من مشاهد كربلاء

بقلم: عبد المجيد لطفي / مؤلف كتاب: الإمام علي رجل الإسلام المخلد

ان لعظمة الحسين الشهيد (عليه السلام) جوانب متعددة. وسيبقى التاريخ يكتشفها للمنصفين بين حين وآخر... وستمر أجيال طويلة متلاحقة وعظمة الحسين خالدة كحادثة فذة في تاريخ العرب والإسلام وفي تاريخ البطولات العالمية.

فأسمحوا لي إذن أن اتكلم بعاطفتي الجياشة عن هذا الجانب من العظمة.. عن البطولة التي تهزء بالجبن والجبناء وتصمد لخضم من حوادث الدهر وكوارثه.

هذه مقدمة لابد منها. فأنا أريد التخلص منها الى مناجاة تلك البطولة في ذكراها الباعثة على الألم والإعجاب معاً.

من بيده عبر الصحارى والأهوال جاء البطل، لم يكن طامعاً ولا مغتصباً، وإنما كان رائداً للحق..! ولصوت الحق استمع ولهتافه لبى. وكان امله عظيماً بالحق لأنه لم يعرف سواه في الحياة. وحين لاح له سواد العراق. ارتسمت في مخيلته جسامة ما هو مقدم عليه، وثقل ما هو على عاتقه من حمل، وتلفت هنا وهناك، وأمر الركب أن يسير، ومشى الركب السرى، وأخذت المسافات تضيق. والحدود تتقارب، والأعوان، انصار الحق..! انصار العدل البطولة..؟ لم يبق منهم إلاّ القليل.

اما الباطل فلم يسكت فلقد جاء بخيله ورجله . جاء بجنود تملأ رحب الفضاء ووقف الظلم في ظل الذهب. ووقفت العدالة في ظل المروءة. وتلاقى الخصمان. الظلم بالمأجورين من جنود ومرتزقة، والحق بصورة بطل فذ غير هياب.

ومرت ليلة وأخرى. والظلم يتجمهر ويتجمع في كل مكان، وحلقة الحصار تضيق، وتضيق ويشتد اللهب.. فيحمل البطل . بطل الحرية الإسلامية هذا الطفل الصغير على يديه يريد له ماءاً من الأعداء. ولكن لا. فليس هناك قلب ولا ضمير ولا عاطفة. أيريد الحسين (عليه السلام) الماء لولده عبد الله..؟ أمن جنود يزيد يريد الماء..؟ أمن مرتزقة زياد يريد العطف على طفل. وطاش سهم. أو ريش سهم الى وريد الطفل. وضحك حرملة ضحكة الدناءة الظافرة. واخترق السهم عنق عبد الله. ورجع البطل الى معسكره.. ورجع مخضباً بدم ولده ليخضب بدمه بعد حين.

وجاءت ليلة اليوم العاشر من محرم. ليل حالك مخيف. ان نهاية المأساة تقترب.

والبطل العربي يشعر بذلك، ويجتمع بأصحابه السبعين..! فيطلب اليهم أن يتخذوا الليل ستراً ويذهبوا ناجين بأنفسهم ويشرق الصباح.. صباح يحمل كراهية التاريخ ولعنة الأبد على الظالمين.

ويلتفت الحسين (عليه السلام) الى اصحابه فيجدهم كما كانوا لم يهرب احد منهم ولم يتسلل في جنح الليل احد.

ان البطولة تريد ان تموت بكرامة كما عاشت بكرامة ويلتحم الأبطال في ضحوة النهار بالجيش اللجب.

أيها التاريخ أن خير ما فيك حفظ الذكريات للبطولات ولقد حفظت ذكرى تلك البطولة الحية التي لا يجد المرء امامها غير الإنحناء والإعجاب صادقاً أميناً فلك الشكر الجزيل.

أيها التاريخ الحافل بجلائل الأعمال . هل من عظمة أسمى من عظمة الحسين (عليه السلام)..؟ وهل من بطولة صاعدة الى الأعالي كبطولة الحسين..؟

لقد هوى البطل… بين النبال والرماح. وتخضب بالرمل والدم والعرق، وجاشت نفسه الحرة الأبية وتذكرت أعزاءها.

تذكرت العباس (عليه السلام) وتاقت له...

ووضع بطل مخضب رأسه على حجر بطل مخضب... وقال التاريخ كلمته... فيالها من كلمة لم تنس جلالها الأجيال.

مـــواقــف من معركة الطف الخالدة

بقلم: السيد محمد موسى الموسوي

روعة الإيمان الصادق وجلال التمسك بالمبدأ المقدس وعظمة المفاداة والتضحية. كل ذلك يتجلى رائعاً في كل مشهد من مشاهد القضية الحسينية… وان واحداً لا يستطيع المضيَّ في استجلاء دقائق هذه النهضة ولا أن يمر بها استطراداً دون أن تقف به الحوادث مرات ومرات مكبراً بادرة واحدة من أولئك الصحب تارة أو معجباً بموقف من هاتيك المواقف تارة أخرى.

فلله هم ما اعظمهم من أصحاب ولله هي ما أجلها من مواقف ثلاث مرات وقف فيها ابو عبد الله  (عليه السلام) في أماكن ثلاث.. جلى فيها الحقيقة ناصعة لمن تبعه من الناس. فليس هناك.. من وراء مسيره غير تلك الغاية ليس غير الموت.

كان في مكة حين قام في الناس خطيباً - عند عزمه على الخروج الى العراقى - فقال فيما قال: (من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه.. فليرحل معنا فأنني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى...).

وشاء الله ان يرحل فرحل. بجموع من الناس غفيرة كان  عليه السلام) يعلم أن كثيراً منهم لم يلحق به إلاّ طمعاً في وفر وإلاّ أملاً في غنيمة.  أغرتهم بذلك آلاف وآلاف من كتب شيعته في الكوفه وشيعة أبيه وأخيه من قبل تستعجله القدوم على جند له مجنده وسيوف معه مشرعة فلا غروا اذا ما رأينا جموعاً منهم تلحق به فبنود النصر لا شك خفاقة فوق ركبه رفافة..

وكان لابد لأبي الشهداء من أن ينصح لأولئك الذين قادتهم اطماعهم الدنيا الى الموت.. ولكن أنى وقد اختمر في رؤوسهم ان دون بلوغهم الكوفة فوات غنائم آلوا على أنفسهم ألاّ تفوت… حتى كان أن انتهى الى زبالة حيث اتاه بها نعي ابن عمه مسلم بعد ذلك الخلاف المشين الخذلان الذي اعاد فيه التاريخ نفسه.. بمدد جداً متقاربة.. أجل لقد وجد أبو عبد الله فسحة ليعيد فيها النصح تارة أخرى وليمحص أصحابه المخلصين من جديد فأخرج الى الناس كتاباً فقرأه عليهم وفيه (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد اتاني خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر. وقد خذلنا شيعتنا. فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج. ليس عليه ذمام...).

فكان ما هو متوقع.. حين كانت الناس تنسل مثنى وثلاث ورباع.. ولكن نفراً منهم ظل ثابتاً حيث هو فلم يكن وقع تفرق الناس عن نصره الحسين. أن في الكوفة وان في زبالة. لم يكن وقع ذلك ليثبط من عزم أولئك. ويفت في عضدهم فالمبدأ الذي حدا بهم الى النهوض أولاً.. هو هو الذي لا زال يحدوا بهم الى أن يضحوا بأرواحهم الطاهرة ليعيدوا الى الدين الحنيف الحياة مشرقة نظرة… لقد كره أبو عبد الله أن يسير في ركبه السامي أحد أو يعلم بأنه يقدم بلداً لم تستقم له طاعة أهله. وهو إذ فعل فقد استخلص لنفسه أصحاباً استهانوا بالموت في سبيل نصرته. فكانوا المثل الأعلى للمفاداة والتضحية وكانوا المثال الأسمى للأيمان الراسخ.

ثم مساء اليوم التاسع من المحرم يقترب رويداً رويداً. وكانت الشمس تجنح الى المغيب حين جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه مرة أخرى وحين قال: (أما بعد فأني لا أعلم اصحاباً أصلح منكم ولا أهل بيت أبر ولا أفضل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً عني خيراً. وهذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل. وذروني وهولاء القوم. فأنهم لا يريدون غيري...).

فهكذا يعود أبو عبد الله وبهذا الأسلوب الرائع المغري - الى فسح المجال لمن اعتملت في نفسه عوامل الرهبة وساورته خلجات الخوف بعد أن القى الأصحاب أنفسهم حيال أمر واقع بين جنود عليهم مجندة وقد كانت لهم.

أجل هكذا يعود (عليه السلام) الى اختبار اصحابه ولكن لا ليراهم ينسلون الواحد بعد الآخر. بل ليراهم كتلة متراصة وشعلة متقدة. تنحرق لأدواء البيض بالأحمر القاني لقد وقفوا ذلك الموقف الرهيب الفذ.. فكانت وقفة ظهر فيها مدى تغلغل الإيمان في نفوس لا تعرف غير صونه من الدنس إلاّ انقاذه من براثن اناس جعلوا منه العوبة بينهم يتلقفونها كالكرة.. وقفة دلت الورى كيف يكون النضال من أجل العقيدة المقدسة.. ووثبة كم فيها من مشهد رائع جليل سجلها التأريخ بفخر.. فردد ذكرها الدهر ولا زال ولن يزال.

هذا عمر بن قرظه الأنصاري. يستأذن الحسين ليأخذ من الجهاد نصيبه. فيأذن له فيبرز ولكن لا ليبعد عن موقف الحسين كثيراً فان سهاماً من هنالك وهنا كانت تتصوب نحو شهيد الأباء فيتلقاها عمر بيده.. وان سيوفاً تحاول أن تمتد الى الحسين (عليه السلام) فيحول دون ذلك جسم عمر الذي جعله لها عرضة وهدفاً.. وخارت قواه مذ أثخن بالجراح.. فألقى نفسه بين أحضان المنية.. ولكن نفسه الرفيعة هذه لم تطمئن بعد الى انها جاهدت حقاً. فهو يلتفت الى الحسين (عليه السلام) قائلاً: يابن رسول الله أوفيت..؟  ولم ينعم باله بالراحة قبل أن يسمع أبن رسول الله يقول.. نعم.. أنت امامي في الجنة.. فهكذا تظهر روعة هذه النهضة. وهكذا يبين جلالها.. نحن نعرف ان الموت في سوح الوغى يتباين تبعاً للظروف فأن موتاً مع ظن السلامة. ومع الأمل في النجاة. موتاً يأتي بغتة لأهون من موت من لا يرى محيصاً عن الموت فهو مساق اليه سوقاً. كمن يقاد الى (المقصلة)… وهذا أيسر بكثير من موت يندفع اليه المرء من تلقاء نفسه مع تمكنه من النجاة ومع سنوح الفرصة له للهرب. ولقد أرتنا القضية الحسينية من كل من تلك. أنواعاً وألواناً.. فكثيرون أولئك الذين خاضوا لجج الوغى فذهبوا وعلى حين غرة طعمة للسيوف.. وهناك من اقتيدوا الى الموت بعد أسر.. كنافع بن هلال وهناك ايضاً من عرضوا أرواحهم للردى مع طرق للسلامة لاحبة وسبل للنجاة ممهدة.. فذاك عمر بن قرظة.. ثم هذا حنظلة بن سعد الشامي يقف بين يدي الحسين  عليه السلام (عليه السلام) يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره في وقت كان يمكنه فيه أن يتقي الموت… أو أن يموت من سبيل أهون.. ولكنه مع ذلك يرى المنية تسير اليه وئيدة وببطْ. وهذا شيء لا تتوق اليه نفسه الثائرة سيحمل على القوم حيث يلقى منيته.. وكسعيد بن عبد الله الحنفي. ذلك العظيم الذي وقف يقي الحسين  (عليه السلام) من النبال بنفسه حين كان ابو عبد الله يؤدي فريضة الظهر.. وقف ثابتاً في مكانه لا يريم.. في حين كانت النبال تنتاشه من هنا وهناك حتى سقط الى الأرض صريعاً وهو يقول (اللهم ابلغ نبيك عني السلام. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فأني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك).

وبعد فلنعد الآن لنقف ملياً عند مشهد رائع. كان بطله مسلم بن عوسجة. ذلك الشهيد الجليل الذي برز فتحامته جيوش العدى ولكنه اقحم نفسه بينها أقحاماً وراح سيفه يطحن الرؤوس طحناً. وانجلت الغبرة بعد حين. عن مصرع مسلم هذا بعد نضال عنيف وكان به رمـق حين وقـف عـليه الحسين  (عليه السلام) وحبيب بن مظاهر. وحين قال ابو عبد الله (رحمك الله يا مسلم. فمنهم من قضى نحبه. ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) ودنا منه حبيب فقال – يعز عليَّ مصرعك يا مسلم. ابشر بالجنة..! فقال مسلم بصوت خافت ضعيف ( بشرك الله بخير) ثم قال له حبيب لولا أني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك . وهنا تلقي أرهب المواقف واشرفها. فما هو يا ترى ذلك الشيء الذي يهم مسلماً وهو يجود بروحه..) فأستمع اليه يجيب حبيباً وهو يشير الى الحسين قائلاً ( أوصيك بهذا فقاتل دونه حتى تموت) ولقد راح أولئك الأبطال الأشاوس يروون ظمأ سيوفهم من دم اعدائهم، حتى اعادوا بها الأرض حمراء قانية، وعادوا ليطهروها من تلكم الأرجاس بدمائهم الزكية. لتعود تلك الأرض مزاراً لملائك القدس ومهبطاً، فسلامٌ عليهم من الله ورضوان.

لتعش مبادئ الحسين ولتعش فكرته

بقلم: محمد جواد الشري

ليس من المبالغة في شيء اذا قلنا ان الدراسة مهما كانت عميقة وشاملة لن تمكن الذين يقومون بها من استيعاب ما تنطوي عليه النهضة الحسينية من معانٍ سامية ومرام بعيدة، فلسنا نحاول في هذه الوقفة القصيرة ان نستجلي ما في تلك الحركة التاريخية الخالدة من خطوط وتفاصيل ونتائج. بل نحن في هذا الموقف ابعد ما نكون عن ذلك، ولكنا سنحاول ان نتأمل بعض تلك اللمحات القوية ونتفهم بعض ما فيها على ضوء التطور التاريخي الانساني ولكي نوفق الى ذلك لابد لنا من الرجوع الى النهضة النبوية التي سبقت هذه الحركة بعشرات السنين فان هذه من نتائج تلك.

لقد كانت الرسالة النبوية رسالة إلهية مطلقة جاءت تستهدف خير الانسانية في اوسع حدودها وهي رسالة اصلاحية والاصلاح فيها شامل وعميق يتناول الجذور والاسس في عالم كان متداعياً يميل بنيانه الى السقوط ومعنى ذلك ان غايتها لم تكن ترميم بناء المجتمع باصلاحات موضعية محدودة وانما كانت الغاية بناء ذلك المجتمع الانساني بناءاً جديداً شاملاً بكل معاني الجدة والشمول، وبتعبير آخر ان الرسالة النبوية كانت وسيلة من اكبر الوسائل لوصول الحياة الى مقاصدها التي وجدت من اجلها وهي الاستمرار في التقدم بأحداث انواع جديدة راقية.

وايضاحاً لذلك نقول: ان الحياة التي وجدت على هذا الكوكب وحلت في هذه الاجسام –التي لم تكن قبل حلول الحياة فيها الا قسما من اقسام المادة الطبيعية- انما حلت لتخترق تلك المادة وتنفذ من خلال حجبها الكثيفة وتحررها من تلك الكثافة الى حد بعيد فاستمرت في سبيل تحريرها تملؤها خفة ورشاقة ورقة ورهافة لتسير بها نحو الروحانية وقد تم ذلك في وثبات حيوية متقطعة ودفعات ابداعية الهية كانت تنبثق فيها الانواع وتتمايز معلنة عن تقدمها ووجودها واذ كان النوع الانساني قد تم وجوده بدفعة من تلك الدفعات الابداعية ووقفت عنده الحياة في رقيها النوعي –بدأ هذا النوع الجديد حراً تتضاءل حرية الانواع اذا وضعت الى جنبه اذ ظهر في عالم الاحياء مسلحاً بعقل مفكر يمكن من النظر في الامور وتخير ما يريده من بينها الى درجة انه يمكن من استخدام المادة الطبيعية والاحياء في سبيل مقاصده وتحقيق امكانياته الكثيرة فهو لذلك حائز على حرية لم تصل اليها الاحياء وتفكير هو مفتاح لابواب  التقدم والتجديد ووسيلة لظهور انواع جديدة راقية.
والحقيقة ان الرقي النوعي الحيوي لم يقف عند الانسان انهاءاً لتقدم الحياة ورقيها وانما وقف عند الانسان استئنافاً لتقدم الحياة ورقيها بسرعة وقوة اكثر من قبل ولكن من طريق جديد. ذلك ان تقدم الحياة قبل ظهور الانسان انما كان بدفعات ابداعية رمت الى التقدم عن طريق التنوع الحيوي وترقية صنع الاجسام الحية وتلطيف اجهزتها وتعقيدها فهو رقي جسمي ومن طريق الجسم فحسب. اما وقد ظهر الانسان في عالم الاحياء مزوداً بهذا السلاح الخطير فقد بدأ طريق جديد للتقدم اوسع من ذلك الطريق واقرب في الايصال فهو طريق العقل والتفكير الذي اصبح به باب التقدم مفتوحاً على مصراعيه والذي به اطمأنت الحياة على مستقبلها وارتقائها فاذا كان ارتقاء الحياة قبل ظهور الانسان قد تم بدفعات ووثبات حيوية فان رقيها بعد ظهوره اصبح يتم ايضاً بدفعات ووثبات ولكنها دفعات ووثبات روحية تتجسد في اشخاص انسانيين او ان اولئك الاشخاص تتقيد نفوسهم بتلك الوثبات الروحية ويمثلون دفعات الحياة ويفجرون من الانسانية انواعاً انسانية جديدة ارقى بما يسبقون على بني الانسان من روحانية وسمو فإذا الناس بعد ظهور اولئك الابطال غير الناس قبل ظهورهم وبهؤلاء الابطال يستمر التطور الانساني وكل من هؤلاء يمثل بمفرده نوعاً جديداً يتقدم بالانسانية نحو كمالها المنشود.

ان الانسان منذ ظهوره بدأ مصحوباً بقوتين متعاكستين تتجاذبان فبينما الحياة تحاول دفعه الى الامام اذا بالمادة تجتذبه الى الوراء وكلما اتقد القلب الانساني وثارت به الحماسة الى الرقي يرتد بفعل الجانب المادي على اعقابه خاسراً. وهو من جراء ذلك يدور على نفسه في دائرة مغلقة. وبالفعل فان النوع الانساني منذ القديم قد انقسم الى كتل لا حصر لها يمثل كل منها مجتمعاً مقفلاً مغلقاً على نفسه او قل اتخذت تلك المجتمعات من نفسها دوائر مغلقة لا تنفرج عما تتضمن ولا تسمح بدخول مؤتمرات خارجية اليها.

فمهمة اولئك الابطال ان يحطموا تلك الدوائر المغلقة بما لديهم من روحية فياضه لتتداخل ولتتحول تلك الكثرة الهائلة من الدوائر الى دائرة واحدة تتعاظم سعة وشمولاً حتى تشمل الانسانية جمعاء.

وبهذا نستطيع ان نفسر الرسالة المحمدية حيث ظهرت في عالم منقسم الى مجتمعات كثيرة كانت مغلقة ومنكمشة على نفسها بل وفي بلاد كانت –بالرغم مما يجمعها من لغة وعادات وتقاليد وعنصر- منقسمة الى شراذم قبلية هي اصغر من مجتمعات صغيرة، وكل تلك المجتمعات وهذه الشراذم كانت منغمسة في المادة بكليتها فهي لا ترى شعاعاً من نور ولا تسمو الى افق روحي والقوى السياسية الحاكمة يوم ذاك اشبه بالقوى المادية في قساوتها واستبدادها وشدة وطأتها وعلى الاجمال كانت تلك المجتمعات والشراذم مادية الحياة وكان الكثير منها يعبد المادة ويتخذ من الاحجار آلهة، ومن ذلك نفهم ان روح تلك الرسالة تتلخص في تحرير مجتمع الرسالة ومنبتها من سيطرة المبادئ المادية –ان صح ان نسمي ما كان يتمشى عليه ذلك المجتمع باسم المبادئ- وقيودها تحريراً ايجابياً يضمن الارتفاع بذلك المجتمع الى افق روحي تشعر فيه النفس العربية بوجودها الروحي لتتصل بينبوع الحياة وتعب من فيضه وتنهل من رشحاته ولتصبح وحده اجتماعية قوية نستطيع بوحدتها ان تحرر العالم بعد تحررها وتفيض عليه من روحيتها ما يرفعه الى المستوى اللائق بانسانيته، وبتعبير اقرب الى الدقة كانت مهمة الرسالة الافاضة من الجانب النبوي على مجتمع الرسالة اولا فيضاً روحياً تحريرياً قوياً يؤدي الى تحطيم تلك الدوائر المغلقة لتصبح القبائل العربية المتباعدة ومجتمعاً متحداً يصبح وسيلة فيما بعد الى بلوغ ذلك الفيض اقصى تلك المجتمعات المغلقة.

ومعنى ذلك احداث انقلاب شامل يتقدم بالانسانية لتعلو على نفسيتها وتصبح نوعاً جديداً راقياً بكل معاني الجدة والرقي.

وهكذا سارت وثبة الحياة التي كانت تمثلها الشخصية النبوية والرسالة النبوية في طريقها الى الامام سيراً متواصلاً في الصدر الاسلامي الاول وسيراً كان يرجى منه بلوغ الاهداف والغايات البعيدة لو لم يلتو الطريق على تلك الوثبة الحيوية وقف امامها السدود القوية لتمنعها من بلوغ مداها البعيد ولترتد بالانسانية الى الوراء تثبيتاً لقوة سياسية مستبدة تفرض ما يتلائم مع اهوائها معترضة طريق نحو المبادئ وانتشارها بتنمية ما يضاد تلك المبادئ ويناقضها فاذا الحرية التي افاضها الاسلام على الشعوب تتحسر مياهها ليطغى على العالم الاسلامي استبداد اموي غاشم يهزأ بالحقوق الفردية ويحكم بالموت على كل من تحدثه نفسه بثورة مشروعة فتراق الدماء البريئة بسخاء لم يعهد له مثيل في اشد ظلمات العهود الكسروية والقيصرية.

وتثار النعرات الرجعية الجاهلية لتعود القبلية سيرتها الاولى عداءاً متبادلاً وعصبية جاهلية تفتك بوحدة المجتمع العربي وتشيع الانقسام منه على نطاق واسع من ذي قبل وفي ذلك ما يؤول الى القضاء قضاءاً مبرماً على القوة العربية والوحدة العربية التي اتخذتها وثبة الحياة وسيلة ناجمة للوصول الى الوحدة العربية.

لقد التوت الطريق فالتوى معها كل شيء واصبحت الحرية الانسانية ومبادئ الرسالة النبوية بحاجة الى شخصية منقذة تتمثل في وجودها الذاتي مبادئ الاسلام وتنطوي على بطولة من نوع تلك البطولة النبوية.

اجل ان المبادئ النبوية اصبحت بحاجة ماسة الى شخصية تتقيد بالوثبة الحيوية وتشمل بمفردها نوعاً جديداً مجدداً فلم تجد الا (حسيناً) سليل الممثل الاول لتلك الوثبة وحامل لواء تلك الرسالة وهل (حسين) غير شخصه قد تعاظمت روحيتها حتى استحالت روحيه خالصه ومبدأ اسلامياً وامتلأت بالبطولة الفياضة امتلاءاً جعلها كالشمس لا نستطيع الا ان نسكب ضوءها ؟

هكذا كان الحسين (عليه السلام) الذي أبى له غناه الروحي وامتلاؤه الذاتي بالبطولة الا ان يهز اركان السياسة الاموية هزة قوية يتداعى بها بنيانها القوي الى الانهيار الأبدي تحريراً للعالم الاسلامي من عبادة تلك الاصنام السياسية عساه يمضي في طريقه التقدمي من جديد ليصل الى الغاية التي رسمت باديء بدء، والا فان في هذه الهزة العنيفة ما يضمن انقاذ ما يمكن انقاذه من مبادئ الاسلام التي كانت السياسة الاموية تريد ان تؤدي بها وسارت بالفعل في سبيل ذلك حتى شارفت المبادئ الاسلامية نهايتها.

لقد استطاع الحسين (عليه السلام) ان يقدم لنا النماذج الخالدة الكيفية التي تلهمنا طرق الدفاع عن الحريات المشروعة المقدسة ونضع ايدينا على فعالية المبادئ الروحية حينما تستحيل كياناً وجودياً وتهيب باخلاقنا القائمة على فكرة تجارية هي فكرة التوازن والجزاء بالمثل ان تتحول الى نوع من الاخلاق جديد تمتزج فيه المحبة الشاملة الفياضة والتفاني في سبيل الحق والحرية الذاتية الكاملة التي تهزأ بالموت وتتحدى القوة في شتى مظاهرها.

فنحن ان نعني بتجديد ذكرى الحسين (عليه السلام) لا نحاول الرجوع الى الوراء لنستعيد الماضي ولنعيش فيه ونحياه ولا ان ندعو الناس الى العيش (في قبور المتاحف او متاحف القبور كما يزعمون) ولا ان نقدس القديم لقدمه فليس شأننا هذا ولا ذاك لاننا متطورون نعتنق المبادئ القابلة للتطور ونناضل من اجلها وهتافنا على الدوام (علواً بالنفوس وسيراً الى الامام) وانما نحاول ان نستلم رسالة البطولة الخالدة والعظمة الحية فالحسين ليس من اولئك العظماء اليوميين الذين تبتلعهم الأزمنة وتطويهم الايام وانما هو شخصية فذة لها قدرة على الاشعاع غير محدودة وينبوع فياض لا يستنفذ ما فيه شخص من الاشخاص او جيل من الاجيال. وفي الحقيقة ان معاصري تلك الشخصية والاجيال القريبة التي تلتها لم يتمكنوا ان يعرفوا الآفاق التي ستمتد اليها وتغزوها ولم يعلموا ان الحسين (عليه السلام) قوة متجددة تبدد لكل عصر بصورة قوية جديدة ملهمة.

اجل ان الحسين من اولئك العظماء الذين لم يشهد التاريخ الانساني منهم غير آحاد والذين يتسمون بطابع الاستمرار والخلود منهم ليسوا عظماء عصور قديمة او حديثة وانما هم عظماء العصور كلها واعمالهم وشخصياتهم لها خاصة الالهام والتجديد وخاصة الادب الحي الخصب الذي يقوي على مناهضة الايام وتستلهمه الاجيال وتثقف على تقديره البيئات فهو ادب العصور والاجيال والبيئات كلها. ذلك ان الادب الحي الخصب لا يقدم اليك ما يرضي عقلك وشعورك فحسب وانما يلهمك ويوحي اليك بتجديد ويعيرك من خصبه خصباً ومن ثروته ثروة ومن قوته قوة وهو في ذلك يشبه اولئك الآحاد –ان جاز التشبيه- من هذه الناحية وان كان الفرق بينه وبين اولئك عظيماً في شدة تلك الخصوبة وقوة ذلك الالهام من ناحية وفي سعة الالهام وشموله من ناحية اخرى فاعمال هؤلاء وشخصياتهم لا تلهم الاجيال تقدماً وسمواً في ناحية محدودة وانما تلهم السمو والتقدم في ميادين كثيرة وتقدم للاجيال مادة لاستلهام رسالات انسانية تكاد تكون الصورة النهائية لما يمكن ان تكون عليه الانسانية في حاضرها ومستقبلها البعيد ولاعمالهم وما تلهمه سمات قوانين الطبيعة والحياة من خلود واستمرار وانطباق دائم وشامل زماناً ومكاناً مع فارق واحد وهو ان القوانين الحيوية والطبيعية قوانين لما كان ويكون اما اعمال هؤلاء وما تلهم فهي قوانين لما يجب ان يكون.

والحقيقة انا حين نمتثل شخصية الحسين في تفكيرنا ونحياه في وجداننا نجدنا امام وثبة من وثبات الحياة تمثل لنا نوعاً انسانياً منفرداً تهيب بنا كل لمحة من لمحاته القوية ان نتأمل فنطيل التأمل وان نتعمق مضمونها الروحي كي نستخلص منها دروساً هي اثمن ما نحتاج اليه ومن دروس في نهضتنا العربية الجديدة وختاماً (لتعش مبادئ الحسين ولتعش فكرته).

نهضة السبط يتيمه التاريخ واسطورة الزمن الخالدة

بقلم: عبد الصمد الجعفري

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً   ****    ان الحيـاة عقيـده وجهـاد

صلوات الله وسلامه على روحك الطاهرة يا ابا عبد الله، فلقد وقفت دون مبدئك المقدس وقفة تجلى فيها سمو العظمة الشخصية باجلى مظاهره، ولقد جاهدت دونه جهاد ضم الى بطولة الرجولة عزة النفس واباءها، ونجدة العزيمة الصادقة وفروسيتها. وتوجتها بتاج العظمة. فاينما وجه الفاحص المدقق وجهه    و نظره في اية ناحية من نواحيها البارزة بروز الشمس في رابعة النهار وجد العظمة الشخصية متلألأة كالدرة في اعلاها حتى كانت يتيمه التاريخ واسطورة الزمن الخالدة. حية الى ماله من خلود باقية الى ماللانسانية من وجود فيها ذكرى مريرة ولوعة شجية، كما فيها عظة بالغة للانسانية التي ترتضيها الاديان السماوية حيث فيها الامن والسلامة والطمأنينة والسعادة الوارفة. اذ لو سارت هذه الانسانية المعذبة اليوم على غرار ما سطرته لها من درس في مصحف الزمن لعمت الالفة ولاشتد اواصر حبل مودتها. ولكن هذه الانسانية في سبات عميق. برقت امام ناظريك آية ربك المنـزلة على صدر جدك (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اطيعوا الله والرسول وأولي الامر منكم......)) فأبت ذاتيتك الابية وقدسية نفسك الزكية ان تمد يد المبايعة ليزيد الفجور لعلمك ان في المبايعة الطاعة. وطاعة كهذه هي المنكر. بل والبغي والعدوان. فاجبت من جاء لك بالمبايعة عارضاً ((انا اهل بيت النبوة. ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة. بنا فتح الله وبنا ختم. ويزيد رجل فاسق. شارب الخمر. وقاتل النفس المحرمة معلن بالفسق. ومثلي لا يبايع مثله)) ثم انك لم تكتف بهذه الكلمات التي لها معانيها السامية. ومراميها العظيمة المغزى المتناهية المرمى. وانما اقمت وجه هذا المنكر ثورة خالدة. فارت كربلاء من جرائها ببحر من دمك القاني. ثم بعثت في اعماق هذا البحر الخضم صرخة عصفت منها امواجه فتلاقفته تلاقفاً هد عروشه وقوض اركان دعائمه القائمة على اعمدة من الظلم الفاحش فبقي حتى عصر الذرة والى ما بعده بتعاقب الحقب والاجيال لا تذكر مخازيه الا وقرنت بالسب والشتم واللعن. وفعالك الباقية مآثرها بقاء الذكرى المعتز بها الدهر الخالد.لا تذكر الا مشبعة بالتكبير والتهليل والتعظيم لعلم منك ان هذه الثورة. وهذه الصرخة قضاءاً على الانسانية الشريرة. واظهاراً لحقوق المؤمنين المعذبين. واليتامى المأكولين والمساكين المدهوسين ولو كان في هذا اخراج الروح المكرمة من جسدها العبق الفواح وما معنى خروجها الا السمو الى الملكوت الاعلى وانها صاعدة الى ربها راضية مرضية. شاكية هذه الانسانية الشريرة اليه.

لقد ترفعت عن البقاء والعيش مع مثل هذه الانسانية فطارت الى علياء ملكوتها. بجوار جدها وامها وابيها. بعد ان مزقت اشلاء الضلال. وخرقت حجب الظلام. وطهرت الارض من هذه الادران. ادران ارجاس حثالة من بقية الجاهلية الاولى. ومع ذلك فقد رسمت على صفحة وجه الزمن درساً نأخذ منه معنى الانسانية الكاملة اذا ما تفهمناه. ونتعلم منه الرجولة والبطولة والتضحية بكامل مراسمها، ومعالمها اذا ما درسناه او سيرناه ونستمد منه روح الاخاء والاباء والشمم اذا ما تعلمناه او تلقناه، لا من افواه ((النواحين)) اذ هم وحدهم الذين احاطوه بسياج من خزعبلات اضاليلهم واراجيفهم. ولكن من تلك الافواه المعطرة بعطر هذه الرسالة الخالدة من الذين اوجبوا على انفسهم بثها في الملأ، من اولئك الرجال الموسومين بالخطباء بكل ما في كلمتي من معاني الخطابة الحقه، حيث ذرفت الدمعة وسكوبها وان كانت وفية صادقة بريء منها حسين العز والشمم ما لم تكن عن معرفة، ودراسة واسعة الاطراف لسمو شخصيته ولمكارم ومقاصد ما قدم نفسه وعياله وكل آله لاجلها، اذ بهذه المعرفة، وبهذه الدراسة الوافية يرقى الانسان الى مدارج الانسانية المنشودة في الاديان لا بالدمع وحده وما للحسين من غاية سوى هذه الغاية، وهل غاية انبل واشرف وابلغ من هذه الغاية المقدسة ؟ وفي هذه المعنى قال الاستاذ نور الدين الاخوي:

ايها الباكي رويداً  فليكن    ****    وحده لم  يجنِ الا الحنظلا
قتل السبط لتحـيى امـة    ****    تنشئ العز وتحمي الاملا

ولكنا نعلل النفس ونعقد الامل بشباب حاضرتنا ((النجف الاشرف)) هذا الشباب الناهض بروح فياضة بالطهر والحنان تحت ضوء هدي علمائه العاملين ورجالاته المخلصين لان تتفهم الانسانية هذه المعاني النبيلة على يدهم حتى تصل الى اوج الاماني ومحط المجد ومنه تعالى نستمـد واياهـم العون والتوفيق والسلام عليكم.

في ذكرى الحسين (عليه السلام) قلوبنا دامية وعيوننا باكية

بقلم: الدكتور مجيد عبد الحميد ناجي

مولاي أمير المؤمنين:


هذه كلية الفقه في مدينتك - مدينة النجف الأشرف - وأولاءهم اساتذتها، وطلابها، حاملوا مشعل الهداية والنور، السائرون على نهجك المهتدون بهديك. جاؤوك ابا الحسن بقلوب دامية، وعيون باكية. فقد أكلم فؤادك ما حل بشبلك، سبط النبوة، حسين الرسالة، ريحانة المصطفى ولدك الحسين الشهيد في أرض الشهادة، أرض كربلاء، حيث قدم نفسه الزكية الطاهرة والصفوة الطيبة من آله الميامين وصحبه البررة أضاحي من أجل أن تقوم للإسلام دعائم وتخفق للحق رايات.

أجل جاؤوك أبا الحسن ليقولوا لك يا سيدي عظم الله لك الأجر، بمصاب المسلمين بحسين النبوة، وليشهدوا الله على أنفسهم أنهم لا يهتدون إلاّ بهديك ولا ينهجون إلاّ نهجك، وإن الرسالة التي ضحى من أجلها حسين الشهامة ستعيش في قلوبهم وتجري في عروقهم.

سيدي ابا الحسن.


إنه اليوم التاسع من محرم وكأني الآن بحسين البطولة في مخيمه وقد احاط به أهل بيته واصحابه إحاطة النجوم بالقمر وقد وقف فيهم خطيباً قائلاً لهم أنه مقتول في صباح يوم غد لا محالة، فمن أراد منهم النجاة بنفسه فليتخذ الليل جملاً وهو حل من بيعتي، وإذا بهم يجيبونه بصوت ملئه الإيمان والفداء ((إننا لا نخذلك كما خذلت اليهود موسى  عليه السلام) حينما قالت له إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، بل نقول لك، قاتل فإنا معك مقاتلون)) ويقولون له (( لو قتلنا وحرقنا وذريت أجسادنا في الهواء ثم بعثنا مرة أخرى يفعل بنا هكذا سبعين مرة ما تركناك كيف وهي قتلة واحدة)). فيدعو الحسين  عليه السلام) لهم ويباركهم، ويريهم منازلهم في الجنة مع الأنبياء والصديقين حيث الشرف كل الشرف، والعباس ليث بني نزار يخط الأرض بسيفه، يتطلع الى غده، ليذيق المنافقين حد حسامه، ويجاهد في الله حق جهاده. وما هي إلاّ سويعات حتى يتمخض الليل عن فجر يوم فيه:

عثـر الدهر ويرجو أن يقــالا    ****    تربـت كفـك من راج محالا

وذلك يا سيدي:

غـداة ابـو السجاد جاء يقودهـا   ****   اجادل للهيجاء يحملن انـسرا
عليها من الفتيان كـل ابـن نثـرة   ****   يظن قتير الـدرع وشياً محـبرا
أشم اذا ما افتـض للحـرب عذرة   ****   تنشق من اعطـافها النقع عنبرا
من الطاعني صدر الكتيبـة في الوغـى   ****   إذا الصف منها من حديد توقرا
فان يمس مغـبر الجبيـن فطالـما    ****   ضحى الحرب في وجه الكتيبة غبرا
وإن يقضِ ظمآنـاً تفطـر قلبـه  ****   فقد راع قلب الموت حتى تفطرا

نعم خرج ابو السجاد ومعه الصفوة من آل بيت النبوة والأبرار من الصحابة والتابعين ليقابلوا جيشاً للشرك والضلال ظن مرسلوه أنهم على محو الإسلام لقادرون وما دروا أن الدماء الزكية الطاهرة التي تشرفت أرض كربلاء بإحتضانها إنما هي أقباس أضاءت معالم الهداية والنور. وخيل اليهم أنهم سيقتلون الحسين عليه السلام) وينتقمون بقتله وسبي عياله من جده وأبيه عن قتلاهم يوم بدر، ولكنهم خسئوا فالاسلام خالد والحسين حي.

لئن أكلت هندية البيض شلوه   ****    فلـحم كريم القوم طعم المهنـد
وإن لم يشـاهد قتله غير سيفه   ****   فذاك أخوه الصدق في كل مشهد
كريم به شـم الـدنية آنفـه   ****  فـأشممه شـوك الوشيج المسدد
وقال قفي يانفس وقفـة وارد  ****   حياض الـردى لا وقفت المتردد
رأى أن ظهر الذل أخشن مركباً  ****    من الموت حيث الموت منه بمرصد
فآثر ان يسعى الى جمرة الوغى   ****    برجـل ولا يعطي المقادة عن يد

مولاي الحسين لله أنت، ما أعظم تضحيتك، وما أكرم نفسك، وما أشد إباءك، وما أصبر قلبك، وما أربط جأشك عز عليك أن ترى الأوغاد على عروش المسلمين يسومونهم سوء الهوان، يعطلون حدود الله ويشيعون الفاحشة، فخرجت اليهم لا أشراً ولا بطراً وإنما أردت الإصلاح في أمة جدك.

أرادوك أن تعطي المقادة عن يد، وتغض الطرف عن باطلهم، ولكنك أبيت إلاّ أن تعيش أبياً أو تموت كريماً وإلاّ أن تزيل من باطلهم دعائمه.

لله أنت ياسيدي: ماذا نقول عنك، انقول عنك انك صاحب الجود والكرم لأنك بذلت الماء للقوم وتعلم أنهم سيمنعونك، أنقول عنك أنك أبو الثوار لأنك القائل لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما، أنقول عنك أنك أبو التضحية والفداء لأنك قدمت نفسك وآلك وأصحابك قرابين على مذابح الشهادة والكرامة. نعم سنقول كل ذلك ونقول أنك الحسين بن علي وكفى بذلك فخراً.

سيدي حسين المرتضى: ما الذي حاربته أمية فيك..! لأنك ريحانة المصطفى وسيد شباب أهل الجنة؟، ألأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيك (حسين مني وأنا من حسين)؟، ألأنك بن علي الذي لولا سيفه وبضع أسياف معه لما قامت للإسلام دعائم؟.

أجل ياسيدي: إنهم حاربوك ولكنهم يعلمون انك ريحانة المصطفى وقاتلوك ويعلمون أنك على حق وهم على باطل، وجعلوا من جسدك الطاهر جسراً لخيولهم ويعلمون أنك انما أردت اسعادهم وتحريرهم من عبودية انكروها في قرارة نفوسهم وأرتضوها في واقعهم وسلوكهم، احرقوا مخيماتك على من فيها ويعلمون ان من فيها عقائل النبوة، وسلالة الرسالة. نعم انهم قاتلوك ويعلمون انهم انما يقاتلون رسول الله بشخصك فويل لهم لما سولت لهم نفوسهم، ويا ويح قلبي أي نوع من البشر هم، ولكنها شيمة الجبناء والمنافقين في كل زمان ومكان، انهم يخذلون الحق وينصرون الباطل، يناصرون الظالم ما دام قوياً فإن ضعف تفرقوا من حوله وانقلبوا عليه وحاربوه اكثر من اعدائه، وقد تراهم يماشون الحق وذلك ما دام الحق يحقق مصالحهم فان اصطدم بها حاربوه، وقد وصفتهم سيدي، فما أجمل وصفك حينما قلت (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون).

فخلدت يا سيدي وماتوا، وفزت وفشلوا.

فسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا.

هل ساهمت عوامل اجتماعية مع العامل الديني في انبثاق ثورة الحسين عليه السلام؟

بقلم روكس بن زائد العزيزي
ممثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن


يقول المؤرخون، إن الأمويين دخلوا الإسلام مكرهين، موتورين، ناقمين على الإمام علي (عليه السلام) نفسه لأنهم لم ينسوا وان تناسوا إن الإمام علي كرم الله وجهه صرع بسيفه :

 أ:حنظلة أخا معاوية بن أبى سفيان.

ب:الوليد خال معاوية.

ج:عتبة جد معاوية لامه أو عمه شيبه.

وكثيرا من أعيان عبد شمس في سبيل الدعوة الإسلامية،ومحاربة الوثنية.وقد ورث الأمويين العداوة أباً عن جد من زمن عبد شمس وهاشم، إلى زمن علي(عليه السلام) ومعاوية ويزيد والحسن.(عليه السلام)

فلا عجب إذا كان الأمويين يتحينون الفرص للثأر من بني هاشم عامة، ومن الإمام علي كرم الله وجهه شخصياً، ومن ذريته فيما بعد فإذا كان الإسلام قد وأد العداوة وأداً،وغطى حجر الحقد الملتهب برماد الخوف والتقية مؤقتاً، فانه ما كان ليزيل من النفوس ما بها من سخيمة ولا سيما إذا كانت تلك النفوس لم يصقلها الدين، ولم يهذبها الإيمان !!

وكيف يهذب نفوساً يمثلها قول صخر أبي سفيان لقومه يوم ولي الخلافة عثمان بن عفان: ((دونكم يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنة، ولا نار)).

وقد كره المسلمون الغير على الإسلام بني أمية منذ خلافة عثمان، يوم أقطع مروان بن الحكم - طريد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - (فدك) مع أنها منعت غيره حتى فاطمة الزهراء (عليها السلام) بني هاشم عامة، وان تظاهروا بغير ذلك حيناً.

((وقد ينبت المرعى على دمن الحيا   وتبقى حزازات النفوس كما هيا)).

فمن حقدهم على الإمام علي عليه السلام) بكنيته وفرضوا شتمه من على المنابر كما هو مشهور، وقد سبق هذه الأمور إقصاء الإمام علي عليه السلام) عن الخلافة.

واغتيال الحسن عليه السلام)، واضطهاد الحسين عليه السلام) نفسه ونقض معاوية العهد الذي قطعه للحسن بأن يكون خليفة من بعد معاوية، مهدت لثورة الحسين، وملأ القلوب نقمة أن البيعة أخذت ليزيد بن معاوية، الذي يقول المؤرخون أنه كان غير مرضي السيرة.

وقد انتزع له والده البيعة من العراقيين بحيث رشا بعضاً منهم وأخاف بعضاً، لأن معاوية ما كان يسمح أبداً لأي مخلوق أو أي قانون سماوي أن يتدخل في تنفيذ مشاريعه، أو يحول دون تحقيق مآربه.

ففي سنة (51) للهجرة سار معاوية إلى المدينة ومكة لكي يستوثق من أهل الحجاز، فاستطاع بتهديده وحيلته أن ينتزع البيعة منهم جميعاً ليزيد ابنه ما عدا أربعة من مشاهير المسلمين:

1-الحسين بن علي عليه السلام.

2-عبد الله بن عمر.

3-عبد الرحمن بن أبي بكر.

4-وعبد الله بن الزبير، الذي كان معاوية يلقبه بثعلب قريش، كلهم كانوا يرون أن يزيد بن معاوية لا يستحق أن يكون خليفة للمسلمين، لأن سيرته الشخصية لا تنطبق على الإسلام الصحيح.

يضاف إلى ذلك كله أن أهل الكوفة طلبوا إلى الحسين(عليه السلام) أن يعاونهم على رفع نير بني أمية عنهم، وينقذهم من استبدادهم، فلبى الطلب في الحال، وقد حاول أصدقاؤه أن يثنوه عن عزمه لكن عبد الله بن الزبير شجعه لكي يقصيه من طريقه، فيخلو له الجو من بعده.

فوق هذا كله فإن الحسين(عليه السلام) كان يرافق الإمام علي عليه السلام) وهو يطرق أبواب الأنصار، واهل السوابق ليلاً حملاً معه فاطمة والحسنين، يدعو الانصار الى نفسه ويذكرهم عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان يسمع أباه يقول: ((لو وجدت أربعين ذوي عزم لنهضت)).

هذه العوامل أسهمت في نهضة الحسين(عليه السلام)، ولا سيما إذا أضفنا إليها أن بعض الولاة كانوا يظهرون من الجور ما لا يطاق، وبعضهم يتهتك ويخرج مخموراً ويصلي الصبح بالناس ثماني ركعات ويقول لهم أزيدكم، ثم يقيء الخمر على المنبر وبعضهم يقول إن هذا الفيء بستان قريش إلى أمثال ذلك، حتى ضج المسلمون، وطلبوا وضع حد لهذه المنكرات.

 فلا عجب بعد هذا كله إذ نهض الحسين لاصلاح ما اعوج من الأمور!.

صحافة كربلاء - و - عبد الله الرضيع

بقلم: الأستاذ عبد الحميد داوود الكنين

أهمل كتاب ( كربلاء في التاريخ) – على وجه التخصيص- كما أهمل كتاب ( أمية في التاريخ) – على وجه التعميم- ذكر الصحف التي كانت  تصدر في كربلاء لتاريخ 10 محرم سنة 61هـ.

ومجال التاريخ غير متسع – على عادته- لأستيعاب الحوادث بحقيقتها المجردة ما دامت السلطة هي التي توجه التاريخ وتطوي ما تريد طيَّه وتنشر ما تسمح بنشره.

ويكاد أن يكون تاريخ الحركات الحربية بين الحسين وأعدائه مديناً لشاب من بني أسد قد أغفل التاريخ إسمه حيث كان يبعث النشرة تلو النشرة في أكثر أودية كربلاء.. وفي بعض الواحات المجاورة لها من الجهة الشرقية. رداً على ما كانت تنشره صحف أمية من شجب نهضة الحسين  عليه السلام) وكانت تعينه على كتمان أمره إمراة من تميم قيل انها امراة أو أرملة الحر أو الحرث بن يزيد الرياحي أو التميمي على حد ما شاء ان ينسبه التاريخ.

ومن كبريات الصحف الكربلائية لذلك العهد ثلاث صحف مشهورة بصيغتها الرسمية وهي ( سمية) و (شفية) و(الغاضريات) وليس يعنينا هنا ما كانت تحمله – على الإطلاق- من صفاقة اللهجة وموجع الطعن. وقارس الكلم، وبذئ القول في آل بيت رسول الله. وذلك إذا أيقنا أنها تنتمي كلها الى حكومة يزيد. وتدافع عنها دفاع القاضي بلهجة الشهوة من بيت مال المسلمين. ولا تنتظر بالطبع من صحف تصدر في إمالة عبيد الله بن زياد أن تنصف الذمة – على الأقل- خاصة ما سمى منها بأسم جدته فهي لم تكتف بنشر الرسائل التي تمدها بها مراسلوها في ساحة الحرب، بل تضفي عليها من عندياتها أكثر من تجربة، وأوسع من إفك وبهتان.

وعمر بن سعد بن أبي وقاص – وابوه سادس الإسلام- كان يتولى علاوة على وظيفته الأصلية – مراسلة (( سمية)) بما يبدوا له من حركات الحرب وكانت رسائله تنشر بحروف بارزة في أولى الصفحات!

وقد سمح التاريخ بإيفاء بعض سطور نقلت على نشرة من نشرات الشباب الأسدي تحمل بعض ردود على بعض رسائل نشرت لإبن سعد بعنوان (( السم النقيع… في نحر الرضيع)) و ( أذقناهم الحتوف… يوم الطفوف) و (أشهدوا أني أول من رمى) وقد إستخلصنا من تلك السطور ما له مساس بعبد الله الرضيع:

فقد نعتت ((سمية)) الحسين بالضعف لأنه تشفع بالرضيع ليحصل على غلة الماء..! وذكرت (( شفية)) أن أول من تشفع بالرضيع هي أمه حين لجأت إلى العباس وبين يديها طفلها ملتمسة إليه الماء وكانت هي السبب في تعجيل إستشهاد العباس  عليه السلام) وقالت الغاضريات أن الحسين  عليه السلام) سمع ما دار بين الرباب والعباس فمنع زوجته من أن تثير عاطفة أخيه وخشى عليه من الذهاب قبل أوانه وجذب الطفل من يدي أمه ومضى به إلى حومة القتال وجعل يقول ((يا قوم إن كانت لرجالنا ذنوب في مبادئكم فما ذنب الأطفال..؟)) فأحدثت مقالته هذه ضجة بين صفوف الأعداء ورقت للطفل بعض القلوب..! فخاف أبن سعد ((الإنقلاب)) فأمر جندياً معروف السجية والطوية من جنوده بأن (يقطع نزاع القوم) يقطع وريد الرضيع ((بسهم)) وهكذا كان…!

ولئن إختلفت الروايات الثلاث في بعض العروض فإنها متفقة دون شك – في الجوهر- وقد إتفق معها التاريخ بإجماع – على رغم السلطة- على أن للحسين بن علي بن أبي طالب  عليه السلام) سبط رسول الله إلى عباده (صلى الله عليه وآله وسلم) رضيعاً إسمه (عبد الله) وقد عطش في كربلاء عند واقعة الطف فلم يكف أمية منعه من الماء وحسب، بل تعمدت ذبحه عطشاناً بين يدي أبيه – الطفل الكبير الذي رقى على صدر الرسول- على خلاف عادة المحاربين حتى الذين هم من غير المسلمين فقد كانوا – وما زالوا- يجتنبون الفتك بالأطفال.

والآن…؟؟ يحار التاريخ إلى بني أمية..؟ أينميها إلى الإسلام..؟ وقد أوحى نبي الإسلام قواده إلى حرب غير المسلمين بأن يتحاشوا من العجزة والنسوة والأطفال بسوء… على حين أن أمية مثلت حتى بالأطفال..؟! أم ينميها إلى العرب..؟ وقد قال التاريخ (( ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب)) على حين أن قسوة المراوفة اعرف من أن تعرف في إجبار مساكين أفريقيا على الإقامة بالقوقاز، وإفنائهم ببطئ عن طريق مشقة المسير البعيد وتبدل المناخ والأشغال الشاقة..؟! كل ذلك مما تفضل بتسجيله التاريخ وهو من بني الحوادث التي أنصف التاريخ بوصفها نفسه على ما جاء به من غموض وإقتضاب..!

وذي شهرة قامت بأعمال غيره  ****   وذي عمل أعماله ابداً تخفى
فلو أنصف التاريخ بعض رجاله    ****  لما خط في اسفاره لهمو خطا

ومن أعجب العجب أن يدعي أذكياء أمية الإسلام..؟؟ وكتاب الله يقول }إن أكرمكم عند الله أتقاكم  {وما يروى عن نبي الإسلام: (( لافضل لعربي على أعجمي قط إلاّ بالتقوى)) و ((سلمان منا أهل البيت)) فضلاً عما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أقوال في بلال الحبشي. وصهيب الرومي وغيرهما من تلامذته الأحرار. مما يعتبر حجة قاطعة على أن قاعدة الأفضلية التي درج عليها الإسلام هي التقوى.. }وتزودوا فإن خير الزاد التقوى{ .

وبعد..؟؟! فليس تألب الشعوب الأخرى على العرب من أسبابه –إن لم نقل سببه الوحيد- أمية بالذات، فهي التي أذكت نار الشعوبية وعملت على تغذيتها وإيقادها، وهي التي أحفظت على العرب شعوباً كانت جدُّ موالية صاغرة مستكينة تلتمس المزيد من عطف الإسلام وتستمد الإنتعاش الحيوي في ظل الإسلام… وأمية هي التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي وبعثت التفسخ بين صحائفه وسطوره وهي التي افسدت ضمائر الشعراء وقتلت مشاعرهم الحساسة، وهي التي وارت مواهب الكتاب ووجهت تفكيرهم إلى حيث الضلال، وهي التي إبتاعت ذمم المؤرخين في سوق المزاد وأعدمت ما أشيع عنهم في بقايا من الوجدان…!!

وناهيك بوقائع الزنوج والتتر فقد وقعت إنتقاماً من همجية أمية وإشفاء لغليل يتوقد في النفس حيث قوبلت البربرية بمثلها - والبادئ أظلم - وما عرف التأريخ ظالماً مثل أمية.

واحربا يا آل حرب منكمو     ****   يا آل حرب منكمو واحربا
فيكـم ومنـكم ولكـم     ****   ما لو شرحناه فضحنا الكنبا

أسرار الشهادة


بقلم: أحمد رضا، عضو المجمع العلمي بدمشق

تعود عاشوراء من المحرم كل عام وتعود معها ذكرى الفاجعة الكبرى فاجعة كربلا تلك التي لم يخلقها كرور الأزمان ولا تعاقب الأجيال والأعوام وإن في ميدان هذه الوقعة فئتين.

فئة تقاتل في سبيل الحق وفي سبيل المبدأ الصالح والتعاليم الفاضلة التي بني عليها الإسلام وبها علت كلمته وبه عز سلطانهم وبه كان العرب أمة فوق الأمم وبه محو تلك الظلمات الداجية ظلمة الشرك وظلمة الجهل وظلمة العصبيات القبلية الممقوتة التي فرقت كلمة العرب وجعلتهم عبابيد ومزقتهم كل ممزق تسيل دماؤهم وتفنى رجالهم لأجل عش قبرة أو سبق فرس تلك العصبيات التي يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها (ليس فينا من دعا إلى عصبية).

قامت هذه الفئة إلى جهادها لما رأت أن المعروف لا يؤمر به والباطل لا يتناهى عنه على قلة العدد وخذلان الناصر بقلوب ملؤها الإيمان والتضحية وإنكار الذات والعمل لخير الإنسانية وتهذيبها ونصرة المبدأ النافع والعقيدة الصالحة تقدم على الموت الزؤام وفناء الأجسام بل على التمثيل بها أشنع المثلات وعلى هتك الحرمات عالمة بأن ذلك كائن لا محالة ولكن قليل في جنب نصرة الحق حتى لم يكن لهم غيره غاية وراضوا أنفسهم على محاربة الطغيان فلم يبق له عليهم سلطان لا يبالون بالقوة القاهرة الظالمة مهما عظمت لأن إيمانهم أعظم وأثبت من كل قوة في نفوسهم وتضحياتهم أرسخ من كل خلق تمكن منهم.

وفئة أخرى تقاتل في سبيل الدنيا وباطل نعيمها ليبلغوا مدى أحقادهم ويعتزوا أياماً تمر كأنها أحلام في سلطانهم لم يؤثر فيهم تهذيب الهدى الإسلامي أثره لأنه لم يتجاوز حناجرهم ولم يدخل حنايا قلوبهم وقد كان لهم في الجاهلية الجهلاء شيء من السلطان على بلد مجدب وعشائر جمعوها حولهم بحكم العصبية الجاهلية القبلية التي نهى عنها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي التي فرقت شمل العرب وأخمدت ذكرهم بين الأمم – كان لهم ذلك- فإذا هم بعد هذا في سلطان واسع ونعمة كانوا فيها فاكهين وقديماً احرزوا بعض السلطة بالتفريق والعصبية فما بالهم لا يرجعون الى طريقتهم الأولى ( فرق تسد) وهم إنما دخلوا في الإسلام كرهاً بعد أن علا أمره وغلبت كلمته فليس لهم سابقة ولا قدم صالح فيه فكيف يثبت لهم الأمر..؟!

ما برحت نفوسهم تلك البغضاء لولا الحق فكانوا يريدون هدم الهاشميين بإعزاز هذا الدين ليضعفوا أثره في النفوس فيستأثروا بالسلطان.

ينهض أبو سفيان بن حرب يوم بويع أبو بكر يحرض ويحرش ويفرق فلم يسمع له صوت والدين لا يزال غض الأهاب.

ويقوم شاعرهم ليلقي الفتنة بين المهاجرين والأنصار يومئذ وفي تآلفهم كان عز المسلمين ونصرتهم فيخفت صوته بقوة إيمان الهداة المصلحين.

ولا يلبث أبو سفيان يوم بويع عثمان أن يقول تلقفوها يا بني أمية فوالذي بيده نفس أبو سفيان لاجنة ولا نار.

ويعمل مروان بن الحكم طريد رسول الله وهو مدير أمور الخلافة في زمن عثمان في جلب الفتنة والشر بين المسلمين.

ويقوم بعد ذلك معاوية بإنتهاج هذا السبيل بدهاء وخداع بلغ بهما الغاية حتى إذا ولي يزيد فنفذ حكم اسرته وجاهر بأمجاده وهو يقول.


لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل 

انصرفت وجوه الناس يومئذ عن الاستمساك بعروة الدين الى العصبيات فهاجت العصبية بين اليمن ومضر ولكل حزب يفخر بقومه ويهجو الآخرين.

وقام الأمويون وشاع في دولتهم احتقار كل من دخل الإسلام من الأعاجم ليبعدوهم عن هذا الدين فكان من ذلك نشأة الشعوبية في الإسلام وكانت أول هادم لسلطان العرب هذه هي الفئة الثانية التي وقفت في كربلاء مقابلة للفئة الأولى.

قامت هذه الفئة لحرب كربلا وقد.
ملأوا الفضاء على ابن فاطمة **** جنداً وملء قلوبهم ذحل

قامت بألوف مؤلفة وجيوش محتشدة وبعوث متتابعة وعدة وعديد في قبالة مائة مجاهد ليس لهم سلاح أقوى من الإيمان يصرعون بطلاً بعد بطل تفيض وجوههم سروراً بالموت مما عرفوا من الحق لا يعتريهم هلع ولا جزع بعد أن باعوا نفوسهم لله وللحق يوفون ببيعتهم ويستبشرون بصفقتهم الرابحة.

حصروهم في رقعة من الأرض بغير وزر ومنعوهم المناعة لتضعف قوتهم وتنهك جسومهم بحر العطش ولكنهم لم يصرعوا حتى صرعوا أضعاف عددهم من القوم الظالمين وحتى طلب ابن سعد النجدة من ابن زياد.

ثم لم يشف اضغانهم أن أفنوهم عن آخرهم وقتلوا الأطفال حتى سبوا النساء الفاطميات مسلبات على الأقتاب العارية من العراق الى الشام.

فما كانت العاقبة…؟

إن الفئة ذات القوة والسلطان القاهر تمكنت من الغلبة لامن النصر والنصر آخر ما يفوز به المحارب.

كانت هذه المعركة وهذا العمل الفظيع من أقوى الأسباب التي ذهبت بسلطان بني أمية ولو بعد حين.

ولم يلبثوا أولئك الذين اتبعوا ناعقهم وتبادروا لنصرتهم واشتروا الضلالة بالهدى والدنيا بالدين والعاجل بالآجل لما برق لهم الطمع فاستحفظوا اليه موجفين. أن تشتت شملهم ولعبت بهم سيوف التوابين ورجال المختار بن أبي عبيدة وقامت عليهم قيامة الأمة تلقنهم وتتبرأ منهم ولم يتمتع عمر بن سعد بملك الري الذي اغروه به ولا انتفع ابن زياد بملك العراق الذي حرص عليه وقتل مذموماً مدحوراً وهكذا شأن كل من ساعد وعاون على باطل القوم.

وكان أمر أولئك المجاهدين الصابرين أنصار الحسين أن علا شأنهم وكانت لهم الدرجات العلى في الآخرة والدنيا والذكر المقرون بالإعجاب والإكبار والإعظام بل أمثولة يحتذيها كل طالب للحياة الصالحة الحياة الدائمة وهي حياة الروح.

ألا ان قتلى الطف من آل هاشم **** تأسوا فسنوا للكرام التآسيا

وهكذا تكون سيرة كل شهيد في سبيل الحق {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}.


وإنما المرء حديث بعده **** فكن حديثاً حسناً لمن روى

مسلم بن عقيل صلوات الله وسلامه عليه الرجل المناسب في المكان المناسب

بقلم: الشيخ حسن الشمري

لقد أولى الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام هذه الخطة اهتماماً بالغاً، ثم إنه اعتمدها في كلّ تفاصيل الثورة، لقد وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

مصداق ذلك مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليهم السلام الرجل الكبير والعظيم، وقد حمّله الإمام عليه السلام مسؤولية إدارة الصراع في الكوفة، فنهض بها، وفاق التوقعات في انجازاته وأدائه، لأنّ مسلم بن عقيل امتاز بصفات عالية أهلته بجدارة لإدارة الصراع، ثم توجيه المعركة لصالح الثورة الحسينية، بالرغم من شدّة الضغوط وقساوة الصراع، فاستطاع أن يخرج بنتائج باهرة ظلّت لهذه الساعة تشغل أذهان العلماء والمفكرين وأصحاب النظريات.

مسلم بن عقيل


تقول الروايات أنه ولد في حياة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقال فيه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله الإمام علي عليه السلام عن حبه لعقيل، قائلاً: ((يا رسول الله إنك لتحب عقيلاً؟)).

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إي والله! إني لأحبه حبين، حباً له، وحباً لحبِّ أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون)).

ثم بكى الحبيب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: ((إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي))[1].

يقول (البلاذري): ((وكان مسلم بن عقيل من أرجل ولد عقيل وأشجعهم))[2].

وقد اشترك في صفين، وكان أحد قادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أبلى بلاءً حسناً[3].

ولا غرو في ذلك، وهو قد تخرّج من مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

جاء في كتاب (مبعوث الحسين عليه السلام): ((الشجاعة الخارقة المشهودة لمسلم كسمة من أشهر سماته، لم تأتِ من التدريبات البدنية فحسب، وإنما جاءت أيضاً من تعاطيه العلم والعرفان في مدرسةٍ وفقت بنجاح بين دروسها السلاح، مدرسة أفلحت بمعلمين غير عاديين وحظيت بأساتذة غير ضعفاء ولا نظريين فمن هم هؤلاء الذين علّموه ودرّسوه؟! إنهم معلّمو الأمة وأساتذة الإنسانية الذين كان سيد الكائنات وأشرف البشرية قد خصّهم بعلمه وحكمته دون غيرهم من الناس، إنهم: أخو النبي وابن عمّه، وريحانتاه من الدنيا.

قد زاحم أقرانه والصحابة والتابعين في وقوفه عند باب مدينة العلم علي أمير المؤمنين عليه السلام، وريث خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، فتشرّب من عمه التقوى واليقين، وارتوى من نمير علوم عليّ العظيم، مستلهماً منه الصفات والمزايا الحيدرية.

إنه شاطر الهاشميين الهيبة والشمائل، وسائر السمات كالعلم والحلم والأناة والسؤدد والإباء والشمم، يلتهب حماساً ليمتلئ وعياً وعرفاناً، وعلماً جماً))[4].

ومسلم كان قائداً عسكرياً في صفين جعله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على فيلق من الجيش على الميمنة التي ضمّت كبار القادة، مثل: سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، وعبد الله بن جعفر زوج العقيلة زينب عليها السلام»[5].

وجاء في كتاب (مبعوث الإمام الحسين عليه السلام) أيضاً:

قال البياسي في (الأعلام) بسنده: ((كان مسلم بن عقيل مثل الأسد، وقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت))[6].

يقول الزركلي عنه: ((إنه كان من ذوي الرأي والعلم والشجاعة))[7].

وتزوج الشهيد مسلم بن عقيل من رقية بنت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت زوجته الفضلى التي أنجبت عبد الله بطل من أبطال كربلاء.

وتقول الروايات: إن مسلم صاهر الإمام عليه السلام ثانية عقب وفاة الأولى برقية الصغرى، وقيل بأم كلثوم.

كما اختلف المؤرخون حول أولاد مسلم، فقيل خمسة وبنت واحدة، وقيل أربعة وبنت واحدة، من رقية الأولى، أو أختها بعد وفاتها.

لكن المتفق عليه لدى سائر المحققين أنه لم يبق لمسلم عقب.

ولمسلم عشرة أو أحد عشر من إخوته الكرام، وقد استشهدوا في كربلاء الحسينعليه السلام، وهم يجودون بمهجهم من أجل القرآن والعقيدة))[8].

وقد أثبتت الوقائع في الكوفة أنّ مسلماً كان بطلاً شهماً، ورفيعاً في أخلاقه وعبادته، وقد سجل في تاريخ الإسلام صفحات بيضاء لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة الزمن.

إنّ التاريخ المشرق يشكّل أحد الروافد في استنهاض الأمة، وعندما تجد الأمة تاريخاً مشرقاً ومفعماً بالمواقف الكبيرة فإنّ بإمكانها أن تكتب المواقف بقوة وبروح عالية.

إنّ مسلم بن عقيل كان الرجل المناسب للكوفة لأنها تشكّل أحد الحواضر المهمة، فكانت عاصمة الدولة الإسلامية في زمن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أصبحت العاصمة الثقافية للدولة مما أكسبها موقعاً استراتيجياً، فكان لابدّ من رجل يحمل المؤهلات الكافية ليكسب الموقع الاستراتيجي، لذلك جاء مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) مبعوثاً إليها. وقد أختار الإمام الحسين عليه السلام مسلماً لعدّة اعتبارات:

الاعتبار الأول ــ مؤهلات مسلم بن عقيل


((فهو رجلٌ يحمل هموم تقرير المصير، قد توفّرت فيه الكفاءات كافة، وتجمّعت لديه معالم الجد والجدارات، ليكون خليقاً بنيابة سبط رسول السماء صلى الله عليه وآله وسلم، متكامل اللياقة في الولاية المطلقة لإدارة حركة الكوفة بقابلية نادرة، إذ كان هذا الرجل واعياً للواقع المرير، معاصراً للآلام التي اعتصرت الشعوب المسلمة، مواكباً لمسار الوقائع ومجريات الأحداث، ونكبات الأمة، محيطاً بالحكم القائم، والنحو السياسي الذي ينحوه، مشاطراً الإمام في أهم آراء علاج الأزمة، ملماً بمنهج الإمام الحسين عليه السلام في القضايا المهمّة، فهو عضد ابن عمه السبط، ونجيته في تبادل وجهات النظر المصيرية الحاسمة، يتداول معه مظالم المسلمين، ومشكلاتهم التي تنقد بهم للثأر لدين الله، باعتبارهم أمناء الرسالة، وأحوط الناس على الإسلام الحنيف))[9].

فهذه الميّزات أهّلت الشهيد مسلم ليكون سفيراً للإمام الحسين عليه السلام بحق، وممّا أكّد هذه المؤهلات رسالة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

جاء في (الطبري): إنّ الإمام الحسين عليه السلام عندما وجّه مسلماً (رضوان الله عليه) حمل أهل الكوفة الرسالة التالية: ((لقد أرسلت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي))[10].

إنّ هذه الرسالة لها دلالات مهمة فيما يخصّ الشهيد مسلم حيث عدّه الإمام أخاه، وهذه منزلة عظيمة لمسلم، ومن جانب تدلّ على دور مسلم الكبير ((وابن عمي وثقتي من أهل بيتي)).

وقد ارتقى مسلم الشهيد أعلى سلّم الكمال، وكان بحق الثقة، فهو لم يتلكأ لحظة في أداء واجبه، ولم يساوم السلطة في الكوفة حتى في السلام.

فكان في منتهى الاستقامة والأخلاق، إذ لم يجنح إلى أيّ شكل من أشكال الختل والمراوغة، آية ذلك عندما طلب منه الشريك بن الأعور اغتيال عبيد الله بن زياد، وهو في داره، فرفض مسلم، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((الإيمان قيّد الفتك، المؤمن لا يفتك)).

الاعتبار الثاني ــ في اختيار مسلم


فعلمه بالتركيبة السكانية المعقّدة في الكوفة، فالكوفة كانت خليطاً من القوميات، فقد سكنها الفرس، والنبط، واليهود، والسريان، والعرب، والأتراك، والأكراد، والروم الذين كانوا يشكّلون النسبة العددية الثّانية بعد الفرس[11].

وأصحاب الديانات:

1 ــ اليهود: لاسيما يهود المدينة والحجاز فهم استوطنوا الكوفة وشكّلوا شريحة صناعية مهمة.

2 ــ النصارى: يقسمون إلى طائفتين: النساطرة واليعاقبة، ونصارى نجران الذين سكنوا في محلة سميت باسمهم ((محلة النجرانية))، والنصارى كانت لهم علاقات مهمة مع البلاط الأموي، لاسيما الحلفاء منهم، كما جاء في (عيون الأخبار) لابن قتيبة[12].

3 ــ المجوس: وبعض الديانات القادمة مع أسرى الحروب كالزرادشتية، والمانوية، والمزدكية التي كانت يعتقد بها البعض، أو يعتنقها، ولها أنصارها[13].

4 ــ الفرس: فقد استوطنوا الكوفة وتحالفوا مع قبيلة بني تميم، وأكثرهم من بقايا فلول الجيش الساساني، وقد عرفت في التاريخ باسم ((حمراء ديلم)).

5 ــ الأنباط: وكانت الأنباط من العناصر التي سكنت الكوفة، وهم فئة من العرب يستخدمون اللغة الدارمية في كتاباتهم، وكانوا يستوطنون بلاد العرب الصخرية، وقد انتقلوا منها إلى العراق، واشتغلوا بالزراعة، وكانوا ينطقون بلغتهم الدارمية[14].

وأما القبائل العربية:

فقد تسابقت القبائل اليمنية إلى سكنى الكوفة منها:

1 ــ قضاعة.

2 ــ غسان.

3 ــ بجيلة.

4 ــ خثعم.

5 ــ كندة.

6 ــ حضر موت.

7 ــ الأزد.

8 ــ مذحج.

9 ــ حمير.

10 ــ همدان.

11 ــ النخع.

وهذه القبائل نزلت في الجانب الشرقي من مسجد الكوفة.

وأما القبائل العدنانية، فهي:

1 ــ تميم.

2 ــ بنو العصر.

وقبائل بني بكر:

1 ــ بنو أسد.

2 ــ غطفان.

3 ــ محارب.

4 ــ نمير.

وكان في الكوفة الخوارج، فقد سكنوها وجعلوها قاعدة انطلاق لعملياتهم العسكرية ضد الحكومات.

والنواصب، فقد تكاثروا في الكوفة بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

والأمويون، فإنهم شكّلوا جزءاً مهماً من المجتمع الكوفي، وقد ساهم معاوية كثيراً في سكناهم، وحاول أن يحدث توازناً سكانياً بينهم وبين شيعة الإمام أمير المؤمنينعليه السلام.
إنّ هذا الخليط السكّاني جعل الكوفة صعبة المراس، وعصيةً دائماً، وبالتالي لا ترسو على قرار، من هنا فإنّنا لا نقبل ما تفوّه به القاضي ابن العربي في (العواصم من القواصم) بأنّ أوباش الكوفة غرّوا الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام فخرج استجابة لهم، فهذا الكلام غير واقعي ويجانب الصواب، لأنّ الكوفة كما هو ثابت خليط غير متجانس من القوميات، ولا تشكّل الشيعة إلا نسبةً قليلةً بعد التسفير القهري الذي قام به عبيد الله بن زياد.

فعليه فإنّ سفير الإمام الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل كان ملماً بالتركيبة السكانية لأهل الكوفة، وهي إحدى الاعتبارات في اختياره.

الاعتبار الثالث ــ وجود المذاهب والديانات


فكانت الكثير من المذاهب والديانات تسكن الكوفة، فالخوارج كما ذكرنا استوطنت الكوفة والنواصب والعثمانية ومن الديانات الأخرى.

الاعتبار الرابع ــ إنّها العاصمة الثانية بعد الشام


كلّ هذه الاعتبارات وغيرها جعلت الشهيدَ مسلماً مرشحاً لسفارة النهضة الحسينية.

وكما هو ثابت في الدبلوماسية الدولية أنّ السفير يمثّل الدولة فلابدّ أن يملك المؤهّلات الكافية لتسيير دفّة الحركة الدبلوماسية، وقد مثّل الشهيد مسلم السفارة خير تمثيل ممّا جعله يدخل سجلّ السفراء الخالدين.

فهو دخل الكوفة وكانت تموج بالفتن والاضطرابات، فاستطاع بفترة قياسية تطويق الفتن، ومحاصرة الاضطرابات، مما خلق جواً إيجابياً ساهم في تدعيم حركة السفير مسلم الإصلاحية، فالتحق به الكثير.

جاء في (تاريخ الطبري): ((أما بعد: فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام))[15].

إنّ هذا العدد يدلّ على سرعة استجابة الناس لحركة الشهيد مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه)، فاستطاع أن يوسع حركته بحيث شملت الكثير من القبائل العربية وغير العربية، فرجحت كفّة الشهيد مسلم بن عقيل ممّا اضطر أعوان السلطة إلى مراسلة يزيد بن معاوية يحذّرونه من التحولات الخطيرة.

فبادر عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي بالكتابة إلى يزيد: ((أما بعد: فإنّ مسلم بن عقيل، قد قدِم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف، أو هو يتضعّف))[16].

وقد توالت الرسائل على يزيد بن معاوية من أعوان السلطة، أمثال عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمر بن سعد، وغيرهما، مما حفّز يزيد بن معاوية إلى استنفار قواته ومستشاريه، ومنهم ((سرجون المسيحي المتهتك))، فأشار عليه بتوليه عبيد الله بن زياد، فقبل استشارته.

2 ــ استطاع مسلم بن عقيل المبعوث الحسيني أن يوحّد القبائل العربية، ويجعلها تنتظم في سلك العقيدة الإسلامية بعد أن شهدت القبائل حوادث مرّة كادت أن تعصف بقيمها الإسلامية، ومثلها العربية، فجمع مذحج، وهمدان، وتميم، وكندة، في ثورته الإصلاحية.
تقول الروايات:

قام مسلم بتنظيم جيشه، وأسند القيادات في الجيش إلى من عرفوا بالولاء والإخلاص لأهل البيت عليهم السلام، وهم:

أ ــ عبد الله بن عزيز الكندي: جعله على ربع كندة.

ب ــ مسلم بن عوسجة: جعله على ربع مذحج.

ج ــ أبو ثمامة الصّائدي: جعله على ربع قبائل بني تميم، وهمدان.

د ــ العباس بن جعدة الجدلي: جعله على ربع المدينة[17].

لقد جعل الشهيد مسلم هذه القبائل تتوحد وتتآلف، وتنبذ جميع الاختلافات، وهذه الخطوة إنما تدلّ على حنكة الشهيد مسلم وبعد نظره، فإنّ القائد الناجح هو الذي يوحد، ويعمق العلاقات بين الطوائف، ويجعلها في خندق واحد.

وتعدّ هذه الخطوة من أهمّ الخطوات في تقدّم القادة، وسرّ نجاحهم، لذلك فإنّ العدو يحسب لهذه الخطوة ألف حساب، فيصنع المستحيل كي لا تجتمع الفئات وتتوحد.

وهكذا أسرع يزيد بن معاوية بعد أن تناهت إلى سمعه أخبار توحد المجتمع الكوفي في ظلّ مبعوث الإمام الحسين عليه السلام، فأرسل مضطراً عبيد الله بن زياد ليجهز على الوحدة التي ظهرت بقوة.

3 ــ إنّ طاعة مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) لإمامه الحسين عليه السلام، وفي ظروف غاية في التعقيد يدلّ على عمق إيمانه، ونفاذ بصيرته، بالنهضة الحسينية، وهذا مما ساهم كثيراً في قوة تحديه للطغمة الحاكمة.

إنّ تحدّي مسلم شكّل مَعْلماً من معالم الثورة الحسينية، ومفصلاً مهماً من مفاصلها، ممّا أثار الدهشة حتى عدّوه أحد أبرز قادة الإمام أبي عبد الله الحسينعليه السلام.

جاء في كتاب (مبعوث الإمام الحسين عليه السلام):

يقول الزركلي عنه: إنه كان من ذوي الرأي، والعلم، والشجاعة.

بينما قال أحد معاصري مسلم شعراً ينص على مدى مجد قوته:

فتى كان أحيى من فتاة حييةٍ*** وأقطع من ذي شفرتين صقيلِِ
وأشجعُ من ليثٍ بخفان مصحرٍ*** وأجرأ من ضارٍ بغابةِ غيلِ[18]

والعجيب في الأمر:

إنّ الناس عندما انفضّوا من حوله ازداد شجاعة واستقامة، فبلغ أعلى درجاتها.

لهذا نقول: إنّ فرداً واحداً إذا تجسّد فيه خلق الإسلام، ومثله العليا يغني عن الآلاف، بل عن الملايين، فيصبح أمة كاملة، كإبراهيم النبي عليه السلام الذي قال فيه الله عز وجل: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ))[19].

وهكذا هو مسلم بن عقيل أصبح أمة كاملة بعد أن جسد كل معاني الإسلام ومثله العليا. لقد ترك صوراً عن خلق الإسلام لا تنمحي أبداً من ذاكرة الإنسانية، فقد أطاع الإمام عليه السلام، وهو يعلم أن طاعته زلفى لله عز وجل.

ومن جانب فأنّ مسلماً استوعب تماماً مقام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وهذه خصلة تحتاج إلى عقل كبير، وإيمان عميق، وقد توفرت في مسلم طاعة الإمام الحسينعليه السلام وأثرت تماماً على أخلاقه، بحيث جعلته يدور حول شخص الإمام عليه السلام في كل صغيرة وكبيرة.

وبذلك حقق نجاحاً كبيراً في مجال الأخلاق والمثل، وهل الانتصار إلا تحقيق المثل؟ لعل الكثير لا ينسى شهامته وهو في بيت هاني بن عروة، وقد أبى أن يقتل عبيد الله بن زياد قائلاً: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((المؤمن لا يفتك، إن الإيمان قيّد الفتك)).

وكذلك وقوفه إلى آخر لحظة يتحدى الطغيان، فعندما انهزم الناس وتركوه لوحده مع ثلة من أصحابه لم يترك الكوفة وكان بإمكانه ذلك، ولكنه أبى أن يتراجع، بل تقدم بخطوات كبيرة تعد بحق من أروع ما سجله التاريخ في حياة مسلم، وهكذا ظل يتحدى الطغاة ويقاتل بقوة لا مثيل لها إلا عند أهل البيت عليهم السلام، وهذا الموقف ردٌ قاطع لمن تقوَّل على مسلم ووصفه بالجبان في رسالة منسوبةٍ إلى الإمام أبي عبد الله الحسينعليه السلام.

4 ــ استقامة مسلم بن عقيل: ثم إن مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) جعل الهدف السامي أمامه في كل خطوة، فكان دقيقاً في خطواته وحساباته، وإدارته للصراع.

فكان يسعى إلى خلق أجواء إيمانية عبر تركيزه على الصلاة جماعة في المسجد في أخذ البيعة، فأخذ الناس يرتادون المسجد ويسلموا أمرهم لقائدهم مسلم بن عقيل.

فسيطرة أجواء عبقة على الكوفة مما جعل الكثير يسترجع الصور المشرقة لمثل الإمام عليه السلام أمير المؤمنين في الكوفة، فتهيأت النفوس للدفاع عن نهضة الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام.

إن من الضروري تهيأة الأجواء الإيمانية لأي نهضة، فما لم تتهيأ الأجواء لا يمكن للنهضة أن تتقدم وتستقيم، إن الدافع الروحي من أقوى الدوافع لدى الإنسان، فهو الذي يمد الإنسان بالقوة والصبر والشجاعة في ساعة العسرة، ولا يقهر العدو إلا الإستقامة والصبر.

وشاهدت بنفسي كيف أن الإستقامة ترغم العدو على التراجع، وتعلمت الكثير من السجن، منها أهمية القوة الروحية، فإنها كانت تعطينا عزماً عالياً، وثباتاً قوياً، جعلنا نقف بقوة أمام الطغيان ونستصغر شأنه.

وكلما تقدم الإنسان نحو الاستقامة أزداد عزماً ومضياً.

قال تعالى: ((إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى))[20].

وقال تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ))[21].

ومن الحقائق الثابتة أن الاستقامة على المبدأ حتى لو كان سقيماً ترفعه في أعين الناس، ويكتسب الاحترام والتقدير، أما إذا استقام الإنسان على المبدأ الصحيح فهو يرتفع في عين الله عز وجل، ثم يكتسب المصداقية التي هي أمثل طريقة في زرع الثقة بالمبدأ.

لهذا فإن مسلماً (رضوان الله عليه) عندما استقام على الطريقة وضرب بها أروع الأمثلة، ارتفع في عين الله عز وجل واكتسب المصداقية اللازمة لثورة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فحفر نهراً من المعرفة في الكوفة ظل يرفد الثورة لحد الآن.

ومن الصور الفذة في الاستقامة إن الجيش السفياني الذي حاصر بيت طوعة لم يتمكن من القبض عليه، فاضطره للخروج من البيت، ثم هجم عليهم مسلم فقتل الكثير منهم، حتى ضج الخبيث ابن الخبيث محمد بن الأشعث بن قيس، وطلب المزيد من الأراذل مما أثار حنق ابن زياد، فقال: ويحك يا محمد إنما تقاتل رجلاً وليس جيشاً!.

فرد عليه محمد: أتحسب أنك أرسلتني إلى بقال من بقالين الكوفة؟ أو جرمق من جرامقتها؟! إنه مسلم بن عقيل فارس بني هاشم.

فأرسل المدد ولكن لم يستطع القضاء على الشهيد مسلم، فأثخن فيهم الجراح وكان يأخذ الواحد منهم ويرميه فوق السطح، فأثار الرعب، عندها عرض عليه محمد بن الأشعث الأمان، وأقسم أنه يفي به.

وتقول الروايات: أن مسلماً لم يصدق، ولكن محمد حلف بالأيمان المغلظة أنه آمنٌ.

ولكن رواية أبي مخنف تقول: إنهم عملوا له حفيرةً وستروها بالتراب، ثم انكشفوا بين يديه، فلما انتهى إليها سقط فيها مسلم (رضوان الله عليه) فازدحموا عليه وأسروه.

مع ابن زياد


دخل الشهيد مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) على ابن زياد فلم يحفل بابن زياد، فسلم على الناس ولم يسلم على ابن زياد، فصاح به أحد الحراس: هلا سلمت على الأمير؟.

فصاح به مسلم محتقراً له ولأميره:

أسكت لا أم لك، ما لك والكلام؟ والله ليس لي بأمير فأسلم عليه.

وفي رواية: أن أميري الحسين بن علي عليه السلام.

فغضب ابن زياد وصاح: لا عليك، سَلَّمتَ أم لم تسلم فأنت مقتول.

واندفع الطاغية يصيح بمسلم: يا شاق، يا عاق، خرجت على إمام زمانك، وشققت عصا المسلمين، وألحقت الفتنة.

فانبرى مسلم العظيم قائلاً: والله ما كان معاوية خليفة بإجماع الأمة، بل تغلب على وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحيلة، وأخذ منه الخلافة بالغصب، وكذلك ابنه يزيد وأما الفتنة فإنما ألقحتها أنت وأبوك زياد من بني علاج.

وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يد شر بريته، فوالله ما خالفت ولا كفرت ولا بدلت، وإنما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن علي، ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد.

فصاح ابن مرجانة: بماذا أتيت إلى هذا البلد؟.

شتت أمرهم، وفرقت كلمتهم، ورميت بعضهم ببعض؟.

فرد عليه فخر هاشم بكل اعتزاز وشموخ: لست لذلك أتيت هذا البلد، ولكنكم أظهرتم المنكر، ودفنتم المعروف، وتأمرتم على الناس من غير رضى، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة، وكنا أهلاً لذلك، فإنه لم تزل الخلافة لنا منذ قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا تزال الخلافة لنا فإنا قهرنا عليها، إنكم أول من خرج على إمام هدى، وشق عصا المسلمين، وأخذ هذا الأمر غصباً،ونازع أهله بالظلم والعدوان[22].

يقول كونفوشيوس: ((إذا أردت أن تعرف رجلاً فأعطه عملاً)).

ويقول حكيم آخر: ((إذا أردت أن تعرف قدر الرجال، وعمق إيمانهم بالمبادئ التي يحملونها، فاعرفهم عند المواقف العصيبة التي يمرون بها)).

وقد ثبت أن فخر هاشم مسلم بن عقيل كان رجلاً تربع قمة الفضائل من خلال أعماله الجليلة، ومواقفه السامية، بالذات موقفه مع عبيد الله بن زياد الذي أركسه وصغّره بحيث لم يستطع أن يجابه مسلم فما كان منه إلا أن أمر بضرب عنق الشهيد مسلم.

فندب لقتله بكيراً بن حمران الذي ضربه مسلم، فقال له:

خذ مسلماً، واصعد به إلى أعلى القصر وأضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك.

واستقبل الشهيد مسلم الموت بكل شموخ وكبرياء، فصعدوا به إلى أعلى القصر، وهو يسبح الله ويستغفره.

وفي رواية: اتجه إلى الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام قائلاً: السلام عليك أبا عبدالله، وعلى أصحابك، المنتجبين وأهلك الطيبين.

ثم قال: ((اللهم أحكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا)).

ثم أشرف به الجلاد على موضع الحذائيين.

فضرب عنقه، ورمى برأسه وجسده إلى الأرض.

فالسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا، ويخاصم الجبارين الذين ظلموا محمداً وآل محمد.

ولنا وقفة قصيرة حول الأحداث في الكوفة:

1 ــ لقد شارك وعاظ السلاطين، وعلى رأسهم شريح القاضي في تخذيل الناس، وتثبيط هممهم في الوقوف إلى جنب مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه).

2 ـ إن سرقة المناصب العشائرية كان لها الدور الفعال في تمزيق ((الوحدة العشائرية))، وتهميش دورها، وخذلانها لمسلم بن عقيل.

فقد سرق شمر بن ذي الجوشن المنصب العشائري، وأيضاً شبث بن ربعي والحجار بن أبجر وعمر بن سعد فساهموا في تفتيت الوحدة العشائرية التي أعاد لحمتها الشهيد مسلم بن عقيل كما أسلفنا.

3 ــ التحالف الرومي الأموي كان له الأثر البالغ في ترجيح كفة الدولة الأموية في الكوفة، فسرجون المستشار السياسي لمعاوية ويزيد كان منسقاً بين الدولة الأموية والرومية فيما يخص الحركات التي تستهدف ضرب الدولة السفيانية.

4 ــ الاختراق الذي خبر به  عبيد الله بن زياد فقد اخترق النهضة في الكوفة واستطاع معقل أن يصل إلى القيادة ويقتنص أخباراً غاية في الأهمية، مما سهل مهمة ابن زياد في القبض على هاني بن عروة، ومعرفة الكثير من أصحاب مسلم.

وقد أسلفت في فصل ((درء الاختراق)) أن أسلوب الاختراق يعد الآن من الأساليب المهمة للعدو.

5 ــ الدعاية المضللة فقد أتقنها ابن زياد واستطاع أن يضلل الكثير عبرها حتى تمكن من سلخ الكثير، وتثبيط الهمم المتأججة في النفوس، وقد أوعز عبيد الله إلى جلاوزته أن يبثوا إشاعة هجوم جيش الشام على الكوفة، ومما يحز في النفس أن الكثير صدقوا الإشاعة، وكان ينبغي معرفة مصدرها والناقل لها.

6 ــ رشوة الرؤوس: فقد رشا عبيد الله بن زياد بعض رؤساء العشائر، فانفضت عن مسلم بن عقيل، ثم اصطفت مع حكومة السفيانيين، ولكن ــ وهذه سنة الله الثابتة ــ فإن الحكم السفياني أذاقها الويل، فقبيلة مذحج التي سرق منصبها عمرو بن الحجاج الزبيدي لم تر العز بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام يوماً واحداً فظلت تعاني من الذل والهوان.

ومن القوانين الثابتة: إن من يصطف مع الباطل لا يرى العز، ويكون أمره سفالاً ولا يذوق طعم الراحة، ولا تمر الأيام إلا ويكون هو الضحية لأن الباطل ليس له صديق، وإنما يرافق الإنسان لفترة حتى إذا حقق مصلحته ينقلب على رفيقه فيمزقه شر ممزق.

7 ــ إن الخليط غير المتجانس جعل المجتمع الكوفي لا يرسو على قرار مشترك.

يقول علماء النفس الاجتماعي: إن المجتمع الخليط من عدة قوميات إذا لم تجمعهم مشتركات دينية وثقافية تتقوقع كل طائفة حول نفسها، وتحاول أن تقوي كيانها.

وهذا ما حصل في مجتمع الكوفة فإن بعض الشرائح التي سكنت الكوفة، مثل الفرس، والرومان، وغيرهم شكلوا لأنفسهم كيانات، وقد سرت موجة التشكيل إلى باقي الشرائح، مما أضعف قدرتها على اتخاذ قرار مشترك.

لذلك فإن بعض الفئات لم تشترك في نهضة الشهيد مسلم بن عقيل، بل وبعضها تعاون مع السلطة وشكل حلفاً معها، لذلك لا يمكن أن نلقي اللوم على مجتمع الكوفة في خذلان الإمام الحسين عليه السلام إلا إذا حشرنا جميع الشرائح.

8 ــ لقد ظلت الكوفة بعد استشهاد مسلم بن عقيل تلعق الضيم والصغار، فمن سنن الله عز وجل الثابتة أن الكبير إذا أُهين أو سقط ولم تنهض الأمة بأخذ حقه فإن الله عز وجل يسلط عليها من لا يرحمها، ولا يقيم لها وزناً، حتى تفهم معنى الاعتبار وتقييم الرجال ولا تفرط بهم.

جاء في الحديث القدسي: ((من عصاني وعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)).

9 ــ ومن سنن الله عز وجل أنّ من يخذل الحق تباعاً يرميه الله عز وجل بذلٍ في نفسه بحيث لا يستطيع نصرةَ نفسه، فيظل تبعاً لكل من هب ودب، وقد جرت هذه السنة على أهل المدينة ومكة وباقي المدن.

المكان المناسب


ومن الخطط الإستراتيجية التي اعتمدها الإمام الحسين عليه السلام اختيار الأرض والزمان. وتعدُ هذه الخطة من الخطط الإستراتيجية التي تلعب دوراً مهماً في النتائج.

لقد اختار الإمام الحسين عليه السلام كربلاء الأرض المقدسة التي باركها جميع الأنبياء والأوصياء. وهناك روايات مؤكدة تثبت أن الكثير من الأنبياء وطؤوا أرض كربلاء وذكروا الإمامَ الحسين عليه السلام. وأرض العراق فيها من الأسرار لا تُعدُّ، بالذات كربلاء فما من حدث يقع فيها إلا ويكبر، ويترك صدىً واسعاً في أرجاء الدنيا.

2 ــ إن اختيار الإمام عليه السلام لكربلاء يقع ضمن المخطط المهدوي.

فإن شهادة الإمام عليه السلام في كربلاء لها أثر كبير في إلهام النفوس وتأجيج الحس الثوري لكي تتهيأ النفوس لاستقبال الدولة الإسلامية بقيادة الإمام المهديعليه السلام.

وإذا علمنا أن الدولة الإسلامية بقيادة الإمام المهدي عليه السلام عالمية فإنها تحتاج إلى قلوب كزبر الحديد، ورجال أشد من الجبال.

فإذن لابد من حدث مهم يظل دائماً يلهم ويفجر، وهذا يتمثل في نهضة الإمام الحسين عليه السلام. فإن ثورة الإمام الحسين عليه السلام تكتنز من قوة التفجير ما لا يضاهيها أي حدث أو واقعة، فلا زالت تلهم وتفجر كأقوى مما كانت عليه، وهذا سر كبير من أسرار كربلاء، فكل حدث يصغر على مرور الأيام وتقادم الزمن إلا كربلاء الحسين عليه السلام فهي تكبر وتسمو.

ثم هناك مواقع إستراتيجية توفرت في كربلاء مثل الماء والتلال، فهي تعدّ مهمة، ولكن الأهم موطن الأنبياء. أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا السفر المتواضع ذخراً لي ولوالدي، وكل من ساعدني على انجازه في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــ
[1] الأمالي: الصدوق، ص114.
[2] أنساب الأشراف: البلاذري، ج2/ص77.
[3] المناقب: ابن شهر آشوب، ج3/ص168.
[4] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص49، ط مؤسسة النشر الإسلامي.
[5] المناقب: ابن شهر آشوب، أولاد عقيل بن أبي طالب.
[6] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص52.
[7] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص52، نقلاً عن: الأعلام: للزركلي، ج7.
[8] نفس المصدر: ص55.
[9] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص82.
[10] تاريخ الطبري: الطبري، ج4/ص262.
[11] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص61.
[12] الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، ج1/ص43.
[13] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص58.
[14] الحضارة الإسلامية: آدم متز، ص97.
[15] تاريخ الطبري: الطبري، ج4/ص281.
[16] تاريخ الطبري: الطبري، ج4/ص265.
[17] موسوعة الإمام الحسين عليه السلام: العلامة الشيخ القرشي، ج2/ص381.
[18] مبعوث الحسين: محمد علي عابدين، ص52.
[19] النحل: ١٢٠.
[20] الكهف: ١٣.
[21] محمد: ١٧.
[22] الفتوح: ابن أعثم، ج5/ص101.