبر وحسن عواقبه في الدنيا والآخرة[78] وأن يعلم أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات[79]، وأنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة الدنيا وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر.

ومن أسلم خسيساً[80] في نفيس[81] فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخيس[82] في الحال، وأن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجاً حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجرئ عليها ويقوي منته في مصارعتها، فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال، ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد.

ثم إن كان ذلك بتعب قوي فتصبّر وإن كان بيسير فصبر، وإن كان بجهد ففرض وإن كان بتلذذ فشكر، وهو بالغيبة عن حظوظ النفس والشهود مع الله تعالى وعدم التميز بين الألم واللذة[83].

ــــــــــــــــــ
[1] سورة الزمر/ 10.
[2] سورة القصص/ 54.
[3] سورة النحل/ 96.
[4] سورة الأعراف/ 137.
[5] في النص القرآني: "وجعلنا منهم".
[6] سورة السجدة/ 24.
[7] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 106، كتاب الصبر والشكر، الشطر الأول في الصبر.
[8] من لا يحضره الفقيه،الشيخ الصدوق:2/75، كتاب الصوم، باب فضل الصيام/ صدر الحديث 4.
[9] سورة الأنفال/ 46. ونصها : ((وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)).
[10] سورة آل عمران/ 125.
[11] سورة البقرة/ 157.
[12] مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 41، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به. وفيه جميع الشرح أعلاه من بداية الباب الثاني مع نصوص الآيات الكريمة.
[13] مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 41، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به. مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 2/ 425، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، باب 64 استحباب الصبر على البلاء/ صدر الحديث 23.
[14] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1/322، باب الخطب والأوامر، الخطبة رقم 23، فصل في مدح الصبر وانتظار الفرج.
[15] مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 2/425، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، باب 64 استحباب الصبر على البلاء.
[16] مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 42، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به.
[17] أنظر:إرشاد القلوب،الديلمي:1/127، الحكم والمواعظ، الباب الثامن والثلاثون في الصبر. 
[18] في الكافي: "في قبره".
[19] في الكافي: "مطل عليه".
[20] الكافي، الكليني: 2/ 90، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح 8.
[21] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[22] مشكاة الأنوار، الطبرسي: 26، الباب الأول في الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما, الفصل الخامس في الصبر.
[23] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[24] في مجموعة ورام: "إن الله أنعم".
[25] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 187.
[26] في الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن بعض أصحابه، عن أبان، عن عبدالرحمن بن سيابة، عن أبي النعمان، عن أبي عبدالله أو أبي جعفر عليهما السلام، قال: ... الحديث.
[27] الكافي، الكليني: 2/ 93، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح24.
[28] الكافي، الكليني: 2/ 89، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح7.
[29] بحار الأنوار، ألمجلسي: 79/ 137، كتاب الطهارة، الجنائز ومقدماتها ولواحقها، باب 18 فضل التعزي والصبر عند المصائب والمكاره.
[30] الضرب: النحو والصنف، يقال: هذا ضرب ذاك، و ضريب ذاك، أي: مثله.
كتاب العين، الفراهيدي: 7/ 31، مادة "ضرب".
[31] الجزع بالتحريك: نقيض الصبر.
الصحاح، الجوهري: 3/ 1196، مادة "جزع".
[32] الهلاع: الجزع وأهلعني: أجزعني.
كتاب العين، الفراهيدي: 1/ 107، مادة "هلع".
[33] الشق: الفصل في الشيء.
لسان العرب، ابن منظور: 10/ 183، مادة "شقق".
[34] الجيب: جيب القميص والدرع، والجمع جيوب.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 288، مادة "جيب".
[35] البطر: قيل: التبختر، وقيل: قلة احتمال النعمة، وقيل: البطر الطغيان في النعمة.
لسان العرب، ابن منظور: 4/ 68، مادة "بطر".
[36] تذمر إذا تغضب،يقال:سمعت له تذمر،أي:تغضبا،وظل فلان يتذمر عليه، إذا تنكر عليه وأوعده. تاج العروس، الزبيدي: 3/229.
[37] الضجر: القلق من الغم، وتضجر: تبرم.
لسان العرب، ابن منظور: 4/ 481، مادة "ضجر".
[38] في المستدرك: "ما الإيمان".
[39] مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 2/425، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، باب 64 استحباب الصبر على البلاء.
[40] سورة العلق/ 6 ــ 7.
[41] إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 60، كتاب الصبر والشكر، بيان مضان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال.
[42] سورة المنافقين/ 9.
[43] سورة التغابن/14. ونصها:((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّ لَكُمْ)).
[44] سورة الأنفال/ 28.
[45] تقريب المعارف، أبو الصلاح: 128، القسم الأول من تقريب المعارف في الكلام.
[46] سورة البينة/ 5.
[47] سورة هود/ 11.
[48] سورة محمد/ 33.
[49] ليس في النص القرآني "الواو".
[50] سورة البقرة/ 264.
[51] سورة إبراهيم/ 12. ونصها: ((وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا)).
[52] سورة الأحزاب/ 48.
[53] سورة المزمل/ 10. ونصها: ((وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)).
[54] سورة آل عمران/ 186.
[55] أنظر:كنز الفوائد، الكراجكي:2/31،فصل من عيون الحكم والنكت من جواهر الكلام.
[56] في المحجة: "ما تهون".
[57] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 126، كتاب الصبر والشكر، بيان مظان الحاجة إلى الصبر.
[58] في الدعوات: "يقول الله عزّوجل".
[59] في الدعوات: "إذا وجهت إلى عبد".
[60] الدعوات، الراوندي: 172، الباب الثالث في ذكر المرض ومنافعه العاجلة والآجلة وما يجري مجراها، فصل في صلاة المريض وصلاحه وأدبه ودعائه عند المرض/ ح35.
[61] الدعوات، الراوندي: 41، الباب الأول، الفصل الثاني في كيفية الدعاء وآدابه وأوقات استجاباته/ ح77.
[62] أي: "النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[63] في المحجة: "ذلك به".
[64] المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 126، كتاب الصبر والشكر، بيان مظان الحاجة إلى الصبر، القسم الثالث.
[65] الكافي، الكليني: 2/ 91، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح15.
[66] ليس في مجموعة ورام: حرف "الواو".
[67] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 16.
[68] أنظر: مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 105 ــ 106، الباب الرابع في البكاء.
[69] أنظر: تحف العقول، الحراني: 37، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قصار هذه المعاني.
[70] الفصد قطع العروق. وافتصد فلان: قطع عرقه ففصد.
كتاب العين، الفراهيدي: 7/ 102، مادة "فصد".
[71] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 142 ـ 148، المقالة الرابعة في مكارم الأخلاق وتحصيلها، الباب الأول في فضيلة الصبر. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 54 ــ 66، كتاب الصبر والشكر.
[72] أنظر: الكافي، الكليني: 3/ 115،كتاب الجنائز، باب آخر منه/ ح1.
[73] الإمام الصادق عليه السلام.
[74] مشكاة الأنوار،الطبرسي:279، الباب السابع في ذكر المصائب والشدائد والبلايا وما وعد الله من الثواب وذكر الموت،الفصل الأول فيما جاء في الصبر على المصائب/ذيل الحديث.
[75] سورة يوسف/ 86.
[76] أنظر: التمحيص، الإسكافي: 63، باب 8 مدح الصبر وترك الشكوى واليقين والرضا بالبلوى/ ح22.
[77] الدعوات، الراوندي: 180 ــ 181، فصل في التداوي بتربة مولانا وسيدنا أبي عبد الله الحسينعليه السلام/ ح1.
[78] نذكر ههنا بعض المصادر التي وضعت للصبر أبوابا، منها:
الكافي، الكليني: 2/ 87، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 3/ 255، باب 76 استحباب الصبر. ارشاد القلوب، الديلمي: 1/ 126، الباب الثامن والثلاثون في الصبر.
[79] أنظر: غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي: 282، الباب الثاني النفس وما حولها، الفصل السابع في الصبر والحلم والاستقامة، الصبر على البلية.
[80] الخسيس: الدنيء. وخس الشيء يخس ويخس خسة و خساسة، فهو خسيس: رذل.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 64، مادة "خسس".
[81] النفيس والمنفس المال له قدر وخطر، ثم عم فقال: كل شيء له خطر وقدر فهو نفيس ومنفس.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 238، مادة "نفس".
[82] الإنسان يخيس في المخيس حتى يبلغ منه شدة الغم والأذى ويذل ويهان.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/288، مادة "خيس".
[83] أنظر: جامع السعادات، النراقي: 3/ 299 ــ 300، فصل طريق تحصيل الصبر. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 66 ــ 70، كتاب الصبر والشكر، بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه.

في الغرور وأسبابه والفرق بين غرور أهل الدنيا وأهل الدين

بقلم: السيد عبد الله شبر، تحقيق شعبة التحقيق في قسم الشؤون الفكرية

الفصل الأول: في حقيقته وذمه


إعلم أن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة، والغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور[1]، قال الله تعالى:((لا[2] تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[3]، وقال تعالى:((وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَْمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[4].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من المغترين.

وكل ما ورد في فضل العلم وذم الجهل فهو دليل ذم الغرور، لأن الغرور[5] نوع من الجهل، والذين غرتهم الحياة الدنيا بعض الكفار والعصاة الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة قائلين: إن الدنيا نقد والآخرة نسيئة[6] والنقد خير من النسيئة، ولذات الدنيا يقين والآخرة شك واليقين خير من الشك.

وهذا عين الجهل، لأن الدنيا لو كانت ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكان الخزف الباقي خيراً من الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف فانٍ والآخرة ذهب باقٍ، كما قال تعالى:((ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ))[7] وقال تعالى: ((وَللآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى))[8] وقال تعالى: ((وَما الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ))[9].

وكون النقد خيراً من النسيئة مطلقاً ممنوع، فإن النسيئة العظيمة الكثيرة خير من النقد القليل الحقير، وفعل هذا المغرور حجة عليه، فإنه يعطي خمسة دراهم نقداً ليأخذ عشرة نسيئة، ويترك لذائذ الأطعمة بتحذير الطبيب نقداً خوفاً من ألم المرض النسيئة، ويتحمل المشاق والأسفار وقطع البحار نقداً لتوهم النفع نسيئة، وكذا التاجر في سعيه وتصديعه[10] على يقين وفي ربحه على شك، وكذا المتفقه في اجتهاده شك وفي تعبه يقين، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك، فكون اليقين خيراً من الشك مطلقاً ممنوع، بل إذا كان مثله فالذي له شك في الآخرة يجب عليه بحكم الحزم أن يقول: الصبر أياماً قلائل في هذا العمر القصير قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة، فإن كان ما يقال في الآخرة كذباً فما فاتني إلا نعم حقيرة فانية، وإن كان صدقاً خلدت في النار أبد الآبدين وهذا لا يطاق.

هذا كله مع قطع النظر عن كون الآخرة يقيناً يحكم بها العقل السليم والفهم المستقيم، وأخبر بها الأنبياء والمرسلون والأولياء والصالحون.

وأما الغرور بالله فمثل قول بعضهم: فإن كان لله معاد فنحن أحق به من غيرنا وأوفر حظاً وأسعد حالاً، كما أخبر الله تعالى من قول الرجلين المتحاورين. إذ قال: ((وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأََجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً))[11].

وذلك لأنهم تارة ينظرون إلى نعم الله عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعم الآخرة، وينظرون إلى تأخير الله العذاب عنهم، فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ))[12].

وينظرون تارة إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر، فيقولون: ((أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا))[13] ويقولون: ((لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ))[14]، ويقولون: قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا، وكل محسن محب، والمحب يحسن في المستقبل أيضاً، ولم يعلموا أن نعيم الدنيا ولذاتها والاستدراج فيها يدل على الهوان، وأن هذه اللذات سموم قاتلات، وأن الله يحمي المؤمن من الدنيا كما يحمي الطبيب المريض عن الطعام.

ولو كانت الدنيا لها قدر عند الله لما سقى الكافر منها شربة ماء، وقال تعالى: ((أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ))[15] وقال تعالى:((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ))[16] وقال تعالى:((فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ))[17].

ومنشأ هذا الغرور الجهل بالله وصفاته، فإن من عرفه لا يأمن مكره ولا يغير به بأمثال هذه الخيالات، وينظر إلى فرعون وقارون وإلى ملوك الأرض كيف أحسن الله إليهم ثم دمرهم تدميراً ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ))[18]، ((وَلا يَأْمَنُ[19] مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)) [20].[21]

الفصل الثاني: في بيان فرق المغترين وجهات غرورهم


وهم كثيرون وجهات غرورهم مختلفة:

فمنهم: عصاة المؤمنين، يقولون إن الله كريم رحيم ونرجو رحمته وكرمه، وإن ((رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ))[22]، وأين معاصي العباد من رحمته، والرجاء مقام محمود. ووجه غرورهم ما يأتي إن شاء الله تعالى في الرجاء من أن هذا تمنٍ على الله وغرة به، فإن «من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً[23]، هرب منه»[24]، وكما أن الذي يرجو ولداً ولم يتزوج أو تزوج ولم يجامع أو جامع ولم ينزل فهو أحمق، فكذا من رجا رحمة ربه ولم يعمل الصالحات ولم يترك السيئات، وقد قال تعالى: ((إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ))[25] وقال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ))[26] يعني أن الرجاء إنما يليق بمثلهم[27].

ومنهم: العلوية والهاشمية، حيث اغتروا بالنسب وصلاح الآباء وعلو رتبتهم، وغفلوا عن كونهم مخالفين سيرة آبائهم في التقوى والورع، وأنهم ليسوا بأكرم على الله من آبائهم، وآباؤهم مع غاية التقوى والورع كانوا خائفين باكين[28]، وهم مع غاية المعاصي والمساوئ قد أصبحوا راجين آمنين[29]. وربما سول الشيطان لهم أن إنساناً إذا أحب أحداً أحب أولاده تبعاً، وأن الله يحب آباءكم فهو يحبكم تبعاً، فلا يحتاج في بذل الجهد في الطاعات وترك المعاصي. وغفلوا عن أنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، وأن الله إنما يحب المطيع ويبغض العاصي، وقد قال نوح: رب إن ابني من أهلي فقال تعالى: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ))[30] وإن إبراهيم استغفر لأبيه فلم ينفعه ذلك[31].
ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه فهو كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ويروى بشرب أبيه ويصير عالماً بعلم أبيه، ويصل إلى الكعبة ويراها بمسعى أبيه.

فصل: في غرور أهل العلم



وهم فرق: فمنهم من أحكم العلوم العقلية والشرعية وتعمق فيها وغفل عن تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، وغفل عن أن العلم إذا لم يعمل به كان وزراً ووبالاً ولم يزدد من الله إلا بعداً، و«أن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل»[32]، وأن «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه[33]»[34].

ومنهم: من أحكم العلم والعمل وواظب على الطاعات وترك المعاصي الظاهرة من الجوارح وأهمل تفقد الرئيس ليمحو عنه المعاصي المهلكة والسموم القاتلة التي تفوت حياة الأبد، كالحسد والرياء والحقد والكبر والعجب وحب الجاه ونحوها، وربما لم يعرف حقائق هذه الأمور وأقسامها فضلاً عن علاجها ومعالجتها، وقد أكب على الفضول وترك الفرض، وهو لم يتصف بحقيقة الإنسانية، ويظن أنه قد بلغ من العلم مبلغاً لا يعذب الله مثله، بل يقبل في الخلق شفاعته وأنه لا يطالبه بذنوبه لكرامته عند الله.

ومنهم: من علموا هذه الأخلاق الباطنة وعلموا آفاتها وكيفياتها إلا أنهم للعجب بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عن الأخلاق المذمومة، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بها وإنما يبتلي بها العوام، ثم إذا ظهر على أحدهم مخائل الكبر والرئاسة وطلب العلو والشرف قال: ما هذا كبر وإنما هذا طلب عز الدين وإظهار شرف العلم ونصرة دين الله وإرغام أنف المخالفين. ومهما انطلق اللسان بالحسد في أقرانه وفي من رد عليه شيئاً من كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك حسداً، ولكن قال: إنما هذا غضب للحق ورد على المبطل في عداوته وظلمه.

ثم لو طعن عليه غيره من أهل العلم لم يكن غضبه مثل غضبه الآن بل ربما يفرح به، وإذا خطر له خاطر الرياء قال: هيهات إنما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى دين الله ويتخلصوا من عقاب الله.

ولا يتأمل المغرور أنه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به، فلو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان.

وربما يتذكر هذا المعنى فلا يخليه الشيطان أيضاً، بل يقول: إنما ذاك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر والثواب لي، وإنما فرحي بثواب الله لا بقول الخلق.

هذا ما يظنه بنفسه والله مطلع على سريرته، وقد ((زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً))[35] وضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً[36].

ومنهم: قوم اقتصروا على علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعائش، وصرفوا أعمارهم في معرفة دقائق السلم والإجارة والظهار واللعان والجراحات الدعاوي والبينات والحيض والاستحاضة، وضيعوا الأعمال المظاهرة والباطنة، ولم يتفقدوا الجوارح ولم يحرصوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين، ولم يعالجوا أمراض قلوبهم بالكبر والرياء والحقد والعجب والحسد وسائر المهلكات مما هو من الواجبات العينية، واشتغل بفرض الكفاية والاشتغال بالكفائي[37] قبل الفراغ من العيني[38] معصية.

ومثالهم مثال من به علة البواسير[39] والسرسام[40]، وهو مشرف على الهلاك محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فاشتغل بتعليم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلاً ونهاراً مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض، ولكن يقول: ربما وقعت الاستحاضة أو الحيض لامرأة تسألني. وذلك غاية الغرور. وكذلك المتفقه المسكين الذي تسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي فيلقى الله وهو عليه غضبان[41].

ومنهم: من اشتغل بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والرد على المخالفين وتتبع مناقضاتهم، واعتقدوا أنه لا يكون للعبد عمل إلا بالإيمان ولا يصلح الإيمان إلا بأن يتعلم جدلهم وما يسمونه أدلة عقائدهم، وظنوا أنه لا أحد أعرف بالله وصفاته منهم، وأنه لا إيمان لمن لا يعتقد مذهبهم ولم يتعلم علمهم، ودعا كل فرقة منهم إلى نفسه، وهم فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيهم الأشاعرة[42] والمعتزلة[43] والخوارج[44] والنواصب[45]، وهؤلاء مغرورون.

أما الفرقة الضالة منهم فلغفلتها عن ضلالها وظنها بنفسها النجاة، وأما الفرقة المحقة فإنما اغترارها من حيث إنها ظنت أن الجدل أهم الأمور وأفضل القربات، وقد ورد في الحديث النبوي: «ما ضل قوم قط بعد هدى إلا أوتوا الجدل وحرموا العمل»[46].

ومنهم: من اشتغل بالوعظ، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإخلاص والصدق ونظائرها، ويظن بنفسه أنه إذا تكلم بهذه الصفات ودعا الخلق إليها صار موصوفاً بها، وهو منفك عنها عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين، والأكياس يمتحنون أنفسهم في هذه الصفات ويطالبونها بالحقيقة، ولا يقنعون منها بالتزويق.

ومنهم: من قنع بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم، فهو حافظ للكلمات جاهل بالمعاني غير متصف بما يقول.

ومنهم: من استغرق أوقاته في علم الحديث[47] وسماعه وطلب الأسانيد الغريبة العالية، وغفل عن التدبر في دقائق معانيه.

ومنهم: من لم يغفل عن ذلك إلا أنه غفل عما هو أهم منه كما تقدم.

ومنهم: من اشتغل بعلم النحو[48] واللغة[49] والشعر[50] وغريب اللغة[51]، زاعماً أنه من علماء الأمة المغفور لهم، إذ قوام الدين بالكتاب والسنة وقوام الكتاب والسنة بعلم اللغة والنحو، فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق العربية وغريب اللغة، ومثالهم كمن يفني عمره في تعلم الخط وتصحيح الحروف وتحسينها ويزعم أن العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة فلابد من تعلمها، ولو عقل لعلم أنه يكفيه أصل الخط بحيث يمكن أن يقرأ كيفما كان والباقي زائد على الكفاية. بل مثالهم مثال من ضيع العمر في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه، وهو غرور إذ المقصود من الحروف المعاني[52].

فصل: في غرور أرباب العبادة والعمل


فمنهم: فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالفضائل والنوافل، وربما تعمقوا بالفضائل حتى خرجوا إلى العدوان والسرف، كالذي يغلب عليه الوسوسة[53] في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرتضي الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع، ويقدر الاحتمالات البعيدة في النجاسة قريبة، وإذا آل الأمر إلى أكل الحلال قدر الاحتمالات القريبة بعيدة، وقد يطول الأمر في وسواسه في الوضوء والتطهير حتى تضيع الصلاة ويخرجها عن وقتها.


ومنهم: من غلب عليه الوسوسة في نية الصلاة، فتفوته الجماعة ويخرج الوقت، وإن كبر ففي قلبه تردد في صحّة نيته، ويفوته الحضور والخضوع والخشوع.

ومنهم: من يغلب عليه الوسوسة في إخراج الحروف فلا يزال يعالجها حتى يذهل عن معاني القرآن.

ومنهم: من اغتر بقراءة القرآن فيهذُّه هذّاً[54]، وربما يختم في اليوم والليلة مرة ولسانه يجري به وقلبه يتردد في أودية الأماني، والله تعالى يقول: ((لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ))[55] وقلبه لا يخشى، ولو قرأ قليلاً مع تدبر وتفكر وآداب لكان خيراً من الكثير بدونه.

ومنهم: من اغتر بالمواظبة على الصوم، وعنى نفسه بالجوع والعطش ولم يحفظ لسانه من الغيبة وقلبه من الصفات الخبيثة، فقد أهمل الفرض وطلب النفل[56].

ومنهم: من اغتر بالحج وزيارات المشاهد، فيخرج إلى الحج والزيارة من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون وطلب الزاد الحلال، ويضيع في الطريق الصلاة، ويعجز عن طهارة الثوب والبدن.

ومنهم: من يتقلد إمامة مسجد أو أذانه ويظن أنه على خير، ولو أمَّ غيره أو أذَّن في وقت غيبته قامت عليه القيامة ولو كان أورع منه وأعلم.

ومنهم: من يأمر الناس بالمعروف وينهى عن المنكر وينسى نفسه، وإذا أمر عنف وطلب الرئاسة والعز، وإذا ردّ عليه إذا باشر منكراً غضب وقال: أنا المحتسب فكيف ينكر علي، وإنما غرضه الرئاسة.

ومنهم: من جاور في الحرمين أو المشاهد واغتر بذلك ولم يطهر ظاهره وباطنه من الآثام والخبائث، ولم يزل قلبه وعيناه ممتدة إلى أوساخ أموال الناس، وغفل عن أن مجاورته لحب الحمد، ولو لم يعلم أحد بمجاورته لما هانت عليه المجاورة.

ومنهم: من تزهد في المأكل والملبس والمسكن وظن أنه من الزاهدين في الدنيا، والله يعلم منه الرغبة في الرئاسة والجاه والمنزلة في قلوب الناس الذي هو أعظم لذات الدنيا.

ومنهم: من يحرص على التغافل لصلاة الليل وسائر الرواتب ولا يجد للفريضة لذة ولا يشتد حرصه على المبادرة إليها في أول الوقت.

ومنهم: من أشار إليهم بعض العارفين: قوم تسموا بأهل الذكر والتصوف[57] والمسمون يدعون البراءة من التصنع والتكلف، يلبسون خرقاً ويجلسون حلقاً، يخترعون الأذكار ويتغنون بالأشعار ويعلنون  بالتهليل وليس لهم إلى العلم والمعرفة سبيل، ابتدعوا شهيقاً ونهيقاً[58] واخترعوا رقصاً وتصفيقاً، قد خاضوا الفتن وأخذوا بالبدع دون السنن، رفعوا أصواتهم بالنداء وصاحوا الصيحة الشنعاء.

ومنهم: من يدعي علم المعرفة ومشاهدة المعبود ومجاورة المقام المحمود والملازمة في عين الشهود، ولا يعرف من هذه الأمور إلا الأسماء، ولكنه تلقف من الطامات كلمات يرددها لدى الأغبياء كأنه يتكلم عن الوحي أو يخبر عن السماء، ينظر إلى اصناف العباد والعلماء بعين الازدراء يقول في العباد إنهم أجراء متعبون وفي العلماء إنهم بالحديث عن الله لمحجوبون، ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدعيه ملك مقرب، لا علماً أحكم ولا عملاً هذَّب، يأتي إليه الجمع الرعاع الهمج من كل فج أكثر من إتيانهم مكة للحج، يزدحم إليه الجمع ويلقون إليه السمع، وربما يخرون له سجوداً كأنهم اتخذوا معبوداً، يقبلون يديه ويتهافتون على قدميه، يأذن لهم في الشهوات ويرخص لهم في الشبهات، يأكل ويأكلون كما تأكل الأنعام ولا يبالون من حلال أصابوا أم من حرام، وهو لحلوائهم هاضم ولدينه وأديانهم حاطم، ((لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)) [59].[60]

فصل: في غرور أرباب الأموال


فمنهم: من يحرص على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس كافة ويكتبون أسماءهم بالآجر عليها ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم، ويظنون أنهم قد استحقوا المغفرة وهم مغرورون لوجهين:

أحدهما: إنهم اكتسبوها من الشبهات إن خلصوا من الحرام.

والثاني: إن الرياء قد غلب عليهم، إذ لو كلف أحدهم أن ينفق ديناراً ولا يكتب اسمه على الموضع أو لا يعرف لم تسمح نفسه بذلك والله مطلع عليه كتب اسمه أو لم يكتب، فلولا أنه يريد وجه الناس لا وجه الله لما افتقر إلى ذلك، وربما يكون في جوار أحدهم أو في بلده فقير وصرف المال إليه أهم من الصرف إلى المساجد وزينتها.

ومنهم: من ينفق الأموال في الصدقات وعلى الفقراء والمساكين ولكن يطلب به المحافل الجامعة ومن الفقراء من عادته الشكر والإفشاء للمعروف، ويكرهون التصدق في السر أو صرفه إلى غير أولئك أو إلى غير أصدقائهم والمترددين إليهم مع كونهم أهم. وبعضهم يرى إخفاء الفقير لما أخذ منه جناية عظيمة وكفراناً.

ومنهم: من يحرص على إنفاق ماله في الحج والزيارات، وربما  يتركون أرحامهم وجيرانهم جائعين.

ومنهم: من يحفظ ماله ويمسكه بحكم البخل ثم يشتغل بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن وهو يظن أنه على خير لأن البخل المهلك قد استولى على باطنه، وهم أحوج إلى قمعه بإخراج المال من طلب الفضائل. ومثالهم مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول بصنع المبردات ليسكن به الصفراء.

ومنهم: من غلب عليه البخل، فلا تسمح نفسه إلا بأداء الزكاة فقط ثم يخرجها من المال الخبيث الرديء الذي يرغب عنه، ويخص بها من الفقراء من يخدمه ويتردد في حوائجه ويظن أنه أداها لله[61].

وأصناف الغرور لا تحصى فليتحذر منها. وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: المغرور في الدنيا مسكين وفي الآخرة مغبون، لأنه باع الأفضل بالأدنى.

ولا تعجب من نفسك حيث ربما اغتررت بمالك وصحة جسمك لعلك تبقى وربما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم، وربما اغتررت بحالك ومنيتك وإصابتك مأمولك وهواك وظننت أنك صادق ومصيب، وربما اغتررت بما تري الخلق من الندم على تقصيرك في العبادة ولعل الله يعلم من قلبك بخلاف ذلك، وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفاً والله يريد الإخلاص، وربما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل عن مضمرات ما في علم الله، وربما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه، وربما حسبت أنك ناصح للخلق وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك، وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها في الحقيقة.

واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بصدق الإنابة إلى الله والإخبات له ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم ولا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدوة وأئمة الهدى، وإن كنت راضياًَ بما أنت فيه فما أحد أشقى بعلمك منك وأضيع عمراً، فأورثت حسرة يوم القيامة[62].

ـــــــــــــــــــــ
[1] ((وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ)) سورة لقمان/ 33. الغرور، بالفتح: الشيطان، وكل من غر فهو غرور، وسمي  الشيطان غرورا لأنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسوؤه. قال ابن السكيت: والغرور أيضا: ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه ومجهول. والغرور بضم المعجمة: الباطل، مصدر غررت وما اغتر به من متاع الدنيا.
مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 3 / 301، مادة "غرر".
[2] في النص القرآني: "فلا".
[3] سورة لقمان/ 33.
[4] سورة الحديد/ 14.
[5] إحياء علوم الدين،الغزالي:3/335،كتاب ذم الغرور،بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته.
[6] النسيئة: التأخير.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 147، مادة "كلأ ".
[7] سورة النحل/ 96.
[8] سورة الأعلى/ 17. ونصها: "والآخرة خير وأبقى".
[9] سورة آل عمران/ 185.
[10] الرجل يصدع بالحق: يتكلم به جهارا. صدعتهم فتصدعوا، أي: فرقتهم فتفرقوا.
كتاب العين، الفراهيدي: 1/ 291 ـ 292، مادة "صدع".
[11] سورة الكهف/ 36.
[12] سورة المجادلة/ 8.
[13] سورة الأنعام/ 53.
[14] سورة الأحقاف/ 11.
[15] سورة المؤمنون/ 55 ــ 56.
[16] سورة الأعراف/ 182.
[17] سورة الأنعام/ 44.
[18] سورة آل عمران/ 54.
[19] في النص القرآني: "فلا يأمن".
[20] سورة الأعراف/ 99.
[21] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 291 ــ 302، كتاب ذم الغرور، بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته. جامع السعادات، النراقي: 3/ 6 ــ 12.  إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 335 ــ 339، كتاب ذم الغرور، بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته.
[22] سورة الأعراف/ 156.
[23] في الكافي: "من شيء" بدل "شيئا".
[24] الكافي، الكليني:2/68، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ذيل الحديث5.
[25] سورة الأعراف/ 56.
[26] سورة البقرة/ 218.
[27] مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/215، بيان آفة العجب. وفيه النص: "يعني الرجاء الذي يليق بهم".
[28] في تفسير عليّ بن إبراهيم: حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام: إن صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها. فأقبلت. فقال لها عمر: غطّي قرطك! فإنّ قرابتك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنفعك شيئا. فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا بن اللّخناء!؟ ثمّ دخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). فأخبرته بذلك و بكت.  فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فنادى: الصّلاة جامعة! فاجتمع النّاس. فقال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع!؟ لو قد قربت المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
تفسير القمي، القمي: 1/ 188، تفسير سورة المائدة، أقسام الصوم.
وفي مجمع البيان: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ حسب ونسب  منقطع، إلا حسبي ونسبي.
مجمع البيان، الطبرسي: 7/211، تفسير سورة المؤمنون.
ونشير ههنا بإيجاز أننا أوضحنا منابع المؤلف السيد عبد الله شبر (قدس سره) في كتابه هذا عن الفيض الكاشاني من مصنفاته، وهذا الأخير قد اعتمد بالأخذ عن الغزالي وقد حدث مزج وخلط بين عقائد المدرستين حين النسخ دون الإشارة إلى ذلك، فأوجزنا الإشارة لعدم الإطالة.
[29] إن هذا الكلام مخالف لعقائد الخاصة تماما حيث فيه الإشارة إلى أن آباء العلويين، أي: الأئمة عليهم السلام يصدر منهم الذنب، وهذا مناف للعصمة، لذا ننوه أن الكلام مأخوذ عن العامة فتأمل، والظن بعيد أن يكون رأي السيد المؤلف (قدس سره) أعلاه على ما هو عليه من الورع كما هو مذكور.
[30] سورة هود / 46.
[31] قال القمي: قال إبراهيم لأبيه إن لم تعبد الأصنام استغفرت لك فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه إبراهيم. تفسير القمي، القمي: 1/ 306 ، مسجد ضرار.
[32] عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4 / 66 ــ 67، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه/26.
[33] في المنية: "لم ينفعه علمه".
[34] منية المريد، الشهيد الثاني: 135، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، القسم الأول آدابهما في أنفسهما، الأمر الأول.
[35] سورة فاطر/ 8.
[36] إشارة إلى قوله تعالى: ((الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) سورة الكهف/ 104.
[37] الواجب الكفائي: الواجب الذي لو قام به البعض بحد الكفاية (أي: بالعدد الكافي) سقط عن الآخرين، كغسل الميت.
معجم ألفاظ الفقه الجعفري، د. أحمد فتح الله: 439.
[38] الواجب العيني: ما يكلف به أعيان المكلفين ولا يسقط بفعل بعضهم له عن الباقين، أي: هو الواجب على كل فرد مكلف، كالصلاة.
معجم ألفاظ الفقه الجعفري، د. أحمد فتح الله: 438.
[39] الباسور واحد البواسير: وهي كالدماميل في المقعدة.
مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 1/ 198، مادة "بسر".
[40] السرسام: حمى دائمة مع صداع وثقل في الرأس والعين وحمرة فيها شديدة وكراهية الضوء. مفاتيح العلوم، الخوارزمي: 1/ 96، الفصل الثاني في الأمراض والأدواء.
[41] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من تزين للناس بما يحب الله و بارز الله في السر بما يكره الله لقي الله و هو عليه غضبان و له ماقت.
قرب الإسناد، الحميري: 45.
[42] الأشاعرة: أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، من أحفاد أبو موسى الأشعري. موسوعة الفرق والجماعات، د. عبد المنعم الحفني: 82/ الرقم59 الأشعرية.
[43] المعتزلة: مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر، ومؤسس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري.
وللمعتزلة ألقابا: العدلية، الموحدة، أهل الحق، القدرية.
الملل والنحل، جعفر السبحاني: 92 ــ 93/ الرقم 11 المعتزلة.
[44] الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)في صفين بعد قبول التحكيم، ويقال للخوارج: الحرورية أيضا، و النواصب، و الشراة.
موسوعة الفرق والجماعات، د.عبد المنعم الحفني: 348 ـ 349/ الرقم 374 الخوارج.
[45] النواصب: جمع ناصبي، وهو الغالي في بغض علي (عليه السلام).
موسوعة الفرق والجماعات، د.عبد المنعم الحفني: 349/ الرقم 374 الخوارج.
[46] أنظر: منية المريد، الشهيد الثاني: 171، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، النوع الأول آداب اشتركا فيها، الثاني أن لا يسأل أحدا تعنتا وتعجيزا. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 321، كتاب ذم الغرور.
[47] الخبرُ والحديثُ: بمعنى: هو كلامٌ يكون لِنسبَته خارجٌ في أحدِ  الأزمنةِ تُطابِقُه أولا.
وهو أعمُّ من أن يكون قولَ الرسولِ والإمام والصحابي والتابعي وغيرِهم. وفي معناه فعلُهم وتقريرُهم.
وقد يُخَصُّ الثاني بما جاء عن المعصومِ،والأوّلُ بما جاء عن غيرِه،أو يُجعل الثاني أعمَّ مطلقاً.
والأثرُ: أعمُّ مطلقاَ.
والمتنُ: لفظُ الحديثِ الذي يَتَقَوَّمُ بِه المعنى.
والسندُ: طريقُ المتنِ. وقيل: الإخبارُ عن طَرِيقه.
والإسنادُ: رَفعُ الحديثِ إلى قائِله. والأولى ردُّ المعنى الثاني إليه أيضاً.
ثمّ الخبرُ، مُنحصِرٌ في الصدقِ والكذبِ في الأصحِّ؛ لأنّه إن طابَقَ الواقعُ المحكيَّ فالأوّلُ، وإلاّ فالثاني، سواءٌ وافَقَ اعتقاَدَ المُخبِرِ أم لا، وسواء قصد الخبرَ أم لا.
ثمّ قد يُعلم صِدقُه قطعاً ضرورةً، كالمتواتر، وما عُلِمَ وجودُ مخبَرِه  كذلك. أو كَسْباً، كخبر الله تعالى، والرسولِ، والإمامِ، والأُمةِ، والمتواتِر معنى، والمحتفِّ بالقرائن، وما عُلِمَ وجودُ مُخبَرِه بالنظر. وقد يُعلم كذبُه كذلك بالمقايسةِ. وقد يحتمل الأمرين، كأكثرِ الأخبارِ.
وينقسم مطلقاً إلى متواترٍ، وهو ما بَلَغَتْ رُواتُه في الكثرةِ مَبْلَغاً أحالَت العادةُ تواطُؤهم على الَكذبِ، واستمرَّ ذلك في الطبقاتِ حيث تتعدّد، فيكون أوَّلُه كآخِره، ووسطُه كَطَرَفَيْه. ولا يَنْحَصِرُ ذلك في عددٍ خاصٍّ.
وشرطُ العِلم به انتفاؤه اضطراراً عن السامعِ، وأن لا تَسْبِقَ شُبهةٌ إلى السامعِ أو تقليدٌ ينافي موجبَ خَبَرِه، واستنادُ المُخْبِرين إلى إحساسٍ.
وهو مُتَحَقِّقٌ في أصولِ الشرائعِ كثيراً، وقليلٌ في الأحاديث الخاصّةِ  وإن تَواتر مدلولُها، حتى قيل: مَن سُئل عن إبرازِ مثال لذلك أعياه طلبُه. وحديثُ (إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ) ليس منه وإن  نقله عددُ التواترِ وأكثرُ؛ لأنّ ذلك طَرَأ في وَسَطِ إسناده. وأكثرُ ما ادّعي تواترهُ من هذا القبيلِ.
نعم، حديثُ: «مَن كذب عليّ متعمّداً فَلْيَتَبَوّأ مقعدَه من النارِ» نَقَلَه مِن  الصَحابَة الجمُّ الغفيرُ. قيل: أربعون. وقيل: نَيِّفٌ وستّون، ولم يَزَل العددُ في ازديادٍ.
وآحاد،  وهو ما لم يَنْتَه إلى المتواترِ منه.
ثمّ هو مستفيضٌ إن زادتْ رُواتُه عن ثلاثةٍ،أو اثنين. ويقال له:المشهور أيضاً.وقد يُغايَر بينهما. وغريبٌ إن انفردَ به واحدٌ.
وغيرُهما، وهو ما عدا ذلك. فمنه العزيزُ، ومنه المقبولُ، والمردودُ، والمُشْتَبَهُ.
والأخبارُ مطلقاً غيرُ منحصرةٍ. ومَن بالغ في تتبُّعها وحَصَرَها في عددٍ فَبِحَسَبِ ما وَصَلَ إليه. واعلم أنّ متنَ الحديث نفسه لا مَدْخلَ له في الاعتبار إلاّ نادراً، بل يَكتَسِبُ صفةً من القوّةِ والضعفِ وغيرِهما بِحَسَبِ أوصافِ الرواةِ مِنَ العَدالَةِ وعَدَمِها، أو الإسنادِ، مِن الاتّصالِ والانقطاعِ والإرسالِ وغيرِها.
وتحريرُ البحث عن ذلك ينجرُّ إلى بيان أنواعه من الصحَّةِ وأضدادها، وإلى الجَرْحِ والتعديلِ. والنظرُ إلى كيفيّةِ أخذهِ، وطُرقَ تحمُّلِه والبحثِ عن أسماء الرواة وأنسابِهم، ونحوِ ذلك.
الرعاية لحال البداية في علم الدراية، الشهيد الثاني:28ـ29، المقدمة في بيان أصوله واصطلاحاته.
[48] علم النحو: علم بأصول تعرف بها أحوال أواخر الكلم الثلاث من حيث الإعراب والبناء وكيفية تركيب بعضها مع بعض.
الهداية في النحو، المركز العالمي للدراسات الإسلامية: 16، الدرس الأول.
[49] قال ابن سيده اللغة:اللسن وحدها أنها:(أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) وقال غيره:هو الكلام المصطلح عليه بين كل قبيل، وهى فعلة من لغوت، أي: تكلمت أصلها لغوة ككرة وقلة وثبة لاماتها كلها واوات، وقال: الجوهر أصلها لغى أو لغو والهاء عوض زاد أبو البقاء ومصدره اللغو، وهو الطرح.  فالكلام لكثرة الحاجة إليه يرمى به وحذفت الواو تخفيفا (ج لغات) قال الجوهرى: وقال بعضهم: سمعت لغاتهم بفتح التاء وشبهها بالتاء التى يوقف عليها بالهاء انتهى. تاج العروس، الزبيدي: 10/ 328، مادة "اللغة".
[50] الشعر: كلام منظوم بان عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص به من النظم الذي إن عدل به عن جهته مجته الأسماع وفسد على الذوق. ونظمه معلوم محدود  فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن عن تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق بها.
كتاب عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي : 5 ــ 6، مفهوم الشعر.
[51] الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس.
غريب الحديث، ابن سلام: 1/1.
[52] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 302 ــ 336، كتاب ذم الغرور. جامع السعادات، النراقي: 13 ــ 24. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 339 ــ 353، كتاب ذم الغرور.
[53] الوسوسة: حديث النفس.
مختار الصحاح، الرازي: 369، مادة "وسوس".
الوسوسة: الكلام الخفي في اختلاط. وهي: حديث النفس والأفكار.
لسان العرب، ابن منظور: 6/255، مادة "وسس".
[54] الهذ والهذذ: سرعة القطع وسرعة القراءة.
لسان العرب، ابن منظور: 3/ 517، مادة "هذذ".
[55] سورة الحشر/ 21.
[56] الأصل في النفل: ما تطوع به المعطي مما لا يجب عليه، ومنه قيل لصلاة التطوع: نافلة.
غريب الحديث، ابن قتيبة: 1/46، النفل.
[57] أصحاب التصوف، وهم: أصحاب الإباحة والقول بالحلول، وكان الحلاج يتخصص بإظهار التشيع، وإن كان ظاهر أمره التصوف، وهم قوم ملحدة وزنادقة، يموهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم، ويدعون للحلاج الأباطيل، ويجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لزردشت المعجزات، ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات والبينات، والمجوس والنصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم، و هم أبعد من الشرائع و العمل بها من النصارى والمجوس.
بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 25/ 345، كتاب الإمامة، أبواب علامات الإمام وصفاته وشرائطه، باب 10 نفي الغلو في النبي والأئمة صلوات الله عليه وعليهم وبيان معنى التفويض وما لا ينبغي أن ينسب إليهم، فصل في بيان معنى التفويض ومعانيه.
[58] نهاق الحمار: صوته. وقد نهق ينهق وينهق نهيقا ونهاقا.
الصحاح، الجوهري: 4/ 1562، مادة "نهق".
النهيق: صوت الحمار.
لسان العرب، ابن منظور: 10/ 361، مادة "نهق".
[59] سورة النحل/ 25.
[60] انظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 337 ــ 344، كتاب ذم الغرور. جامع السعادات، النراقي: 3/ 25 ــ 31. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 353 ــ 359، كتاب ذم الغرور.
[61] أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 344 ــ  348، كتاب ذم الغرور. جامع السعادات، النراقي:3/ 31 ــ 33. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 359 ــ 362 ، كتاب ذم الغرور.
[62] مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 142 ــ 143، الباب السابع والستون في الغرور. وفيه النص: «قال الصادق عليه السلام: المغرور في الدنيا مسكين و في الآخرة مغبون لأنه باع الأفضل بالأدنى ولا تعجب من نفسك فربما اغتررت بمالك وصحة جسدك لعلك أن تبقى و ربما اغتررت بطول عمرك وأولادك و أصحابك لعلك تنجو بهم و ربما اغتررت بجمالك ومنبتك وإصابتك مأمولك وهواك فظننت أنك صادق ومصيب وربما اغتررت بما تري الخلق من الندم على تقصيرك في العبادة ولعل الله تعالى يعلم من قلبك بخلاف ذلك وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفا والله يريد الإخلاص وربما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه وربما حسبت أنك ناصح للخلق وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بصدق الإنابة إلى الله تعالى والإخبار له ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم و لا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدوة وأئمة الهدى وإن كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد أشقى بعلمه وعمله منك وأضيع عمرا فأورثت حسرة يوم القيامة».
أوردنا النص لأهميته ولاعتماد السيد المؤلف عليه من مصباح الشريعة للإمام الصادق عليه السلام، وقد نسخ الحديث في المتن باختلاف في ألفاظه فذكرناه لإتمام الفائدة.