شبهة ورد حول وصية معاوية بن أبي سفيان إلى ولده يزيد

بقلم: الشيخ حسن الشمري

«: يا بني: إنّي قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كلّ يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيّرت أخلاقهم، وإنّي لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما ابن عمر فإنّه رجل قد وقذته العبادة، فإذا لم يبق واحد غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فهو رجل (خفيف) ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً، وقرابة من محمد، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إرباً إرباً، واحقن دماء قومك ما استطعت»[1].

أولاً


هذه الرسالة يبدو عليها آثار الوضع، وهي كذلك ففيها ما يبيّض وجه معاوية بن أبي سفيان الأسود، حيث تنعته بالرحمة والرأفة، وصلة الرحم بالإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وهو بالأمس قتل سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن بن علي عليه السلام، وتآمر على قتل أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قتل من أهل البيت عليهم السلام الكثير، ومن الصحابة ما لا يحصى.

ثانياً


وكيف يرقّ معاوية ويرحم وقد ولّى يزيد العهر والجريمة والمجون، ومعاوية يعلم بنوايا يزيد وسلوكه المتهتّك، وهو القائل: «لولا هواي في يزيد لأبصرت فيه رشدي»[2].

فإذن كيف يترقّب من ولده العاهر الرحم الماسّة، والحق العظيم لأبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ويحزّ في نفسي أنّ بعض خطباء المنبر الحسيني يورد هذه الوصية، وهذا خطأ فاحش، فمعاوية تواطأ مع يزيد في القضاء على المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام حتى لو لم يخرج على يزيد، وسوف نثبت ذلك.

ثالثاً


إنّ في الوصية مغالطات، فمعاوية ينبّه يزيد من عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد نصّ المؤرّخون أنه توفي في حياة معاوية[3].

رابعاً


لم يكن معاوية يرقب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاً ولا ذمّة ولو راعى ذلك لوفَّى بعهده، وطبّق الشروط التي تحفظ ذمة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ولده الإمام الحسن عليه السلام فقد اشترط مع الإمام الحسن عليه السلام إرجاع الخلافة إلى أصحابها الحقيقيين، وهم أهل البيت عليهم السلام، لأنّ من الشروط إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام[4].

خامساً


 وكيف ترقب من إنسان إلاً وذمة، وهو قد قتل الآلاف من الأبرياء في سبيل الحكم، وكان مستعداً لقتل الملايين، إنه معاوية بن أبي سفيان الذي بلغ حبّ السلطة عنده ما لم يبلغ عند أحد من حكام الجور، فمن الطبيعي أن يرى ولده يزيد وهو متسلّط على رقاب الأمة يسومهما الخسف، ويلبسها الذلّة والصغار.

سادساً


لو كان معاوية يوصي بالإمام الحسين عليه السلام خيراً لما أقدم يزيد على أخذ البيعة من الإمام عليه السلام حتى لو كلفته حياته، وهذا ما أفصح عنه «: مروان بن الحكم»[5].

سابعاً


ثم أين الرأفة والرحم؟ ومعاوية يلهج، وعلى رؤوس الأشهاد: «: وهذا ابن أبي كبشة يصاح به في اليوم خمس مرات، لا والله إلا دفناً، لا والله إلا دفناً دفناً»[6].

فهذه الرسالة لا تصحّ، ولا يمكن نسبتها إلى معاوية بن أبي سفيان، وأرجو من الكتّاب والخطباء ملاحظة ذلك.

ـــــــــــــــــ
[1] الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج4/ص6. البداية والنهاية: ابن كثير، ج8/ص123. تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون، ج3/ص18.
[2] الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي، ج3/ص50. حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص197.
[3] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص238.
[4] صلح الإمام الحسن عليه السلام: الشيخ آل ياسين.
[5] الطبري: أحداث البيعة.
[6] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج33/ص170. النصائح الكافية لمن يتولى معاوية: محمد بن عقيل، ص124.

تحرير الإنسان من أهم أولويات النهضة الحسينية

بقلم: الشيخ حسن الشمري

من الأسباب الرئيسة لقيام الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام يكمن في تحرير الإنسان. وكما هو ثابت في علم الاجتماع فإن الإنسان يشكّل وحدة أساسية في بنية المجتمع، فأيّ ضعف يتسرب إليه يؤثر سلباً في الآخرين، ويتضاعف الضعف إذا انعدمت في المجتمع عوامل النهوض، وفي مقدمتها «القيادات الحكيمة».

وقد سعى معاوية إلى اغتيال القيادات الحكيمة بخطط لئيمة، وحيث أفرغ المجتمع الإسلامي من قياداته المتألقة كالإمام أمير المؤمنين عليه السلام[1]، والإمام الحسن عليه السلام، ومالك الأشتر، وحجر بن عدي، وعمار بن ياسر، وخزيمة ذو الشهادتين، والكثير من الصحابة[2].

فبات المجتمع الإسلامي «قفراً» من القيادات وقد أحدثت فراغاً كبيراً على ضوء هذه الخطة الخبيثة استولى معاوية على سدّة الحكم، واستطاع أن يحكم البلد الإسلامي، ويا للمهزلة.

وبإزاحة القيادات العملاقة استطاع معاوية أن يكبل الإنسان المسلم بقيود مهينة، ثم يجهز على شخصيته كي يعيش ذليلاً لا يشعر بمعانيه الإنسانية.

يقول الكاتب الأستاذ القرشي:«ولم تملك الأمة في عهد معاوية ويزيد إرادتها واختيارها فقد كانت جثة هامدة لا وعي فيها ولا اختيار، قد كبِلت بقيود ثقيلة سدت في وجهها منافذ النور والوعي، وحيل بينها وبين إرادتها، لقد عمل الحكم الأموي على تخدير المسلمين وشلّ تفكيرهم، وكانت قلوبهم مع الإمام الحسين عليه السلام، إلا أنهم لا يتمكنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم فقد استولت عليها حكومة الأمويين بالقهر»[3].

وقد أصبح المسلم في عهد معاوية ويزيد جثة هامدة لا حراك فيها وهذا أخطر ما يتعرض له الإنسان، فعندما تتلاشى الإرادة لا يملك الإنسان بوصلة التوجيه فلا يهمّه في أيّ فج يكون، ويظلّ الإنسان ينحدر كلما اضمحلت إرادته فيفقد القدرة على المجابهة.

لقد نهض الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام ليضخّ الكرامة في عروق الأمة كي تستعيد إرادتها. فكان لابدّ من حدث كبير يهزّها من الأعماق، ويوقظ فيها الروح الإنسانية، وكما هو واضح في واقع النهضات أنّ الواقع العملي هو الذي يبعث الروح ويبث الحياة في القيم ويوقظ الإحساس عند المجتمع، وبقدر ما يتعمق الواقع في حياة الثوار تتجلى الآثار بقوة في حركة المجتمع.

إنّ الواقع العملي وحده يصنع العلاقة بين المجتمع والقيم بالذات إذا كان المجتمع يمرّ بانعطافة خطيرة، لذلك فإنّ الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام أكّده في حياته، فبرز بشكل واضح وبمعانٍ كبيرة.

وتجلّت القيم الإلهية في كربلاء بكل اشراقاتها حتى أضحت عنواناً عريضاً يعلو جبين الزمان، فالعمل الخالص يظل يرتفع عن كل أشكال النصب والعداء.

قال تعالى: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) [4].

نعم فإن العمل الصالح يظلّ يرتفع في كل حين حتى يصبح حقيقة وواقعاً حياً، وحجّة على المتقاعسين ومن يتوانى عن نصرة الحق.

إنّ ثورة كربلاء بقيمها الفذة وواقعها الحي لم تبق حجة لأحد كي يتقاعس ويضنُّ بنفسه وماله، أو يتعلل، فكربلاء أوصدت الباب أمام كل الأعذار، لذلك فإنّ ثورة كربلاء تبقى الحجة الكاملة في كل زمان ومكان حتى قيام الإمام الحجة (صلوات الله عليه) ليقيم بناءه الشامخ على صرحها كي تتكامل الحجج وتأخذ صورتها الحقيقية.

إنّ ساحة كربلاء أضحت في يوم عاشوراء موئلاً لكلّ القيم الحقّة، فهي كانت على موعد مع قيم البطولة والشهامة والرجولة والعفة والاستقامة.

حتى قال العقاد في كتابه (سيد الشهداء الحسين بن علي): «إنّ كل القيم الحقة كانت تتسابق في ساحة كربلاء، فالبطولة كانت في سباق مع الشهامة والرجولة مع الإيثار والجود مع العفة»[5].

وحتى يعمق الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام الواقع الحسيني فقد أعطى كل ما يملك من قيم وأخلاق وصفات عالية، فبلغت القمة، وستبقى قيم الإمام الحسين عليه السلام تتربع القمة وتعتلي عرش الفضائل، لأن كربلاء هي المحك لقيم الحق والباطل.

لقد أصبحت مخزناً عظيماً يضخّ العزم والقوة في عروق الأمة، بالذات في الأزمات، وهذا شيء فريدٌ.

وتظلّ نهضة الإمام الحسين عليه السلام تضخّ قيم البطولة.

لذلك نقول: إنّ كل من يريد العزّة والشموخ عليه أن يشدّ الرحال إلى كربلاء الإمام الحسينعليه السلام وينهل من نميرها الرقراق ونبعها الثر.

ونصيحتي لمن يشكو علة الضعف والإرادة ووهن الشخصية الذهاب إلى كربلاء الحسين عليه السلام.

وقد رأيت بأم عيني الحسينيين في مواقف البطولة أشد عزيمة، وأمضى جناناً، إنّ الحسينيين لم ولن يعرفوا معنىً للجبن والوهن.

وتعمّقت قناعتي عندما رأيت الملايين تتجه صوب كربلاء بكل عزم وصلابة، وقد سحقت جميع العقبات، هذا وقد أظهرت الجموع حقيقة مهمة تكمن في نفاذ البصيرة وعمق الإيمان، ألم يقلْ الإمام الصادق عليه السلام: «كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الإيمان،جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً»[6].

يقول الشيخ محمد الغزالي: «ليس قيمة الإنسان فيما يصل إليه من حقائق وما يهتدي إليه من أفكار سامية، ولكن في أن تكون الأفكار السامية هي نفسه، وهي عمله، وهي حياته الخارجية كما أنها حياته الداخلية، فالفكر بلا عمل مناقشات بيزنطية، أو بحوث جامعية، أو ألعاب بهلوانية، إنما قوة الفكرة وأحقّيتها بتحويلها إلى عمل ووضعها مع التجربة.

وإذا اعتقدها الإنسان، فمعناه أن يعمل بها، وإذا دعا إليها، فمعناه أنه جربها في نفسه وبنفسه فوجدها صالحة، وما عدا ذلك فشقشقة ألفاظ، وملء مجالس، وإظهار تظرف، ومباهاة بالقوة العقلية، أو القدرة الجدلية، ومقدمة بلا نتيجة.

إنّ عيب المبادئ السامية كـ«حقوق الإنسان»، و«عصبة الأمم»، و«ميثاق الأطلسي»، و«حماية الأقليات»، و«حقوق الأمم الصغيرة»، و«العدالة الاجتماعية»، ونحو ذلك، إنها أفكار لم ترتبط بالعمل ولم تعبر حقيقة نفس قائلها، وإن عبرت فلم تعبر عن نفس من يملكون تنفيذها، وستظل عديمة القيمة ما لم ترتبط بالعمل»[7].


ــــــــــــــــــــ
[1] سيرة الأئمة الاثني عشر: السيد هاشم معروف الحسني، ج1.
[2] الإصابة في تمييز الصحابة. النصائح الكافية.
[3] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص278.
[4] فاطر: ١٠.
[5] سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام: عباس محمود العقاد.
[6] شرح الأخبار: القاضي نعمان المغربي، ج3/ص184. عمدة الطالب: ابن عنبة، ص356. سر السلسلة العلوية: أبي نصر البخاري، ص89. مستدركات علم رجال الحديث: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ج4/ص350. أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين، ج7/ص430. مقتل الحسين: أبو مخنف الأزدي، ص173. الأنوار العلوية: الشيخ جعفر النقدي، ص441.
[7] ركائز الإيمان بين العقل والقلب: الشيخ محمد الغزالي، ص112، دار الاعتصام.

الإمام الحسين عليه السلام يقيم الحجة على الأمة قبل استشهاده

بقلم: الشيخ حسن الشمري


من الأسباب التي دعت الإمام عليه السلام إلى النهوض هي كثرة الرسائل التي انهالت عليه من مدن كثيرة وليس الكوفة حسب تطلب منه النصرة، وإقامة العدل الإلهي.

وما كان من الإمام إلا أن ينهض، ويستجيب لمطالب الأمة ويأخذ بحقها التي استلبه حكام الجور والطغيان، فقد سلب حكام الجور حقوق الأمة الطبيعية التي أقرّها الإسلام وثبتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشقّ الأنفس.

فقد سلب حكام الجور ((كرامة الأمة))، وهي من أهمّ الحقوق التي سعى إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحققها بكلّ معانيها الفذة.

وقد عرف الإنسان هذه الخصلة بعد أن غابت عن ذهنه مدة طويلة.

جاء في سيرته المثلى:

عندما دخل عليه عدي بن حاتم الطائي قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأجلس عدياً مكانه، ثم أعطاه وسادته ليتكأ عليها وجلس سيد الكائنات على بساط خفيف لا يحجبه عن الأرض كثيراً.

فتعجب عدي بن حاتم من هذا الخلق الرفيع، فترك أثراً عميقاً في نفسه، ثم بعدها أسلم (رضوان الله عليه).

إنّ هذه الأخلاق رسمت الكرامة بكل وضوح، وأعطتها معنى سامياً.

من هنا فإن الإنسان في ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سما كثيراً، وتألق في سماء الفضيلة.

وكما هو ثابت في علم النفس التربوي: إنّ الإنسان إذا تلقّى الاحترام والتقدير من كبار القوم بالذات من القادة فإنّه يسمو بنفسه، ولا يميل إلى ما يشين سمعته.

وهكذا سمت شخصيات كثيرة، وأصبحت مثالاً يحتذى به، ولكن عندما جاء معاوية إلى الحكم وجد هذه الشخصيات عقبة كؤود أمام حكمه الجاهلي، فسعى بكلّ الوسائل للتخلص منها حتى يتمكن من السيطرة على الدولة، فتوسّل بولاة لا يقيمون وزناً لـ((لكرامة الإنسان))، ولا يفهمون معانيها.

فعبيد الله بن زياد كان لئيماً، وفاقداً للكرامة، وفاقد الشيء لا يعطيه، فألبس الناس الذلّ حتى غدا الواحد منهم لا يجرؤ على الكلام، ناهيك عن الاعتراض.

يقول التاريخ:

((فغاضت الألسن وكأن لم يخلق الله للقوم ألسناً وغارت الكلمات)).

ثم إنّ معاوية استعمل أسلوب التهكّم والاستهزاء بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبالأئمة عليهم السلام.

قال ابن حجر المكي: ((جاء بسند رواته ثقات: إنّ مروان لما ولي المدينة كان يسبّ علياً على المنبر كل جمعة، ثم ولي بعده سعيد بن العاص فكان لا يسبّ، ثم أعيد  مروان فعاد السب))[1].

ويعد السبّ من الأساليب التي استعملها معاوية (لامتهان كرامة الأمة) عبر التجاوز على الرموز العملاقة التي تحفظ كرامة الأمة.

ثمّ جاء يزيد ليكمل المسلك السيء فأخذ بمنهاج أبيه، وزاد عليه بأن أفصح تماماً عن خطته اللئيمة في امتهان ((الإنسان))، وهكذا طلب البيعة من الإمام أبي عبد الله عليه السلام حتى يقيده بشروط مذلّة، ليسقطه في أعين الأمة.

ولكنّ الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام أبى إلا أن يقاوم هذه الخطة، ويفشل مخططات الطغمة الحاكمة، ويحفظ كرامة الأمة، فشمّر الإمام عليه السلام عن ساعد الجد لضرب أيّ تحرّك يستهدف كرامة الأمة وينال من شخصيتها، فقد رفض البيعة وتحدى قوى الشر والظلام بكلّ قوة وصلابة، وهذا درس كبير من دروس التحدي والبطولة.

إنّ إذلال الأمة وامتهان كرامتها يعدّ خرقاً للقوانين الإسلامية وتجاوزاً على حقوقها الأساسية، فالكرامة حق طبيعي لا يمكن التفريط به بأي شكل من الأشكال، لذلك فإنّ الإمام أبا عبد الله عليه السلام ركز كثيراً على هذا الحق، وجعله من أولويات اهتمامه حتى أنه رفض أيّ شكل من أشكال المساومة إزاءه، من هنا فإنّ خروج الإمامعليه السلام من المدينة كان حفظاً لها ولكرامة أهلها.

وقد أخطأ البعض عندما حصر خروج الإمام وأوعزه إلى نداءات أهل الكوفة، ويدلّ هذا الرأي إلى سذاجة التفكير وسطحية الرؤية لعدة أسباب:

أولاً: هل غائب عن ذهن الإمام عليه السلام سيكولوجية الكوفيين وتركيبتهم السكّانية؟.


ثانياً: إنّ الإمام (صلوات الله عليه) لم يتوجه تلقاء الكوفة ليصنع الثورة حتى يعترض البعض.


فتحرك الإمام لم يتّسم بطابع الانفعال بفعل الرسائل التي انهالت عليه، ولم يجعل الكوفة هدفه النهائي، بل كان يريد تحرير الإنسان في كل الأمصار بدليل توجهه إلى مكة المكرمة، ثم إرسال المبعوثين إلى البصرة وباقي الأمصار، ثم إن الذين بعثوا الرسائل للإمام عليه السلام كان معظمهم من الخط المناوئ لأهل البيت عليهم السلام فكيف يطمئن الإمام عليه السلام إليهم؟.

لذلك فإنّ الإمام عليه السلام أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل (رضوان الله تعالى عليه) حتى يستطلع الأمر، ويقف على حقيقة الأوضاع، وهذا يدلّ على حنكة الإمام عليه السلام وتحركه على وفق خطة محكمة بعيدة عن ردّات الفعل.

ثالثاً: إنّ هؤلاء لم يستقرئوا الظروف التي أحيطت بالكوفيين فجاء اعتراضهم أعوراً.


إنّ مشكلة المعترضين تكمن في عدم إحاطتهم بالحدث فيأتي الاستقراء مشوّهاً وعليلاً.

إنّ الكوفة كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تشكّل العمق الاستراتيجي:

ولكن التغيير الديمغرافي الذي حصل بفعل التسفيرات للعوائل الشيعية جعلها على الهامش، ولكن مع هذا التهميش خرج منها من يعادل جيشاً كاملاً في نصرة أبي عبد اللهعليه السلام وسوف نفصّل ذلك.

فعليه فإن الإمام الحسين عليه السلام استطاع بنهضته المباركة إرجاع الكرامة وحفظ كيان الأمة. وقد تشكّل الثورات المتعاقبة إحدى الأدلة على ذلك، فقد تنفّس الحسّ الإنساني الصعداء، ونفض غبار الذلّ والمهانة فأخذ يقاوم بكل جرأة حكّام الجور، وينسف كل حواجز الخوف والتردد، إنّ العبرة بالنتائج، لذلك يقول العلماء: إن أيَّ حدث يقيّم بحسب نتائجه المستقبلية وليست الآنية.

 ــــــــــــــــــــــ
[1] الغدير: الشيخ الأميني، ج8/ص264. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص101. 

نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتأمين الدعم الشعبي


بقلم: الشيخ حسن الشمري

إنّ أي نهضة لابدّ أن تملك عمقاً استراتيجياً يتمثّل أولاً في المبادئ، وثانياً في الدعم الشعبي، وثالثاً في التخطيط الاستراتيجي، وهذه العوامل تعدّ من القواعد الأساسية التي تقوم عليها النّهضات لأنها تساهم بشكل فعال في تحقيق النتائج المطلوبة فضلاً عن امتلاكها قوة المبادرة التي باتت إحدى العوامل المساعدة في تحقيق النتائج، ومن العوامل المهمة لنجاح النّهضة يكمن في ((الدعم الشعبي)).

فباتساعه وقوة فاعليته يعطي للنهضة قوة لكي تأخذ حجمها المطلوب في واقع الأمة، لذا أثبت علم الاجتماع فيما يخص تقدم النهضات، إنّ نجاح أيّ نهضة مرهون بمدى تقدم علاقاتها الاجتماعية من هنا فإنّ النهضات التي حقّقت النجاحات المطلوبة إنما انطلقت من عمق علاقتها بالمجتمع.

فالنهضات العملاقة هي الضاربة في عمق المجتمع، وبعمق جذورها تعلو سماها كما يقول علماء الحضارة.

ولقد امتلكت نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام عمقاً اجتماعياً قلّ نظيره.

جاء في كتاب (من معالم الحق) للشيخ محمد الغزالي:

((إنّ ملوك بني أمية لما أخطأوا لُعنوا وتنادى المسلمون عليهم من كل جانب حتى أسقطوا دولتهم، وما كان ذلك يحدث لو تولى الأمر أهل البيت، ولما يعلمه النهازون والدجّالون من محبّة المسلمين لنبيهم وبيته اصطنعوا أنساباً يمتّون بها إليه، وأقاموا حكومات كانت بسيرتها المنحرفة وبالاً على الإسلام وأهله، وتاريخنا السابق واللاحق يحكي أبناء أسر انتحلت الشرف، والشرف هو بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتوالد، وباسم هذا الشرف المكذوب أُلحقت بالأمة الإسلامية من الأذى ما تزال تترنح منه حتى الساعة.

لقد أصاب ابن عمر في قوله للحسين: ((والله لا يليها أحد منكم أبداً)).

لقد صرف الله الحكم بخيره وشره عن آل محمد ليسوي الناس شؤونهم بأنفسهم، ويحلّون مشكلاتهم مع حكامهم بأيديهم باللطف أو بالعنف، باللسان أو بالسنان.

وخير لآل محمد أن تسبغ عليهم مشاعر العطف وهم مظلومون من أن تتبعهم مشاعر الحقد، وهم حكام جبارون (يا للعجب).

بيد أن حسيناً هاجته رسائل أهل العراق وهم يستقدمونه ليجعلوا الأمر له، إنه أهلٌ للسيادة بنفسه وبنسبه، وها هي ذي الجموع تدعوه فكيف يتأخر))[1].

لقد أشار الشيخ محمد الغزالي إلى الموقع الذي يمتلكه الإمام عليه السلام في قلوب الناس ((إنه أهل للسيادة بنفسه وبنسبه، وها هي ذي الجموع تدعوه فكيف يتأخر)). ولكن الشيخ أخطأ في عبارته ((وخير لآل محمد أن تسبغ عليهم مشاعر العطف وهم مظلومون من أن تتبعهم مشاعر الحقد، وهم حكام جبارون)). فإذا كان يقصد أهل البيت الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، ومنهم الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام فقد ناقض نفسه، إذ كيف يصف الإمام الحسين عليه السلام ((إنه أهل للسيادة بنفسه وبنسبه))، ويقول قبلها: ((تتبعهم مشاعر الحقد وهم حكام جبارون)).

لقد تولى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إمارة البلاد وعاش الناسُ في بُلَهْنِية من العيش، وسموٍ في المعاني كانت مثالاً في الحياة الحرة السعيدة، ولم يشر أحد إلى حكم الإمام بالحقد والضغينة باستثناء القليل ممن أعمى الحقد بصيرته.

إنّ خطوات الإمام الحسين عليه السلام إزاء الحشد الشعبي تثير الانتباه، وعلينا أن نستفيد منها، ومن الطرق المثالية في هذا المجال ضمّ العائلة الكريمة إلى نهضته.

وهذه أمثلُ طريقةٍ يمكن عبرها تحشيد الناس، وتكوين واقع شعبي متميز يختلف في خصائصه عن الحشد الفوضوي.

لقد كوّن الإمام (صلوات الله عليه) واقع شعبي تميّز بالكفاءة والاستقامة والعلم.

ولولا الضغوط المتواصلة من الحكم السفياني، وتثبيط رجالات الحكم للناس بما فيهم وعّاظ السلاطين لتغيّرت المعادلة كلياً، ولرأينا الآلاف المؤلفة قد التحقت بثورة الإمام عليه السلام.

ولكن ماذا نفعل وفي كل نهضة مباركة نواجه وعّاظ السلاطين أمثال شريح القاضي، وسمرة بن جندب، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

وفي نظري فإنّ أخطر ما يواجه النّهضات الصّالحة يكمن في وعّاظ السلاطين، فهؤلاء عقبة كأداء، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ))[2].

فما لم تتخلّص النهضة من هؤلاء فلن تفلح في امتلاك الواقع الشعبي، إنّ إحدى وسائل السيطرة على وعّاظ السلاطين يتمثّل في فضحهم وكشف واقعهم السيئ.

وأنا لا أميل إلى استخدام العنف إزاءهم لأنّ العنف يعطيهم زخماً من المصداقية هم بأمسّ الحاجة إليه.

لقد ساهمت عائلة الإمام عليه السلام بما فيها النساء الطاهرات في حشد الكثير من الناس سواء قبل الثورة أو بعدها.

وقد أعطت عائلة الإمام عليه السلام بعداً عاطفياً أثّر كثيراً في تفجير الحسّ الإنساني لدى الناس، مما ساهم في إنشداد المجتمع إلى النهضة الحسينية المباركة.

ثم إنّ عقائل النبوة والرسالة جسّدوا واقعاً تجلى فيه كلّ معاني الإيثار ونكران الذات والإخلاص، فخلق صورة حية في أذهان المجتمع، أنّ الإمام صادق في مسعاه، وسليم في أهدافه التي تكمن في إصلاح الواقع الإسلامي الذي تراكمت عليه آثار الحكم الجاهلي تباعاً.

ومن جانب فإنّ عائلة الإمام خلقت جواً إعلامياً ظلّت تفاصيله تتفاعل في مفاصل المجتمع ممّا أثار سخط الناس على الحكم السفياني.

ولا شكّ فإنّ الإمام عليه السلام كان يحتاج إلى الإعلام كي يوصل صوت الثورة إلى أصقاع العالم، وأفضل من يوصل الصوت (المرأة اللبيبة والعاقلة)، فكانت العقيلة زينب عليها السلام التي صنعت قاعدة عريضة لثورة الإمام عليه السلام قبل وبعد الثورة، فالإمامعليه السلام هيّأ القلوب والنفوس في استقبال الحدث الكبير عبر الصوت العاقل الذي استطاع أن يصنع قاعدة عريضة ضدّ الحكم السفياني الذي حشد جميع القوى في مجابهة الإمام عليه السلام، وفي مقدمتهم وعّاظ السلاطين، فكان على الإمام عليه السلام أن يقدم على حشد القلوب والنفوس والعقول، وقد تهيأت.

جاء في كتاب (العسكرية الإسلامية ونهضتنا الحضارية) فيما يخص العامل المعنوي: ((ويعبر المشير مونتجمري عن أهمية العامل المعنوي فيقول: ((إنّ أعظم عامل من العوامل المؤدية إلى تحقيق النجاح هو روح المقاتل، وإنه لأمر جوهري وهام أن يفهم المرء أنّ المعارك تكسب أولاً وقبل كل شيء في قلوب الرجال، ومن أجل ذلك فإنّ جميع الجيوش تعنى أشد العناية بوضع النظم والأساليب التي تستهدف بناء معنويات رجالها والمحافظة عليها ووقايتها من عوامل الضعف أو الانهيار))[3].

لقد ملك الإمام عليه السلام القلوب بالقناعة والإيمان، ثم استولى على النفوس بالحب والمودة، وفتح العقول بالفكر والعلم، ثم خاض المعركة ضد الطغمة الحاكمة، فأعطت نتائج مهمة.

وقد يسأل البعض: وأين الدعم الشعبي من ثورة الإمام ومجموع من التحق بالإمام عليه السلام لا يتعدى المائة، وفي رواية مائة وخمسين؟!. والجواب:
أولاً

 إنّ النتائج التي تمخّضت عنها ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام تؤكّد الواقع المثالي للدعم الشعبي الذي ملكته ثورة الإمام عليه السلام، ومن جانب فإنّ حجم الرفض الشعبي لحكم الطغمة السفيانية يؤكّد على تفاعل الناس مع الثورة، فالشام كادت أن تنقلب على يزيد كما يذكر المؤرخون.
ثانياً

إن الكثير كان يرغب في الانضمام إلى جيش الإمام، وهذا ما يؤكده قول الفرزدق: ((قلوب الناس معك وسيوفهم عليك))[4]، ولكن وكما أسلفنا فإنّ همّة وعّاظ السلاطين كانت عالية في تثبيط الناس وإركاسهم في مستنقع الذلة والمهانة.
ثالثاً

 إنّ معظم البلدان كانت ترفض الانضمام إلى جيش يزيد بن معاوية، فالبصرة لم يخرج منها أحد، وكذلك المدينة واليمن وغيرها من المدن.
وإذا جئنا إلى الكوفة فإنّها كانت عصيّة وتعيش هاجس الثورة الأمر الذي أدّى بعبيد الله بن زياد إلى تسفير (50 ألف) عائلة موالية لآل البيت عليهم السلام إلى إيران.

 
ـــــــــــــــــــــــ
[1] من معالم الحق ص109 للشيخ محمد الغزالي ط نهضة مصر.

[2] التوبة: ٣٤.

[3] العسكرية الإسلامية ونهضتنا الحضارية: اللواء الركن محمد جمال الدين محفوظ، ص37، عن دائرة الصحافة.

[4] مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني، ص73. الإرشاد: الشيخ المفيد، ج2/ص67.

دور الإمام الحسين عليه السلام في معركة صفين



بقلم: الشيخ حسن الشمري

عندما انتصر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على الناكثين في معركة الجمل، قامت قيامة معاوية، فأخذ يهيّأ الأسباب، ويعدّ العدّة لخوض المعركة ضدّ سيد الوصيين عليه السلام، وكان يظنّ أنّ المعركة بقيادة ((السيدة عائشة)) سوف تحقق أهدافها، ولكن جاءت النتائج بعكس ما تشتهي ((سفن معاوية)).

وفي نظري فإنّ معاوية هو الذي أذكى نار الحرب، ومدّ السيدة عائشة بالمال والسلاح، وهو الذي ألّب الناس على أمير المؤمنين عليه السلام، حيث اقتطع جزءاً من جسد الدولة الإسلامية، فأطمع الكثير في الدولة الإسلامية، كلّ ذلك حتى يوهن الدولة، ويفت في عضدها.

ومنهم ((زياد بن أبيه))، فقد أطمعه بالدنيا وزيّنها له، حتى قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ((إنّ معاوية كالشيطان يأتيك من بين يديك ومن خلفك ومن أمامك فاحذره)).

وقد استعمل معاوية خططاً دنيئة في تمزيق أوصال الدولة الإسلامية، وما تشبثه بـ((الشام)) إلا دليل على خططه في إضعاف الدولة الإسلامية.

وقد أرسل الرسائل لولاة الإمام عليه السلام كي يطمعهم في الدنيا، ويوغلهم في المغريات، كلّ ذلك حتى يهيأ المقدمات لـ ((معركة الجمل))، وقد توفّرت الأسباب عندها تحرك الثلاثي: ((السيدة عائشة، والزبير بن العوام، وطلحة ابن عبيد الله)).

فمعاوية قد شارك فعلياً في معركة الجمل، ويعدّ هذا رد على المتقوّلين الذين يطعنون بسياسة الإمام عليه السلام عندما أصرّ على عزل معاوية، فمعاوية حوّل الشام إلى بؤرة لتصدير المؤامرات، ولأشكال الإرهاب كافة، فكان نقطة ضعف خطيرة في جسد الدولة الإسلامية، وبقاؤهُ في الشام يعني استغلال مواردها لمؤامرات خطرة.

جاء في (تاريخ الإسلام):

((فالأمويون لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية))[1].

يقول الشيخ الغزالي:

((فإنّ أعمال معاوية بن أبي سفيان ــ من قبل ومن بعد ــ كانت لتحطيم الديمقراطية الإسلامية في ميدان السياسة، وتنصيب أسرة عبد شمس على ملك عريض كملك ((دي بوربون)) أو((هابسيورغ)) في أوروبا، وإعادة الأمر كسروية وهرقلية، كما عرف صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخيراً، وبعد فوات الأوان))[2].

وجاء في كتاب (علي إمام لكل العصور) في الفصل التاسع، وهي عبارة لروجيه غارودي:

((وكانت الدولة الأموية وخلافة معاوية من القروح الآكلة في جسم الدولة الإسلامية))[3].

يمكن أن نقول:

((أنّ معركة صفين هي نتيجة طبيعية لمعركة الجمل))، فمعاوية كان يعوّل على السيدة عائشة، وكان يأمل أن تنتصر على الخليفة بحق الإمام علي عليه السلام، حتى يتسنى له الانقضاض على ((طلحة، والزبير))، بواسطة ((مروان بن الحكم)) الذي كان المنظّر والساعد الأيمن لمعاوية في أحداث الجمل.

إنّ مروان بن الحكم كان أحد القادة الذين سعوا كثيراً في تحريك الجبهة، وتمويل الجيش، فكان يشكّل القناة الواصلة بين معاوية والسيدة عائشة، وقد سيّر الجيش بشكل أطمع ((الزبير وطلحة)) في النصر، فقد أخذه إلى البصرة حتى يتسنّى لهم جمع المال والرجال، بسبب وجود قبائل تميل إلى ((الخليفة عثمان)) مثل بني ضبة، والأزد، الذين كانوا يأخذون ((بعر الجمل)) فيشمونه، ويقولون: ((بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك))[4].

وبعد أن هوى الصنم على الأرض، وقد نال من القرابين ما لم ينله أكبر ملوك الأرض أسقط في يدي معاوية، ففكّر في معركة صفين التي هي امتداد لمعركة الجمل هذا ويمكن أن نعدّها ((الخط الدفاعي الثاني)).

وقد اعتمد معاوية بن أبي سفيان كثيراً عليها، ((فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى))[5].

وقد حاول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن يئد الفتنة في مهدها، وينزع فتيل الحرب، إلا أنّ معاوية ((أصرّ واستكبر استكباراً)). يقول الطبري، وابن الأثير:

((فإنّ الرسائل التي بعثها الإمام علي عليه السلام إلى معاوية كادت أن تقلب عليه الشام، لأنها دحضت حجج معاوية في قتل عثمان، وتشبّثه في الإمام)).

فإدّارك معاوية الأمر، وتهيّأ وعبّأ قواه الشيطانية، عندها تهيّأ الإمام أمير المؤمنينعليه السلام للحرب، وهو كاره لها، فأرسل الخطباء والوفود، ومن جملتهم سيد شباب أهل الجنة الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام إلى الكوفة.

جاء في كتاب (حياة الإمام الحسين عليه السلام):

((وتهيّأ الإمام للحرب، وقام الخطباء في الكوفة يحفّزون الناس للجهاد، ويحثّونهم على مناجزة معاوية بعدما أحرزوه من النصر الكبير في معركة الجمل، وقد خطب فيهم الإمام الحسين عليه السلام خطاباً رائعاً ومثيراً، قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه:

((يا أهل الكوفة: أنتم الأحبة الكرماء، والشعار دون الدثار، جدّوا في إطفاء ما دثر بينكم، وتسهيل ما توعّر عليكم، إلا أنّ الحرب شرّها ذريع، وطعمها فظيع، فمن أخذ لها أهبّتها، واستعدّ لها عدّتها، ولم يألم كلومها قبل حلولها، فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قمن ألا ينفع قومه، وأن يهلك نفسه، نسأل الله بقوته أن يدعكم بالفيئة))[6].

والتقت الفئتان فئة تقاتل في سبيل الله، ونصرة الحق، وأخرى تقاتل في سبيل الشيطان ونصرة الباطل، وقد تنبّأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في (مستدرك الحاكم) للنيسابوري، بسند لا يقلّ عن سند البخاري، ومسلم، قال: ((شهد مع علي في صفين ثمانون بدرياً، ومائتان وخمسون ممن بايع تحت الشجرة))[7].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا عمّار، تقتلك الفئة الباغية، وآخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار))[8].

وقال القاضي في (شرح المصابيح):

((وهذا صريح في بغي طائفة معاوية الذين قتلوا عماراً في وقعة صفين، وأنّ الحق مع علي، وهو من الإخبار بالمغيبات، يدعوهم (أي عمار) يدعو الفئة الباغية ــ وهم أصحاب معاوية ــ الذين قتلوه بوقعة صفين في الزمان المستقبل إلى الجنة أي إلى سببها، وهو طاعة الإمام الحق، ويدعونه إلى سبب النار وهو عصيانه ومقاتلته.

قالوا: وقد وقع ذلك في يوم صفين، دعاهم فيه إلى الإمام الحق، ودعوه إلى النار، وقتلوه.

فهو معجزة للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم من أعلام نبوته.

وقال القرطبي: وهذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحّها، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنما قتله من أخرجه[9].

فأجابه ((علي)): بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه.

قال ابن دحية: وهذا من (علي) إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها[10].

وقد انتصر الحق في صفين، وتلاشت معالم الفئة الباغية بقيادة معاوية ابن أبي سفيان، ولولا صفين لما كانت هناك ملامح واضحة لهذه الفتنة العمياء التي أطلّت ((بقرن الشيطان))، وكادت أن تضلّ خلقاً كثيراً.

وقد أبدى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام خلقاً رفيعاً رجّح كفّة الحق، وجعلها واضحة المعالم. منها واقعة كشف ((نهر الفرات))، ففي بداية المعركة (كما جاء في تاريخ الطبري) استولى جند معاوية على شاطئ الفرات، ثمّ منعوا الماء عن جيش الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، حتى أخذ العطش منهم مأخذاً ضجّ جيش الإمام عليه السلام، وقالوا: يا أمير المؤمنين نوشك أن نهلك من العطش. فأرسل الإمام عليه السلام مبعوثاً إلى معاوية يطلب منه تقسيم المياه، فرفض معاوية، قائلاً: ((لا والله حتى تموتوا عطشاً)).

عندها أمر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بإرسال كتيبة بقيادة الإمام الحسن، والإمام أبي عبد الله الحسين، ومحمد بن الحنفية، وأبي الفضل العباس عليهم السلام في رواية، فاتجهوا نحو الفرات، وخاضوا معركة ((شرسة)) هزموا فيها جيش معاوية بن أبي سفيان شرّ هزيمة مخلفين وراءهم قتلاهم.

وعندما استولى جيش الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقيادة أولاده الأبرار (صلوات الله عليهم أجمعين) استبدّ الذعر في جيش معاوية، وخافوا العطش، ولكن كما قال الشاعر ابن الصيفي في آل البيت عليهم السلام:


ملكنا وكان العفو منا سجيّة*** فلما ملكتم سال بالدّم أبطحُ

وحللتم قتل الأسارى وطالما*** غدونا عن الأسرى نعفّ ونصفحُ

وحسبكم هذا التفاوت بيننا*** وكل إناء بالذي فيه ينضحُ[11]



فأباح الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام الماء لجيش معاوية، وأفرد لهم جانباً من نهر الفرات، والمفروض من جيش معاوية بعد هذا الموقف الرفيع أن يرعوي وينسحب من جيش الباطل، ولكن ماذا نفعل إذا كانت القلوب جرداء والبصيرة عمياء.

قال تعالى: ((لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ))[12]. وقال تعالى: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ))[13].

لقد أبلى الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام كما تقول الروايات بلاءً حسناً.

جاء في (أنساب الأشراف): وسئم الفريقان هذه الحرب المتقطّعة، وتعجّلوا الحرب العامة، فعبأ الإمام جيوشه تعبئةً عامة، وكذلك فعل معاوية، والتحم الجيشان التحاماً رهيباً، واقتتلوا أبرح قتال وأعنفه، وانكشفت ميمنة جيش الإمام انكشافاً بلغ الهزيمة، فقاتل الإمام ومعه الحسن والحسين عليهما السلام، وانحاز الإمام إلى ميسرة جيشه من ربيعة، فاستماتت ربيعة دون الإمام، وكان قائلهم يقول: لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم.

وتحالفت ربيعة على الموت، وصمدت في الحرب، ورجعت ميمنة الإمام إلى حالها بفضل الإمام أمير المؤمنين علي وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسينعليهم السلام[14].

والبطل الهمام مالك الأشتر الذي تقول الروايات كانت له صولات تذكر مع سيدي شباب أهل الجنة حتى ثبتت ميمنة الإمام عليه السلام بعد أن بان الانكسار عليها.

وجاء في المصدر نفسه: ((واستمرت الحرب بأعنف ما يتصوّر، وقد ظهر الضعف، وبان الانكسار في جيش معاوية، وهمّ معاوية بالفرار لولا أنه تذكّر قول ابن الأطنابة:


أبت لي همتي وأبى بلائي*** وإقدامي على البطل المشيحِ

وإعطائي على المكروه مالي*** وأخذي الحمد بالثمن الربيحِ

وقولي كلّما جشأت وجاشت*** مكانك تحمدي أو تستريحي[15]



تقول الروايات: أنّ معاوية بن أبي سفيان لم ينزل إلى ساحة المعركة، وما كان يستطيع ذلك والإمام أمير المؤمنين عليه السلام موجود لكنه خدع عمرو بن العاص فنزل، وفي جعبته مكيدة، لأنه لن يقدر أن يجابه الإمام علي عليه السلام، وقد رأى بأمّ عينيه كيف يجندل صناديد قريش، حتى ضجّت قريش، وجعلت تأنّ من ضربات قاصم الشرك والنفاق، ومبيد أهل الفسوق والعصيان، فبرز عمرو بن العاص.

جاء في كتاب (علي إمام لكل العصور):

((وضحكت الأقدار وسخرت البطولة وانتشى العار، فقد طمع ابن النابغة أن ينال من علي عليه السلام غرّة، فكان أن حمل عليه الإمام، فلما كاد أن يخالط (يصاب) رفع ثوبه، وشغر برجله لتبدو سوأته، فصرف عنه الإمام وجهه تكرماً وشمماً، لم يعرّ العار ثوب عمرو بن العاص لأنه بنفسه نزع إهابه لتظهر سوأته فهي جزء من باطنه، وكانت وصمة عار لهذا الصحابي الذي أخزى أسوة الصحبة أمامه عفّة الإمام مرتمياً مكشوف السوأة، بادي العار، بعد أن ألقى درعه وحسامه خوفاً من أن يورده الإمام حِمامه.

وعجب الناس من إفلات ابن النابغة من القتل، فقال لهم علي عليه السلام: ((فإنه عمرو بن العاص تلقّاني بعورته، فصرفت وجهي عنه)).

ويسأل معاوية ابن النابغة عن صنيعه، فيقول وعلى وجهه غبرة ترهقها قترة: لقيني علي فصرعني.

فيسخر معاوية مستهزئاً بضعة نظيره، ويقول له: احمد الله وعورتك[16].

لقد سمعنا بمقولة ((الغاية تبرّر الوسيلة)) لميكافلي في كتابه الخطير (الأمير)، ولكن يبدو أنّ ميكافلي أخذ الخطوط العريضة من معاوية وعمرو ابن العاص، وميكافلي وضع حدوداً وسقفاً لوسائله، وثبّت شيئاً من القيم حيث جعل الهدف الحفاظ على الدولة حتى تخدم الناس، ولكن معاوية وعمرو بن العاص لم يجعلا لها حدوداً أو معايير.

فكانت الغاية عندهم تبرّر الوسيلة حتى في أحقر الوسائل وأكثرها قذارةً، فمعاوية جرّد هذه ((الوسيلة)) من كلّ القيم والمعايير فهو عنده الغاية تبرّر الحقير والدنيء حتى لو جمع قذارات الأولين والآخرين ووساختهم.

قال الحسن البصري: ((ثلاث عملها معاوية، لو كانت واحدة لكانت موبقة: استلحاقه زياداً، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))[17]، وقتله حجراً مع أصحابه، وكان صحابياً جليلاً حتى سمّي بحجر الخير، وتوليه يزيد، وهو فاسق قاتل، وشارب للخمر، وناكح للأمهات والعمات))[18].

ولكن فات الحسن البصري عمّا فعله بسيد الوصيين وسيد شباب أهل الجنة عليهم السلام[19].

وقتله الآلاف من المسلمين في الأنبار وهيت والمدينة، فقد أرسل بسر بن أرطاة فأحدث مقتلة عظيمة، ثم أوغل في قتل الأطفال ((وعمد إلى طفلين لعبيد الله فقتلهما، ولما انتهى خبرهما إلى أمهما فقدت وعيها، وراحت ترثيهما بذوب روحها بأبياتها المشهورة))[20].

ثم عمد إلى تحريف الإسلام، وهي أخطر خطّة اعتمدها في إطار ((الغاية تبرّر الوسيلة))، فقد أجهز على أحاديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فحرّف الكثير عن مواضعها.

جاء في كتاب (هموم داعية) للشيخ محمد الغزالي المصري:

((إنّ الفقه الدستوري في أمتنا يجب أن تنحسر عنه ظلال الحجاج، وعبيد الله بن زياد، وبعض ملوك بني العباس، وبعض سلاطين بني عثمان)).

ويؤسفني أن أقول: أنّ الشيخ محمد الغزالي لا يريد أن يسمّي الأشياء بأسمائها، فهو لا يريد أن يحمل معاوية جريرة ما حدث للفقه الدستوري، وعبد الملك بن مروان، فيلقي تبعاتها على ولاتهم، وهذه خطة باتت مفضوحة، فعلى الشيخ أن يفصح لأنّ ما حدث لا يمكن السكوت عنه، ولا يتحمل التغطية، والستائر القاتمة، فما لم نشخص الداء لا يمكن لنا أن نصف الدواء، ثم لماذا نجعل الملوك فوق الأخطاء والهفوات؟.

ولماذا هذا التقديس الذي يأتي في معظمه على حساب المقدسات والقيم الإلهية؟ معتبرين الإشارة إلى الخليفة أو السلطان إهانة وإساءة إلى السلطان، ولكن لا ضير إذا كانت تمسّ الدين وتطعنه بالصميم، ثم الويل إذا كانت علامة الاستفهام ترتفع أمام صحابي، أو أحد وعّاظ السلاطين، فإنّ الفتوى حاضرة بكفرك.

فإذا تحدّثنا أو اعترضنا على تصرف سيء، وقلنا: إنّ هذا الحديث يهين الإسلام ويطعنه في قلبه، تعدّ تلك إهانة لهذا الصحابي.

خذ مثلاً هذا الحديث:

عن عائشة، أنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي مما يقرأ من القرآن))[21].

وهذا الحديث طعنة نجلاء في قلب القرآن الكريم، حيث ينسب إليه النقصان فهو تجاوز صريح على كلام الله عز وجل، لكن أنّى لك أن تقول ذلك، فعليك أن تسكت، ثم تطبق فمك، وإلا فأنت مشرك أو كافر تستحقّ الذبح لأنك تسبّ الصحابة، لكن لا ضير إذا كنت تسبّ الإسلام، وتسبّ كرامته عبر أحاديث مصنوعة في معامل السلاطين، وطلاب الملك.

وأيضاً هذا الحديث الخطير:

((جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حُذيفة من دخول سالم وهو حليفُه.

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أرضعيه.

قالت: وكيف أُرضعه وهو رجلٌ كبير.

فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: قد علمتُ أنه رجل كبير)).

وزاد عمرو في حديثه، وكان قد شهد بدراً، ومن الثابت عند العلماء أنّ الرضاعة تحدّد بسنتين، وتكون السنتين الحد الأقصى للرضاعة، كما نص عليه كتاب الله عزوجل.

قال تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[22].

فالحديث الذي يرويه (مسلم) ينافي القرآن الكريم ويناقضه صراحة، ولكن أنّى لك أن تقول أنّ الحديث مفترى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسوف تواجه شلالات من التهم، ليس أقلّها الكفر والفسوق والعصيان.

إننا نجابه التحريف الواضح، لكن لا أحد يستطيع أن يقول ذلك، وهذا التحريف الظاهر أدّى إلى تحريف الكثير من الأحاديث ومعاني الآيات، ثم إنّ هذا التحريف صار يثني عليه الكثير، وها نحن أولاء نسمع بعض علماء الأزهر يفتون بهذا الحديث مما أثار السخرية والسخط عند عامة المسلمين، وأصبح مادة للتندر والاستهزاء.

وأيضاً جاء في (صحيح مسلم):

((لولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدهر))[23].

وهذا الحديث يثبت أنّ الخيانة شيء طبيعي وغريزي عند المرأة، فلا تلام على خيانتها، ثم على اعوجاجها، وبعد فإنّ أمُّنَا ((حواء)) تتحمّل كلّ سيئات النساء اللائي سلكن طريق الانحراف، لأنّ حواء هي الأساس!.

يا لها من مهزلة!.

وهذا الحديث يناقض القرآن الكريم الذي يشيد بالمرأة، ثم يشيد باستواء الإنسان منذ خلقته.

قال تعالى: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))[24]، فهذه الآية مطلقة فتشمل النساء والرجال.

وقال تعالى: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))[25]، فالآية تشير إلى أهم الصفات التي توفّرها العلاقة الزوجية السكن والمودة والرحمة، وهي من أهمّ العوامل في استواء الحياة، وبناء المجتمع المستقيم.

فكيف نرمي ((حواء)) بهذه التهمة الخطيرة؟!.

وأيضاً جاء:

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخّرة الرجل))[26].

وهكذا يأتينا أبو هريرة، ويطلّ علينا بحديث يهين الشقّ الثاني للإنسان.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((النساء شقائق الرجال))[27].

ولكن الويل لك إذا قلت أنّ أبا هريرة يهين النساء، ويأتي بحديث يحكي مما في داخله من بغض للنساء، ثم إنّ هذا التحامل على النساء  من قبل الصحابي أبي هريرة له أسبابه المعروفة لسنا في صددها.

وأيضاً: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

((فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض))[28].

وأيضاً: عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

((ينزل ربنا تبارك وتعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى من ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعو فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له))[29].

تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.

قال تعالى: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ))[30].

إنّ أبا هريرة كان يفتري حتى ضجّ منه عمر بن الخطاب وعزله عن إمارة البحرين[31].

وقد أكثر الحديث وهو لم يصاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا سنتين، راجع كتاب (أبو هريرة شيخ المضيرة) للشيخ محمود أبو رية أحد علماء الأزهر، والحديث الذي ينقله البخاري يناقض القرآن الكريم.

قال تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))[32].

فهذا نصٌ جليٌ، ولا يقبل التأويل في أنّ الله عز وجل ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))[33]، فهو ليس بجسم حتى يمكن أن نصفه ونقول ينزل في الثلث الأخير من الليل، ثم يضع رجله في نار جهنم، فتقول: قط قط.
وكيف يضع الباري عزّ وجل رجله في جهنم، وقد أعدها للكافرين، ثم كيف تكون الرجل حتى لا تحرقها النار؟! وهل هي من مادة أم من غيرها؟!! وكلاهما لا يصح، نحن في ورطة كبيرة!!.

 
ـــــــــــــــــــــ
[1] تاريخ الإسلام: الدكتور حسن إبراهيم، ص278. جواهر التاريخ: الشيخ علي الكوراني العاملي, ج3/ ص116.

[2] الإسلام المفترى عليه: الشيخ محمد الغزالي المصري، ص85.

[3] علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ كمال شاكر، ص295، نقلاً عن: كتاب كيف ننشر الإسلام: لروجيه غارودي.

[4] النص والاجتهاد: السيد شرف الدين, ص448. الغدير: الشيخ الأميني, ج9/ص370. أحاديث أمّ المؤمنين عائشة: السيد مرتضى العسكري, ج1/ص234. تاريخ الطبري: الطبري، ج3/ص530.  الكامل في تاريخ: ابن الأثير, ج3/ص247. إمتاع الأسماع: المقريزي, ج13/ص245. الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ابن الصباغ, ج1/ص374.

[5] طه: ٦٠.

[6] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ص57 ــ 58.

[7] مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: محمد بن سليمان الكوفي، ج2/ص580. شرح الأخبار: القاضي النعمان المغربي، ج2/ص9. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/ص104. أنساب الأشراف: البلاذري، ص268. البداية والنهاية: ابن كثير، ج7/ص283.

[8] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج15/ص177. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/ص386. الإصابة: ابن حجر، ج1/ص371. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج3/ص1139.

[9] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج8/ص26. الأحكام: ابن حزم، ج7/ص1022. البداية والنهاية: ابن كثير، ج7/ص298. وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري، ص343. السيرة الحلبية: الحلبي، ج2/ ص264.

[10] فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي، ج6/ص474. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج1/هامش ص420.

[11] شرح إحقاق الحق: السيد المرعشي، ج27/ص506.

[12] الأعراف: ١٧٩.

[13] الأنفال: ٢٣.

[14] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص60. نقلاً عن أنساب الأشراف للبلاذري.

[15] المصدر السابق: ج2/ص61.

[16] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج8/ص60. وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري، ص407. الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ابن الصباغ، ج1/ص461. علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ كمال شاكر، ص332.

[17] المبسوط: الشيخ الطوسي، ج5/ص210. السرائر: ابن إدريس الحلي، ج2/ص659. كتاب الأم: الإمام الشافعي، ج6/ص273. مختصر المزني: المزني، ص114. المجموع: محيي الدين النووي، ج15/ص310. مغني المحتاج: محمد بن أحمد الشربيني، ج2/ص261.

[18] قاموس الرجال: الشيخ محمد تقي التستري، ج10/ص123. النصائح الكافية لمن يتولى معاوية: محمد بن عقيل، ص35.

[19] تاريخ الطبري: الطبري، ج3/ص358.

[20] الكامل في التاريخ: ابن الأثير، ج3/ص193.

[21] الخلاف: الشيخ الطوسي، ج5/ص97. الحدائق النّاضرة: المحقق البحراني، ج23/ص348. جواهر الكلام: الشيخ الجواهري، ص29/ص281.

[22] البقرة: ٢٣٣.

[23] صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، ج4/ص179. مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج2/ص315. صحيح البخاري: البخاري، ج4/ص126.

[24] التين: ٤.

[25] الروم: ٢١.

[26] المجموع: محي الدين النووي، ج3/ص250. مغني المحتاج: محمد بن أحمد الشربيني، ج1/ص201. شرح الكبير: عبد الرحمن بن قدامة، ج1/ص631. المحلى: ابن حزم، ج4/ص9. بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد الحفيد، ج1/ص144. نيل الأوطار: الشوكاني، ج3/ص11. مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج6/ص134. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني، ج1/ص306. سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني، ج1/ص164. صحيح ابن حبان: ابن حبان، ج6/ص149. نصب الراية: الزيلعي، ج2/ص92.

[27] الشرح الكبير: عبد الرحمن بن قدامة، ج1/ص198. الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي، ج1/ص392. كنز العمال: المتقي الهندي، ج16/ص407. كشف الخفاء: العجلوني، ج1/ص214. تمام المنة: محمد ناصر الألباني، ص155.

[28] صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، ج8/ص151. صحيح البخاري: البخاري، ج6/ص47. مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج2/ص276. سنن الترمذي: الترمذي، ج4/ص96. فتح الباري: ابن حجر، ج8/ص456. عمدة القاري: العيني، ج19/ص186. الديباج على مسلم: جلال الدين السيوطي، ج6/ص189. تحفة الأحوذي: المباركفوري، ج9/ص112. صحيفة همام بن منبه: همام بن منبه، ص29. المصنف: عبد الرزاق الصنعاني، ج11/ص423. مسند ابن راهويه: إسحاق بن راهويه، ج1/ص194. منتخب مسند عبد بن حميد: عبد بن حميد بن نصر الكسي، ص356. كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم، ص231. السنن الكبرى: النسائي، ج4/ص415. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج5/ ص439. المعجم الأوسط: الطبراني، ج7/ص57.

[29] صحيح البخاري: البخاري، ج2/ص47. المجموع: محي الدين النووي: النووي، ج4/ص47. كتاب الموطأ: الإمام مالك، ج1/ص214. الثمر الداني: الآبي الأزهري، ص142. حاشية رد المحتار: ابن عابدين، ج2/ص26. كشف القناع: البهوتي، ج1/ص529. فقه السنة: الشيخ سيد سابق، ج1/ص205. مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج2/ص264. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني، ج1/ ص435.

[30] البقرة: ٧٩.

[31] اغتيال أبي بكر: الشيخ نجاح الطائي، ص87.

[32] الشورى: ١١.

[33] الشورى: ١١.

يزيد بن معاوية والعهد المظلم


بقلم: الشيخ حسن الشمري

لو لم تكن موبقة لمعاوية إلا يزيد لكفاه ذلك، فإنّ هذه السيّئة تظلّ نقطة سوداء لا تنمحي من سجلّ معاوية، وقد تولى يزيد بن معاوية الولاية، وكانت نقطة عطف خطيرة في مسيرة الإسلام، وشكلت بداية العدّ التنازلي للحضارة الإسلامية، وما كان ينبغي أن تكون الولاية ليزيد، لأنّ الإسلام لا زال طرياً لم يشتدّ عوده بسبب السياسات الخاطئة التي انتهجها معاوية بن أبي سفيان، بالذات على صعيد إدارة الحكم.

فقد انتهج طريقة ميكافيلية جعلت المجتمع بعيداً عن الإسلام، وعن قيمه الفذة، والأنكى من ذلك جعل المجتمع يئنّ من الضربات المتلاحقة التي شنّها ولاة معاوية، فقد أوغلوا في غيّهم ممّا جعلوا الواقع الإسلامي غائماً تماماً.

جاء في كتاب (الدولة العربية):


((وعرف زياد كيف يخضع القبائل بأن يضرب إحداها بالأخرى، وكيف يجعلها تعمل من أجله، وأفلح في ذلك))[1].

لقد كانت بداية الاستنارة في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم تبشّر بألف خير، وأضحى الإسلام يفتح الآفاق أمام الأمم، فقد تردّد صداه في أكثر من دولة، وأخذ مساحة واسعة، فأخذ مساحة في أفريقيا، وفي بلاد الروم، والصين، وغيرها من الدول.

وقد تنبّه الروم لانتشاره السريع فتهيأ حكامه لكسر شوكة الإسلام، ولكن خسأت محاولاتهم فارتدوا منكوسين في ((معركة تبوك))، حيث انسحبوا وألغوا فكرة الهجوم، إنّ ظهور الإسلام شكّل أهمية استثنائية، فهو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأديان، ولكن وفي نظري بدأت الانتكاسة عندما تولى أبو بكر الخلافة، إذ لم يستوعب الخطوات الإستراتيجية التي أقدم عليها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فجرّد سيفاً لم يكن في محله، وذهناً لم يستوعب الأحداث الجسام، فجاءت الحلول قاصرة، والعلاج أهوجاً.

يقول الأستاذ سليمان كتاني:


((لقد تجمّدت الزعامات التقليدية في الجزيرة على أمل أن تنام دون أن يعود فيلمّها وعي، مع انتقال النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى هبّت تعلن أنها لم تصدق أن الرسول أسند مهمة الاهتمام بصيانة الرسالة الطرية العود إلى أمتن رجل صدقها وشارك في تمتينها حفراً في النفوس، فليكن اجتماع السقيفة ــ تململاً من هجعة ــ أبعِدَ الرجل المحسوب ركناً من الأركان المعتمدة لمتابعة الخط وترسيخه، إلا أنّ واقع التاريخ، وواقع الرسالة التي لا تزال حتى الآن تنمو وينمو بها عالم الإسلام، يشهد بأنّ لعلي مكانة مجيدة القيمة في ضلوع الرسالة، لا يجهلها الحق، ولا يقدر أن ينكرها المنطق، وما من أحد على الإطلاق تمكن من فصل بيت علي عن بيت الرسول، لا في الحقيقة ولا في المجاز))[2].

لقد تقمّصها أبو بكر وهو يعلم أنّ علياً عليه السلام من الخلافة محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير.

وما عساني أقول بعد كلّ الذي حدث في العالم الإسلامي من ويلات ومحن ظلّت تفتك به لحد الآن، وتولى أبو بكر فجرّ الويل والثبور على الأمة الإسلامية، مما اضطرّ عمر بن الخطاب أن يوصمها ((بالفلتة)): ((كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها))[3]، راجع مصادر الحديث في الهامش.

تقول القوانين الاجتماعية:


((إنّ بداية أيّ حضارة مرهون بالعقول، فكلما كبرت واتسع حجم استيعابها تستطيع أن تفهم أبعادها الحقيقية، ومتطلبات المرحلة، وتستمر في العطاء، فالحضارة الإسلامية كانت تحتاج إلى عقول كبيرة.

ولكن مما يؤسف له أنّ العقول التي استلمت زمام الخلافة بعد الرسول الأعظمصلى الله عليه وآله وسلم كانت ضيّقة إن لم تكن عديمة الفهم لأبعادها الأساسية، فخلفت تراكمات سيئة أتعبت من جاء بعدها كثيراً، فجاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن صار المجتمع الإسلامي يئنّ من الترسبات السلبية، فطفق يرتق ما فتقه الآخرون، فشحت نفوس، وطفحت القلوب حقداً على سيد الوصيين عليه السلام، فعرقلت مساعيه ممّا أدّى إلى تأخّر المشروع الحضاري الذي كان يرمي إليه الإمام عليه السلام، فجاءت الانتكاسة التي تمثّلت بمعاوية ويزيد.

فيزيد صاحب العقل الصغير كما يصفه المسعودي في (مروج الذهب) لم يملك المؤهلات الكافية لإدارة الحكم، وقد نشأ في بيئة ((صحراوية))، وفي ظلّ التعاليم المسيحية المنحرفة.

يقول الأستاذ العلايلي في كتابه (حياة الإمام الحسين عليه السلام):


((الأمر الذي جعل من يزيد شخصية حقيرة وفاقدة تماماً للمقوّمات نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الإسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين، فتأثّر بسلوكهم إلى حد بعيد فكان يشرب معهم الخمر، ويلعب معهم بالكلاب))[4].

ويقول الشيخ العلايلي:



((إذا كان يقيناً أو يشبه اليقين أنّ تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة أو بعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستهتراً مستخفاً بما عليه الجماعة الإسلامية لا يحسب لتقاليدها واعتقاداتها أيّ حساب، ولا يقيم لها وزناً، بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك))[5].

إن نشأة الإنسان في السنوات الأولى لها أثر عميق في مسيرة الإنسان، فأجواء البيت تعدّ ((حجر الزاوية)) في بناء الإنسان، فإذا كانت إيجابية ومفعمة بالآداب والأخلاق، فإنها تجعل الإنسان كبيراً في أخلاقه وعقله.

أما إذا كانت خاوية وقفراء من القيم المثلى فإنها تهدم الإنسان، وتجعله صغيراً، لذلك يعدّ البيت تربوياً من أهم المحطات في حياة الإنسان، فهو المدرسة الأولى في إعداده.

فعليه فإنّ يزيد عاش بعيداً عن الأجواء الإيجابية، وحتى لو عاش في كنف أبيه فإنّ الأمر لا يختلف، فبيت معاوية أضحى بؤرة يفوح منها العهر والمجون.

جاء في كتاب (روح الإسلام):


((كان يزيد قاسياً غدّاراً كأبيه، ولكنه ليس داهية مثله، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة، وكانت طبيعته المنحلّة، وخلقه المنحطّ لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل، كان يقتل ويعذّب نشداناً للمتعة واللذة التي يشعر بها، وهو ينظر إلى آلام الآخرين، وكان بؤرة لأبشع الرذائل، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك، لقد كانوا من حثالة المجتمع))[6].

وقد ذكرت في كتاب (قبس من نور الإسلام)، وكتاب (قبس من نور الإمام الجواد عليه السلام) أنّ تصرفات الأب تغوص عميقاً في ولده، وتستقر في قعر كيانه، فإذا كانت طيّبة فإنها تطيب الابن، ومنها يستل الطيب، والعكس هو الصحيح، وقد تمثّل في معاوية، فإنّ تصرفاته شقّت طريقها إلى نفس يزيد واستقرت فيها، الأمر الذي انعكس سلباً على سلوكه، فكان نسخة ثانية، فهو يحمل وجه معاوية لكن بدون الأقنعة المزيّفة، فأماطها يزيد فظهر وجه معاوية وهذا ما كان يترقبه الكثير، لأن الولد يكشف أسراراً كثيرة عن أبيه، فعدّها النقّاد دهاءً على الدهماء وليس على الأذكياء.

ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد، فكان يقضي أغلب أوقاته فيه، وكان مغرماً بالكلاب.

((كان يزيد بن معاوية كلفاً بالصيد لاهياً به، وكان يُلبسُ كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبداً يخدمه))[7].

وهنا ملاحظات:

أولاً: وقد شبّ يزيد بن معاوية على اللهو والمجون، فتشرّب قلبه وأترعت نفسه مما أدّى إلى ولعه وذوبانه في حب اللهو والمجون، والمثل يقول: ((من شبَّ على شيء شاب عليه))، فمن يشبّ مع الطيبين يصبح طيباً، ومع العاصين يصبح عاصياً.

ثانياً: لقد نشأ في بيئة صحراوية وبين الكلاب، وهذا مما ساهم كثيراً في انحرافه.

ثالثاً: إنّ من ينشأ في بيئة مفسدة لا يجنح إلى الخير، ولا يميل إلى المثل السامية بسبب جفاف العقل، وضمور المقوّمات النفسية الخلاقة، ومنها الإرادة والشهامة والإقدام.

رابعاً: يعدّ اللعب مع الكلاب في عرف العرب نشازاً وخارجاً عن المألوف والأعراف العريقة، فمن عادة العرب أن يربّوا أولادهم الركوب على الجواد، وعلى الرمي، والمبارزة، وهذه كلها من أسباب الشجاعة، ومن دواعي الفخر. فمن المستهجن والقبيح عندهم تربية الأولاد على الكلاب لاسيّما وأنّ العرب كانوا يمتازون بالفخر والاعتزاز والاعتداد بالنفس، وهذه تأتي من ممارسة الرمي، وركوب الجواد، والمبارزة.

خامساً: إنّ ولع يزيد بالكلاب والقرود يدلّ على حقارة الآباء والأجداد، وقد أُثبتَ ذلك في كتاب (قبس من نور الإمام الجواد عليه السلام) فليراجع، فإنّ أمية كان لصيقاً بعبد شمس حيث جاشت به البحر وألقته على مائدة ((عبد شمس))، ومن ثم تبناه.

سادساً: إنّ ولع يزيد بن معاوية بالكلاب والقرود إنما كان يستهدف تحقير الأمة، فالذي يعيش بين الصغار لا يكبر، وهذه من البديهيات.

فمن الطبيعي أن لا تكبر عند يزيد الهمّة، والنظرة السامية للإنسان، لذا يحسب كل من يلتقيه صغيراً وبحجمه، فالإنسان ينظر إلى الناس ((بحجمه))، فإذا كان كبيراً وعظيماً ينظر بإكبار، أمّا إذا كان صغيراً ينظر إليهم بحقارة.

وصدق المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام الكرائمُ

وتصغر في عين الكبير كبيرها *** وتعظم في عين الصغير العظائمُ


يقول العلامة القرشي:


((وكان يزيد ــ فيما أجمع عليه المؤرخون ــ ولعاً بالقرود، فكان له قرد يجعله بين يديه، ويكنّيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمسخ)).

وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقّبوه بها، ويقول رجل من تنوخ هاجياً له:



يزيد صديق القرد ملّ جوارنا *** فحنّ إلى الأرض القرود يزيدُ

فتباً لمن أمسى علينا خليفة *** صحابته الأدنون منه قرودُ[8]



تقول القوانين التربوية: إنّ من يصاحب الصغير لا يكبر، ومن ثَمّ لا يقيم اعتباراً لأحد، وهكذا هو يزيد.

يقول فيه بولس سلامة:




رافع الصوت داعياً للفلاح *** اخفض الصوت في أذان الصباحِ

وترفق بصاحب العرش مشغولاً *** عن الله بالقيان الملاحِ

ألف ((الله أكبر)) لا يساوي *** بين كفّي يزيد نهلة راحِ

تتلظى في الدنان بكراً فلم *** تدنس بلثم ولا بماء قراحِ[9]



وقد صغرت القيم عند يزيد فراح يعبث بها، ويستغلّها طريقاً لشهواته، وصغرت حتى أصبحت لديه مادةً للتندر، وتبقى القيم عند الصغار صغيرة، ولكن عند الكبار عظيمة، لذا فإنهم يجودون بأنفس ما يملكون.

وهكذا ضحّى من أجلها المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام لأنه كان يحمل عقلاً كبيراً، ونفساً عظيمةً، ترعرعت في حجر الإسلام، وفطمت من ثدي الإيمان.

قال أبو عبد الله الحسين عليه السلام رداً على رسالة ((الصغير)) عبيد الله بن زياد:

((ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين الذلة والسلة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌ أبيّـةٌ، مـن أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام))[10].

إنّ من يتربّى في حجر النبيين والصدّيقين يأبى الخضوع والاستسلام لأنه يعرف معناهما، ثم هو يعرف حجم السيئات والحسنات، فيعطي كلاً حسب حجمه وقيمته.

لقد علمتنا كربلاء الحسين عليه السلام.

أنّ الإسلام والقيم الإلهية أكبر من كل كبير، وأجلّ من كلّ جليل، فهي تستحق التضحيات مهما بلغت.

وعلمتنا كربلاء الحسين عليه السلام..

أنّ التضحيات تزداد قيمتها، إذا كانت على طريق الحق، ويزداد الحق قيمة إذا كانت التضحيات بحجم الإمام الحسين عليه السلام.

معاوية يدلي إلى يزيد


ومثلما أسلفت يكفي معاوية موبقةً حين أدلى بالخلافة إلى يزيد، وبذلك فهو:

أولاً: خرق الاتفاق مع الإمام الحسن عليه السلام لأنّ من بنود الاتفاق إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام.

وبهذا الخرق فإنّ بيعة يزيد باطلة، ولا تملك الشرعية إطلاقاً، فضلاً عن أنّها محرّمة على بني أمية بنص من رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرّمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة))[11].

ومعاوية بن أبي سفيان آذى الإمام علياً عليه السلام بسبّه على منابر المسلمين ولمدة سبعين سنة.

ثانياً: لا يحقّ لمعاوية أن يدلي بالخلافة إلى يزيد، فهو خطر على الإسلام وولايته ثلمة في الإسلام.

جاء في (البداية والنهاية) لابن كثير:


قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد))[12].

يقول الأستاذ محمد نعمة السماوي:


((فلو لم يكن لمعاوية من مثلبة إلا استخلافه يزيد لكفاه بذلك إثماً إلى الأبد، كيف ينصبه خليفة رغم علمه بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف اجتهد أمام النص الصريح؟ وكيف برّر ذلك؟ لنستمع إليه نفسه، وهو يقول: ((ولولا هواي في يزيد أبصرت قصدي.

لم يتوقع معاوية أن تستجيب الأمة لمسعاه في تنصيب يزيد خليفة من بعده لو لم تدغدغ أمانيه بعض همسات المنتفعين والمنافقين، أمثال المغيرة ابن شعبة الذي طمأنه بالعراق، وذلك هو مركز المعارضة الأول الذي كان يخشاه معاوية، وكان عمله الدؤوب المنتظم طيلة حوالي عشر سنين وإخراجه لمسرحيات ضخمة مهّد فيها الجوّ لقبول يزيد رغم علمه بوجود من هو أكثر كفاءة منه يدلّل على تعمّده إسقاط الأمة وحزنها إلى الأبد))[13].

ثالثاً: إنّ تولية يزيد انتهاك صارخ لإرادة الأمة، وتجاوز وقح على كل حقوقها، ومنها حق الإرادة والاحترام، فقد سحق معاوية كلّ الحقوق والقوانين تحت قدميه، فقد ولّى على الأمة من يُصغّر شأنها، ويستحقر مكانتها، ولست أشكّ في أنّ معاوية كان يقصد ذلك حتى يستمر خطّه المنحرف إزاء الإسلام، وسنته السيئة التي طالت سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

إنّ من القوانين الثّابتة في علم الاجتماع قانون التابع والمتبوع، وقد حاول معاوية إخضاع المجتمع بقتل شخصيته حتى يمكنه إتباع أرذل من يزيد، أنا لا أؤمن بمقولة جوّع كلبك يتبعك، بقدر إيماني أقتل شخصية صاحبك يتبعك، وهذا ما حصل إبان حكم معاوية، فقد اغتال معاوية شخصية المجتمع، فصار يدور في فلك الصعاليك بالرغم من مرارة الاتباع وقساوة النتائج.

وقد نحمّل وعّاظ السلاطين قسطاً كبيراً من مسؤولية الاتباع للظلمة من أمثال سمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وعروة بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، فهؤلاء ساهموا في قتل شخصية المجتمع، ونسف كل مقوّماته الحضارية بما فيها الأخلاق.

فالمجتمع الإسلامي بات لا يملك أخلاقاً، وصار بعيداً عن القيم المحمّدية التي كانت تساهم بشكل فعّال في إذكاء الروح الإيمانية، وتقويم الشخصية.

إنّ الانحدار الذي وصل إليه المجتمع في زمن معاوية يعدّ نقطة ضعف خطيرة، فشاع الفساد في كلّ حواضر الدولة الإسلامية، وانتشر العهر والمجون في ربوع أقدس المدن مكة والمدينة ممّا شكّل خطراً حقيقياً على القيم، وعلى كيان المجتمع، إذ بات يتنفّس المجون فأثّر سلباً على أخلاقه، فأخذ ينسلخ عنها تباعاً.



وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مآتماً وعويلا



وبعد تولي يزيد أصبح المجتمع الإسلامي سهل الانقياد إلى درجة لم يكن يزيد نفسهُ يتصوّر ذلك، فأمعن في الفجور، وأوغل في التهتك، الأمر الذي أدّى بيزيد إلى التمادي بشكل لا يوصف، فأقدم على نسف كلّ ما يمتّ إلى الإسلام.
جاء في كتاب (مقتطفات سيكولوجية) في أهمية الشخصية:

((هذا من جهة تأثير شخصية الإنسان على المستقبل، فما هو تأثيرها في الحاضر؟.

الناس في هذا نوعان: نوع وجد ليكون تابعاً وآخر ليكون متبوعاً، واحد يرضى بأن يكون جندياً بسيطاً وآخر لا يرضى إلا بأن يكون قائداً عظيماً، شخصيته باردة ولو رفعتها إلى أعلى مقام، وشخصيته بارزة ولو حجبتها في الظلام، ضع الأولى على أعظم عرش وأحطها بكلّ أنواع العظمة تجدها عبدة متوجبة، ثم ضع في يد الشخصية الثانية قصبة مرضوضة تجدها قد تحوّلت إلى صولجان من العاج ألبسها قميصاً إرجوانياً تجده عليها حلّة ملكية، ضع على رأسها إكليلاً من الشوك تجده قد استحال إلى تاج مرصّع باللآلئ، ارفعها على صليب العار تراها جالسة على أعظم عرش تحيطها المهابة والوقار، فالشخصية منفصلة عمّا يحيط بالإنسان من جلال القوة ومظاهر الضعف.

كان بولس في روما في أعماق السجون، وكان نيرون مرتفعاً على عرش روما العظيم، وبعد قليل ماتا كلاهما، فاحتقر الرومان اسم نيرون لشخصيته الحيوانية التي تسرّ وتبتهج برؤية تمزيق الأجسام، وبولس لشخصيته المحبة التي كانت تسعى لخلاص البشرية من كبوتها وعجرفتها.

كذلك في عالم السياسة نقرأ عن بسمارك، ونعجب مما كان عليه من قيادة وسيادة وحنكة واختبار في الأمور السياسية، ولكن كم منا يذهب إلى أبعد من هذا الحد، وكم من الناس يدركون أنّ شخصية بسمارك كانت تستمد من شخصية ((زوجته)) التي كانت له تعزية في وقت الحزن، ورجاء في اليأس، وقوة في الضعف، ونوراً في الظلام))[14].

من هنا فإنّ معاوية أراد للأمة أن تصغر بتولية يزيد حتى تتبع الصغار، وهذا ما كان، فالأمة أخذت تتبع الصغار وتترك الكبار، وبذلك اتجهت إلى الهاوية، وتحمّلت نتائج مرة ظلّت تعاني منها قروناً طويلة.

وفي قوانين الأمم: ((إنّ السلطان الجائر يكلّف الأمة كثيراً قد يمتدّ أثره لأجيال ما لم يأتِ سلطان صالح يمحو سيئات ما قبله.

وإذا تسلط عليها من يحيف بها وهي خانعة فلا يرجى منها الخير، ومن العوامل المهمة في سقوط الحضارات يكمن في السلطان الجائر، وتقاعس الأمم، والأمة التي تستكين وتغفو في ظلّ حاكم جائر قد تكون هي الضحية الأولى، وهذا ما كان في عهد يزيد، وما بعد يزيد.

فقد استكانت الأمة، وتركت الحبل على الغارب، وكأنها اطمأنّت تماماً على حياتها، فأجهز عليها الحكام فأخذوا ((يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع))[15].

((فاتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، والظالمين عوناً، والصالحين حرباً)).

قال تعالى: ((وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ))[16].

إنّ من يطمئن إلى الحاكم الجائر لا يحصد إلا الذلّ، وسيم الخسف، وشمل الصغار.

وكم كان بودي لو تكون صورة يزيد ماثلة في أذهان الخانعين والمتخاذلين، ومنهم وعّاظ السلاطين، فليتهم تصفحوا تاريخ من سبقهم، واستقرؤا ما آلت إليهم حياتهم، لقد شملهم الذلّ والصغار، وظلّت تتلاحقهم اللعنات، فيا لها من ذلّة وخسارة.

لقد عاشوا أياماً معدودات مع الظلمة، فأورثوا عاراً أبدياً وخزياً سرمدياً، ناهيك عن النّار الأبدية، يا لها من خسارة لا يمكن أن تستوعبها الكلمات.
قد تكون هناك خسارة يمكن تعويضها وتدارك آثارها، فتارك الصلاة والصيام والخمس وغيرها من العبادات يمكن للإنسان تداركها بالتوبة والإنابة والقضاء، طالما هو في الدنيا، ولكن ماذا لو مات وهو تارك للعبادة فحسابه يختلف تماماً، فلا يمكن إجبار ما ترك في الدنيا، إلا في حالة واحدة إذا أدركه ولد صالح كما في الروايات، ولكنَّ هذا أهون بكثير من يترك سنّة سيّئة تحفر في قلوب الأجيال بؤر الرذيلة والفساد.

ــــــــــــــــــــــ
[1] الدولة العربية: فلهاوزن، ص207.

[2] الإمام الحسين عليه السلام: الأستاذ سليمان كتاني، ص19.

[3] الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي، ج2/ص302. كتاب الأربعين: محمد طاهر القمي الشيرازي، ص201. بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج30/ص444. صحيح البخاري: البخاري، ج8/ ص26. المعيار والموازنة: أبو جعفر الإسكافي، ص38. المصنف: ابن أبي شيبة الكوفي، ج7/ص615. الاستذكار: ابن عبد البر، ج7/ص258. التمهيد: ابن عبد البر، ج22/ص154. الثقات: ابن حبان، ج2/ ص156. العثمانية: الجاحظ، ص286. تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي، ج2/ص158.

[4] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص180.

[5] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص180. سمو المعنى في سمو الذات: الشيخ العلايلي، ص59.

[6] روح الإسلام: السيد مير علي الهندي، ص296.

[7] الفخري: ص45.

[8] معالم المدرستين: السيد مرتضى العسكري، ج3/ص22. حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص183.

[9] الغدير: الشيخ الأميني، ج10/ص32.

[10] تحف العقول: ابن شعبة الحراني، ص58. الاحتجاج: الشيخ الطبرسي، ج2/ص24. مثير الأحزان: ابن نما الحلي، ص40.

[11] تخريج الأحاديث والآثار: الزيلعي، ج3/ص336. الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل: الزمخشري، ج3/ص467. تفسير الثّعلبي: الثّعلبي، ج8/ص312. تفسير ابن عربي: ابن العربي، ج2/ ص219. تفسير القرطبي: القرطبي، ج16/ص22. تفسير أبي السعود: أبي السعود، ج8/ص30. ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، ج3/ص139.

[12] العمدة: ابن البطريق، ص457. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج2/ص176. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، ج63/ص336. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج4/ص39. البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي، ج8/ص253. إمتاع الأسماع: المقريزي، ج12/ص233. السيرة الحلبية: الحلبي، ج1/ ص269.

[13] موسوعة الثورة الحسينية عليه السلام: الأستاذ محمد نعمة السماوي، ج3/ص76.

[14] مقتطفات سيكلوجية: محمد سليم باقي، ص26 ــ 27.

[15] شرج نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص197.

[16] هود: ١١٣.

تأملات في حادثة إرسال والي المدينة لطلب البيعة من الإمام الحسين عليه السلام


بقلم: الشيخ حسن الشمري

((وأرسل الوليد في منتصف الليل عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلام حدث خلّف ((الحسين عليه السلام)) و((ابن الزبير))، وإنما بعثه في هذا الوقت لعلّه يحصل على الوفاق من الحسين عليه السلام، ولو سراً على البيعة ليزيد، وهو يعلم أنه إذا أعطاه ذلك فلن يخيس بعهده، ولن يتخلف عن قوله.

ومضى الفتى يدعو ((المولى)) الحسين عليه السلام وابن الزبير للحضور عنده، فوجدهما في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهما إلى ذلك، فاستجابا له، وأمراه بالانصراف، وذعر ابن الزبير.

فقال للإمام عليه السلام: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟ أظن أنّ طاغيتهم (يعني معاوية) قد هلك، فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو بالناس الخبر، فقال: وأنا ما أظنّ غيره فما تريد أن تصنع؟.

فقال عليه السلام: أجمع فتياني الساعة، ثم أسير إليه، وأجلسهم على الباب، إني أخاف عليك إذا دخلت، لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع.

وانصرف أبيَّ الضيم إلى منزله فاغتسل، وصلى ودعا الله، وأمر أهل بيته بلبس السلاح والخروج معه، فخفوا محدقين به، فأمرهم بالجلوس على باب الدار، وقال لهم: إني داخل، فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليّ بأجمعكم.

ودخل الإمام على الوليد، فرأى مروان عنده، وكانت بينهما قطيعة، فأمرهما الإمام عليه السلام بالتّقارب والإصلاح، وترك الأحقاد، وكانت سجية الإمام عليه السلام التي طبع عليها الإصلاح حتى مع أعدائه وخصومه.

فقال عليه السلام: ((الصلة خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات بينكما))(1)، ولم يجيباه بشيء، فقد علاهما صمت رهيب.

ثم إنّ الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام قال للوليد: لماذا دعوتني؟.

قال: دعوتك للبيعة. فقال عليه السلام: ((إن مثلي لا يبايع سراً، ولا يجتزئ بها مني سراً، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة، دعوتنا معهم كان الأمر واحداً.

وكان الوليد بن عتبة لا يرغب في إجبار الإمام عليه السلام، كما يقول المؤرخون: كان يحب العافية.

فسمح للإمام بالانصراف إلى داره.

فانبرى مروان بن الحكم، فصاح بالوليد: لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه.

فردّ الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام على مروان قائلاً: يا ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت(2).

ثم أقبل على الوليد، وقال: ((أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة))(3).

وهنا ملاحظات:

1 ــ يؤخذ على الوليد بن عتبة إرساله غلاماً حدثاً لاستدعاء الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وكان ينبغي للوليد الذهاب بنفسه إلى الإمام عليه السلام، ثم استعراض ما حدث لمعاوية ويزيد بن معاوية.

أما أن يرسل غلاماً حدثاً فهو خطأ، ويجانب الحكمة والصواب.

2 ــ وكان على الوليد بن عتبة أن يؤجل استدعاء الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام لبضعة أيام، ولكن يبدو أنّ الأوامر الصّارمة من يزيد لم تضع هامشاً من الوقت، وقد أخطأ يزيد وحسب أنّ السلطة والقوة تحسم الموقف بهذه السرعة، ومع شخصيات لامعة وكبيرة.

وقد ظنّ يزيد أنّ سكوت الإمام عليه السلام في زمن أبيه، إنما هو لضعف، وعليه أن يسرع في أخذ البيعة، ولكن فات يزيد أنّ بنود الاتفاق المبرم بين أبيه والإمام الحسنعليه السلام، اضطرت الإمام إلى السكوت وعلى مضض، ولكن يبدو من ظواهر الأحداث أن يزيد لم يطلع على بنود الاتفاق، وحتى لو اطلع عليها فإنه لم يحترمها، كما فعل أبوه من قبل.

3 ــ إنّ يزيد إنّما أسرع في طلب البيعة من الإمام الحسين عليه السلام حتى يستبق الأحداث، ومن ثمّ يقلّص فرص تحرك الإمام عليه السلام على صعيد العمل بالاتفاقات المبرمة بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، وكما أسلفنا فإنّ من بنود الاتفاق إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام.

4 ــ إنّ طلب البيعة بهذه السرعة يدخل في إطار ((فرض الهيبة))، وكما هو ثابت في عرف الحكّام المستبدين إنهم ((يخلقون الأجواء لفرض الهيبة والسطوة))، وخياراتهم تظلّ مفتوحة على الوسائل كافة بما فيها ((الاغتيالات)) لفرض السلطة، وليس القانون، لأنّ السلطان عندهم فوق القانون.

5 ــ إنّ من يستقرئ واقع السلطة في زمن معاوية يستشف أمراً غاية في الخطورة يكمن في إسقاط المقدسات كلّ ذلك حتى يمكن السيطرة على الناس.

وهذه الخطّة يعمل بها اليهود كما جاء في (بروتوكولات حكماء صهيون).

وعلى خلفية هذا الواقع الخطير، فإنّ طلب البيعة بهذه الكيفية إنما تستهدف إسقاط المقدسات، والتي أوضح مصاديقها الشخصيات لذلك:

فإنّ البيعة ليزيد عنوان واضح للذلّ، فكان لابدّ للإمام أن يرفض مهما كلّف الأمر، ثم إنّ مروان لام الوليد، وقال: والله لئن فارقك الحسين عليه السلام الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، أحبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه.

فوثب عند ذلك الحسين عليه السلام، وقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت. وخرج عليه السلام يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله، فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً.

فقال الوليد: ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبّ أن لي ما طلعت عليه الشمس، وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت حسيناً، سبحان الله أقتل حسيناً لما أن قال: لا أبايع، والله إني لأظن أن امرءاً يحاسب بدم الحسين عليه السلام خفيف الميزان عند الله يوم القيامة(4).
توطئة

أجمعت الأمة الإسلامية أنّ الآية ((وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))(5)، نزلت بحق رسول الله، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام(6).

نقل الثعلبي رواية أم سلمة رضي الله عنها في (تفسيره): ((وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيتها إذ أتته فاطمة عليها السلام بقطعة حرير. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أدعي لي زوجك وابنيك الحسن والحسين. فأتت بهم، فطعموا، ثم ألقى عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كساءً له خيبرياً، وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)). فنزلت آية التطهير، فقلت: يا رسول الله وأنا معهم؟. قال: إنك إلى خير، ولكنك لست منهم(7).

وقد أثبتُ في كتاب (قبس من نور فاطمة عليها السلام) أنّ آية التطهير تخصّ أهل البيتعليهم السلام، ومن جملة الأدلّة التي أوردتها امتناع نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما فيها السيدة عائشة من القول أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت هي بأمسّ الحاجة إليها لاسيما وأنها خاضت حرب ((الجمل))، وكانت تحتاج إلى دليل يقوي موقفها، كما وأنّ الصحابة برمّتهم أطبقوا على أنّ الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسيدة فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام، وأوردت دليل زيد بن أرقم كما في (صحيح مسلم) أنّ أهل البيت هم الأولاد وليست الزوجة(8).

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ: ابن الأثير، ج4/ص15. مقتل الحسين عليه السلام: أبو مخنف الأزدي، ص5. حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص254.

(2) الكامل في التاريخ: ابن الأثير، ج4/ص300. البداية والنهاية: ابن كثير، ج8/ص157. مقتل الحسين عليه السلام: أبو مخنف الأزدي، ص6. كتاب الفتوح: أحمد بن أعثم الكوفي، ج5/ص14.

(3) كتاب الفتوح: أحمد بن أعثم الكوفي، ج5/ص14. اللهوف في قتلى الطفوف: السيد ابن طاووس، ص17. كربلاء، الثورة والمأساة: أحمد حسين يعقوب، ص149.

(4) الإرشاد: الشيخ المفيد، ج2/ص34. بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج44/326. إعلام الورى بأعلام الهدى: الشيخ الطبرسي، ج1/ص435. نفس المهموم: المحقق الشيخ القمي قدس سره، ص64.

(5) الأحزاب: ٣٣.

(6) راجع تفاسير: تفسير الثعلبي. الدر المنثور. الزمخشري. تفسير ابن كثير. القرطبي. والكثير من التفاسير، وكتب الحديث.

(7) مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج6/ص292. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج12/ ص451. نظم درر السمطين: الزرندي الحنفي، ص133. معاني القرآن: النحاس، ج5/ص349. تفسير الثعلبي: الثعلبي، ج8/ص42. أسباب نزول الآيات: الواحدي النيسابوري، ص239. تفسير السمعاني: السمعاني، ج4/ص281. شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني، ج2/ص61. تفسير ابن كثير: ابن كثير، ج3/ص492. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي، ج5/ص198. فتح القدير: الشوكاني، ج4/ص279. تفسير الآلوسي: الآلوسي، ج22/ص14. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، ج13/ص204. أسد الغابة: ابن الأثير، ج4/ص29. تهذيب الكمال: المزي، ج6/ص229. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج3/ص283.  فضل آل البيت: المقريزي، ص30. الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ابن الصباغ، ج1/ص136. ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، ج2/ص227.

(8) صحيح مسلم: تفسير آية التطهير.