يــوم ذكـراك يعطر جبين السماء

بقلم: يوسف رجيب / صاحب جريدة النجف

أيها الحسين السبط الشهيد عليك سلام الله وسلام انبيائه ورسله، ولك دموع المسلمين وعليك حزنهم الى مصرعك المفجع ترنو عيون اهل القرآن والتوراة والزبور لتذرف على جدثك الطاهر دموع وجدها في يوم مصابك الأعظم.

سلام عليك وأنت على صعيد كربلا جثة بلا رأس وسلام على قبرك المقدس وهو يضم خلاصة اباء العرب وناموس الدين ودستور الحق وسلام على العاشر من محرم الحرام إذ هو يعيد لنا ذكراك هذه  ليعيد النفوس الى منهج الرحمن وسنة المصطفى ودين السماء نفياً للجور واستجابة لدعوة الله على هذه الأرض ليعم الرشاد ولينقطع دابر المفسدين.

وفي هذا المحرم الكئيب تزحف قلوب المؤمنين وتربو عيون ابناء هذه الدنيا من شتى اقطارها الى ضريحك المقدس تطوف به باكية وترفرف عليه نادبة مقروحة، وليس لقبر أولياء الله الصالحين البررة غير قبر الحسين بن علي هو قبله الدنيا وكعبة بني الأرض لأن الله شرفه بجهاده اعداء جده الذين اعتزموا طمس الدين الحنيف وانتهاك الشريعة واتخاذ الخلافة الدينية امرة زمنية استباحوا بها حمى كل محرم يتلذذون بما حرم الله وحرمته كتبه المنـزلة حتى اصبحت ايامهم جاهلية جذعة تدرج في ضلالها ومجونها وإستهتارها خبط الناقة العشواء في الليلة الليلاء تلك طغمة الشر وحاشية الشيطان واعوان الكيد للإسلام الذين تمنوا ((أشياخهم)) وارواح طواغيتهم من قتلى ((بدر)) ليشمتوا بمصرع الحسين.

وليس للحسين بن علي وهو يسمع نغمة الجور تغطي صوت الحق ويرى دبيب افاعي الإجرام تلاحق المسلمين ويجد ولاة السوء تتخذ الناس خولاً وانعاماً لتهب من حلال ومن حرام العيش ما يستحله طائر حومان من غير ماء سعى اليه من يهماء ملتهبة القيعان.

ليس اذن للحسين وهو ربيب بيت النبوة وسليل الرسالة وأبواه محمد خاتم الرسل وعلي سيد الأوصياء إلاّ أن يجردها حرباً ويثيرها ملحمة تدك عروش البغي وتزلزل أركان امارات جعلت من منابر الوعظ وداراة ذكر الله وتلاوة القرآن ملكاً عضوضاً لا يعرف من الخلافة إلاّ كونها وسيلة لجر المغانم واشباع الشهوات البهيمية فلا وازع ولا رادع عما كانت تسعى اليه طغمة الشر في تلك الأيام السود.

 ولئن كان للباطل جولة وللشيطان ان ينشط في مضمار غيه فان الحق يتعقب الباطل فيرديه ثم يجهز على شيطانه الدال على الطغيان والاثام فإذا الباطل وصاحبه لقى لليدين وللفم.

ذاك هو مصير الحكم الطائش وتلك هي دولة الجرائر والفساد وهذا يوم الحسين ومصرع الحسين وذكرى الحسين.

ذكرى تعطر جبين السماء ونخوة هي عنوان الإباء على ناصية العيون، وأباء هو اباء أبي الضيم:

جلا لها ابن جلا عضب الشبا ذكرا   ****  لا يعرف الصفح اما سله الغضب

وأي غضبة علوية كانت غضبة الحسين على خيول الشرك وحزب المارقين في يوم عاشوراء.

ولم ير  يوم الطـف اصبر منهم   ****   غداة بها للموت طافت جحافل
رمى العز في الخضراء بين نجومها   ****  وكن ثاقبـاً فيها وهـن أوافـل

وليس من كريم مات شريفاً عصياً على الضيم في دنيا الأباء والشرف إلاّ وكان الحسين بن علي رائده وزعيمه وسيده في وثبته على الظالمين.

واضرمها لعنـان السـماء   ****    حمراء  تلفـح اعنانهـا
ركين وللأرض تحت الكماة    ****    رجيف يزلزل ثهـلانها
ولمـا قضى للعلـى حقهـا  ****      وشيد بالسيـف بنيانها
ترجـل للموت عن سابـق     ****   له أخلت الخيل ميدانها
كأن المنيـة كانـت لديـه   ****     فتاة تواصـل خلصانها

أجل، يا أبا عبد الله فان دولة العلا ومجد الإسلام مدينان لحسامك ولجهادك وان شجرة هذا الدين الحنيف لتحنو عليك اليوم تحيي ذكراك المباركة وتمجد لك دماء آل الرسول الزكية سقيت بها اصلها الثابت فاذا هي فارعة في السماء تطبق الخافقين واذا كلمة شهادة التوحيد لها من الظهور والإشراق ما للشمس المنيرة في رأد الضحى..

وإذا بشانئيك وما شادوا للدنيا والفساد يتلقون اللعن الى يوم الدين وذلك جزاء الكافرين.

الامام الحسين عليه السلام حديث الدهر الخالد

بقلم: محمد علي البلاغي / رئيس تحرير مجلة الإعتدال

أيها السادة: سيبقى يوم الأمام الحسين - سلام الله عليه - حديث الدهر الخالد، مهما رافقه من ألم محض، يحز في نفوسنا، ولوعة محرقة تدمي قلوب المسلمين قبل عيونهم، وذلك لما أطيحت فيه من دماء زكية، ولما ضحى فيه من نفوس أبية كريمة لصفوة مختارة استهدفت لسهام الموت ذوداً عن عقيدة ثابتة، ودفاعاً عن إيمان راسخ، صفوة عزيزة على الله وعلى نبيه، وسيبقى يوم عاشوراء جديداً لما حدث فيه من خروج على مبادئ الدين الحنيف ، وإنتهاك لحرمة سيد المرسلين، وهدم لقواعد العدل والإيمان، وعدوان صارخ على آل البيت الأطهار، وستبقى ذكراه الدامية الحزينة أنشودة الأحرار والأباة في كل زمان، وعنوان البطولة والفضيلة والشمم والأريحية في كل عصر، ورمز الأيمان والفتوة لذوي النفوس الشريفة والأنوف الحمية التي لا تقبل الضيم ولا ترضى بالباطل ولا ترضخ لجور جائر ولا تستقر وتستكين على ظلم وفساد.

 كما وستبقى اللعنة أبدية ترافق الطغمة الجائرة الوضيعة التي سيطر عليها الشيطان فحلى لها الحكم الطارئ وأغواها الطمع والسيطرة المؤقتة فدفع بها إلى المهاوي السحيقة تلك الطغمة المشركة التي عدت على الحق بإعتدائها على الإمام الحسين عليه السلام وصحبه الغر الميامين وتجاوزت على حرمات الإسلام، وحاولت دك دعائم الدين، ومحو شريعة الرسول الأعظم متدفقة وراء شهواتها الجامحة متراكضة ، يلفها العمى، نحو حب الدنيا الفانية والجاه المزيف والسلطة الزائلة متناسية مقام شبل حيدرة الكـرارعليه السلام والـحبيب الـرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وفلذة كبده فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام فجنت بعمل الأثم اللعنة والخزي والعار في الدنيا والآخرة والعذاب المهين وبئس للظالمين بدلا.

ففي هذا اليوم الذي أطل على الدنيا بروعة أدمت القلوب وهزت المشاعر وإستثارت كوامن النفوس، اليوم الذي ملأ الدنيا دوياً واستحال فيه النور إلى ظلمة إذ طغى فيه سلطان الباطل بانتصار مؤقت زائل وبغى فيه الشرك بعدوانه الأثيم وغدره اللئيم. في هذا اليوم الأغر سن لنا ريحانة الرسول سنة الآباء ، ورسم لنا دستور الحق وأوضح لنا النهج اللاحب الذي ينير لنا الطريق، ويفتح أمامنا السبل، ويوجهنا وجه الحق والعدل التي أرادها لنا الإمام  عليه السلام) تركيزاً لمبادئ الإسلام وإحياء لشريعة النبي الأعظم لنكون أحرارً نهدف إلى الحق، نعمل للخير وأن لا نكون عبيداً أذلاء.

لنأخذ ( أيها السادة) من درس الحسين عليه السلام الخالد العبرة ولنستوحي من وحيه الأوحد الرفعة والعزة ولنهتدي بسني تعاليمه الرفيعة لننقذ أنفسنا من المهاوي والمهالك.

ولنحصل على كل ما ترومه الأمة الكريمة من حياة رغيدة، وهناء شامل، وأخوة صادقة تجمعنا في صعيد واحد لنعمل الخير ونقول الحق، ونسخط على الباطل وندعوا إلى توحيد الصفوف لتكون أمتنا مرهوبة الجانب يرتبط حاضرها بماضيها الزاهر، ولنواكب ركب الأمم الراكضة نحو سعادتها وإعلاء شأنها.

ولتغمرنا الغبطة إن تحدثنا عن الإمام الحسين عليه السلام وإن عطرنا أفواهنا بإسمه وبذكراه ولتغمر قلوبنا بالإيمان إن استعرضنا أيّة صفحة غراء من صفحات سيرته الوضاءة العطرة التي هي كتاب الدهر الأسمى، وسفر المجد الأسنى الذي لا يزول ما دامت الدنيا.

إن علينا أن نتـدارس نهضته الرفيعة القصد، ونستجلي مثل الإمام الأعلى وهدفه الأسمى، وغايته النبيلة، في مواقفه البكر التي قضى فيها على دولة البغي، وعصابة الشرك وطغمة العتاة الذين أصبحوا سبة الدهر على كل لسان، وأمثولة للعار والشنار، وحثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان.

أيها السادة: يعز على الحسين عليه السلام، وقد أعاد للإسلام موقفه الرائع سيادته، ويعز على أبيه الذي قوم الدين بماضي حسامه الذي لعب في رقاب الخارجين على الدين، والعابثين بقدسيته، ويعز على جده الذي بعث لهداية الإنسانية، وإنقاذ البشرية من الضلالة فهدم الأصنام وأقام دعائم الإسلام ، يعز عليهم جميعاً أن لا ننتفع من هذه الذكرى وأن لانستفيد من هذه السيرة الزاخرة، وأن لا نتخذ منها تعاليم مدرسة يتخرج عليها كل من آمن بالحسين عليه السلام كي لا نبتعد في جميع أعمالنا عما قصده وهدف إليه، وأن لاندع لأنفسنا أن تسيطر عليها الأطماع فتندفع إلى هوة الشهوات السحيقة. فنمشي إلى الباطل قاصدين وننحرف عن الحق عامدين، وأن يكون لنا من ديننا الوازع، ومن ضميرنا ووجداننا الرادع لنقي لأنفسنا مما نحن فيه من هوان لايطاق. وذل لا يحتمل.

إن علينا أن نتمسك بتعاليم الحسين عليه السلام وبتعاليم جده ليحق لنا الإعتزاز بديننا والإعتزاز بإمتنا، ولينطبق علينا قوله عز من قال (كنتم خير أمة أخرجت للناس) والسلام عليكم.

مأساة الحسين بن علي درس بليغ في العبرة والقدوة

بقلم المحامي: فايق توفيق / صاحب جريدة الجهاد

ليس من السهل على الكاتب مهما أوتي من مقدرة في البيان وسعة في التفكير وانطلاق واسع المدى في التحرير مما يدين به من آراء وأفكار. إن يكتب كلمة عجلى سائرة في سيرة عظيم من عظماء التاريخ شأنه في ذلك شأن الجواد الأصيل لا يسلم من كبوة اذا كان الطريق وعر المسالك صعب المرتقى وسيكون الموقف أشد صعوبة إذا كان ذلك العظيم ممن أقدموا على تضحية يندر أن يكون شبيهاً لها في حياة العظماء وهذا ما يصح أن تكون له مأساة الحسين بن علي ابرز مثال، لأنك مهما قلت عنه ومهما كتبت فإنك قصير الباع لا محالة، هو سبط الرسول الأعظم وأبن علي بن أبي طالب زوج البتول، وهو رأس شامخ من روؤس العرب من قريش وهامة من هامات بني هاشم العظيمة وهو يجمع الى ذلك من عظيم المروءة وعلو الهمة وأباء النفس ما يقصر دونه الرجال، وهو سيد آل أبي طالب على عهده وعلم من أعلام العلم والفضل ومع كل ذلك تأبى نفسه الكريمة أن يطأطأ الرأس الى من يراهم هم أقل منه منـزلة ونسباً ومقدرة وعلماً وجاهاً وورعاً وتقوى.

ثم يرى من واجباته الرئيسية أن يكون بجانب المسلمين ممن دعوه الى أن يتولى أمرهم، فأقدم على العمل الخطير مضحياً بالنفس والنفيس كما يقال، إذ ترك موطنه ومسقط رأسه وأماكن صباه وساحات ذكرياته بل ذكريات جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكريات أبيه (عليه السلام) فضحى حتى بأولاده وأفراد بيته، وتأبى نفسه الأبية الكريمة أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد فيختار طريق البطولة والتضحية والشهادة العليا في سبيل الله وإعلاء كلمة الدين فيقدم على الحرب، من غير أن يكون له حليف أو نصير فيخذله أولئك الذين زينوا له موقفاً لابد وأن ينتهي الى مثل هذه النتيجة، ثم تخلوا عنه في لحظة الجهاد، فكان اعتماده على قوة ايمانه واباء نفسه وسيفه وآل بيته فجاهد جهاد الأبطال بل وأكثر من ذلك حتى قتل هو وآل بيته الأمجاد درساً بليغاً في العبرة والقدوة لمن يؤمن بالله وتعاليم دينه القويم ويدين بمبدأ سيد الشهداء العظيم وعلينا نحن المسلمين أن إردنا نجاحاً في الدنيا والآخرة أن نجعله سلام الله عليه القدوة الصالحة والعبرة البليغة في الجهاد والجلاد {قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا}.

من مشاهد كربلاء

بقلم: عبد المجيد لطفي / مؤلف كتاب: الإمام علي رجل الإسلام المخلد

ان لعظمة الحسين الشهيد (عليه السلام) جوانب متعددة. وسيبقى التاريخ يكتشفها للمنصفين بين حين وآخر... وستمر أجيال طويلة متلاحقة وعظمة الحسين خالدة كحادثة فذة في تاريخ العرب والإسلام وفي تاريخ البطولات العالمية.

فأسمحوا لي إذن أن اتكلم بعاطفتي الجياشة عن هذا الجانب من العظمة.. عن البطولة التي تهزء بالجبن والجبناء وتصمد لخضم من حوادث الدهر وكوارثه.

هذه مقدمة لابد منها. فأنا أريد التخلص منها الى مناجاة تلك البطولة في ذكراها الباعثة على الألم والإعجاب معاً.

من بيده عبر الصحارى والأهوال جاء البطل، لم يكن طامعاً ولا مغتصباً، وإنما كان رائداً للحق..! ولصوت الحق استمع ولهتافه لبى. وكان امله عظيماً بالحق لأنه لم يعرف سواه في الحياة. وحين لاح له سواد العراق. ارتسمت في مخيلته جسامة ما هو مقدم عليه، وثقل ما هو على عاتقه من حمل، وتلفت هنا وهناك، وأمر الركب أن يسير، ومشى الركب السرى، وأخذت المسافات تضيق. والحدود تتقارب، والأعوان، انصار الحق..! انصار العدل البطولة..؟ لم يبق منهم إلاّ القليل.

اما الباطل فلم يسكت فلقد جاء بخيله ورجله . جاء بجنود تملأ رحب الفضاء ووقف الظلم في ظل الذهب. ووقفت العدالة في ظل المروءة. وتلاقى الخصمان. الظلم بالمأجورين من جنود ومرتزقة، والحق بصورة بطل فذ غير هياب.

ومرت ليلة وأخرى. والظلم يتجمهر ويتجمع في كل مكان، وحلقة الحصار تضيق، وتضيق ويشتد اللهب.. فيحمل البطل . بطل الحرية الإسلامية هذا الطفل الصغير على يديه يريد له ماءاً من الأعداء. ولكن لا. فليس هناك قلب ولا ضمير ولا عاطفة. أيريد الحسين (عليه السلام) الماء لولده عبد الله..؟ أمن جنود يزيد يريد الماء..؟ أمن مرتزقة زياد يريد العطف على طفل. وطاش سهم. أو ريش سهم الى وريد الطفل. وضحك حرملة ضحكة الدناءة الظافرة. واخترق السهم عنق عبد الله. ورجع البطل الى معسكره.. ورجع مخضباً بدم ولده ليخضب بدمه بعد حين.

وجاءت ليلة اليوم العاشر من محرم. ليل حالك مخيف. ان نهاية المأساة تقترب.

والبطل العربي يشعر بذلك، ويجتمع بأصحابه السبعين..! فيطلب اليهم أن يتخذوا الليل ستراً ويذهبوا ناجين بأنفسهم ويشرق الصباح.. صباح يحمل كراهية التاريخ ولعنة الأبد على الظالمين.

ويلتفت الحسين (عليه السلام) الى اصحابه فيجدهم كما كانوا لم يهرب احد منهم ولم يتسلل في جنح الليل احد.

ان البطولة تريد ان تموت بكرامة كما عاشت بكرامة ويلتحم الأبطال في ضحوة النهار بالجيش اللجب.

أيها التاريخ أن خير ما فيك حفظ الذكريات للبطولات ولقد حفظت ذكرى تلك البطولة الحية التي لا يجد المرء امامها غير الإنحناء والإعجاب صادقاً أميناً فلك الشكر الجزيل.

أيها التاريخ الحافل بجلائل الأعمال . هل من عظمة أسمى من عظمة الحسين (عليه السلام)..؟ وهل من بطولة صاعدة الى الأعالي كبطولة الحسين..؟

لقد هوى البطل… بين النبال والرماح. وتخضب بالرمل والدم والعرق، وجاشت نفسه الحرة الأبية وتذكرت أعزاءها.

تذكرت العباس (عليه السلام) وتاقت له...

ووضع بطل مخضب رأسه على حجر بطل مخضب... وقال التاريخ كلمته... فيالها من كلمة لم تنس جلالها الأجيال.

عاشوراء يوم الآلام والآمال

بقلم: الشيخ محمود المظفر

نحن -يا سادتي- إن تصفحنا التاريخ عصراً عصراً فإننا -ولا شك- سوف نرى الصراع قائماً بين الحق والباطل منذ الأدوار الأولى من التاريخ حتى يومنا هذا..الصراع لم يفتر أو يهدأ في أي عصر من العصور. وان هو هدأ فترة بتغلب أحد الجانبين فان ذلك لا يعني إن الفريق المغلوب قضي عليه قضاءً تاماً؛ بل إن حرب القلوب باقية متقدة. 

وما حرب معاوية مع أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) إلا نتيجة لتلك الحرب؛ الحرب في القلوب والنفوس، الحرب التي لم تهدأ أو تفتر منذ انكسار شوكة قريش في حربهم مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالأخص انكسار تلك اللمة التي تجمع أبا سفيان وبنيه وبعض رؤوس قريش.

فهؤلاء دخلوا الإسلام كرهاً إضافة إلى ذلك انهم رأوا أن دخولهم في الإسلام أقرب إلى نيل مأربهم وهو قلب الدين الجديد، وذلك ليعملوا على هدم الإسلام باسم الإسلام، ولم يقصد أبو سفيان عند مد يده لمبايعة أمير المؤمنين  (عليه السلام) بعد يوم السقيفة إلا الكيد للإسلام وأهله، وكذلك إعلان ابنه معاوية الحرب على أمير المؤمنين  (عليه السلام) يوم صفين ثم تدرج في النظر بعد هذا إلى حفيده يزيد، ألا قاتل الله الأحفاد والأجداد، يزيد الذي ورث الحقد والكراهية -وما في الآباء يرثه الأبناء- ويستمر استعار حرب القلوب بين الحسين (عليه السلام) ويزيد ثم يشتد ويشتد كلما تقدم الزمن وتولدت حادثة تزيد في النار ناراً.

فكلما تصور يزيد شبح الحسين (عليه السلام) الذي يخنقه ويهدد ملكه وملك أبيه احترق من حقده الشخصي مضافاً إلى حقده الوراثي.

ومهما أمعن يزيد في لهوه ومجونه وازداد هتكه للحريات في زمن أبيه ازداد الحسين  (عليه السلام) تأثراً منه وامتعض ألماً لتلك المهازل التي تمثل تحت ستار الإسلام.

وهكذا يزداد غيظ الجانبين بتجدد الزمن، فقد عانى الحسيـن (عليه السلام) من آل أمية آلاماً يعتقد أنها تقارب الآلام التي عاناها منهم جده أيام دعوته إن لم تزد عليها، فان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزيد آماله وتنقص آلامه كلما تقدم الزمن الذي بتقدمه تتقدم الدعوة وتنال فوزاً مبيناً.

والحسين (عليه السلام) على العكس من ذلك تكثر آلامه وتنقص آماله كلما تقدم الزمن الذي بتقدمه ينهد الإسلام ويتراجع إلى الوراء.

عرفتم- يا سادتي- كما تقدم إن بين الحسين (عليه السلام) ويزيد حرباً هي الحرب في القلوب وعرفتم أن تلك الحرب ما دامت قائمة فهي ستجر وراءها حرباً حقيقية ضروساً.

فيزيد الفاجر ابن الطلقاء يريد البيعة لنفسه من امامنا الحسين العظيم (عليه السلام) وإلا فلا يرى غير الحسام. 

نهض الحسين (عليه السلام) بالإيمان أو نهض الإيمان بالحسين (عليه السلام)، نهض رجل النهضة وللنهضة رجلها، وأصحاب النهضات تختلف نهضاتهم باختلاف مبادئهم وغاياتهم فوثبة يراد بها قلب الحق ونهضة يقصد منها محو الباطل وتقويض دعائم الكفر والبهتان فالأولى يمثلها يزيد الذي يمثل الكفر والطغيان، والثانية يمثلها الحسين (عليه السلام) الذي رضع الإيمان حتى صار جزءاً معه لا يتجزأ.

وهنا يتقابل المبدءان وشتان ما بين المبدأين إذا الحرب لم تكن بين رجلين فحسب فكل منهما قد تلبس بمبدئه حتى غدا المبدأ نفس الشخص والشخص نفس المبدأ.

فقد رأى يزيد بعقله الناقص أن قتل الحسين (عليه السلام) فقد قتل الإسلام، وما دام الحسين (عليه السلام) موجوداً فان الدين لم يمت إذ الدين هو الحسين والحسين هو الدين.

هب الحسين (عليه السلام) فصرخ بالكفر مسدداً سهمه إلى كبده، وكان ما أمله يزيد يزيد من الانتصار قد عاد عليه وبالاً وانكساراً وسيبقى صوت الحسين (عليه السلام) وهو يهيب بالناس يدوي في الآفاق وسيبقى صوت الناس وهتافهم باسم الحسين (عليه السلام) يرن في الفضاء، وهنا يجتمع صدى الصوتين فيكون التقاؤهما تفاعلاً عظيماً وصدى يهدد ويزلزل ملك الكفر والطغيان.

رأى يزيد- كما قلنا- أنه: إن قتل الحسين (عليه السلام) قتل الإسلام، وعلم الحسين (عليه السلام) انه منتصر بنهضته على كل حال سواء حارب بالأجناد المجندة، أو حارب بنفسه لو خذله الناس.

علـم الحسـين (عليه السلام) أنه لا شك منتصر فخرج من مدينة جده إلى بيت ربه-ووجهته الكوفة- وفيها حط رحال المجد في كربلاء وفيها جرت أفجع حادثة في تاريخ البشر.

ولأجل هذه الحادثة قامت قيامة الخلق وكان أهل الكوفة محاربوه بالأمس مرددي صدى نهضته بعد ذلك اليوم.

وبهذا أصبح يوم العاشر من محرم مبدأ النهضات، فجل النهضات التي تأخرت عن نهضة الإمام (عليه السلام) والتي كان يراد بها محو الطغيان تردد صدى ذلك الصوت الذي انبعث من كربلاء المقدسة.

وهذا اليوم الذي نهض فيه أبو الشهداء غدا يوم الخلود لأن النهضة فيه تركت وراءها الخلود الدائم وسيبقى الخلود ما بقيت إنسانية في الوجود، وهذا اليوم هو الذي علم المسلمين التضحية والتفاني في سبيل المبدأ والعقيدة، وهذا اليوم أعظم يوم أظهر فيه ظلم الظالم وأعظم يوم أظهر فيه حق المحق، ثم أعظم يوم تفجرت فيه الآلام ولا زالت مستمرة، وهذا اليوم أعظم يوم أشرق فيه ضياء الدين، واعظم يوم لاح من نور الآمال فكان بحق يوم الآمال والآلام.

الإمام الحسين عليه السلام صرخة الإصلاح

بقلم: الشيخ حسين معتوق

بسم الله الرحمن الرحيم

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فأستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).

نزلت الآية الكريمة ليلة العقبة بمكة لما بايع الأنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا سبعين رجلاً - بعد وقوع المبايعة - قال عبد الله بن رواحة - وكان من النقباء - إشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم - قال فإذا فعلنا فماذا لنا قال (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.

إن حقيقة الشراء لا تجوز على الله تعالى - لأن الذي نعلمه ويعلمه كل واحد إن الإنسان في هذه الدنيا عبد لله ونائب عنه وأن كل ما يراه من المخلوقات فيما بين السماء والأرض هو ملك لله تعالى حتى هو نفسه ولكن الله سبحانه قد جعل له حق التصرف في نفسه وفي جميع ما خلق ضمن حدود معينة توصله الى نيل رضاه وليس له أن يرسم خطة يسير عليها من تلقاء نفسه وليس له أن يستعمل ما سخر له من القوى والمواهب في غير طاعة الله وليس من الأمانة أن يتصرف في ملك غيره على خلاف ما يريده المالك - ولذا عقب بعضهم على هذه الآية بقوله - إن الله اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها - وكان التعبير بالشراء ضرب من التمثيل لأجل التأكيد في حصول الجزاء وجعله بمنـزلة الحاصل لأنه بذلك قد جعل لعبده المؤمن حق المطالبة بالثمن وهو الجنة وصير نفسه ملزماً بدفعه من حيث إنه جعل نفسه مشترياً - والمؤمنين بائعين والنفوس والأموال هي المبيعة والجنة هي الثمن - والتوراة والأنجيل والقرآن هي السند الذي سجل فيه هذا البيع وجعل الشهود على البيع موسى وعيسى ومحمد أصحاب هذه الكتب صلوات الله على المرسلين أجمعين.. وحيث قد ملك الله على المؤمنين أنفسهم وأموالهم بهذا الشراء فعليهم أن يبذلوها في سبيل الله وأن يعملوا في هذه الحياة عمل الأجير ليقبضوا الأجر من الله غداً نعيماً وملكاً كبيراً.

وإنما أعلن الشراء من عبده المؤمن خاصة من حيث أن له من إيمانه ما يبعثه على الوفاء دون غيره ولا يصح البيع والشراء إلاّ حيث يمكن تسليم البيع - وغير المؤمن لا يسلم نفسه له وإنما يسلمها للشيطان الذي يزين لها المعصية ويأمرها بالفواحش ما ظهر منها وما بطن حتى تصبح من أقوى أنصاره وأعوانه - هذا ولقد فاز المؤمنون بهذا البيع فوزاً عظيماً كما نطقت الآية الكريمة - من حيث أنهم قد باعوا الشيء من مالكه وأخذوا الثمن من مالكه ولأنهم باعوا فانياً بباق وزائلاً بدائم، والذين باعوا نفوسهم حقيقة لله وظفروا بهذا الفوز العظيم هم المؤمنون الأولون الذين خاضوا معارك الجهاد بجرأة وإقدام غير مبالين بفداحة الخطب وعظم التضحية حفاظاً على العقيدة ولا غرو فأن مَنْ آمن بالله حق الأيمان وآمن بحقه في الأرض رعى رسالته فيها وحرسها من كيد الأعداء ولن يصرفه عن ذلك صرامة التضحية ومن باع نفسه لله لا يمتنع عن تسليمها لأن المؤمن مفطور على الوفاء ومجبول على الفداء - وهل يتقاعد المؤمن عن الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق والله معه والملائكة تؤيده والرعب من جنده - لا لن يتقاعد المؤمن عن تسليم نفسه لله بعد أن فتحت له الجنة أبوابها وهي تنتظره ولن تلهيه عن الشهادة زهرة الحياة الدنيا لأن الإيمان إذا إمتزج في القلب ملأه محبة صادقة والمحبة الصادقة تورث الغيرة الصادقة والغيرة الصادقة تدفع الى التضحية الغالية – ومن غير المؤمن يألف التضحية ويعتاد البذل والفداء بسخاء - والنهاية إحدى الحسنيين أما النصر فيكون الظفر أو الشهادة فتكون الجنة لذلك ببذل نفسه لله وهو يقول مع القائل:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً   ****   على أي جنب كان في الله مصرعي

لقد تقدم المؤمنون الأولون فخاضوا معارك الجهاد ضد الظلم والطغيان وحملوا في ايديهم أرواحهم ووهبوها له شوقاً الى الجنة مع قائدهم الأعلى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد استعذبوا الموت لننعم بعدهم بالحياة ورضوا بالذهاب لنسعد بعدهم بالبقاء - ولذا كانت سماء الحق لهم مطلعاً وجوار الله لهم مقعداً - وهم في صدر الزمان خالدون وأحياء عند ربهم يرزقون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.

لقد ثار أولئك الطيبون على العقول المتعفنة فحرروها وعلى الآلهة المصطنعة فحطموها وعلى الإستبداد والظلم فداسوه بالأرجل ليرف علم العدل على الرؤوس ولقد ارتفع علم العدل والحرية خفاقاً عندما أعلن قائدهم الأعلى كلمة الحرية وهي كلمة - لا إله إلاّ الله - التي هي رمز لتوحيد الله في السماء وتوحيد لحقوق الإنسان في الأرض وقد هيأوا بذلك للأجيال من بعدهم حياة الأحرار حياة تشرق في سمائها شمس الإخاء والإيثار وترفرف في أجوائها ألوية العزة والانتصار وتقوم قواعدها على العمل لله بإخلاص، قد قطعوا على أنفسهم  رحلة الأرض في نصب وشقاء لينالوا بذلك أحسن الجزاء فهم بشر ولكن بأعمالهم فوق مستوى البشر وأي إنسان خلق من ماء وطين يصمد لتلك الأحداث فيجعل من دمه قرباناً لدين الله حتى قام على أشلائهم أساسه وشمخ بتلك الدماء الزكية بنيانه - والدين في كل زمان محتاج الى التضحية إذا سمحت الظروف كما سمحت للحسين  عليه السلام) الذي وصل الدين في عهده الى حالة لا يمكن أن تعالج بغير الإستشهاد ولذا سلك بمن معه سبيلاً لابد أن يسلكها وليس له من مسلك سواها.. .

والحق إن الحسين  عليه السلام) واهل بيته وأصحابه هم بحق ورثة حملة اللواء الأول ولواء الحق والحرية ولواء العزة والكرامة فلقد ضربوا الرقم القياسي للتضحية والفداء يوم أن أعلن القائد الثورة على الظلم الذي انتشر في أرجاء الدنيا من أعمال الأمويين - وهي ثورة قد استكملت كل معاني الإنشاء والتجديد وظفرت بعناصر الإصلاح التي ظفرت بها ثورة الإسلام الكبرى التي أعلنها جده من قبل يوم أن صرخ في شعاب مكة في دنيا الشر وفي طليعة أهله الحزب الأموي المتمثل في شخص أبي سفيان وجاء دور - الحفيد - فصرخ في دنيا المسلمين الذين يمثلهم يزيد بن معاوية حفيد أبي سفيان وقد أعاد الحسين صرخة جده الإصلاحية واعاد يزيد صرخة جده الإلحادية – صرخ الجد في دنيا الشرك ليرد الناس الى التوحيد الذي فطروا عليه وصرخ الحفيد في دنيا المسلمين بعد أن عادت إليهم جاهليتهم وبعد أن خمدت جذوة تلك العاطفة الدينية التي التهبت بالأمس بين أعتاب الظلم صاغراً وقد وقف الدين يفتش هنا وهناك عن المنقذ له من محنته فما وجد غير رجل واحد قد نبض فيه عرق هاشم والتهبت فيه عاطفة محمد وثارت فيه نخوة علي - ألا وهو الحسين - الذي جاء يحدو القافلة الى طريق الحق فأقامها ثورة عارمة حطمت القيود والأغلال وجمعت للدين اشلاءه الموزعة هنا وهناك فقام من جديد يستعيد مجده الأول ويستجيب للقيادة الرشيدة من بعد ما دبت الحياة في جذوره وتنسم أهله نسيم الحرية وعادت إليهم القوة بعد الضعف والوحدة بعد الفرقة والبذل والتضحية بعد الأثر والأنانية، وإلى ذلك يشير الحديث القائل –حسين مني وأنا من حسين- فأن الحديث يدل على أن النبي قد أعد حفيده الحسين لرسالة مستقبلية تشابه رسالته الحاضرة وبذلك يكون كل من الجد والحفيد قد تولد من الآخر - فالحسين متولد من النبي بالولادة الجسمية والنبي متولد من الحسين بالولادة الروحية لأن حياة النبي بحياة رسالته - وحياتها من غير شك كانت على يد الحسين - وإلى هذا المعنى يشير السيد جمال الدين الأفغاني بقوله - الدين الإسلامي محمدي الحدوث - حسيني البقاء. هذا وما أحوجنا - نحن المسلمين - ولا سيما في هذه الأيام التي لا زالت تتسلط فيها أيدي الظالمين كما تسلطت بالأمس أيدي الأمويين - أن نجعل من هذه الصفوة خير مثل ,ان يكون لنا معها أوثق نسب فنسير في الخط العريض الذي خطته لنا بأرواحها ولو كانت الشهادة في الطريق - ولقد آن لنا الأوان أن نستعيد في أذهاننا وأفكارنا ذكرى - عاشوراء - لنأخذ من معطياتها - وما اكثرها - الدروس والعبر لنتجند لخدمة الدين ولا سيما في محنة فلسطين- لأنه يجب على المسلمين أن يكون في كل قطر مسلم - حسين جديد إذا تعرض ذلك القطر لكربلاء جديدة - إن ذكرى الحسين - يجب أن تظل مثلاً يحتذى ودرساً يردده الزمان فتتلقنه الناشئة في البيوت ويتدارسه الطلاب في المدارس ويتذكره الشعب في الندوات ويمرن عليه الشباب في المعسكرات وبذلك يصلون الى أهدافهم في الحياة - لقد وهبنا الله كرامة الإنسان ومنحنا عزة الإيمان وسلحنا بسلاح الحمية والإباء والدين الذي زكى به نفوسنا وعمر به قلوبنا - يستحث حميتنا ويستثير مشاعرنا – وقد رسم لنا معالم الطريق وضرب لنا الأمثلة من رسل الله وأوليائه فعلينا أن نتأسى بهم ونقف مع الحق اليوم كما وقفوا معه بالأمس لنكون في عداد من لبّى نداء الحسين يوم كربلاء حين طلب الناصر - فإن الحسين  عليه السلام) لم يطلب الناصر من القوم الذين حاربوه- وإنما أرسلها صرخة مدوية عبر القرون والأجيال يدعوا المسلمين بها الى نصرة المبدأ الذي نصره وقدم له دمه الطاهر وتلك الدماء الزكية التي سقى بها أرض كربلاء والتي لم تزل إلى الآن طرية تهيب بهم إلى حفظ الدين وإعلاء كلمة الحق التي إستشهد من أجلها الحسين  عليه السلام) والقعود عن نصرة الحق معناه فتح الباب في وجه الباطل – لأن اللص لا يدخل الدار إلاّ في غيبة أهلها- والحياة التي يريدها الله ورسوله والحسين منا هي الحياة مع الحق –إتجاه الى البناء وإنتصار للبقاء- ليظل كيان الحق سليماً ليس في بنائه خلل يتسرب منه وباء الباطل ويتسلل منه سرطان الظلم - والنهوض حياة وبقاء والقعود موت وفناء- والويل للعبد المسخر الذي رضي بالذل والهوان وخنق وليد الكرامة من نفسه فلم يقدر شعائر الدين ولم يحترم مسؤوليته تجاه الحق فويل له من الله وويل له من محمد وويل له من الحسين وويل له من التاريخ.

الامام الحسين شـهيـد الفضيلة الخالد

بقلم: الشيخ باقر شريف القرشي

لا أرى الموت إلاّ سعادة   ****   والحياة مع الظالمين إلاّ برما

وهكذا يأبى التفكير الصحيح من الخضوع لمسالمة من أراد بالأمة سوء وتحكم فيها مستبداً دون أن تثيره النخوة فلا يفتأ أن يصرخ في وجوه المستبدين فيبني كيان أمته بكل ما يستطيعه وإن وجوده في الأمة لنادر بل لا يدركه الشعور والحسين أبو الشهداء، لأنه المثل الأعلى للمجاهدين حيث ضرب المثل العليا لجميع الشهداء.

وواقعة الطف متى ذكرت تذكر مقرونة بالتعظيم والتبجيل ذلك لأنها اشتملت على مفاخر وعبر ما لم تحويه أيَّ مأساة جرت في الوجود فحلت في قلب كل إنسان خضع لصاحب الرسالة أو لم يخضع. وحتى أخذت اثرها في قلب كل رجل كان الناس لا يظنون به إلاّ سوء فأسمعه يرثيه بما يتم عن أثرها العميق في نفسه فيقول:

وعلى الأرض من دماء الشهيدين  ****   علي ونجـلـه شـاهـدان
فهـما في أواخـر الليل  فجران   ****  وفي أوليـائـه قـمــران

فما سبب هذا التأثير الذي يجده كل من قدس الفضيلة وما سبب خلود هذه التضحية إلاّ لأنها قاومت الباطل بكل ما استطاعت من رفع الظلم عن الأمة وإزالة حلم الإستبداد الجائر عنها. يقول علي لأبيه ألسنا على الحق، فيقول له ابوه بلى والذي إليه يرجع أمر العباد، وهكذا كانت نية أصحابه وأهل بيته إيماناً بالحق وتفانياً أزاء المبدأ القويم. خرج من مكة عالماً بمصرعه متيقناً أن تضحيته هذه ستعود بالخير الكثير على أمة جده سار في طريقه وهو يرتل.

سأمضي وما بالموت عار على الفتى  ****   إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلـما

نعم هان الموت عنده وعند اصحابه الأشاوس وعظم عليهم الخضوع لذلك الفاسق المستهتر لقد خاب ظن أبن هند فيما فكَّر فيه من تنصيب يزيد خليفة على المسلمين وتمكينه من رقابهم ولسنا ببعيدين عن الحقيقة إذا قلنا أن إذهاب الإسلام  وفل شعاعه كان أمنية في نفس معاوية فلم يستطعها في حياته فخلف ابنه من بعده واسر اليه بها فما تربع يزيد دست الخلافة إلاّ أخذ يجاهر بقوله لاخبر جاء ولا وحي نزل وبأعماله التي ينفر القلم من ذكرها فهل يا ترى يخضع الحسين لهذا الفاجر وهو سبط صاحب الرسالة والمثل الأعلى لجده القائل فيه (( حسين مني وأنا من حسين)) فصرخ في وجوه المعادين لدين الله فعاد بأجمل الذكر وفل عروش الدولة الجائرة وأوضح ما إنطوت عليه نفوس أمية فحصل كما قيل:

من رام تفسير الحياة لقومه   ****    قدم الشهيد يبين عن معناها
لولا الدماء تراق لم تك أمة  ****    بلغت من المجد العريق مناها
تسمو الحياة بكل حر ماجد  ****   وجبت عليه حقوقها فقضاها

فسلام عليك يا ضحية الفضيلة وعلى أصحابك تحيات من الله.

مـــواقــف من معركة الطف الخالدة

بقلم: السيد محمد موسى الموسوي

روعة الإيمان الصادق وجلال التمسك بالمبدأ المقدس وعظمة المفاداة والتضحية. كل ذلك يتجلى رائعاً في كل مشهد من مشاهد القضية الحسينية… وان واحداً لا يستطيع المضيَّ في استجلاء دقائق هذه النهضة ولا أن يمر بها استطراداً دون أن تقف به الحوادث مرات ومرات مكبراً بادرة واحدة من أولئك الصحب تارة أو معجباً بموقف من هاتيك المواقف تارة أخرى.

فلله هم ما اعظمهم من أصحاب ولله هي ما أجلها من مواقف ثلاث مرات وقف فيها ابو عبد الله  (عليه السلام) في أماكن ثلاث.. جلى فيها الحقيقة ناصعة لمن تبعه من الناس. فليس هناك.. من وراء مسيره غير تلك الغاية ليس غير الموت.

كان في مكة حين قام في الناس خطيباً - عند عزمه على الخروج الى العراقى - فقال فيما قال: (من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه.. فليرحل معنا فأنني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى...).

وشاء الله ان يرحل فرحل. بجموع من الناس غفيرة كان  عليه السلام) يعلم أن كثيراً منهم لم يلحق به إلاّ طمعاً في وفر وإلاّ أملاً في غنيمة.  أغرتهم بذلك آلاف وآلاف من كتب شيعته في الكوفه وشيعة أبيه وأخيه من قبل تستعجله القدوم على جند له مجنده وسيوف معه مشرعة فلا غروا اذا ما رأينا جموعاً منهم تلحق به فبنود النصر لا شك خفاقة فوق ركبه رفافة..

وكان لابد لأبي الشهداء من أن ينصح لأولئك الذين قادتهم اطماعهم الدنيا الى الموت.. ولكن أنى وقد اختمر في رؤوسهم ان دون بلوغهم الكوفة فوات غنائم آلوا على أنفسهم ألاّ تفوت… حتى كان أن انتهى الى زبالة حيث اتاه بها نعي ابن عمه مسلم بعد ذلك الخلاف المشين الخذلان الذي اعاد فيه التاريخ نفسه.. بمدد جداً متقاربة.. أجل لقد وجد أبو عبد الله فسحة ليعيد فيها النصح تارة أخرى وليمحص أصحابه المخلصين من جديد فأخرج الى الناس كتاباً فقرأه عليهم وفيه (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد اتاني خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر. وقد خذلنا شيعتنا. فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج. ليس عليه ذمام...).

فكان ما هو متوقع.. حين كانت الناس تنسل مثنى وثلاث ورباع.. ولكن نفراً منهم ظل ثابتاً حيث هو فلم يكن وقع تفرق الناس عن نصره الحسين. أن في الكوفة وان في زبالة. لم يكن وقع ذلك ليثبط من عزم أولئك. ويفت في عضدهم فالمبدأ الذي حدا بهم الى النهوض أولاً.. هو هو الذي لا زال يحدوا بهم الى أن يضحوا بأرواحهم الطاهرة ليعيدوا الى الدين الحنيف الحياة مشرقة نظرة… لقد كره أبو عبد الله أن يسير في ركبه السامي أحد أو يعلم بأنه يقدم بلداً لم تستقم له طاعة أهله. وهو إذ فعل فقد استخلص لنفسه أصحاباً استهانوا بالموت في سبيل نصرته. فكانوا المثل الأعلى للمفاداة والتضحية وكانوا المثال الأسمى للأيمان الراسخ.

ثم مساء اليوم التاسع من المحرم يقترب رويداً رويداً. وكانت الشمس تجنح الى المغيب حين جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه مرة أخرى وحين قال: (أما بعد فأني لا أعلم اصحاباً أصلح منكم ولا أهل بيت أبر ولا أفضل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً عني خيراً. وهذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل. وذروني وهولاء القوم. فأنهم لا يريدون غيري...).

فهكذا يعود أبو عبد الله وبهذا الأسلوب الرائع المغري - الى فسح المجال لمن اعتملت في نفسه عوامل الرهبة وساورته خلجات الخوف بعد أن القى الأصحاب أنفسهم حيال أمر واقع بين جنود عليهم مجندة وقد كانت لهم.

أجل هكذا يعود (عليه السلام) الى اختبار اصحابه ولكن لا ليراهم ينسلون الواحد بعد الآخر. بل ليراهم كتلة متراصة وشعلة متقدة. تنحرق لأدواء البيض بالأحمر القاني لقد وقفوا ذلك الموقف الرهيب الفذ.. فكانت وقفة ظهر فيها مدى تغلغل الإيمان في نفوس لا تعرف غير صونه من الدنس إلاّ انقاذه من براثن اناس جعلوا منه العوبة بينهم يتلقفونها كالكرة.. وقفة دلت الورى كيف يكون النضال من أجل العقيدة المقدسة.. ووثبة كم فيها من مشهد رائع جليل سجلها التأريخ بفخر.. فردد ذكرها الدهر ولا زال ولن يزال.

هذا عمر بن قرظه الأنصاري. يستأذن الحسين ليأخذ من الجهاد نصيبه. فيأذن له فيبرز ولكن لا ليبعد عن موقف الحسين كثيراً فان سهاماً من هنالك وهنا كانت تتصوب نحو شهيد الأباء فيتلقاها عمر بيده.. وان سيوفاً تحاول أن تمتد الى الحسين (عليه السلام) فيحول دون ذلك جسم عمر الذي جعله لها عرضة وهدفاً.. وخارت قواه مذ أثخن بالجراح.. فألقى نفسه بين أحضان المنية.. ولكن نفسه الرفيعة هذه لم تطمئن بعد الى انها جاهدت حقاً. فهو يلتفت الى الحسين (عليه السلام) قائلاً: يابن رسول الله أوفيت..؟  ولم ينعم باله بالراحة قبل أن يسمع أبن رسول الله يقول.. نعم.. أنت امامي في الجنة.. فهكذا تظهر روعة هذه النهضة. وهكذا يبين جلالها.. نحن نعرف ان الموت في سوح الوغى يتباين تبعاً للظروف فأن موتاً مع ظن السلامة. ومع الأمل في النجاة. موتاً يأتي بغتة لأهون من موت من لا يرى محيصاً عن الموت فهو مساق اليه سوقاً. كمن يقاد الى (المقصلة)… وهذا أيسر بكثير من موت يندفع اليه المرء من تلقاء نفسه مع تمكنه من النجاة ومع سنوح الفرصة له للهرب. ولقد أرتنا القضية الحسينية من كل من تلك. أنواعاً وألواناً.. فكثيرون أولئك الذين خاضوا لجج الوغى فذهبوا وعلى حين غرة طعمة للسيوف.. وهناك من اقتيدوا الى الموت بعد أسر.. كنافع بن هلال وهناك ايضاً من عرضوا أرواحهم للردى مع طرق للسلامة لاحبة وسبل للنجاة ممهدة.. فذاك عمر بن قرظة.. ثم هذا حنظلة بن سعد الشامي يقف بين يدي الحسين  عليه السلام (عليه السلام) يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره في وقت كان يمكنه فيه أن يتقي الموت… أو أن يموت من سبيل أهون.. ولكنه مع ذلك يرى المنية تسير اليه وئيدة وببطْ. وهذا شيء لا تتوق اليه نفسه الثائرة سيحمل على القوم حيث يلقى منيته.. وكسعيد بن عبد الله الحنفي. ذلك العظيم الذي وقف يقي الحسين  (عليه السلام) من النبال بنفسه حين كان ابو عبد الله يؤدي فريضة الظهر.. وقف ثابتاً في مكانه لا يريم.. في حين كانت النبال تنتاشه من هنا وهناك حتى سقط الى الأرض صريعاً وهو يقول (اللهم ابلغ نبيك عني السلام. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فأني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك).

وبعد فلنعد الآن لنقف ملياً عند مشهد رائع. كان بطله مسلم بن عوسجة. ذلك الشهيد الجليل الذي برز فتحامته جيوش العدى ولكنه اقحم نفسه بينها أقحاماً وراح سيفه يطحن الرؤوس طحناً. وانجلت الغبرة بعد حين. عن مصرع مسلم هذا بعد نضال عنيف وكان به رمـق حين وقـف عـليه الحسين  (عليه السلام) وحبيب بن مظاهر. وحين قال ابو عبد الله (رحمك الله يا مسلم. فمنهم من قضى نحبه. ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) ودنا منه حبيب فقال – يعز عليَّ مصرعك يا مسلم. ابشر بالجنة..! فقال مسلم بصوت خافت ضعيف ( بشرك الله بخير) ثم قال له حبيب لولا أني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك . وهنا تلقي أرهب المواقف واشرفها. فما هو يا ترى ذلك الشيء الذي يهم مسلماً وهو يجود بروحه..) فأستمع اليه يجيب حبيباً وهو يشير الى الحسين قائلاً ( أوصيك بهذا فقاتل دونه حتى تموت) ولقد راح أولئك الأبطال الأشاوس يروون ظمأ سيوفهم من دم اعدائهم، حتى اعادوا بها الأرض حمراء قانية، وعادوا ليطهروها من تلكم الأرجاس بدمائهم الزكية. لتعود تلك الأرض مزاراً لملائك القدس ومهبطاً، فسلامٌ عليهم من الله ورضوان.

ثورة الامام الحسين اسبابها ونتائجها

بقلم: الشيخ موسى اليعقوبي / صاحب مجلة الايمان

ان ثورة الحسين (عليه السلام) مثل ثورة الحق على الباطل بأجلى مظاهرها واوضح صورها، وانتفاضة العدل على الظلم والطغيان.

فقد راى الحسين (عليه السلام) ، المسلمين يخبطون في بيداء ظلماء، وقد تسلط عليهم حكام ظالمون دائرون، تمردوا على النظم الاجتماعية، تمرسوا على الفسق والظلم والجور والفجور يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف وتنكروا لكل القيم والمثل وعطلوا حدود الاسلام وعبثوا في حرمات المسلمين فدب الفساد في ارجاء البلاد وصار كل فرد غير آمن على عرضه وماله ودمه وتفرق الناس شيعاً واحزاباً وفي نية كل حزب إعلان الثورة وشق عصا الطاعة.
ورأى الحسين (عليه السلام) ان الحق لا يعمل به، وان الباطل لا يتناهى عنه، وان السنة قد اميتت والبدعة قد احييت، وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وادبر معروفها ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الأناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل)) فاثر الواجب على البقاء، ورضى الله على الامراء، والآخرة على الدنيا ومشى الى الموت مشية الواثق من الحق الثائر من اجل الحق الساخط الى ازهاق الحق.

مشى ومشت معه قلوب المؤمنين عبر الاجيال والتاريخ ليعلن كلمته بصراحة ووضوح. وقد اعلنها فكانت كلمته هي العليا وكلمة اعدائه السفلى، واعلنها داوية مجلجلة في صحراء كربلاء فرددتها الاصداء على الاسماع لتكون دستور الثائرين على الانحراف والفساد والطغيان، وسيفاً مصلتاً فوق رؤوس المستبدين الظالمين. وقاتل قتال الابطال رغم قلة الانصار وكثرة الاعداء لا من أجل ملك او مال وانما قاتل ليكون الدين كله لله، لا ليزيد واعوانه الفاسقين.

ابى الحسين (عليه السلام) وهو ابو الاباء ان يصبر على الذل والهوان ويستكين الى الراحة والخضوع وهو الذي ((لا يرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً)) وهو القائل ((هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله، وحجور طابت وبطون طهرت، وانوف حمية ونفوس أبية)).

فابى ان يعيـش الا عزيـزاً  ****  أو تجـل الكفاح وهو صريـع
زوج السيف بالنفوس ولكن  ****  مهرها الموت والخضاب النجيع

وقد جاء في خطبته في مكة ((وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأن بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا … ألا من كان باذلاً فينا مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا)).

كان الحسين (عليه السلام) دائم الدعوة الى كتاب الله وسنة نبيه وكان يقول: (فأن تسمعوا قولي أهدكم سبيل الرشاد) وهو القائل في وصيته (واني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابي علي بن ابي طالب (عليه السلام) فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين).

ان الحسين (عليه السلام) في ثورته قد كشف الحكام الامويين وأظهرهم على حقيقتهم وعرآهم من اثوابهم، فاذا هم جراثيم فساد وعناصر إفساد، لا زالوا جاهليين، يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، لا همّ لهم إلاّ اشباع شهواتهم والتسلط على رقاب الناس والهيمنة على الحكم مهما كان الثمن.

ففي الحسين (عليه السلام) تلتقي روح جده النبي بنور القرآن الكريم وانسانية أبيه علي بفطرة الاسلام الحنيف فتعطيه كل المعاني والصفات وتنعكس عنه باسطع الانوار واجمع الاسرار فكانت حياته عظة العظات، وليس لمعانيها حدود من زمان او مكان، وكانت شخصيته المثل الاسمى للانسان الكامل تبرز فيها صورة المسلم القرآني تلك الصورة التي أرادها الله ورسوله وقد تجمعت فيها شتى الالوان بتناسق ونظام تنعكس من كل لون اقباس واطياف وفي كل قبس او طيف اعجاز يعجز عن بيان البيان.

وفي الحسين (عليه السلام) يلتقي الصراع العنيف الذي كان مستحكماً بين هاشم وأميه قبل الاسلام، وبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي سفيان عند ظهور الاسلام وبين علي() ومعاوية بعد وفاة النبي ولله در القائل:

عبد شمس قد أضرمت لبني هـا ****  شم حرباً يشيب منها الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هند **** لعلـي وللحسيـن يزيـد

لم تكن ثورة الحسين (عليه السلام) وليدة مطمع شخصي او حباً في سلطان دنيوي ولم يبتغ من ثورته ملكاً او عرشاً، وانما كان يريد ان تكون الاوضاع كما اراد الله ورسوله وكان يريد احياء السنة واماتة البدعة.

فما هي الاسباب التي ادت بالمجتمع الاسلامي الى هذا الحال من التردي والانحطاط ومازال المسلمون قريـبي عهد بالنبي؟ وما هي الاسباب التي تظافرت وانتهت بمصرع الحسين (عليه السلام)؟

كان اختلاف المسلمين على البيعة بعد وفاة النبي اول هذه الاسباب وكان ظهور الروح الانتهازية ومهزلة السقيفة واختيار الخليفة كافياً لأشعال الفتنة واذكاء نار الحرب بين المسلمين، وتلا ذلك أخذ آل البيت النبوي الطاهر بالشدة واغتصاب حق فاطمة (عليها السلام) ، بدافع من الاحقاد الدفينة في النفوس.

لقد كانت الفترة التي تلت وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أدق الفترات التي مرت بالاسلام والمسلمين وكان عمر على صواب حين قال (كانت خلافة ابي بكر فلته وقى الله المسلمين شرها).

فتكدست الثروة لدى الأفراد وظهرت طبقة جديدة منعمة مترفة غنية لا عمل لها ولا شاغل الا الأحاديث والخوض في كل شيء. فنجم عن ذلك انعزال الحكومة عن الشعب وانعدام التفاهم بينهما والمسلمون ما زالوا يذكرون عهد النبي ويدركون الفرق بين العهدين فقد كات الحكومة بعيدة عن الدعوة الدينية تلك الدعوة التي كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لازمة لاملاء نفوس المسلمين بالعقيدة والمبدأ. وكانت الحكومة تفتقر الى نظام دولي صحيح رغم احتكاكها بدول عريقة في الحكم وكان التقليد البدوي قد تسلط على الحكم وفيه من تشجيع للفتن واستشراء للنـزاع وبعث للخلاف.

ان اصوات المصلحين كانت تتعالى امام التيار الطاغي داعية الى مبادئ الاسلام والعمل بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان ابو ذر الغفاري (رضي الله عنه) على رأس هؤلاء الدعاة.

وكانت خلافة ابي بكر نقطة الانطلاق للخلافات في الإسلام وكانت سابقة سهلت لكل اصحاب المطامع سبيل المزاحمة والمواثبة والمعالنة.

وقد وجد ابو سفيان والحزب الاموي في خلافة عثمان فتحاً جديداً ومنفذاً يتسللون منه الى الحكم سبباً لاعادة مقاليد الامور الى ايديهم، وقد أعلن ذلك بصراحة زعيم العصبة الاموية ابو سفيان حين تولى عثمان (يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به ابو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن الى صبيانكم وراثة).

وقد ظل الحزب الاموي يعمل في الخفاء ويحيك في الظلماء وليس لأفراده سابقة في الاسلام اللهم ما ظاهر به الله ورسوله بالعداء.

كان الحزب الاموي دائم الكيد للنبي ولدعوته وكان ظهور الاسلام في نظرهم فوزاً للهاشمين، فعملوا في ظل الدين على الاستئثار بالسلطة، وقد وجدوا في ولاية يزيد وولاية معاوية على الشام خطوة اولى يستطيعوا ان يثبتوا اقدامهم من بعدها، ولقد احكموا الخطط واهتبلوا الفرص فعملوا على اغتيال عمر بن الخطاب بيد فارسي هو غلام المغيرة بن شعبة المعروف بحبه للبيت الاموي، فلم يكن قتل عمر وليد فكرة فارسية وانما كان وليد فكرة اموية خالصة.

وقد اشتهر عثمان بصفتي الضعف واللين ولكنهما لم تكونا من صميم صفاته واصيل جبلته وانما كانت مع فئة بعينها وطائفة خاصة، فكان ميله وضعفه بسبب حزبي ليس غير.

الا ان حزب عثمان قد استحوذ على عثمان نفسه واستغله استغلالاً خطيراً، رغم ان المنصب والظرف كانا يمليان عليه ان يكون فوق الاحزاب، فأبدى حزبية متطرفة وزاد في المعالنة بها وازداد اعضاء الحزب اضطهاداً لخصومهم فاثاروا الحفائظ ونشروا الفتن وكثرت الاحزاب في عهد عثمان كثرة كان يخشى منها على الاسلام والدولة وجعل كل حزب ينشط للدعوة ضد عثمان حامي الحزب الاموي والمنافح عنه والمدافع دون جماعته.

فهناك حزب عثمان ويضم الامويين ومن كان على هواهم، وحزب طلحة والزبير وفيه عائشة زوج النبي، وحزب علي (عليه السلام) وفيه كبار الصحابة وارباب السابقات الجليلة في الاسلام، وكان الامام علي (عليه السلام) يقوم بالنصح والارشاد والتوسط لحل المشاكل والمحافظة على ترسم النهج النبوي.

كان علي (عليه السلام) لا يعرف الختل والمغابنة وقد بذل جهده في انقاذ عثمان ونصحه. وذكر اليعقوبي ان مروان دعا عائشة حين اشتد الامر على عثمان لتصلح شأنه مع الناس، فقد قالت (لعلك ترى اني في شك من صاحبك، اما والله لوددت انه مقطع في غرارة من غرائري واني اطيق حمله فاطرحه في البحر).

تلك هي حال المجتمع الاسلامي حين آلت الخلافة الى علي (عليه السلام)، فما كان من الاحزاب المتطاحنة إلاّ ان تقف ضده، لانها رأت الغالبية العظمى من الناس مع علي (عليه السلام) وهم ينظرون اليه والى البيت النبوي نظرة اجلال وتقدير وتقديس، ورأوا أن الخلافة قد رجعت الى صاحبها الشرعي وانها لن تخرج عنه ابداً، فكانت معركة الجمل التي اججها طلحة والزبير اللذان طالما كادا لعثمان وحرضا عليه، وعائشة التي بالامس كانت تقول (يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته) وتقول (اقتلوا نعثلاً قتله الله).

وكانت معركة صفين التي اشعلها معاوية حين ايقن انه معزول لا رجاء فيه ولا بقاء فهب يطلب بدم عثمان بأشارة عمرو بن العاص واجتهد بالحصول على قميصه مخضباً بدمائه.

لقد كانت الاصبع الاموية تدير كل الفتن والثورات وتعبث من وراء الستار وكان الحزب الاموي يعمل جاهداً على جمع مقدرات الحكم في ايدي الامويين وقد ذكر المؤرخون ان ابا سفيان وقف على قبر حمزة (رضي الله عنه) فقال: (رحمك الله أبا عمارة لقد قاتلتنا على امر صار الينا).

واخيراً فاز الامويون بالحكم ووقعوا الصلح مع الحسن (عليه السلام) فسعى معاوية لتقوية ملكه وخضد شوكة بني هاشم بعد ان صفا له الجو، فاستكثر الاعوان واستحوذ على الناس بالمال والدهاء وجد اطناب حزبه ورواق مأربه، واخذ البيعة لابنه يزيد في حياته خوفاً على هذا الملك أن يخرج من بيته ويفلت من عقبه، وتنكر لآل البيت النبوي الطاهر وعمل على تشويه سمعتهم بالدعايات السيئة والأحاديث المختلفة واستمال الناس بالأموال تارة وبالقوة تارة. وكان قد تمخض من أمر اخذ البيعة ليزيد الفجور والخمور، تلك البيعة التي كانت مهزلة من مهازل التاريخ وسخرية من سخريات القدر.

وكان يزيد فاسقاً فاجراً وليس ادل على فسقه وفجوره من قول عبد الله بن حنظلة حين بايع اهل المدينة على الموت ليالي الحرة (يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا ان نرمى بالحجارة من السماء، ان رجلاً ينكح الامهات والبنات والاخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي احد من الناس لأبلين لله فيه بلاء حسنا).

وقد انكر الحسين (عليه السلام) ان يكون يزيد ولياً للمؤمنين وأمير المسلمين، ويزيد الذي اعتبر عامة المسلمين ولايته أمرا لايصح لمسلم السكوت عنه ابداً.

وقد اعلن الحسين (عليه السلام) في يزيد رأيه عندما طلب الوليد منه البيعة فقال: (ان يزيد فاسق مجاهر لله بالفسوق).
واخذ الناس يتطلعون الى من ينقذهم من براثنه وبراثن حكامه الجائرين ويرفع عنهم الاحكام التعسفية اللاقانونية والارهاب المخيف والفوضى التي عمت البلاد، فاتجهت انظارهم صوب الحسين (عليه السلام) وهو سبط النبي وابن البتول ونجل علي وسيد شباب اهل الجنة فكاتبوه وراسلوه وبايعوه واعطوه العهود والمواثيق. وكان ما كان من قيامه بالثورة الكبرى تلك الثورة التي هزت العرش الاموي من اساسه وحطمت سياسة الغش والمكر والخداع وجعلت نصر الامويين جفاء او ريحهم هباءاً.

لقد باعد الزمن بيننا وبين ثورة الحسين (عليه السلام) الا ان ذكرها تستجد بتجدد الايام والسنين فتدمى القلوب وتبكي العيون.

ان ذكرى ثورة الحسين (عليه السلام) معطيات سامية، ولعل من اهمها انها تنبه الاذهان وتوحي للرأي العام استنكار الاستبداد والظلم والجور وتشجيع الناس على الوقوف امام المستبدين بصلابة وعنف حتى يظهر الحق ويسود العدل ويعم الرخاء، وقد قال تعالى ((فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله))، وفي هذا تفنيد القاعدة الخرقاء التي مؤداها (قبلوا يداً تعجزون عن قطعها).

ومن معطياتها انها اعطت لرجال الدين مثلاً حياً في التنكر للسلطة المستبدة بالشعب المتنكرة لحقوقه الخارجة على النظم الاسلامية وقد ضرب لهم الحسين (عليه السلام) مثلاً رائعاً في ذلك فعليهم ان يقتدوا به وان لا يتساهلوا حتى لو كلفهم ذلك دماءهم فان في دمائهم حياة الامة وعز الوطن.