كلمة حول المنبر الحسيني

بقلم: محمد رضا القاموسي

1- في حديث سابق، نشر في عدد متقدم، تحدثت عن دور القلم في توجيه الأمة، بإعتباره اداة فعالة في هذا الميدان، ثم تحدثت عن دور القلم عندنا نحن المسلمين، وكيف يجب أن يكون حتى نفيد منه في مجال الصراع الفكري بين الإسلام وسواه.

واليوم ونحن نعيش ذكرى ثورة الطف الخالدة، إلتقي مرة أخرى مع القارئ الكريم لأتحدث إليه عن أداة أخرى، هي (( المنبر الحسيني)) لاتقل أهمية عن الأولى، لو استمرت كما ينبغي في ميدان الدعوة إلى الإسلام المتمثل في سلوك أهل البيت ونظرتهم إلى الكون والحياة.

ولم تقتصر معطيات المنبر في هذا المجال فقط، بل إنه - في واقعه - مدرسة ثقافية تحوي شتى العلوم، وتفتح فيها مختلف الأسفار من عقائد وتأريخ وأدب وسير وتفسير، وعلوم أخرى، وكلنا يعرف مدى إتصال هذه العلوم بحياة الأمة ودورها المهم في بناء كيان المجتمع الثقافي الإسلامي.

ومعطى ثالث للمنبر لمسته الأمة في مواقع عديدة، هو توعية الجماهير بنشر الوعي الديني بين أبنائها وألهاب الحماس عندها من أجل أن تعيش الأمة حياة سعيدة، تضمن لها عزتها وكرامتها، كأمة لها نظمها وحضارتها.. وليس بعيد علينا دور المنبر في ثورة 1920 الخالدة حيث كان خطيبها الكبير المرحوم الشيخ محمد علي قسام- كما ينقل مؤرخوا الثورة – اللسان الناطق عن آلام الأمة وآمالها، والصوت المدوي من أجل أن ينال العراق حقوقه المغصوبة من الأعداء، والقوة الدافعة للجماهير إلى الإنخراط في سلك الثورة والنـزول إلى ميدان القتال.. وليس ببعيد علينا أيضاً مواقف بعض خطباء العراق وإيران وغيرهما حين أراد الإستعمار للشعوب الإسلامية أن تعيش في كابوس أنظمته الكافرة، فوقف هؤلاء ليقولوا كلمة الإسلام الصريحة في هذه الأنظمة، وليزيحوا الستار عما انطوت عليه من شر وشقاء للمجتمع.

2- ويتمتع المنبر اليوم بمكانة مرموقة في نفوس أبناء الأمة على اختلاف طبقاتها من شباب، وكهول، وشيوخ، وليس أدل على هذه المكانة من احتشادهم في المجالس الحسينية والورود إليها.

لذلك كان على المنبر أن يكون دائماً في إتصال وثيق بحياة الأمة وأن يكون للخطيب من المؤهلات ما تكفي لأداء هذه المهمة كاملة غير منقوصة.

ومؤهلات الخطيب اليوم كما يحددها استاذي الفضلي في مقال له:

1- أن يكون ذا ثقافة عامه تقوم على ركائز وأسس علمية يعي معلوماته ويقيمها على ضوء تلكم الركائز والأسس.. وبعبارة موجزة أن يكون عالماً عاماً.

2- أن يكون ذا نظرة اجتماعية بعيدة تفهم مقتضيات المناسبة ومتطلبات الموقف.

3- أن يكون ذا أفق فكري يستوعب في مداركه مختلف ذهنيات مستمعيه.

4- أن يكون واعياً لغة الجماهير أو المستمعين الذين يخاطبهم ومتخذاً منها وسيلة لعرض الفكرة..، وبتعبير آخر.. أن يكون واعياً للغة مخاطبة العقل عن طريق العاطفة.

5- أن ينوع ويلون في معروضاته وداخل الإطار العام لفكرة موضوعه.

6- أن يكون متوفراً على وسائل العرض والتأثير أمثال حسن الصوت، وطلاقة اللسان، وعذوبة المنطق، وفنية الإشارة ومناسبة الهيئة وما شاكلها.

7- أن يعيش فكرته ويحيا أهدافها ليتفاعل وإياها حينما يعرضها بغية نجاح التأثير.

مجالس التعزية من اهم اسباب التقدم لدى المسلمين

بقلم: سلمان الصفواني

صاحب جريدة اليقظة

ثلاثة عشر قرناً مرت على ذكرى سيد الشهداء وهي خالدة في الاذهان متجددة مع الزمان، وستبقى هذه الذكرى المجيدة كذلك مخضلة بالدموع، مخضوبة بالدماء. ما بقي على وجه الارض اناس يمجدون الفضيلة ويقدسون الحرية ويكبرون البطولة ويحبون الحق والكمال على انه مهما اوتينا من فصاحة في القول وبلاغة في البيان فلن نستطيع ايفاء هذه الذكرى حقها من الدرس والتمجيد وبعد ماذا اريد ان اقول؟

 يحضرني ايها السادة في هذا المقام مقال كتبه المسستشرق الفرنسي المعروف غوستاف لوبون، قال حضرت احد مجالس التعزية في الهند وكان معي ترجمان، فسمعت الخطيب وهو على المنبر يقول: ايها الناس، ان سيدنا ومولانا ومقتدانا ابا عبد الله الحسين قد ضحى بنفسه وعياله وماله ولم يعط بيده اعطاء الذليل ولم يفر فرار العبيد، وانما آثر المنية على الدنية فعلمت ان الخطيب يلقي على القوم درساً بليغا في الوطنية انه يقول لهم يا أهل الهند اذا اردتم ان تكونوا احراراً في بلادكم وان لا يكون لاجنبي سلطان عليكم فاقتدوا بمثل هذا الرجل العظيم والامام الكريم ثوروا في وجه الظلم كما ثار وضحوا من اجل المبدأ والكرامة كما ضحى ولكن الخطيب والسامعين لم يفهموا هذا المعنى، وكلما قصدوا اليه في مجالس التعزية هو ان يبكوا ويتباكوا ليكن لهم ثواب ذلك في الآخرة. وهم يجهلون ان لكل عمل مادي نتيجة مادية في الحياة مضافاً الى النتائج الاخرى، فاجتماع عدد كبير من الناس في مجلس واحد لغرض واحد عمل مادي يجب ان تكون له نتائج مادية ايضاً. ان مجالس التعزية مؤتمرات فعلية مجانية. مؤتمرات شعبية يحرص الغربيون على امثالها فلا يظفرون بها الا بعد جهد كبير، فهل استطعنا خلال الف وثلاثمائة سنة ان نخرج بهذه المؤتمرات الشعبية العديدة الدائمة –من البكاء والتباكي- الى ما هو اعود على هذه الامة بالنفع هل استطعنا في هذه المؤتمرات ان نفكر في حاضرنا ونعالج مشاكلنا ؟

ايها السادة:


لقد قام الحسين (عليه السلام) بتضحيته الكبرى وليس فيكم من لا يعرف هذه التضحية الفذة في تاريخ الابطال وها انا ذا اقتبس لكم خطاباً من خطبه (عليه السلام) ومنه تعرفون لماذا اقدم –وهو عالم- على تلك التضحية قال ابن قتيبة في كتابه (الامامة والسياسة):

قدم معاوية ليأخذ البيعة من اهلها ليزيد وقد ارسل الى الحسين وابن عباس فاجلس الاول على يمينه والثاني على يساره ثم سأل معاوية الحسين عن حال بني اخيه الحسن (عليه السلام) ثم بدأ بالكلام عن ترشيحه يزيد للخلافة في خطاب طويل ستعرفون فحواه من جواب الحسين له، قال ابن قتيبة فتبسم ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة، فاشار اليه الحسين وقال: على رسلك فانا المراد ونصيبي في التهمة اوفر، فامسك ابن عباس فقام الحسين (عليه السلام) فحمد الله وصلى على الرسول. ثم قال اما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وان اطنب في صفة الرسول من جميع جزأ، وقد فهمت ما البست به الخلف بعد رسول الله من ايجاد الصفة والتنكب عن استبلاغ البيعة. وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمه الدجى، وبهرت الشمس انوار السرج ولقد فضلت حتى افرطت، واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وجرت فجاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب حتى اخذ الشيطان حظه الافر ونصيبه الاكمل وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد تريد ان توهم الناس في يزيد كانك تصف محجوباً، او تنعت غائباً او تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رايه فخذ ليزيد فيما اخذ به من استقرائه الكلاب المهارشه عند التحارش والحمام السبق لاترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي –تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول فما اغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق باكثر مما انت لاقيه من الله مابرحت تقدح باطلاً في جور وحنقاً في ظلم حتى ملأت الاسقية وما بينك وبين الموت الا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص. ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الامر. ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد لعمر الله اورثنا الرسول ولادة. وجئت لنا بما حججتم به القاء عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك وردة الايمان الى النصف فركبتم الاعاليل وفعلتم الافاعيل وقلتم كان ويكون حتى اتاك الامر يا معاوية عن طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا أولي الابصار. وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله وتأميره له. وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضله بصحبة الرسول وبيعته له. وما صار لعمرو بن العاص يومئذ حتى انف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدوا عليه افعاله. فقال لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في اوكد الاحوال واولاها بالمجتمع عليه من الصواب ؟ ام كيف ضاهيت بصاحب تابعاً وحولك من يؤمن في صحبته ويعتمد في دينه وقرابته وتتخطاهم الى مسرف مفتون تريد ان تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها آخرتك ان هذا لهوا الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم.

ايها السادة:


هو ذا نص خطاب الامام (عليه السلام) -كما رواه ابن قتيبة- وواضح منه رفض بكل اباء ان يتولى امر الامة من ليس اهلاً للولاية كيزيد، يستبيح حرماتها ويسلط اسرارها على اخيارها ويحكم بالجور فيها، وقد تتابعت الاحداث بعد ذلك وهلك معاوية، وتولى يزيد الامر، رغم انف الامة على نحو ما يجري الان في الشعوب المستضعفة والاقطار المغلوبة على امرها ولكن هل استسلم الامام (عليه السلام) لسياسة الامر الواقع ؟ وهل رضـي لنفسـه بالعافيـة والسلامة على حساب الامة ؟ كلا ، ولم يكتف بقوله: ان مثلي لا يبايع يزيد شارب الخمور وراكب الفجور، بل دعا الامة بذلك الى ان تثب معه في وجه الظلم. فتثأر لكرامتها المهانة بولاية يزيد فنفر معه من نفر وفر عنه من فر. ثم حدثت المأساة التاريخية التي اطاحت بالدولة الاموية فيما بعد مما هو معروف.

ايها السادة:


اسمحوا لي ان اعود ثانية الى ذكر ((مجالس التعزية)) هذه المؤتمرات الشعبية العظيمة وقد ذكرها مستشرق اخر هو الكاتب الالماني ((مارتن)) فوصفها بانها من اهم اسباب التقدم لدى المسلمين ان هم احسنوا تنظيمها والاستفادة منها. اننا في عصر لا يختلف كثيراً عن العصر الذي تولى فيه يزيد امر الدولة الا من ناحية واحدة، هي ان الله قيض للمسلمين اماماً كالحسين يضحي بنفسه فداء لدينه وامته، اما في عصرنا هذا فليس بيننا –ونحن نبكي الحسين ونحي ذكراها- من يقتدي به في سيرته- وكان علينا ان نتخذ من هذه ((المؤتمرات الشعبية الدائمة)) خير حافز لتوحيد الكلمة وشحذ الهمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لنقف فيها للظالمين بالمرصاد وللحاكمين المستبدين بالحساب، وبهذا فقط نكون قد احيينا ذكرى سيد الشهداء واحسنا الاقتداء. فهذا والسلام عليكم.

الإمام الحسين عليه السلام يقيم الحجة على الأمة قبل استشهاده

بقلم: الشيخ حسن الشمري


من الأسباب التي دعت الإمام عليه السلام إلى النهوض هي كثرة الرسائل التي انهالت عليه من مدن كثيرة وليس الكوفة حسب تطلب منه النصرة، وإقامة العدل الإلهي.

وما كان من الإمام إلا أن ينهض، ويستجيب لمطالب الأمة ويأخذ بحقها التي استلبه حكام الجور والطغيان، فقد سلب حكام الجور حقوق الأمة الطبيعية التي أقرّها الإسلام وثبتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشقّ الأنفس.

فقد سلب حكام الجور ((كرامة الأمة))، وهي من أهمّ الحقوق التي سعى إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحققها بكلّ معانيها الفذة.

وقد عرف الإنسان هذه الخصلة بعد أن غابت عن ذهنه مدة طويلة.

جاء في سيرته المثلى:

عندما دخل عليه عدي بن حاتم الطائي قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأجلس عدياً مكانه، ثم أعطاه وسادته ليتكأ عليها وجلس سيد الكائنات على بساط خفيف لا يحجبه عن الأرض كثيراً.

فتعجب عدي بن حاتم من هذا الخلق الرفيع، فترك أثراً عميقاً في نفسه، ثم بعدها أسلم (رضوان الله عليه).

إنّ هذه الأخلاق رسمت الكرامة بكل وضوح، وأعطتها معنى سامياً.

من هنا فإن الإنسان في ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سما كثيراً، وتألق في سماء الفضيلة.

وكما هو ثابت في علم النفس التربوي: إنّ الإنسان إذا تلقّى الاحترام والتقدير من كبار القوم بالذات من القادة فإنّه يسمو بنفسه، ولا يميل إلى ما يشين سمعته.

وهكذا سمت شخصيات كثيرة، وأصبحت مثالاً يحتذى به، ولكن عندما جاء معاوية إلى الحكم وجد هذه الشخصيات عقبة كؤود أمام حكمه الجاهلي، فسعى بكلّ الوسائل للتخلص منها حتى يتمكن من السيطرة على الدولة، فتوسّل بولاة لا يقيمون وزناً لـ((لكرامة الإنسان))، ولا يفهمون معانيها.

فعبيد الله بن زياد كان لئيماً، وفاقداً للكرامة، وفاقد الشيء لا يعطيه، فألبس الناس الذلّ حتى غدا الواحد منهم لا يجرؤ على الكلام، ناهيك عن الاعتراض.

يقول التاريخ:

((فغاضت الألسن وكأن لم يخلق الله للقوم ألسناً وغارت الكلمات)).

ثم إنّ معاوية استعمل أسلوب التهكّم والاستهزاء بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبالأئمة عليهم السلام.

قال ابن حجر المكي: ((جاء بسند رواته ثقات: إنّ مروان لما ولي المدينة كان يسبّ علياً على المنبر كل جمعة، ثم ولي بعده سعيد بن العاص فكان لا يسبّ، ثم أعيد  مروان فعاد السب))[1].

ويعد السبّ من الأساليب التي استعملها معاوية (لامتهان كرامة الأمة) عبر التجاوز على الرموز العملاقة التي تحفظ كرامة الأمة.

ثمّ جاء يزيد ليكمل المسلك السيء فأخذ بمنهاج أبيه، وزاد عليه بأن أفصح تماماً عن خطته اللئيمة في امتهان ((الإنسان))، وهكذا طلب البيعة من الإمام أبي عبد الله عليه السلام حتى يقيده بشروط مذلّة، ليسقطه في أعين الأمة.

ولكنّ الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام أبى إلا أن يقاوم هذه الخطة، ويفشل مخططات الطغمة الحاكمة، ويحفظ كرامة الأمة، فشمّر الإمام عليه السلام عن ساعد الجد لضرب أيّ تحرّك يستهدف كرامة الأمة وينال من شخصيتها، فقد رفض البيعة وتحدى قوى الشر والظلام بكلّ قوة وصلابة، وهذا درس كبير من دروس التحدي والبطولة.

إنّ إذلال الأمة وامتهان كرامتها يعدّ خرقاً للقوانين الإسلامية وتجاوزاً على حقوقها الأساسية، فالكرامة حق طبيعي لا يمكن التفريط به بأي شكل من الأشكال، لذلك فإنّ الإمام أبا عبد الله عليه السلام ركز كثيراً على هذا الحق، وجعله من أولويات اهتمامه حتى أنه رفض أيّ شكل من أشكال المساومة إزاءه، من هنا فإنّ خروج الإمامعليه السلام من المدينة كان حفظاً لها ولكرامة أهلها.

وقد أخطأ البعض عندما حصر خروج الإمام وأوعزه إلى نداءات أهل الكوفة، ويدلّ هذا الرأي إلى سذاجة التفكير وسطحية الرؤية لعدة أسباب:

أولاً: هل غائب عن ذهن الإمام عليه السلام سيكولوجية الكوفيين وتركيبتهم السكّانية؟.


ثانياً: إنّ الإمام (صلوات الله عليه) لم يتوجه تلقاء الكوفة ليصنع الثورة حتى يعترض البعض.


فتحرك الإمام لم يتّسم بطابع الانفعال بفعل الرسائل التي انهالت عليه، ولم يجعل الكوفة هدفه النهائي، بل كان يريد تحرير الإنسان في كل الأمصار بدليل توجهه إلى مكة المكرمة، ثم إرسال المبعوثين إلى البصرة وباقي الأمصار، ثم إن الذين بعثوا الرسائل للإمام عليه السلام كان معظمهم من الخط المناوئ لأهل البيت عليهم السلام فكيف يطمئن الإمام عليه السلام إليهم؟.

لذلك فإنّ الإمام عليه السلام أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل (رضوان الله تعالى عليه) حتى يستطلع الأمر، ويقف على حقيقة الأوضاع، وهذا يدلّ على حنكة الإمام عليه السلام وتحركه على وفق خطة محكمة بعيدة عن ردّات الفعل.

ثالثاً: إنّ هؤلاء لم يستقرئوا الظروف التي أحيطت بالكوفيين فجاء اعتراضهم أعوراً.


إنّ مشكلة المعترضين تكمن في عدم إحاطتهم بالحدث فيأتي الاستقراء مشوّهاً وعليلاً.

إنّ الكوفة كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تشكّل العمق الاستراتيجي:

ولكن التغيير الديمغرافي الذي حصل بفعل التسفيرات للعوائل الشيعية جعلها على الهامش، ولكن مع هذا التهميش خرج منها من يعادل جيشاً كاملاً في نصرة أبي عبد اللهعليه السلام وسوف نفصّل ذلك.

فعليه فإن الإمام الحسين عليه السلام استطاع بنهضته المباركة إرجاع الكرامة وحفظ كيان الأمة. وقد تشكّل الثورات المتعاقبة إحدى الأدلة على ذلك، فقد تنفّس الحسّ الإنساني الصعداء، ونفض غبار الذلّ والمهانة فأخذ يقاوم بكل جرأة حكّام الجور، وينسف كل حواجز الخوف والتردد، إنّ العبرة بالنتائج، لذلك يقول العلماء: إن أيَّ حدث يقيّم بحسب نتائجه المستقبلية وليست الآنية.

 ــــــــــــــــــــــ
[1] الغدير: الشيخ الأميني، ج8/ص264. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص101. 

نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتأمين الدعم الشعبي


بقلم: الشيخ حسن الشمري

إنّ أي نهضة لابدّ أن تملك عمقاً استراتيجياً يتمثّل أولاً في المبادئ، وثانياً في الدعم الشعبي، وثالثاً في التخطيط الاستراتيجي، وهذه العوامل تعدّ من القواعد الأساسية التي تقوم عليها النّهضات لأنها تساهم بشكل فعال في تحقيق النتائج المطلوبة فضلاً عن امتلاكها قوة المبادرة التي باتت إحدى العوامل المساعدة في تحقيق النتائج، ومن العوامل المهمة لنجاح النّهضة يكمن في ((الدعم الشعبي)).

فباتساعه وقوة فاعليته يعطي للنهضة قوة لكي تأخذ حجمها المطلوب في واقع الأمة، لذا أثبت علم الاجتماع فيما يخص تقدم النهضات، إنّ نجاح أيّ نهضة مرهون بمدى تقدم علاقاتها الاجتماعية من هنا فإنّ النهضات التي حقّقت النجاحات المطلوبة إنما انطلقت من عمق علاقتها بالمجتمع.

فالنهضات العملاقة هي الضاربة في عمق المجتمع، وبعمق جذورها تعلو سماها كما يقول علماء الحضارة.

ولقد امتلكت نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام عمقاً اجتماعياً قلّ نظيره.

جاء في كتاب (من معالم الحق) للشيخ محمد الغزالي:

((إنّ ملوك بني أمية لما أخطأوا لُعنوا وتنادى المسلمون عليهم من كل جانب حتى أسقطوا دولتهم، وما كان ذلك يحدث لو تولى الأمر أهل البيت، ولما يعلمه النهازون والدجّالون من محبّة المسلمين لنبيهم وبيته اصطنعوا أنساباً يمتّون بها إليه، وأقاموا حكومات كانت بسيرتها المنحرفة وبالاً على الإسلام وأهله، وتاريخنا السابق واللاحق يحكي أبناء أسر انتحلت الشرف، والشرف هو بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتوالد، وباسم هذا الشرف المكذوب أُلحقت بالأمة الإسلامية من الأذى ما تزال تترنح منه حتى الساعة.

لقد أصاب ابن عمر في قوله للحسين: ((والله لا يليها أحد منكم أبداً)).

لقد صرف الله الحكم بخيره وشره عن آل محمد ليسوي الناس شؤونهم بأنفسهم، ويحلّون مشكلاتهم مع حكامهم بأيديهم باللطف أو بالعنف، باللسان أو بالسنان.

وخير لآل محمد أن تسبغ عليهم مشاعر العطف وهم مظلومون من أن تتبعهم مشاعر الحقد، وهم حكام جبارون (يا للعجب).

بيد أن حسيناً هاجته رسائل أهل العراق وهم يستقدمونه ليجعلوا الأمر له، إنه أهلٌ للسيادة بنفسه وبنسبه، وها هي ذي الجموع تدعوه فكيف يتأخر))[1].

لقد أشار الشيخ محمد الغزالي إلى الموقع الذي يمتلكه الإمام عليه السلام في قلوب الناس ((إنه أهل للسيادة بنفسه وبنسبه، وها هي ذي الجموع تدعوه فكيف يتأخر)). ولكن الشيخ أخطأ في عبارته ((وخير لآل محمد أن تسبغ عليهم مشاعر العطف وهم مظلومون من أن تتبعهم مشاعر الحقد، وهم حكام جبارون)). فإذا كان يقصد أهل البيت الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، ومنهم الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام فقد ناقض نفسه، إذ كيف يصف الإمام الحسين عليه السلام ((إنه أهل للسيادة بنفسه وبنسبه))، ويقول قبلها: ((تتبعهم مشاعر الحقد وهم حكام جبارون)).

لقد تولى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إمارة البلاد وعاش الناسُ في بُلَهْنِية من العيش، وسموٍ في المعاني كانت مثالاً في الحياة الحرة السعيدة، ولم يشر أحد إلى حكم الإمام بالحقد والضغينة باستثناء القليل ممن أعمى الحقد بصيرته.

إنّ خطوات الإمام الحسين عليه السلام إزاء الحشد الشعبي تثير الانتباه، وعلينا أن نستفيد منها، ومن الطرق المثالية في هذا المجال ضمّ العائلة الكريمة إلى نهضته.

وهذه أمثلُ طريقةٍ يمكن عبرها تحشيد الناس، وتكوين واقع شعبي متميز يختلف في خصائصه عن الحشد الفوضوي.

لقد كوّن الإمام (صلوات الله عليه) واقع شعبي تميّز بالكفاءة والاستقامة والعلم.

ولولا الضغوط المتواصلة من الحكم السفياني، وتثبيط رجالات الحكم للناس بما فيهم وعّاظ السلاطين لتغيّرت المعادلة كلياً، ولرأينا الآلاف المؤلفة قد التحقت بثورة الإمام عليه السلام.

ولكن ماذا نفعل وفي كل نهضة مباركة نواجه وعّاظ السلاطين أمثال شريح القاضي، وسمرة بن جندب، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

وفي نظري فإنّ أخطر ما يواجه النّهضات الصّالحة يكمن في وعّاظ السلاطين، فهؤلاء عقبة كأداء، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ))[2].

فما لم تتخلّص النهضة من هؤلاء فلن تفلح في امتلاك الواقع الشعبي، إنّ إحدى وسائل السيطرة على وعّاظ السلاطين يتمثّل في فضحهم وكشف واقعهم السيئ.

وأنا لا أميل إلى استخدام العنف إزاءهم لأنّ العنف يعطيهم زخماً من المصداقية هم بأمسّ الحاجة إليه.

لقد ساهمت عائلة الإمام عليه السلام بما فيها النساء الطاهرات في حشد الكثير من الناس سواء قبل الثورة أو بعدها.

وقد أعطت عائلة الإمام عليه السلام بعداً عاطفياً أثّر كثيراً في تفجير الحسّ الإنساني لدى الناس، مما ساهم في إنشداد المجتمع إلى النهضة الحسينية المباركة.

ثم إنّ عقائل النبوة والرسالة جسّدوا واقعاً تجلى فيه كلّ معاني الإيثار ونكران الذات والإخلاص، فخلق صورة حية في أذهان المجتمع، أنّ الإمام صادق في مسعاه، وسليم في أهدافه التي تكمن في إصلاح الواقع الإسلامي الذي تراكمت عليه آثار الحكم الجاهلي تباعاً.

ومن جانب فإنّ عائلة الإمام خلقت جواً إعلامياً ظلّت تفاصيله تتفاعل في مفاصل المجتمع ممّا أثار سخط الناس على الحكم السفياني.

ولا شكّ فإنّ الإمام عليه السلام كان يحتاج إلى الإعلام كي يوصل صوت الثورة إلى أصقاع العالم، وأفضل من يوصل الصوت (المرأة اللبيبة والعاقلة)، فكانت العقيلة زينب عليها السلام التي صنعت قاعدة عريضة لثورة الإمام عليه السلام قبل وبعد الثورة، فالإمامعليه السلام هيّأ القلوب والنفوس في استقبال الحدث الكبير عبر الصوت العاقل الذي استطاع أن يصنع قاعدة عريضة ضدّ الحكم السفياني الذي حشد جميع القوى في مجابهة الإمام عليه السلام، وفي مقدمتهم وعّاظ السلاطين، فكان على الإمام عليه السلام أن يقدم على حشد القلوب والنفوس والعقول، وقد تهيأت.

جاء في كتاب (العسكرية الإسلامية ونهضتنا الحضارية) فيما يخص العامل المعنوي: ((ويعبر المشير مونتجمري عن أهمية العامل المعنوي فيقول: ((إنّ أعظم عامل من العوامل المؤدية إلى تحقيق النجاح هو روح المقاتل، وإنه لأمر جوهري وهام أن يفهم المرء أنّ المعارك تكسب أولاً وقبل كل شيء في قلوب الرجال، ومن أجل ذلك فإنّ جميع الجيوش تعنى أشد العناية بوضع النظم والأساليب التي تستهدف بناء معنويات رجالها والمحافظة عليها ووقايتها من عوامل الضعف أو الانهيار))[3].

لقد ملك الإمام عليه السلام القلوب بالقناعة والإيمان، ثم استولى على النفوس بالحب والمودة، وفتح العقول بالفكر والعلم، ثم خاض المعركة ضد الطغمة الحاكمة، فأعطت نتائج مهمة.

وقد يسأل البعض: وأين الدعم الشعبي من ثورة الإمام ومجموع من التحق بالإمام عليه السلام لا يتعدى المائة، وفي رواية مائة وخمسين؟!. والجواب:
أولاً

 إنّ النتائج التي تمخّضت عنها ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام تؤكّد الواقع المثالي للدعم الشعبي الذي ملكته ثورة الإمام عليه السلام، ومن جانب فإنّ حجم الرفض الشعبي لحكم الطغمة السفيانية يؤكّد على تفاعل الناس مع الثورة، فالشام كادت أن تنقلب على يزيد كما يذكر المؤرخون.
ثانياً

إن الكثير كان يرغب في الانضمام إلى جيش الإمام، وهذا ما يؤكده قول الفرزدق: ((قلوب الناس معك وسيوفهم عليك))[4]، ولكن وكما أسلفنا فإنّ همّة وعّاظ السلاطين كانت عالية في تثبيط الناس وإركاسهم في مستنقع الذلة والمهانة.
ثالثاً

 إنّ معظم البلدان كانت ترفض الانضمام إلى جيش يزيد بن معاوية، فالبصرة لم يخرج منها أحد، وكذلك المدينة واليمن وغيرها من المدن.
وإذا جئنا إلى الكوفة فإنّها كانت عصيّة وتعيش هاجس الثورة الأمر الذي أدّى بعبيد الله بن زياد إلى تسفير (50 ألف) عائلة موالية لآل البيت عليهم السلام إلى إيران.

 
ـــــــــــــــــــــــ
[1] من معالم الحق ص109 للشيخ محمد الغزالي ط نهضة مصر.

[2] التوبة: ٣٤.

[3] العسكرية الإسلامية ونهضتنا الحضارية: اللواء الركن محمد جمال الدين محفوظ، ص37، عن دائرة الصحافة.

[4] مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني، ص73. الإرشاد: الشيخ المفيد، ج2/ص67.

مكانة النهضة الحسينية في تاريخ القومية العربية

بقلم: توفيق الفكيكي

كان العرب قبل فجر النهضة المحمدية المباركة وبزوغ شمس الاسلام في سماء اباطح الحجاز وديار العروبة يتجشمون الرحلتين رحلة الشتاء والصيف لا تربطهم رابطة قومية بمعناها الصحيح ولا تجمعهم عقيدة دينية في سلك واحد او تؤلفهم وحدة ثقافية يستطيلون بها على غيرهم وانما كانوا قبائل متفرقة و بيوتات متشتتة تملكهم الاكاسرة وتستخدمهم القياصرة يحتازونهم عن ريف الافاق ونعيم الدنيا الى منابت متناحرة الشيح ومهافي الريح اخوان دبر ووبر وكانت حالتهم الاجتماعية كما وصفهم سيد البلغاء ابو تراب (عليه السلام):

((كانوا اذل الامم داراً واجدبهم فواراً لا يأوون الى جناح دعوة يعتصمون بها ولا الى ظل الفة يعتمدون عليها عزها فالاحوال مضطربة والايدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء ازل واطباق جهل من بنات موؤدة واحشام معبودة وارحام مقطوعة وغارات مشنونة)).

وان كل امة من الامم مهما كانت كذلك من اضطراب في النظام وتفكك في عرى الاتحاد ووحدتها الروحية معدومة في نفوس افرادها وجماعاتها فلا قومية مثالية لها في الحقيقة ولابد لها من مثل اعلى تتجة بشعورها العام نحوه لتقديسه وتعمل على مثاليته حتى تكون خير امة اخرجت للناس عزيزة الجانب ومرهوبة السلطان بقوة العدل والاحسان. اما العصبيات القبلية الجاهلية والعقائد المختلفة التي كان العرب يعتزون بها ويفخرون بمجدها ويشمخرون بقوتها فكانت في نظر العلم سر تأخرهم عن قافلة الامم وافتك ادوائهم ومصدر بلائهم وعلة انحلال وحدتهم القومية رغم ما كانوا يتحلون به من الصفات والمزايا الخلقية الحميدة والخصال الحسنة ومع ما كان لديهم من التقاليد والعادات المحمودة وان قل فيها عنصر الخير فقد اقرها الاسلام واشار اليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لمعاذ بن جبل بقوله: ((أمتْ امر الجاهلية الاما حسن)) ثم انظر الى حالهم حين بعث الله اليهم رسولاً من انفسهم وصار (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلهم الاعلى في حياتهم فكيف تبدل حالهم وتوحدت امتهم في وحدة متماسكة العرى في شعورها وعقيدتها ولغتها وادبها وبذلك تركزت القومية العربية الاسلامية على دعامة العقيدة والايمان الصحيح والخلق المحمدي العظيم واصبحت الامة العربية بفضل تلك القوة الروحية الفعالة في ظل سلطان قاهر وقادتهم الى كنف عز غالب وتعطف الامور عليهم في ذرى ملك ثابت فهم حكام على العالمين وملوك في اطراف الارضين يملكون الامور على من كان يملكها عليهم ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم لا تغمز لهم قناة ولا تقرع لهم صفاة ولم يتم للامة العربية ذلك الا بعد ان نهض رسول الانسانية النبي العربي بتوحيد قبائلها وقضى على عصبيتها الجاهلية الذميمة واخضعها لفكرة الجنس فتكونت امة عربية لها وحدتها  العنصرية والدينية واللغوية والشرعية تحت راية زعيم واحد هو الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد ان تحققت هذه الوحدة العربية تكونت الدولة العربية داخل الجزيرة ثم امتدت الى خارجها فكانت الدولة الاسلامية التي دعامتها الاسلام ذلك الدين القيم الذي اتخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من شريعته وتعاليمها وسائل الاصلاح البشري العام. وقد كانت الوحدة العربية هي الاساس المتين للدولة الاسلامية بعد ان هدم الاسلام النعرة القبلية ونهى عنها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وابطل دعوة الجاهلية وعصبيتها الرعناء واقام مقامها دينه الجديد الانساني وجعل دعامته الوحدة العربية وبدون هذه الوحدة فلا وحدة اسلامية في الحقيقة لان صيغة الاسلام الاولى عربية خالصة ثم البشرية في افقها الواسع ولا تعارض في اهدافها وخططهما الاصلاحية كما يظن بعض انصار القومية المغفلين.

وهذا واضح من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اني نذير لكم خاصة وللناس عامة)) وعلى هذا الاساس قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ))اذا ذل العرب ذل الاسلام))وقد شدد (صلى الله عليه وآله وسلم) في حب العرب وحذر من بغضهم لان في بغضهم النفاق والكفر فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((احب العرب وبقاءهم فان بقاءهم نور في الاسلام وان فناءهم ظلمة في الاسلام)) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((حب العرب ايمان وبغضهم كفر فمن احب العرب فقد احبني ومن ابغض العرب فقد ابغضني)) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قال كيف. قال: تبغض العرب فتبغضني)) الى غير ذلك من الاحاديث القدسية الكثيرة ومنها ندرك اهمية وصاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم والعترة الطاهرة في حديث –الثقلين- ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي اهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيها)) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اذكركم الله في اهل بيتي)) وقال تعالى {قل لا اسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى} قال ابن عباس لما نزلت هذه الاية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال: ((علي وفاطمة وولداهما)).

قدمنا المقدمة الوجيزة بين القارئ الكريم ليقف بعد هذا على موقف بني امية من هذا الانقلاب العظيم الذي تطورت فيه حياة الامة العربية ووحدتها القومية ومن ثم ليقف حضرته على موقفهم العدائي من وحدتها الدينية ودينها العربي الانساني الجديد وعلاقة النهضة الحسينية الخالدة بمواقف القوم وسياستهم العصبية الجاهلية العدوانية ضد الوحدة العربية التي شيد بنيانها وقوى دعائمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

لقد ظل الصراع بين زعماء دعاة الوثنية من البيت الاموي وانصارهم اليهود بزعامة كعب بن الاشرف وبين البيت الهاشمي ابناء شيبة الحمد الحنفاء وهم حماة الوحدة القومية العربية وحملة لواء القرآن الكريم الذي رفع الله به ذكر العرب وفضلهم على العالمين فامعن ابو سفيان وحزبه ورؤساء اليهود الالداء في الكيد للعروبة والاسلام ما شاء لهم الهوى والكيد والانتقام حتى اذاقهم الله وبال امرهم بايديهم وايدي المؤمنين فانتصر الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً.

يقول المستشرق الالماني ((ماربين)) يلزمنا الالتفات قليلاً في تاريخ العرب قبل الاسلام لنفهم الدور الذي لعبه الامويون فانا نرى قرابة  قريبه بين هاشم وبني امية وكان بينهم نفور شديد وحصلت بينهم مجالدات كبيرة وكان بين الطرفين ثارات بلغت نهايتها بظهور الاسلام ولكن تم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الفوز الحاسم بفتح مكة فدخل الامويون في طاعته وكانوا على استعداد للايقاع ببني هاشم حقداً عليهم فلما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتسع لهم المجال لذلك فظفروا بالملك واضطهدوا خصومهم القدامى بني هاشم وانتهى الامر بالانقلاب والثورة باسم الدين وسجلوا لانفسهم الفوز النهائي بصلح الحسن (عليه السلام) نعم لما بزغت شمس الاسلام ثارت ثورة حماة الوثنية واتباعهم وفي مقدمتهم ابو سفيان وابنه معاوية وعتبة بن ربيعة بن حرب جد معاوية الفاسد حسداً منهم لآل البيت الميامين لان في الرسالة المحمدية كل معاني الشرف والنباهة لبني هاشم لكن الرسول ومن معه من المؤمنين لم تصده معارضة هؤلاء فمضى بعزمه الصادق يوحد القبائل العربية ويؤلف بينها تحت راية القرآن حى دوخ الوثنية وقضى على سلطانها.

اما العصبة الاموية فبانت مقهورة تغلي في صدور زعمائها مراجل الحقد الدفين ونار حسد المنافسة على الرئاسة واخذ الثار فبقى الحزب الاموي يكيد لبني هاشم في الخفاء يتحين الفرص واغتنام المناسبات للانقلاب والنكوص على الاعقاب {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً}.

وفي عهد عثمان سنحت الفرصة للحزب الاموي فنهض العدو القديم الاثيم شيخ الطلقاء ابو سفيان ومعه بني امية الموتورون فدخل على عثمان فقال افيكم احد من غيركم ؟ قالوا: لا ! قال: يا عثمان ويا بني امية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به ابو سفيان ما زلت ارجوها لكم ولتصيرن الى صبيانكم وراثة. فانتهره عثمان وساء ما قال. وبلغ ذلك المهاجرون والانصار وقد كان من امر معاوية ما كان بعد مصرع عثمان وكيف انه كاد للمهاجرين والانصار وكيف جرأ على سلب تراث محمد ومواريث العروبة من ايدي بني هاشم واعلن نفسه ملكاً فقال انا اول الملوك فانقلب بذلك نظام الحكم من الشورى الى النظام الملكي الاستبدادي الوراثي كما اراد ابو سفيان محزب الاحزاب مع ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يناديهم (لا تمشوا على اعقابكم القهقرى) أي لا ترجعوا عن دينكم ولا تكفروا بعد ايمانكم فتكونوا كالراجع على عقبه وناكصاً بعد تقدمه الا ان معاوية ورهطه كانوا يسخرون بهذا المنطق النبوي والعياذ بالله فاستولى على الملك واستأثر به وحصره في اسرته وصير الحكم ملكاً عضوضاً وراثياً. ومن اجل ذلك ركب الاعاليل وفعل الافاعيل فعطل احكام الشريعة وقتل وجوه الصحابة الكرام وسم المعصومين من العترة الطاهرة وازدرى بالمثل القرآنية ومزق راية الوحدة العربية باحيائه العصبيات القبلية بين اليمنية والقيسية واستهتر واستهزأ بحرمة بيت النبوة ومعدن الرسالة وبمنصبهم الديني وقد تحلل من قيود الشعائر الاسلامية ولم يتحرج في اخذ البيعة لولده يزيد ونصبه على رقاب المسلمين ناكثاً بذلك عهده المقطوع للامام الحسن (عليه السلام) واندفع بكل دوافع الشهوات والنـزوات والاحقاد الجاهلية لجر مغانم فردية او قبلية وكانت سيرته في سياسته العصبية الاعتدائية خاضعة لهذه النـزغات والنـزاعات الاموية التي ادت الى دك ملك امية وتفويض اركان سلطانها وذهاب ريحها.

هذه الاحداث المفزعة كانت تجري وتتلاحق وشهيد آل البيت () كان قلق الوسادة ينظر اليها وقلبه الشريف يضطرم من نكوص الامة وانحرافها عن المحجة البيضاء ومشيها على اعقابها القهقرى بتولي ولاة السوء امرها واهل الظلم والجور شؤون سياستها وهو لا يقدر ان يحرك ساكناً بحياة اخيه الامام الحسن (عليه السلام) وقد كان كارهاً صلحه مع معاوية حتى هم ابو محمد (عليه السلام) ان يحبس ابا عبد الله الى ان يهلك معاوية، ومن وصية ابي عبد الله الحسين الى اصحابه (ليكن كل رجل منكم حلساً من احلاس بيته مادام معاوية حياً فانها بيعة كنت والله كارهاً فان هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم).

ولما اراد معاوية ان يأخذ البيعة لابنه يزيد بعد وفاة الامام الحسن (عليه السلام) كتب الى الحسين (عليه السلام) كتاباً بذلك فجاوبه جواباً عنيفاً ومنه:

((يا معاوية لكأنك لست من هذه الامة وليسوا منك او لست قاتل الحضرمي الذي كتب اليك فيه زياد انه على دين علي ودين علي هو دين ابن عمه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اجلسك مجلسك الذي انت فيه ولولا ذلك كان افضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منة عليكم وقلت فيما قلت لا ترد هذه الامة في فتنة واني لا اعلم لها فتنة اعظم من امارتك عليها. وقلت فيما قلت انظر لنفسك ولامة محمد واني والله ما اعرف افضل من جهادك فان افعل فانه قربه الى ربي وان لم افعله فاستغفر الله لديني واسأله التوفيق لما يحب ويرضى…)) وجاء في آخر ((واعلم ان الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنه واخذك بالتهمة وامارتك صبياً يشرب ويلعب بالكلاب ما اراك الا وقد اوبقت نفسك واهلكت ديمك واوضعت الرعية والسلام)).

ولما اجتمع معاوية بالحسين (عليه السلام) في المدينة لاخذ البيعة ليزيد نهض ابو الاحرار وابن الكرار وقال: ((هيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس انوار السرج ولقد فضلت حتى افرطت واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وجُرت حتى جاوزت. ما بذلت لذي حق من اتم حقه بنصيب حتى اخذ الشيطان حظه الافر ونصيبه الاكمل وفهمت ماذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد تريد ان توهم الناس في يزيد كانك تصف محجوباً او تنعت غائباً او تخبر عما كان احتويته بعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما اخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش و الحمام السبق لاترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول فما اغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق باكثر مما انت لاقيه فوالله مابرحت تقدم باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت الا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ورأيتك عرضت بنا بعد الامر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ولعمر الله اورثنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولادة وجئت لنا بهاما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ….الخ)).

فاذا نظرنا الى هذه الاحتجاجات الصارخة بعين الفاحص المدقق نجد ان الصراع العنيف بين العصبية الجاهلية التي يمثلها معاوية بعد ابيه نصير الوثنية وبين الايمان الصحيح الذي يمثله شهيد آل البيت حسين السبط (عليه السلام) بعد جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وابيه المرتضى (عليه السلام) مستحكم الحلقات وكان ابو الشهداء على يقين بانه سيكون شهيد القرآن بقوله: ((لابد ان اقتل في سبيل الحق ولا استسلم للباطل)) لذلك كان بنو امية في اضطراب منه وقلق شديد من تربته الحمراء الى ان زالت دولتهم من عالم الوجود وهذه الحقيقة التاريخية تؤيدها وصيته العظيمة الى اخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من الحجاز واليك منها:

((واني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق ومن رد عليّ هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)).

ففي هذه الوصية الكريمة قد وضع (عليه السلام) خطة جهاده في سبيل شريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وبسط منهاجه القومي الاصلاحي في سبيل تجديد الوحدة العربية لنجاة الامة من الانقسام بفتن العصبيات ومعاطب الحميات المهلكة وقد بدأ في تنفيذ خطته ومنهاجه بعد ان هلك معاوية بجريرته وقام يزيد مقامه ليكمل جريمته فحاول اخذ البيعة من ابي الاحرار المغوار وسيد شهداء آل البيت (عليه السلام) فكتب يزيد الى ابن عمه الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ان يأخذ البيعة على اهل المدينة خاصة على الحسين ولا يرخص له في التاخر عن ذلك وان ابى عليه فليضرب عنقه ويبعث برأسه اليه فبعث الوليد على ابي عبد الله (عليه السلام) وعرض عليه الامر فامتنع وقال له: ((انا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا احق بالخلافة والبيعة)).

ثم خرج يتهادئ وهو يتمثل بقول يزيد بن المفرغ:

لا ذعرت السوام في غسق الصبح  ****  ولا دعيـت يـزيــدا

يوم اعطي مخافة من الموت ضيماً  ****   والمنايا يرصدنني ان احيدا

وقد طلب اليه مروان ان يبايع يزيد فقال (عليه السلام)): ((انا لله وانا اليه راجعون وعلى الاسلام السلام اذا بليت الامة براع مثل يزيد ولقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الخلافة محرمة على آل ابي سفيان)) ثم ان الامام قد واصل جهاده على هذا المبدأ المقدس وعلى عقيدته القرآنية الراسخة حتى الساعة التي فقد فيها النصير والمعين وهو يقول في حومة الطف ((لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد)) ثم خاطب اهل الغدر والخيانة من شيعة آل ابي سفيان بكلامه البليغ الجزل: ((فسحقاً لكم يا عبيد الامة فانما انتم من طواغيت الامة وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرفي الكتاب ومطفيء السنن وقتلة اولاد الانبياء ومبيدي عترة الاوصياء وملحقي العار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ولبئست ما قدمت لهم انفسهم وفي العذاب هم خالدون. وانتم ابن حرب واشياعه تعضدون وعنا تتخاذلون وان الخذل فيكم معروف)) ومنه ((الا ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابيه لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام …..الخ)).

وقد اخترنا هذه النصوص من بين النصوص الاخرى الكثيرة للاستدلال بها على مكانة النهضة الحسينية المباركة في تاريخ القومية العربية وهي كافية لاقامة البرهان القاطع على ان نهضته (عليه السلام) وبذل تضحياته الغالية في يوم الطف كانت لصد تيار العصبية الحمقاء وصيانة لتقاليد القومية الصحيحة من ان تلوث بالبدع والغوايات وخلاص افراد الامة من الارهاب والاحكام العرفيه ودفع الظلم والبغي عن الضعفاء ومن بين العدوان على الحق وتجاهل العدوان والطغيان تنبعث الاحرار الابطال. والا لم تكن نهضة الحسين (عليه السلام) من اجل ملك او الاستئثار بالملك او السلطان وبهذه السيرة وحدها ترتفع الانسانية عن دنيا الاثام وتتطهر البشرية من ادرانها وارجامها حتى تعوْا انسانية كاملة تسعى وراء المثل العليا والفضائل الطيبة والخير العام.

وان الألى بالطف من آل هاشم  ***   تأسوا فسنوا للكرام التآسيا

وهذا بعكس ما اراده الامويون من بعث القومية الاعتدائية او العصبية الجاهلية من قبرها لهدم السيادة العربية والجامعة القرآنية واسمع نداء سيد آل البيت(عليه السلام) في آخر لحظة من جهاده المقدس في ساحة كربلاء والذي هز به الآفاق والارجاء وهو لايزال يدوي في اذن الدهر وذلك عندما هجم الاوباش على خيام الحرائر الهاشميات وها هو زئير فتى الكرار في وجه الطغام اللئام:

((ويلكم ياشيعة آل ابي سفيان ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا احراراً في دنياكم هذه وارجعوا الى احسابكم ان كنتم عُرباً كما تزعون)).

واريد ان الفت نظر القارئ اللبيب الى اشارته (عليه السلام) في قوله ((يا شيعة آل ابي سفيان)) فان فيها معنى بليغ ومغزى عظيم فاراد ان يذكرهم بموقف شيخهم ابي سفيان من الدعوة المحمدية وبوجه الشبه بين ذلك الموقف وموقفهم من نهضته الهاشمية وهم يعضدون ابن حرب واشياعه في مقاتلته وهتك حرمته وحرمه أي ان الصراع بين الوثنية والاسلام والعروبة قد تجدد في يوم الطف بين ابي سفيان وبين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ان السبط (عليه السلام) قد دعاهم الى ترك مهاجمة حرم الرسول وترويع اطفاله والى احترام السنن العربية واتباع آداب الفتوة البدوية واريحيه الاحساب والمروءة والشهامة التي يرتكز عليها الخلق العربي الاصيل ان لم يكن لهم دين ولا يخافون يوم المعاد. اذ ان الخلق العربي المهذب وهو الذي دفع سادات العرب الى (حلف الفضول) قبل ان يدينوا بالاسلام وقد كامل مصير دولة الباطل في يوم كربلاء كما قال الاستاذ العقاد ((وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء فاذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد حديد الايام واذا بالغالب في يوم كربلاء اخسر من المغلوب اذا وضعت الاعمار المنـزوعة في الكفتين)).

اجل: وعمر الحق ان صفحة النهضة الحسينية المباركة لاتوال عنوان تاريخ العروبة والاسلام والصفحة اللامعة الوضاءة في سبيل جهاد الاحرار وهي منه كالفاتحة من القرآن.

وان ذكرى النهضة الحسينية لاتزال وستبقى الى الابد ندية عبقة عطرة الشذى في نفوس المؤمنين باعادة مجد الوحدة العربية وتراث الاسلام.

ومن العجب العجاب كيف تذل الامة العربية وتضام قوميتها وفي تاريخها نهضة الحسين بن علي بن ابي طالب وسبط محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رمز الشرف العربي ومجد الاسلام ولابد يوماً ان ترجع مواريث العروبة بفضل الوحي الالهي وقدسية جهاد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبركة نهضة سيد شهداء آل البيت التي هي نبراس احرار العرب في كل جيل هؤلاء الاحرار الذين سيحملون رسالة القرآن الى العالم من جديد وذلك بنفحات شهداء الطف الابرار الذين قدموا ارواحهم الزكية قرابين لنصرة الحرية العربية والجامعة القرآنية رغم انف ابي سفيان ومعاوية ويزيد واشياعهم الانذال فبعداً لهم ولاشياخهم الطلقاء.
 
{يريدون ان يطفأوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}.

دور مدرسة المدينة في تطور علم السيرة

بقلم: السيد نبيل الحسني

يمكن لنا أن نستظهر من خلال الفترة التي أعقبت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام وحتى نهاية القرن الأول الهجري وجود حالة من السبات لتطور علم السير والمغازي، أي أن هذه الستين سنة لم تشهد حركة متميزة لتطور علم السيرة.

والسبب في ذلك يعود إلى الأوضاع الخطيرة التي عصفت بالإسلام ابتداء من الكوفة حيث شهدت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام وما تبعه من استظهار لدولة معاوية بن أبي سفيان التي شهدت تتبعا لحملة العلوم وتصفيتهم جسديا أو فكريا فتمت تصفية الصحابة الذين شايعوا علي بن أبي طالب عليه السلام كحجر بن عدي الكندي وأصحابه[1]، وقتل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام مسموماً، وعمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر، ثم توليته ولده يزيد للحكم الذي جهز الجيوش، وأمر بقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، وأهل بيته سنة 61هـ، ثم ما تبع هذه الفاجعة من ظلام وجهل وسبات لجميع العلوم التي يمكن لنا أن نتصور آثارها المدمرة من خلال بعض الروايات التي شهدت هذه الأجواء.

1 ــ فقد روي: (إن الناس في زمن الإمام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام المتوفى سنة 95هـ، كانوا لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون)[2].

2 ــ أخرج أحمد بن حنبل، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضب فقلت من أغضبك.

فقال: (والله لا أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا)[3].

3 ــ ومما روي أيضا في آثار نشوب الحرب بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان: إن عبد الله بن الزبير منع أهل الشام من القدوم إلى مكة لتأدية فريضة الحج.

فقام عبد الملك بن مروان بردٍ على هذه الخطوة أن أمر ببناء قبة فوق صخرة بيت المقدس ــ عوضا وبديلا عن الحجر الأسود والكعبة المشرفة ــ ثم أمر المسلمين بالذهاب إلى بيت المقدس لتأدية الحج فطافوا حولها، ونحروا يوم العيد، وحلقوا رؤوسهم[4].

4 ــ وخير وصف لهذه المرحلة التي أعقبت عاشوراء عام 61هـ ما روي عن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وهو يبث شكواه إلى ربه تعالى، قال عليه السلام:

«وكيف بهم وقد خالفوا الآمرين؟ وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا إلى أنفسهم، يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات»[5].

«وقد انتحلت طوائف من هذه الأمة بعد مفارقتها أئمة الدين، وشجرة النبوة، إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الإسلام بأحسن صفاتهم، وتحلوا بأحسن السنة، حتى إذا طال عليهم الأمد، وبعدت عليهم الشقة، وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة»[6].

«وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوه بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر مما استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات بغير قبس نور من الكتاب ولا أثرة علم من مظان العلم، بتحذير مثبطين وزعموا أنهم على الرشد من غيرهم.

وإلى من يفزع خلف هذه الأمة!؟ وقد درست أعلام الملة والدين بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول:

((وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ))[7].

فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة؟ وتأويل الحكمة؟ إلا إلى أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة.

هل تعرفونهم؟ أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا صفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب، هم العروة الوثقى، وخير حبال العالمين وثيقها»[8].

فهذه الأسباب وغيرها فرضت حالة من السبات على تطور علم السيرة في مدرسة الكوفة والمدينة، وحينما نقول (حالة من السبات) فهذا يعني توجه مدرسة أهل البيت عليهم السلام واهتمامها بالعلوم القرآنية والحديث والفقه والعقائد لأهميتها ولخطورة المرحلة التي كانت الأمة الإسلامية تمر بها.

ولكن هذا لا يعني العزوف عن دفع علم السيرة إلى الأمام، وإلى خلق نماذج متميزة وفاعلة في حركة علم السيرة وتطوره، فكان عمل مدرسة أهل البيت عليهم السلام ممثلا بثلاثة من أئمة العترة النبوية وهم (الإمام زين العابدين، والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام) في إرجاع المسلمين إلى سنة رسول الله وشريعته وإلى هديه وسيرته فأخذوا يروون لهم كل ما له علاقة بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا هذه المدرسة لما عرف الناس شيئا عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الإمام الباقر عليه السلام:

«بَلِيَّةُ النَّاسِ عَلَيْنَا عَظِيمَةٌ إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يستجِيبُو لنَا وَإِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا»[9].

ولذا: نجدهم عليهم السلام قد أسسوا المدارس وعلموا الناس العلوم المختلفة، ويكفي من الشواهد على ذلك مدرسة الإمام الصادق عليه السلام في الكوفة التي احتوت على أكثر من (4000) شيخ، أدرك منهم حسن الوشاء تسعمائة رجل كل يقول حدثني جعفر بن محمد[10].

كما يمكن للباحث أو القارئ الاطلاع على كتب مدرسة أهل البيت عليهم السلام كـ(بحار الأنوار للمجلسي رحمه الله) الأجزاء المتعلقة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعرفة دور أئمة أهل البيت عليهم السلام في حفظ علم السيرة وتطوره ولاسيما الكم الهائل في الروايات التي نقلها الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام، وهذا يكشف عن دور الأئمة الثلاثة في نهوض مدرسة المدينة والكوفة.

وعليه: يمكن لنا أن نسجل هنا بعض الأسماء التي اهتمت برواية المغازي والسير أو تدوينهما خلال القرن الأول والثاني للهجره والتي أسهمت في نشأة علم السيرة النبوية وتطوره.

أولا: دور مدرسة أهل البيت عليهم السلام في تعليم ونشر العلوم الشرعية، فضلاً عن علم المغازي والسير


أشارت بعض الدراسات التاريخية[11] إلى أن أهمية مدرسة المدينة تكمن في تصدّرها التخصص في علم التاريخ، وعُزي ذلك إلى بعض الأسباب:

1 ــ إن المدينة كانت عاصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والخلفاء من بعده.

2 ــ إنها مركز تجمع الصحابة.

3 ــ إنها البلد الأساس للدين الجديد صاحب الدولة والفتوح.

ثم أشارت هذه الدراسة إلى أن السبب في توجه المسلمين إلى مدرسة المدينة هو احتياجهم إلى (معرفة أوسع بالدين وصاحب الرسالة وبالأحكام والحديث والسنن والتفسير وأحاديث الدعوة الإسلامية الأولى وتفاصيل الهجرة والمغازي وقد تصدى لإيضاح ذلك أبناء الصحابة أنفسهم خاصة)[12].

ثم تذهب هذه الدراسة إلى (أن مؤسس المدرسة العلمية لمختلف فروع العلم في المدينة هو عبد الله بن عباس).

وكان قد ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة 78 بالطائف، وكان أبرز فقهاء المدينة، وأوسعهم إطلاعا وعلما، وكان يسمى البحر لا لكثرة علمه في الفقه فحسب، ولكن في الأخبار الماضية أيضا، والنسب، بجانب الشعر واللغة وتفسير القرآن والحساب والفرائض.

وقد روى ابن سعد في الطبقات: (إن عبد الله بن عباس كان يجلس يوما ما يذكر فيه إلا الفقه ويوما التأويل ويوما المغازي، ويوما الشعر ويوما أيام العرب)[13].

وهذه الدراسة وإن كانت أنصفت ابن عباس رحمه الله إلا أنها لم تنصف أستاذه ومعلمه ومصدر علمه وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي لزمه ابن عباس أكثر من نصف قرن.

وخير ما يستدل به العاقل على مستوى الطالب العلمي هو وثيقة تخرجه أو حديثه هو عن معلمه، والمدرسة التي تعلم بها ونهل علومه منها، وفي هذا الصدد فإن عبد الله بن عباس رحمه الله له رأي آخر غير الذي جاءت به الدراسة وذلك من خلال الروايات الآتية:

1 ــ روى الشيخ المفيد رحمه الله، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: (سمعت رجلا يسأل عن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين وبايع البيعتين، ولم يعبد صنما، ولا وثنا، ولا يضرب على رأسه بزلم ولا قدم، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين.

فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا، وإنما سألتك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفا، ثم سار إلى الشام فلقي مواجب العرب فضربهم ببعض حتى قتلهم، ثم أتى النهروان وهم مسلحون فقلتهم عن آخرهم؟.

فقال ابن عباس: علي أعلم عندك أم أنا؟.

فقال: لو كان علي أعلم عندي منك لما سألتك!.

قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه، ثم قال: ثكلتك أمك علي علمني، كان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمه الله من فوق عرشه، فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلم علي من النبي، وعلمي من علم علي وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي عليه السلام كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)[14].

2 ــ وروى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن عباس، قال: (والله لقد أعطى علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر)[15].

3 ــ وروى طاووس عنه أيضا قال: (كان علي والله قد ملئ علما وحلما)[16].

4 ــ وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (كنا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به)[17].

أما ما روي من شهادات في رجوع مدرسة المدينة إلى معلمها الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكثيرة هي، منها:

ألف ــ علمه عليه السلام بالسنة


عن جابر، عن عائشة زوج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟.

قالوا: علي.

قالت: أما إنه أعلمكم بالسنة[18].

باء ــ علمه عليه السلام بالفرائض


عن سعيد بن وهب قال: قال عبد الله بن مسعود: (أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب عليه السلام)[19].

جيم ــ علمه عليه السلام بالقرآن


عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن)[20].

دال ــ علمه عليه السلام بالقضاء


عن ابن أبي ملكية، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: (علي أقضانا)[21]، وفي لفظ آخر أخرجه البخاري عنه، أنه قال: (أقرؤنا اُبي، وأقضانا علي)[22]، وقد اشتهر عنه قوله: (لولا علي لهلك عمر)[23].

هاء ــ علمه عليه السلام بجميع العلوم


1 ــ عن الأسود بن يزيد النخعي، قال: لما بويع علي بن أبي طالب على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر:


إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا *** أبو حسن مما نخاف من الفتنْ

وجدناه أولى الناس بالناس انه *** أطب قريش بالكتاب وبالسننْ[24]



2 ــ ذكر ابن عبد البر: أن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قلت لعبد الله بن عياش بن أحمد بن أبي ربيعة، يا عم لم كان صفو الناس إلى علي؟.

قال: يا ابن أخي إن عليا عليه السلام كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشرة، والقدم في الإسلام، والصهر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في الماعون.

3 ــ وذكر ابن عبد البر أيضا: أن معاوية بن أبي سفيان كان يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب عليه السلام فلما بلغه قتله قال: (ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب).

فقال له عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام.

فقال له معاوية: دعني عنك[25].

واو ــ شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له في حيازة العلوم كافة


ويكفي الباحث في الدراسات التاريخية وغيرها من الأدلة على أن مؤسس مدرسة المدينة لمختلف العلوم ومعلمها أن يرجع إلى شهادة سيد الأنبياء والمرسلين ومعلم الإنسانية الأول صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فقال:

1 ــ أخرج أحمد بن حنبل من حديث معقل بن يسار، أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال لابنته فاطمة عليها السلام:

«أما ترضين أنّي زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما»[26].

2 ــ سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علي عليه السلام؟.

فقال:

«قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء، والناس جزءا واحدا»[27].

ناهيك عن حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فلْيأتِ الباب)[28].

وقوله عليه السلام عن نفسه:

«علمني رسول الله ألف باب من العلم»[29].

ثانياً: دور مدرسة الصحابة في حيرة الناس في معرفة دينهم! ونفي! وتعذيب من يسأل عن دينه!!


أما ما ذهبت إليه الدراسة التاريخية في بيانها للأسباب التي دفعت المسلمين بالتوجه إلى مدرسة المدينة دون غيرها من المدارس هو (لاحتياجهم إلى معرفة أوسع بالدين وصاحب الرسالة وبالأحكام والحديث والسنن والتفسير وأحاديث الدعوة إلى الإسلام الأولى وتفاصيل الهجرة والمغازي، وقد تصدى لايضاح ذلك أبناء الصحابة أنفسهم خاصة)[30].

فإن الشطر الأخير ليس بدقيق، والسبب في ذلك يعود إلى امتناع أكثر الصحابة عن الفتيا، كما صرح البعض بذلك، وحسبك من هذه الحقية المؤلمة ما يلي:

1 ــ عن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إذا سُئل أحدهم عن المسألة أحب أن يكفيه غيره[31].

2 ــ وذكر الدارمي عن داود، أنه قال: سألت الشعبي كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟ قال: على الخبير وقعت كان إذا سُئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول[32].

فهذا هو حال الصحابة في تعليم الناس وإرشادهم إلى أمور دينهم.

أما حال من يقدم للمدينة من المسلمين لكي يتعلم ويسأل عن أمور دينه فان حاله يرثى له، بل إنه ليحرم على نفسه ألا يعود إلى المدينة حتى يلقى ملك الموت!!؟ كما دلت عليه الحادثة الآتية:

أخرج الدارمي في سننه عن سليمان بن يسار: (أن رجلا قدم المدينة يقال له ضبيع ــ وهو من أهل البصرة ــ فجعل يسأل عن تشابه القرآن، فأرسل إليه عمر ــ بن الخطاب ــ فأعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟.

قال: أنا عبد الله، ضبيع. قال: وأنا عبد الله، عمر.

فضربه حتى دمى رأسه، فقال ــ ضبيع ــ: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي كنت أجده في رأسي، ثم نفاه إلى البصرة)[33].

وعن سعيد بن المسيب: (فأمر به عمر فضرب مائة سوط، فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: حرّم على الناس مجالسته)[34]. وذكر السائب بن يزيد: (وكتب ــ عمر ــ إلى أبي موسى، يأمره أن يحرم على الناس مجالسته، وإن يقوم في الناس خطيبا، ثم يقول: إن ضبيعاً قد ابتغى العلم فأخطأه.

فلم يزل ــ الرجل ــ وضيعا في قومه حتى هلك)[35]!.

إذن: إذا كان هناك دور لمدرسة المدينة المنورة في نشر العلوم المختلفة، ولاسيما علم المغازي والسير فإنها قد اكتسبته ــ أي: هذا الدور ــ من خلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام والتي كانت لها منهجية خاصة في تعليم المسلمين العلوم الدينية والطبيعية ونشرها؛ إذ تعتمد هذه المنهجية على تثقيف الناس على طلب العلم وتعليمه مع بسط في البيان وعمق في المعرفة، وهي مع ذلك تولي طلابها عناية خاصة ممثلا في تكريمهم والاهتمام بأحوالهم وحثهم على المشاركة وطرح الأسئلة، مستندين في ذلك إلى تعاليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

1 ــ فقد أوصى صلى الله عليه وآله وسلم أحد طلاب هذه المدرسة بقوله:

«يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة»[36].

2 ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:

«ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب له بكل قدم عبادة سنة»[37].

3 ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:

«طالب العلم حبيب الله»[38].

4 ــ وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام:

«إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم من شيعتنا»[39].

5 ــ وقال الباقر عليه السلام:

«ما من عبد يغدو في طلب العلم أو يروح إلاّ خاض الرحمة وهتفت به الملائكة: مرحبا بزائر الله، سلك من الجنة مثل ذلك السالك»[40].

وغير ذلك من الأحاديث التي تظهر منهاج أئمة العترة عليهم السلام في تعليم العلوم المختلفة ونشرها ولاسيما علم المغازي والسير سواء كان هذا العلم ظهر في المدينة أو الكوفة إلاّ أن الحرب التي أعلنت على أهل البيت عليهم السلام منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والهجمات التي تلقتها هذه المدرسة مع طلابها حالت دون ظهور أسماء الذين رووا أو صنفوا في السير والمغازي، هذا فضلاً عن أن الذين تصدوا لرواية والسيرة النبوية ونشرها في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هم أئمة العترة ابتداءً من الإمام علي عليه السلام وإلى الإمام الثاني عشر عليهم السلام؛ بل لولا هذه السيرة التي نقلها أئمة أهل البيت عليهم السلام لما استطاع القارئ ان يميز بين الصحيح والسقيم مما كتبه المخالفون لمدرسة العترة النبوية.

وعليه: فإننا سنورد أسماء الذين رووا أو دونوا في السير والمغازي في المدارس الإسلامية الأخرى خلال القرن الأول للهجرة والذي يعرف بالعصر الأموي دون الإشارة إلى ذكر أسماء أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن روى عنهم؛ لكثرة ما روي عنهم في هذا الصدد. لاسيما وان العلامة المجلسي قد أفرد لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موسوعة البحار البالغة (111) جزءاً ــ أفرد ــ ثمانية أجزاء مما يتعذر علينا فرز الأحاديث التي تعود إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام كلاً على حده.

 
ـــــــــــــــــــــ
[1] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج12، ص222.

[2] الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر مرتضى العاملي: ج 1، ص 145.

[3] مسند احمد بن حنبل، من حديث أم فروة: ج 6، ص 443.

[4] البداية والنهاية لابن كثير: ج 8، ص 283.

[5] بلاغات الإمام علي بن الحسين عليهما السلام لجعفر عباس الحائري: ص 75.

[6] بلاغات الإمام علي بن الحسين عليهما السلام لجعفر عباس الحائري: ص 66.

[7] سورة آل عمران، الآية: 105.

[8] الصحيفة السجادية، جمع الأبطحي: ص 523و524.

[9] الأمالي للصدوق: ص708. الإرشاد للمفيد: ج2، ص168. كنز الفوائد لأبي الفتح الكراجكي:ص197.

[10] رجال النجاشي: ص 40. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي قدس سره: ج 6، ص 38. ترجمة الحسن بن علي الوشاء.

[11] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 150.

[12] المصدر السابق.

[13] الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 2، قسم 2، ص 121 و122.

[14] أمالي المفيد: ص 236. أمالي الشيخ الطوسي: ص 12. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 310. سعد السعود لابن طاووس: ص 285. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 32، ص 350. ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الشافعي: ج 1، ص 215.

[15] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 3، ص 1105. دلائل الإمامة للطبري الإمامي: ص 22. المناقب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 311. فتح الملك العلي للمغربي: ص 72.

[16] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 3، ص 40. فتح الملك العلي لأحمد بن الصديق المغربي: ص72.

[17] فتح الملك العلي للمغربي: ص 73. الغدير للأميني: ج 3، ص 91.

[18] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 3، ص 114، فتح الملك العلي للمغربي: ص 73.

[19] فتح الملك العلي للمغربي: ص 72. الغدير للأميني: ج 3، ص 91.

[20] حلية الأولياء للإصفهاني: ج 1، ص 65. فتح الملك العلي للمغربي: ص 72.

[21] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 2، ص 461، ط حيدر آباد.

[22] صحيح البخاري: ج 6، ص 187، ط بولاق.

[23] الاستيعاب: ج 3، ص 39. الرياض النظرة للطبري: ص 194. فتح الملك العلي للمغربي: ص 71. الغدير للعلامة الأميني: ج 3، ص 91.

[24] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج3، ص114. فتح الملك العلي للمغربي: ص73.

[25] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 2، ص 463.

[26] مسند أحمد بن حنبل: ج 5، ص 26. المعجم الكبير للطبراني: ج 1، ص 94.

[27] المناقب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 312. العمدة لابن البطريق: ص 379. فيض القدير للمناوي: ج 3، ص 60. فتح الملك العلي للمغربي: ص 69. شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج 1، ص 135. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 42، ص 384. مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: ص 172. حلية الأولياء للأصفهاني: ج 1، ص 65. ينابيع المودة للقندوزي: ج 1، ص 215.

[28] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج 3، ص 126. الاستيعاب لابن عبد البر: ج3، ص1103. الفايق في غريب الحديث للزمخشري: ج2، ص16. المعجم الكبير للطبراني: ج11، ص 55. مجمع الزوائد للهيثمي: ج 9، ص 114. ينابيع المودة: ج 2، ص74.

[29] مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 315. وأخرجه الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: ج 1، ص 239. الأمالي للصدوق: ص 737. تاريخ الإسلام للذهبي: ج 11، ص 226. ينابيع المودة: ج 1، ص 231. الفضائل لابن شاذان: ص 102.

[30] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 150.

[31] الطبقات لابن سعد: ج 6، ص 110. سنن الدارمي: ج 1، ص 53. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 36، ص 86.

[32] سنن الدارمي: ج 1، ص 53. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 25، ص 366.

[33] سنن الدارمي: ج 1، ص 54. نصب الراية للزيلعي: ج 3، ص 118. الدراية لابن حجر: ج2، ص 98. الدر المنثور للسيوطي: ج 2، ص 7. فتح القدير للشوكاني: ج 1، ص 319. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 23، ص 411.

[34] الإصابة لابن حجر: ج 3، ص 371.

[35] كنز العمال للمتقي الهندي: ج 2، ص 334. الغدير للأميني: ج 6، ص 292.

[36] سنن ابن ماجة: ج 1، ص 79. العهود المحمدية للشعراني: ص 25. ميزان الحكمة لمحمد الريشهري: ص 220.

[37] منية المريد: ص 100.

[38] جامع الأخبار: ص 110.

[39] الاختصاص للمفيد: ص 234.

[40] ثواب الأعمال: ص 160.

الـحسـين السـياســي

بقلم: السيد صدر الدين شرف الدين / صاحب جريدة الساعة

لم تكن السياسة في بدء الإسلام منفصلة عن الدين، بل لم يكن للسياسة في الإسلام مفهوم كمفهومها المعروف قبل الإسلام وبعد العهد الراشد. وإنما كانت السياسة سياسة الزعامة الإسلامية التي أنشأها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) انشاءا، وشد بها ايدي صحابته المتخيرة شداً كان الدليل على أن الالتواء والتحريف ليسا طبيعة في ذات السياسة. وإنما هما من ارتجال الساسة الذين يعدلون الى الإلتواء والتحريف عن الإستقامة والمواجهة بدواع من ضعفهم وضعف حقائقهم عن بلوغ ما يبلغه الساسة الصادقون المستقيمون المواجهون.

وإنما يجيء الإلتواء والتحرف عند هؤلاء الساسة الزائفين قدرة مصطنعة يتوسلون بها الى سد عجزهم وستر ضعفهم، ويقيمون منها جسراً للعبور الى غاياتهم وأغراضهم الذاتية المقصودة هي بذاتها قبل أن يقصدون بها شيئاً آخر من التربية النوعية، أو الإصلاح الإجتماعي ، أو إقامة الموازين العادلة.

وقد يكون الوزر مقتسماً بين الساسة الزائفين، وبين المسوسين السذج المقادين، قد يكون ذلك، أو هو كائن من غير شك، لأن السياسة كائن من هذه الكائنات المترابطة التي لا ينفصل بعضها عن بعض ولا يستقل شيء منها بالوجود دون شيء آخر، وهي مع ذلك شركة بين طرفين يقف الساسة منها في جانب ويقف المسوسون منها في الجانب الآخر كلعبة جر الحبل من غير فرق، نعم لقد فرض أن تكون القوة والعيالة والنشاط في جانب الساسة، لأن المعروف في هؤلاء انهم القادة الذين تصدر منهم الأوامر والإيعازات ولكن المسوس في انقياده واسلاسه يشارك السائس في مثوبات ايعازاته وأوزارها معاً، ويسنده في الحالين مهما كانت عوامل طاعته واتصالاته في أوامر السائسين.

وفي الحق ان القابليات والملكات والغرائز لو لم تكن مستعدة للإنقياد والطاعة لتمردت –لإذن- وفشل اللذين يسددون من الجماعات سهاماً يرمون بها عن ايدي الشهوات او عن ايدي المصالح على السواء.

وفي حوادث التاريخ قبل النظريات العلمية والإستنتاج العقلي شواهد لا مجال فيها للتردد أو الشك، فالتطاحن بين سياسة الصدق والمواجهة وبين سياسة النفاق والتحرف يدلنا على أمرين متلازمين مترتبين:

أولهما: أن الإنسان غر شهوان يتملقه النفاق وتغريه الخديعة وان قام في قرارة نفسه ان وسائل هذا النفاق وأدوات هذا الإغراء طلاء وتمويه، ذلك لأنه شهوان تخدعه الشهوة في واقع الأمر لا هذه الوسائل المطلية المموهة.

ومن هنا نجحت في اكثر الأدوار سياط الظلمة وأموالهم وعلت التيارات المادية هذا العلو المبين.

وثانيهما:أن المسوس من شعوب الساسة هم أوزار السياسة وأعباؤها الثقال، يتخطون في مجالاتها الوعرة صخوراً وأشواكاً حيناً، وسيوفاً ونبالاً اخرى، وهموماً وأكداراً ثالثة.

ومن هنا كانوا شركاء الساسة احبوا أم كرهوا، اطاعوا عن طبيعة واقتناع ام عن إغراء وفتنة، هم شركاء في كل حال وقد دلتنا الأحداث الجسام – احداث المبادئ الفواصل في تاريخ الإنسان- على ان انطلاق العصور في غرض من اغراض الحياة لم يجرف العقائد الصلاب، ولم يطو الرجال الشداد، بل نشأ في منحدرات العصور رجال شقوا السيل شقاً وقالوا كلمتهم فإذا السيل يغور، وإذا هم بعد السيل ماثلون، كما تمثل القمم الشوامخ رسوخاً في المكان وخلوداً في الزمان فكانوا بهذا حجة باقية على معاصريهم، وكان تمردهم دليلاً على إنسانيتهم الزاهدة فيما أطمع غيرهم، المطمئنة ما أخاف أمثالهم فوق إنسانية أولئك البشر الطامع بالمتاع، أو الخائف بالأراجيف.

ولقد كان لهذه الدروس النوادر أثرها في تثبيت الأقدام، وخلق البطولات في تاريخ العظائم، وسجلات المبادئ والتطورات الإصلاحية الكبرى.

وبعد أفاستطيع ان ادخل الحسين في سجل الساسة من غير حرج ولا ضير..؟ وهل ينكر عليَّ منكر إذا أضفت الى سيد الشهداء هذا اللون من ألوان الحياة..؟

أما أنا فلا اتحرج ولا أحب لأحد أن يتحرج ما دام محمد – وهو قدوة الحسين- أعظم من ساس الحياة، وأنشأها بسياسة حياة لو بقيت كما وضعتها يده لكانت جديرة ان تمتعنا بالأمن، وتترفنا بالخيرات الوارفة من العيش الرغيد.

لا حرج ولا ضير أن نعد الحسين إماماً من ائمة السياسة كما هو إمام من أئمة الدين. لا حرج ولا ضير في ذلك ما دامت سياسة الصدق والإستقامة هي سياسة الأقلين من عباقرة الإنسان، ولا حرج في ذلك ولا ضير ما دامت هذه السياسة متصلة بالدين صادرة عنه، ولا حرج في ذلك ولا ضير ما دامت هذه السياسة التي يقع اختيارها على الحسين هي سياسة محمد في دينه الناشيء ورسالته العلوية، ومن يكون سياسياً في هذه الدولة المحمدية المثلى إن لم يكن الحسين سداداً في الرأي، وقوة البصيرة، ونفاذاً الى الدخائل، ووصولاً الى اعماق الأمور.

لقد كان الحسين سياسياً، بل كان لابد من سياسته في مثل تلك الفترة التي اختلف فيها مهاب الرياح، واهتاجت خلالها اعاصير السياسة الزائفة، فأعصوصب الشر، وأوكب الطامعون بمنبر الإسلام يهدفون اليه من كل جانب في غير كفاية ولا سابقة، ولا سبب قريب أو بعيد، وفي مثل هذه الحال كان على رجل السياسة الصادقة ان يضع منكبه بين هذه المناكب المتدافقة، ويعلن عن موقفه هذا النحو من الإعلان الذي يضمن النجاح في كلتا الحالتين على نحو ما فعل الحسين (عليه السلام) من غير زيادة ولا نقصان.

وأراني وقد انتهيت الى هذه الخطوة – ملزماً بإيضاح معنيين يلتبس معناهما عند فئتين من الناس، وربما منيت من هذا الإلتباس بامتعاض هاتين الفئتين معاً لأن كلا من هاتين الطبقتين تنظر الى الحسين بعين لا تحاول ان تراه بغيرها، والحسين بطل لا تسمو اليه عين من حيث سمت إلاّ عادت ممتلئة بالجمال مبهورة بالنور.

أما أول المعنيين اللذين اعنيهما فمعنى السياسة. وقد قلت ان السياسة في زمن البعثة وفي الفترة الأولى بعد النبي كانت ذات معنى لا يتصل بالمعنى الذي نفهمه اليوم أو الذي كانت تفهمه الفلسفة الميكافيلية أو ما يوافقها من عمليات الأنحياز والخداع والكذب والحيلة، وإنما كانت السياسة التي ثقفها الحسين سياسة الصدق، وسياسة رجل السلطان والإصلاح في آن واحد، وأما ثاني المعنيين فمعنى الدين.

وأحب قبل أن اقربه وأجلوه أن نوقن بأن للدين سياسة بين السياسات، وبأن سياسة الدين هي السياسة الراجحة في موازين الضمير والمنطق والأريحية والمثالية الإنسانية.

ثم احب أن اقول..! إن الحسين إنما سمى لأنه رجل دين قبل ان يسمو بشيء آخر دون ذلك، فإذا لمع من أسم الحسين نور وعبقرية من عبقرياته الرفيعة فإنما هو وميض من هذه الشرارة الدينية التي تتلخص بها جوامع عبقرياته.

والإسلام هذا الدين الذي قتل في سبيله الحسين أهل لأن تذهب فيه مثل هذه الأضحية العظيمة الغالية، لأنه دين بنظمه وضماناته اسمى ما تتداعى اليه هذه النظم والضمانات المستحدثة التي تعد وتخلف، وتقول وتكذب، وتجتمع وتتفرق على منافعها الخاصة ومآربها الشخصية.

وفي الإسلام أصول هذه النظريات والمقررات التي يتداعى اليها اقطاب الأرض لينقذوا بكؤوسها العالم من هذه الحمى المستبحرة الهاذية التي تغلبهم اعراضها كلما تقدموا اليها بعلاج يظنون انه العلاج .

والدين - بعدئذ - لا يدل على رجعية ولا يمنع من تقدم ولا يحجر على فكر أو عقل أو حرية، بل الدين تقدم وأرتقاء وتحرر وانعتاق، والإسلام من الأديان بصورة خاصة هو ذلك بعينه، ولكن شوهه بعض المنتسبين اليه لوت حرف الدين في بعض الأذهان في غير محاكمة ولا تثبيت ولا رجوع الى مصادر هذا الدين المترعة الريا بما تشاء من طمأنينة واستقرار، ولو أعادوا النظر لرأوه في واقعه، وكما اراده النبي منهاج الحب منهاج الحياة واجداها الى ما تشاء من علم ومعرفة، ومن تهذيب وتربية، ومن طمأنينة ودعة، ومن ايثار وحب، ومن تعاون وبر، ومن عدالة ومساواة، ومن كل مطمح يرجوه طالب الحق، وطالب الخير، وطالب الإصلاح.

هكذا كان وهكذا سيظل دستوراً مادياً روحياً بهذا المزاج الرفيع لا تنفصل عنه سياسته بل تخرج من اعماقه صحيحة، صارمة حازمة.

اما ان الأحداث والمطامع حرفت السياسة وجعلت لها منطقاً دنيوياً أخضع الدين للأهواء والغايات فذلك خروج عنه، وأباء وتمرد كادوا يعكسان آيته ويردانه الى العصبيات الجاهلية، والشعائر القبلية، أو تجاوزانه – حين يرتقيان بالملك – الى شكل من اشكال الحكم القيصري، أو لون من الوان الملك الكسروي.

وقد كان الحسين في تلك الفترة بطل الدين ورافع لواء هذه السياسة فلو ذهبت تتقصى الأرض كلها لم تجد غيره سيداً للعرب يحرص على هذا الدستور الذي أخذ الدهر منه جوانبه فكاد أن يتصدع، وعلى فوز هذه السياسة التي نالت منها الشبهات فكادت أن تضمحل.

وانى لسياسي ألمعي من ساسة الصدق والأقلاء ان يبلغ من سياسته ما بلغ الحسين السياسي من ترتيبه الأحداث وهي تنشأ في أرحام الغيب كأنه يضعها بيده.

ما كان عصر الحسين يخلوا من الخبراء بل كان عصراً محتشداً بالدهاة ورجال الفكر والتجربة، وكانت احداث الدولة الطالعة بأمنيتها الكبرى تصنع من القادة ما أرهب العالم ورماها بالخوف والخشية من هذه الأمة التي أذلت كسرى وقيصر، وعصفت بدول حبك قواها التاريخ. فهل كان أولئك الدهاة والمفكرون كلهم الباً على الحسين لا يمدونه برأي فيما يقدم عليه في هذه المغامرة الفردة في تاريخ الحروب والخصومات..؟

لا..بل الذي علمنا من سيرة الحسين وتاريخ هذه الفترة ان نفراً غير قليل من ذوي الرأي والأمانة ، والاحتياط لسلامة السياسة العليا شاركوا الحسين وبادلوه الرأي وأشاروا عليه أن يبقى في الحجاز تارة، وأن يذهب الى اليمن أخرى، ولئن أشاروا عليه بهذا أو بذلك وترددوا في المكان الصالح للمناهضة فإنهم أجمعوا أن الكوفة بلد غادر خوان رغم هذه الأكداس من المواعيد.

ترى أكان هؤلاء مهتمين بالنصيحة..؟ أم كانوا قائلي الرأي ..؟ أم كان الحسين عليه السلام ساذجاً لا يقيم وزناً لهذه الآراء المؤيدة بالمرجحات الملحوظة..؟ أم أن الفكرة كانت متركزة في نفسه تركزاً لا يقبل العدول عنها الى ما يريده المستشيرون.

لا لم يكن شيء من هذا وانما كانت خطته. خطة السياسي الذي يسمو عن الآراء ويتقدم في الحوادث، ويقتحم المستقبل فيرى الى النتائج في سجلها المقدر المكتوب ولم تكن الأدلة الحسية كافية لإقناع هؤلاء المشيرين بأنه على صواب وانهم على خطأ لذلك كان يجيب فيجمل الجواب، ويلاحظ فيجمل الملاحظة، ويتكل في بيان ادلته على الحوادث التي عهدها واستعجلها بمعرفته للعواقب المحتومة المبنية على مقدماتها الصحيحة فإذا سأله أبن أبيه محمد – وقد طلب اليه ان يختار اليمن- الم تعدني النظر فيما سألتك ..؟ قال: بلى..، فيقول محمد: فما حداك على الخروج عاجلاً..؟ فيقول: شاء الله أن يراني قتيلاً، يقول محمد: فما معنى حملك هاته النسوة معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال..؟ يقول: قد شاء الله أن يراهن سبايا.

وما نرى في هذا الجواب غير ذلك الإجمال الجميل من سياسته المقدرة المدبرة التي حاكمت الفئة السائدة يومئذ فلم تجد إلاّ أن يرى شهيداً وترى نساءه سبايا ذلك هو العلاج الذي لا معدى عنه لمبتغي الإصلاح، ورائدي الخير لأمة تكاد تنفصل عن عهد الرسالة على قربها منه واتصالها به.

وله فيما يتصل بذلك كلمة أرسلها الى بني هاشم يقول فيها ((أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح)).

أي فتح هذا الذي يعدهم به بعد أن يحكم على الملتحقين به بالموت..؟.

إنه فتح الشهادة التي نصرت الحسين بعد الموت فرفعت الغشاوة عن الحكم الأموي ثم نسفته نسفاً، واعلنت عن الحق الذي قضي الحسين في سبيله فعلت كلمة الإسلام واستقرت قواعده العالية.

على أن الحسين حين كان يجمل كلامه أو يختصر أجوبته وهو في سبيل هذه الشهادة كان يعلن أنه مقتول وأنه خارج ليقتل وبهذا كان الساسة المفكرين من أهل المشورة قبل ان يشيروا عليه بما يحفظ مهجته به الى السلامة، لأن سياسة الصدق التي كان بطلها الأوحد كانت تفرض عليه الشهادة وما هو محتاج الى غير ذلك لأنه لم يكن يطلب زعامة لا ينكرها عليه أحد، ولم يكن يطلب ما لا كان يبذله للحفاة والمحتاجين، ولم يكن يطلب ملكاً دنيوياً هو غني عنه بما انقاد اليه من هذه الزعامة العربية الإسلامية المطلقة، ولكنه كان يطلب وكانت تطلب له سياسة الصدق شيئاً واحداً هو أن يموت.

ولم يكن يطلب وتطلب له سياسة الصدق الموت إلاّ لأنه الحياة، حياة هذا الدين العظيم ذلك هو الحسين السياسي الذي اتاح للدنيا أن تعرف الاسلام وتعظمه، وذلك هو الحسين السياسي الذي وقف للسيل في منحدره المندفع فرده قادراً قوياً غير مستضعف ولا واهن.

سلام الله عليك أبا عبد الله فهب لنا من روحك هذا العظيم شجاعة تتبختر بنا على مهاد التضحية والإيثار، وفضاء يحملنا على أجنحة الإيمان والإعتداد فنحن من حيواتنا الأدبية والإجتماعية والسياسية في مهاب الريح بل الدنيا كلها تستقبل اليوم ما كنت تستقبله من يزيد وبني سمية والزرقاء.

فتنة وغرور، وتكالب وما شيء غير المنفعة الخاصة يستدنيه افراد هذا الزمان وجماعاته وشعوبه وأقطابه فهب لنا من روحك هذا العظيم شجاعة تتبختر على مهاد التضحية والإيثار وفضاء يحملنا على أجنحة الإيمان والإعتداد، وليعد روحك هذا العظيم مرة أخرة لنحي به من جديد.

موقف الإمام الحسين عليه السلام من صلح الامام الحسن عليه السلام

بقلم: الشيخ حسن الشمري

تمهيد


تقلّد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خلافة المسلمين بنص من سيد الوصيينعليه السلام، وبإجماع المسلمين، وهو الإجماع الثاني بعد إجماع المسلمين على خلافة سيد الوصيين الإمام علي عليه السلام.

وقد تسلّم الخلافة والأمة الإسلامية ((تموج بالفتن)) التي افتعلها معاوية ابن أبي سفيان بالتنسيق مع رأس المنافقين ((الأشعث بن قيس الكندي)).

وقد حاول المنافق الأشعث بن قيس صرف الخلافة إلى معاوية إلا أنه فشل، وبعدها أخذ ينسج المؤامرات لإفشال حكومة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.


وقد شكّل الإمام الحسن مع أخيه الإمام الحسين عليهما السلام وثلّة من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، منهم حجر بن عدي، وقيس بن سعد بن عبادة ((غرفة عمليات)) لإدارة الأزمة المتفاقمة.

وقد أمر الإمام الحسن عليه السلام بعقد اجتماع طارئ وعام في جامع الكوفة لتدارك الأزمة، وإيجاد السبل الكفيلة في الخروج منها، وألقى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خطاباً رائعاً وبليغاً جعل الأسماع تصغي إليه برمّتها.

فدعا إلى وحدة الصف، وتلاحم القوى، ومعرفة الواقع الذي يلفّ المسلمين، وحذّر من معاوية ومن دعاياته وأعوانه الذين انتشروا في الحواضر الإسلامية.

ودعا الإمام (صلوات الله عليه) إلى حرب معاوية المفسد.

جاء في (موسوعة الإمام الحسين عليه السلام): ((ثم ندب الناس لحرب معاوية، فلمّا سمعوا ذلك وجلت قلوبهم، وكمّت أفواههم، ولم يستجب منهم أحد سوى البطل الملهم عدي بن حاتم، فانبرى يعلن دعمه الكامل للإمام، ووجّه أعنف اللوم والتقريع لأهل الكوفة على موقفهم الانهزامي، واستبان للإمام وغيره أنّ جيشه لا يريد الحرب، فقد خلع يد الطاعة، وانساب في ميادين العصيان والتمرد.

وبعد جهود مكثّفة قام بها بعض المخلصين للإمام نفر للحرب أخلاط من الناس ــ على حدّ تعبير الشيخ المفيد عليهما السلام ــ كان أكثرهم من الخوارج والشكاكين وذوي الأطماع))[1].

ولنا وقفة مع سماحة الشيخ القرشي:

أولاً: ليس مع المعقول بعد خطاب الإمام التاريخي أن يستجيب نفر واحد وهو ((عدي بن حاتم الطائي))، علماً أنّ أهل الكوفة كانوا قريبي عهد بالإمام أمير المؤمنينعليه السلام، وفيهم ثلّة من الصحابة والحواريين، منهم حجر بن عدي، وقيس بن سعد بن عبادة، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وبرير بن خضير، وسليمان بن صرد الخزاعي، وغيرهم.

ثانياً: مع استجابة ((عدي بن حاتم))، ونفر قليل، كيف يَطْمَئنّ الإمام (صلوات الله عليه) إلى جماعة، وفيها ــ كما يذكر الشيخ المقدس العلامة المفيد عليهما السلام ــ الخوارج والشكاكون وذوو الأطماع، علماً أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان يروم خوض المعركة الفاصلة مع معاوية، فلولا علم الإمام الحسن عليه السلام أنّ هناك من ينصره لما أقدم على هذه الخطوة، فالحرب مع معاوية كانت تشكّل أهمية خاصة للإمام الحسن عليه السلام حتى يكسر هيبة معاوية التي استولت على قلوب أهل الشام، ويثبّت أعمدة الإسلام التي اهتزت كثيراً بفعل الممارسات الجاهلية.

ويعيد الإسلام إلى الشام بعد أن لفظته واستبدلته بـ((قيم معاوية الجاهلية))، فالشام تشكّل موقعاً استراتيجياً لدولة الإسلام.

ثالثاً: إنّ خروج الأعداد الغفيرة لنصرة الإمام الحسن عليه السلام يشكّل دليلاً واضحاً في تأثير الإمام (صلوات الله عليه) بالرغم من الظروف القاسية التي لفت العراقيين من جراء استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، واستغلال الفئة المنافقة لفقيد الأمة في بثّ الإشاعات المغرضة وتجييرها لمعاوية بن أبي سفيان.
موقف الإمام الحسين عليه السلام من الصلح

إنّ أهمّ حدث ظهر في زمن الإمام الحسن عليه السلام يكمن في الصلح، ويعتبر الصلح من الأحداث القاسية التي ألمت بالأمة الإسلامية، فقد أزاحت الإمام الحسن عليه السلام عن منصبه الذي أجمعت الأمة عليه واعتبرته امتداداً لمنصب أبيه سيد الوصيين الإمام عليعليه السلام.

إنّ اختيار الإمام الحسن عليه السلام ومبايعته بكلّ طواعية، بما فيهم المنافقون الذين تربّصوا بالإمام يعتبر حدثاً مهماً حيث أكسب الإمام مع الوصية موقعاً استثنائياً.

وقد جاء الصلح مع معاوية بن أبي سفيان لضرورات اقتضتها مصلحة الإسلام والأمة، كما اقتضت الضرورة أن يصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً.

وقد صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية أسوة بجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفاظاً على الإسلام وعلى أمته، وقد أظهر الصلح شدّة حرص الإمام الحسن عليه السلام على الإسلام وأمة جده صلى الله عليه وآله وسلم، وحرص معاوية على الملك والسلطان، وفشله في إخفاء نهمه للسلطة والتسلط، فبعد أن صالح الإمام الحسن عليه السلام على وفق الشروط الدينية والأخلاقية وأشهد عليها ثلّة من المؤمنين نكث معاوية، فجاء إلى الكوفة، وخطب فيها:

((يا أهل الكوفة، إني ما قاتلتكم لتصلّوا وتصوموا، وإني أعلم أنكم تصلون وتزكون، ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وهذه شروط ((الحسن)) الذي أعطيتها فهي تحت قدميّ هاتين))[2].

وفي نظري لولا الصلح والخلافة لما انكشف معاوية وظهرت حقيقته، فالسلطان والمال تكشفان حقيقة الإنسان مهما طال به الزمن، وسوف نعرج على ملابسات الصلح ونتائجه في كتاب (قبس من نور الإمام الحسن المجتبى عليه السلام).

لقد كان موقف الإمام الحسين عليه السلام واضحاً، فقد تجاوب مع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، لاسيّما وهو يعرف قبل غيره أنّ أخاه إمام مفترض الطاعة، وأنّ طاعته طاعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله تعالى.

قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ))[3].

فالإمام عليه السلام هو ولي الأمر، وطاعته واجبة بنصّ الآية، ثم إنّ الإمام الحسين عليه السلام وقف عن قرب على الأسباب التي دعت الإمام الحسن عليه السلام إلى الصلح، منها خذلان أقرب المقرّبين ((عبيد الله بن العباس)) القائد الميداني الذي كان يحسب له حساب.

ثم إنّ معاوية كاد أن يهلك الحرث والنسل في سبيل الوصول إلى ((مطامعه الدنيوية)) التي حوّلته إلى جيفة وكتل من التراب المهين.

يقول الشاعر الشامي محمد مجذوب:



أين القصور أبا يزيد ولهوها *** والصافنات وزهوها والسؤددُ؟

أين الدّهاء نحرت عزّته *** على أعتاب دنيا سحرها لا ينفدُ؟

هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه *** لأسال مدمعك المصير الأسودُ

كتل من الترب المهين بخربة *** سكر الذّباب عليها فراح يعربدُ



تقول بعض الروايات أنّ الإمام الحسين عليه السلام اعترض على أخيه الإمام الحسنعليه السلام، وهي لم تصح ولم يثبت وثاقة الناقل لها، فهي من صنع العباسيين نكاية بأبناء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام الذين أكثروا الثورات ضدهم، فاتهموهم ونسبوا إليهم الكثير من الأباطيل، وبجدّهم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كما هو ثابت في التاريخ، وللمزيد راجع كتاب (صلح الإمام الحسن عليه السلام) للشيخ آل ياسين عليهما السلام.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام وافق أخاه الإمام الحسن عليه السلام، بعد أن وافق الإمام الحسن عليه السلام على الصلح، وضمَّنه بنوداً، منها إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام بعد موت معاوية، ورفع السبّ عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، ووقف حملات القتل والإبادة الجماعية لأصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

ولكن معاوية نقض بنود الصلح وضربها عرض الحائط، ولم يكتفِ بذلك، بل دسّ السمّ إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فمضى شهيداً (بأبي وأمي) متأثّراً بالسمّ الذي اشتراه معاوية من ملك الروم.

وبعد استشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام تسلّم معاوية زمام السلطة، فعاث في الأرض فساداً، وأهلك الحرث والنسل.

قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ))[4].

وقد تولّى معاوية وقلبه يغلي حقداً على الإسلام الذي قضى على أحلام ((أبي سفيان في القضاء على الإسلام))، فجاء معاوية كي يحقق أحلام أبيه، وقد استبدّ معاوية بالحكم ليساعده على ذلك ((عمرو بن العاص)) الذي باع دينه لدنيا حقيرة، فكانت الصفقة مع معاوية ((ولاية مصر))، فاستولى عمرو ابن العاص على مصر ((وأحرق الولد البار للإسلام محمد بن أبي بكر في جلد حمار))، وهي طريقة منكرة، وفي الوقت نفسه دنيئة تبيّن الحقـد والتفنن في إرعاب الناس.

وعندما تولى معاوية حاول تزيين صورته كي يتسنّى له إحكام السيطرة، ثم القضاء على الرموز العالية التي كانت تقف أمام مخططاته الدنيئة.

إنّ خطة معاوية كانت تستهدف التخلص أولاً من صحابة أمير المؤمنين علي عليه السلام أمثال حجر بن عدي، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ومن ثمّ يجهز على الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

إنّ أسلوب ((قصقصة الأجنحة)) كانت من الأساليب المهمّة لدى معاوية، وقد اتبعها في زمن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، حين استهدف مالك الأشتر الذي كان رمزاً مهماً، وأحد أعمدة الدولة الإسلامية ثم محمد بن أبي بكر.

وقد استهدف جلّ الصحابة في معركة صفين، فقتل عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وابن التيهان، كلّ ذلك حتى ((يستفرد بالإمام أمير المؤمنينعليه السلام».

إنّ استهداف الرموز الكبيرة تعدّ من الخطط التي اعتمدها العدو، وتعدّ هذه الخطة من أخطر ما يتعرّض له الكيان الإسلامي، فالرموز الكبيرة هي السور الواقي والخندق الأول الذي تتهاوى عنده الهجمات والمؤامرات، والخندق الأول يعدّ من الناحية الإستراتيجية ((السدّ المنيع))، لذا يحاول العدو اختراقه وتحطيمه حتى يتسنّى له التقدم بسهولة في عمق الدولة.

والرموز الكبيرة هي القدوة التي تدفع الشبهات وتدحض الأباطيل، ثم تعطي الصورة الواضحة للقيم، وهي العمق الإستراتيجي للقيادة في ساعة المحنة، والرمز يشكّل ((الخزين الإستراتيجي)) للقيادة، من هنا فإنّ القيادة الناجحة هي التي تصنع الكوادر التي تستطيع من خلالها نشر الفكر والقيم، ثم إنّ نجاح القائد مرهون ببقاء الكوادر إلى جنبها في كلّ مراحل العمل حتى في أدقّ التفاصيل.

إنّ بقاء الكوادر والرموز إلى جانب القيادة يعدّ انتصاراً للقائد حتى لو لم يحقق الانتصار، فالنصر ليس محصوراً في سحق العدو، بل في الحفاظ على مستوى الرموز، وعلى استقامتهم، وتمسكهم بالمبادئ فأيّ تفريط بهم يشكّل منعطفاً خطيراًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً، لذلك فإنّ بعض القادة فقدوا الانتصار بعد أن فقدوا الأنصار.

إنّ بقاء الكوادر إلى جانب القيادة يعطي زخماً معنوياً للقائد وللكوادر، ثم تعطي مصداقية للقيم التي تعتمدها القيادة، من هنا فإنّ الأنبياء عليهم السلام اعتمدوا على الكوادر الكفوءة من لدن بعثتهم كلّ ذلك حتى تثبت مصداقية الرسالة.

إنّ الناس تنظر إلى الرموز مثلما تنظر إلى القيادة، فالرمز في نظر الناس يشكّل الصورة الحية للقائد، ثم إنّ الناس تهوي ((المثال))، وتشتدّ علاقتها بالقيم كلما وجدت ((رمزاً عالياً))، وهذه نقطة جديرة بالملاحظة.

ثم إنّ القيادة الناجحة التي تمثّل المصداق الحقيقي للانتصار تكمن في حفاظها على الرموز وعلى الكوادر، فالقائد الحقيقي الذي يمثّل قمّة القيادة هو الذي يصنع ((القادة))، وبهذه الخطوة فإنه يسجّل انتصاراً حقيقياً.

إنّ انتصار الإسلام بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن محصوراً في سحق العدو، وإنما في صنع القادة أمثال بطل الإسلام الخالد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وعمار، وأبو ذر، وسلمان، وبهذا الانجاز فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حافظ على قيم الإسلام الفذّة.

إنّ قيم الإسلام تعرّضت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبشع الهجمات، وإلى حملات تحريف لم يسبق لها مثيل، ولكن الرموز الكبيرة التي تخرجت من مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقفت سداً منيعاً، وحالت دون أن تعمل هذه الهجمات عملها.

إنّ الدور الذي قام به الرمز العالي علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقلّ عن دور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))[5]، راجع مصادر هذا الحديث في الهامش.

وهذا الدور الذي تقمّصه الإمام عليه السلام يشابه تماماً دور هارون في زمن النبي موسى عليهما السلام، فعليه فإننا بحاجة إلى منهج استراتيجي للحفاظ على الرموز والكوادر، لأننا فقدنا الكثير وبسهولة، وهكذا فإنّ المجتمع الإسلامي بات ينتج الرمز بصعوبة ولكنه يفقده بسهولة.

وتعدّ هذه الظاهرة كما أسلفت من أخطر ما يتعرّض له المجتمع الإسلامي، إنّ مذهب أتباع أهل البيت عليهم السلام فقد الكثير من الرموز السامية، التي هي عالية ليس على صعيد العالم الإسلامي فحسب، وإنما على صعيد ((العالم الإنساني)).

وقد فقدنا الكثير بسهولة، وكأنّ هناك مصنعاً ينتج الرموز حتى يمكن تعويض ما خسرناه، وفقدان هذه الرموز يشكّل فراغاً عميقاً أثّر سلباً على المستوى العلمي والثقافي والأخلاقي.

إنّ بناء الإنسان أصعب ما في الحياة فكيف ببناء قائد، لذا فعلينا أن نحافظ على ((الرموز)) بإيجاد ((قوانين)) دولية تحرّم التعرّض إلى الرموز، وتجرم من يتعدّى عليهم بأيّ شكل من الأشكال، وتحت أيّ غطاء كان، ولابدّ للمؤسسات الإنسانية والدينية أن تبذل الجهد الحثيث لتشريع ((قانون في الأمم المتحدة)) يمنع فيه التعرّض إلى الرموز، ثم إلزام الدول العربية والإسلامية وباقي الدول بهذا القانون.

ولابدّ أن توضع وثيقة عهدٍ قانونية ملزمة تحرّم وتجرّم كل من يتعرّض إلى الرموز الدينية وغير الدينية بما فيها الرموز العلمية.

وأيضاً على المؤسسات الإنسانية السعي ((لفرض)) قانون يلزم الدول في دستورها ((حرمة التعرض للرموز))، وبأيّ شكل من الأشكال وتحت أيّ غطاء وذريعة.

إنّ سعي المؤسسات الإنسانية والإسلامية لفرض قانون يجرّم فيه التعرّض إلى الرموز يعدّ خطوة هامة على طريق الحفاظ على ((صمامات الأمان للأمة))، كما يضمن حقوق الأمم الأساسية.

ومن جانب فإنّ هذه الخطوة تضمن ((تقدم الكوادر))، وتدفعهم إلى العمل بجد.

نعود ونقول: إنّ استلام معاوية الحكم واستبداده شكّل خطراً حقيقياً على الإسلام، وكاد معاوية بن أبي سفيان أن يقضي على الإسلام.

يقول روجيه غارودي:

((وكانت الدولة الأموية وخلافة معاوية من القروح الآكلة في جسم الدولة الإسلامية))[6].

وقد تعرض الإسلام في ظلّ معاوية لأبشع أنواع التشويه، وكادت القيم الإلهية أن تلفظ أنفاسها لولا وجود الأئمة من آل البيت عليهم السلام.

إنّ المحكّ الحقيقي للقيم الأهلية تكمن عندما تقابل الباطل، فإذا برز الباطل لابدّ للحق أن يبرز ويسفر عن وجهه، وهذا ما حدث إبان ثورة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على النّاكثين والمارقين والقاسطين، فقد تجلّى الحق في سلوك الإمام عليه السلام، وظهرت معالمه واضحة، الأمر الذي أدّى إلى تجذّرها،  وصارت جزءاً من حياة الأمة، إلا أنّ محاولات معاوية تواصلت وتتابعت فأفرخت فتناً.

إنّ معاوية بن أبي سفيان رسّخ الشجرة التي وضع بذرتها جدّه أمية حين نفي إلى الشام بعد أن نافر هاشماً، وسقيت الشجرة بولاية أخيه يزيد عليها في زمن أبي بكر وعمر، وها هو ثالث بني أمية يفصح عمّا وقر في صدره.

إنه ابن هند التي يقول عنها ابن أبي الحديد: ((وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر))[7].

ويذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار):

((كان معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمر، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح، وقد كان أبو سفيان دميماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً  (أجيراً) لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها فغشيها))[8].

وإذا وضعنا معاوية بن أبي سفيان في الميزان فلا قيمة له، وقد أخطأ العقّاد حين كتب عن معاوية، وأطلق عليه (معاوية في الميزان).

وأيّ شيء عند معاوية حتى نضعه في الميزان، وإنما يوضع في الميزان من له حسنة واحدة؟ ومعاوية صفر اليدين من الحسنات، ولا يمكن أن نتكلم عن معاوية والحسنات.

قال الإمام الحسن عليه السلام في معاوية: ((أنا لا أقول أنا خير منك لأنه لا خير فيك))[9].

وأيّ خير في معاوية؟ وقد أغلق أبواب الخير في وجه أصحابه في الشام حتى باتوا لا يفرّقون بين الناقة والجمل، وقد استخفّ بهم إلى أدنى درجات الحضيض كي يحكم قبضته فيهم، ثم يدخلهم في أتون الحروب التي كرّسها لشهواته وبطنه التي كانت لا تشبع، وقد أعماهم وأصمّهم، واستخفّ بهم.

قال تعالى: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ))[10].

إنّ معاوية بن أبي سفيان هو أول من استخف قومه، وصيّرهم وسيلة رخيصة لمآربه الشخصية وبطنه التي أضحت لا تشبع.

جاء في (تاريخ الطبري):

((إنّ معاوية كان يأكل في اليوم سبع مرات، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا))[11].وقال علماء النفس الاجتماعي: ((إنّ الأكول لا يفكّر طويلاً كما لا يبصر عميقاً)).

والأكول ((لا يمكنه أن يتألّق ويكون مبدعاً))، ومن طبع الأكول ((الاستئثار والعجلة))، وهذه صفات قبيحة ظهرت جلية في سلوك معاوية حتى ضرب بها رقماً قياسياً، فما أن يذكر معاوية حتى يذكر الختل والدوران والدهاء.

جاء في كتاب (معاوية بن أبي سفيان) للعقّاد:

((وأبرع ما برع فيه معاوية من ألوان الدهاء إلقاء الشبهة بين خصومه، وقد احتال بمثل هذه الحيلة على قيس بن سعد حتى أوقع الريبة منه في نفس الإمام)).

ومعاوية جيّر كل وسيلة بما فيها التسقيط والحروب.

جاء في كتاب (تاريخ الطبري) كما عن سعيد بن سويد:

قال معاوية لأهل الكوفة: ((والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، وإنكم تفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم له كارهون))[12].

وهو أول من استعمل سياسة الإطراء له وللخلفاء الثلاثة، وانتحال صفات ومناقب لهم ليس لها واقع أو سند وثيق.

جاء في (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه سأل أباه عن عليّ ومعاوية؟.

فقال: ((اعلم أنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتّش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له))[13].

ومما يحزّ في النفس أنّ الكثير من الناس باتوا يصدقون أقوال معاوية ويضعونها في مصاف الأحاديث الصحيحة، كل ذلك لشبهة وردت في كتب الحديث مثل ((معاوية كاتب الوحي))، و((خال المؤمنين))، و((أمير المؤمنين)).

وإذا كان معاوية كاتب الوحي فكيف يلعنه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى أبا سفيان راكباً، ويزيد السائق، ومعاوية القائد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعن الله الراكب والقائد والسائق))[14].

ثم هو من الشجرة الخبيثة (راجع: تفسير الرازي، تفسير آية الشجرة الخبيثة)، وهو من أهل النار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: ((ويح عمار تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار))[15].

وهو السابّ لله ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله))[16].

وجاء في (صحيح مسلم: باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام):

((قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما لك لا تسبّ علياً؟. قال: ثلاث أذكرهنّ فإنّي لا أسبّه.

وعندما مرّ ابن عباس على جماعة عند الكعبة، فسمعهم يسبّون علياً (صلوات الله عليه). فقال: من منكم يسبّ الله؟. قالوا: وكيف!! نستغفر الله؟.

قال: فمن منكم يسبّ رسول الله؟. قالوا: نستغفر الله؟.

قال: من منكم يسبّ علياً؟. قالوا: أما هذه فنعم.

فقال ابن عباس: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله))[17].

ويكفي معاوية أنه خلع الطاعة لإمام أجمعت الأمة على بيعته، فمات ميتة جاهلية.

جاء في (صحيح مسلم): ((من خلع الطاعة وفارق الجماعة ميتته جاهلية»[18].

ومعاوية هو أول من أشهر سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على المنابر، وأضحت منابر المسلمين تزعق بسبّ الإمام عليه السلام، بل زاد بعضهم آل البيتعليهم السلام، فهذا المجرم خالد بن عبد الله القسري والي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك يلعن الإمام علياً عليه السلام وأهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ذكر ابن الأثير في (الكامل في التاريخ):

إنّ خالد بن عبد الله القسري كان يقول: ((اللهم إلعن علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته، وأبا الحسن والحسين)).

ثم يقبل على الناس، فيقول: هل كنيت[19].

وقد استمرت هذه السنّة سبعون سنة إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فألغاها، بسبب ما كان يلحظه من أبيه من ارتجاج عندما يعرج على سبّ وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ما الحيلة عند الأمويين والدنيا لا تستقيم لحكمهم إلا بإتباع هذه السنّة السيئة، والرعية لا تخضع لهم إلا بالتأكيد عليها، وهذا ما أكّد عليه عبد العزيز لولده عمر: ((يا بني إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد))[20].

يقول الغزالي في كتابه (الإسلام المفترى عليه):

 ((فلما أراد معاوية أن يتجه بشكل الحكم إلى غير ما عرف في دولة الخلافة، لاحظ المعترضون عليه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ هذا الاتجاه روماني لا إسلامي، وقالوا في وصفه: كلّما هلك هرقل قام هرقل.

ولكن هذا الأسلوب الروماني كتبت له السيطرة، وبلغ من اجترائه أنه استولى على منابر الجمعة يلعن من فوقها ممثلي الاتجاه الإسلامي الصحيح))[21].

وقد سعى معاوية بن أبي سفيان إلى تثبيت هذه السنّة السيئة حتى:

1 ــ يزرع في أذهان الشاميين ((فكرة الخوارج)) التي تذهب أن علياً عليه السلام وآل البيتعليهم السلام لا علاقة لهم بالدين، وقد تأكدت هذه الفكرة بدليل أنّ أهل الشام بُعيد استشهاد أبي عبدالله الحسين عليه السلام صدقوا ((خروج الحسين عن الإسلام وقد قتل لخروجه منه)).

2 ــ حتى يغطّي على مناقب الإمام عليه السلام، وكادت السنّة السيئة تأتي على مناقب الإمام، لولا ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام التي مزقت الستار الذي نسجه معاوية.

3 ــ إنّ فكرة السبّ على سبعين ألف منبر في كل يوم، وفي رواية في كلّ منتدى ومسجد لابدّ وأن تأخذ حيّزاً من نفوس الناس، فهي إن لم تقنعهم فعلى الأقل تتفاعل في نفوسهم (كما هو ثابت في علم النفس التربوي)، فتظل هذه الفكرة تشغلهم عن الأبعد من حدود السبّ.

4 ــ إنّ فكرة السبّ الشيطانية إنما تؤكد ((حرص معاوية)) على استعمال الأساليب كافة في سبيل دنياه، وهكذا فإنّ كلّ السبل كانت مفتوحة أمامه، فهو لا يتورّع من استعمال أقذرها لمصالحه الدنيئة.

يقول الدكتور حسن إبراهيم:

((فالأمويون لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية))[22].

5 ــ إنّ فكرة السبّ فتحت الأبواب أمام ((الانتهازيين))، والمتملّقين لافتراء الأحاديث، والافتراء على الإسلام بكلّ وقاحة، فشخصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تمثّل الإسلام، وتمثّل شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا تمّ التجاوز على شخصية الإمام فمن السهولة بمكان التجاوز على الإسلام، ثم إزاحته من واقع المسلمين.

وفي نظري فإنّ هذا هو المطلب الأساسي الذي كان يستهدفه معاوية، فإنّ معاوية كان يتميز غيظاً منه، فلابد من عمل شيء حتى يمكنه من استغلال الواقع الإسلامي لمصالحه الدنيئة، لقد عوّدنا معاوية في استعمال كل ما هو قذر حتى لو كان يجمع قذارات الأولين والآخرين.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: قال أبو القاسم البلخي: ((وما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردّد في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله))[23].

6 ــ وفي نظري فإنّ استعمال السبّ إنما هو لإيجاد مناخ لأمراء السوء كي يتبؤوا مقعد الخلافة، وهذا ما حصل، فقد جاء يزيد بن معاوية على خلفية الواقع المزري الذي لفّ المسلمين.



الله أيّ دم في كربلا سفكا *** لم يجرِ في الأرض حتى أوقف الفلكا

وقد تحكّم بالإسلام طاغية *** يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا

لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا *** وكيف صار يزيدٌ بينهم ملكا

العاصر الخمر من لؤم بعنصره *** ومن خساسة طبع يعصر الودكا

لئن جرت لفظة التوحيد في *** فمه فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا

قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً *** وما إلى أحد غير الحسين شكا

فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً *** إلا إذا دمه في كربلا سفكا

وما سمعت عليلاً لا علاج له *** إلا بنفس مداويه إذا هلكا[24]


7 ــ حتى يتسع الغدر ليعمل معاوية ما يشاء ويفعل ما يريد، لقد عمل معاوية بما فيه الكفاية في تحريف الإسلام حتى أنسى الكثير الصلاة التي هي أظهر مصاديق الإسلام.

ــــــــــــــــــــــ
[1] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص112.

[2] الغدير: الشيخ الأميني، ج1/ص7. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص46.

[3] النساء: ٥٩.

[4] البقرة: ٢٠٤ ــ ٢٠٥.

[5] مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج1/ص170. صحيح البخاري: البخاري، ج3/ص208. صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، ج7/ص121. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني، ج1/ص43. سنن الترمذي: الترمذي، ج5/ص304. فضائل الصحابة: النسائي، ص13. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج2/ص337. السنن الكبرى: البيهقي، ج9/ص40. شرح مسلم: النووي، ج1/ص195. مجمع الزوائد: الهيثمي، ج9/ص109. فتح الباري: ابن حجر، ج8/ص86. عمدة القاري: العيني، ج16/ص214. الديباج على مسلم: جلال الدين السيوطي، ج5/ص386. تحفة الأحوزي: المباركفوري، ج10/ص157. مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود الطيالسي، ص28. المصنف: عبد الرزاق الصنعاني، ج5/ص406. مسند الحميدي: عبد الله بن الزبير، ج1/ص38. المعيار والموازنة: أبو جعفر الإسكافي، ص70. مسند ابن الجعد: علي بن الجعد بن عبيد، ص301. المصنف: ابن أبي شيبة الكوفي، ج7/ص496. مسند ابن راهويه: إسحاق بن راهويه، ج5/ص37. مسند سعد بن أبي وقاص: أحمد بن إبراهيم الدورقي، ص51. تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة، ص13. ما روي في الحوض والكوثر: ابن مخلد القرطبي، ص126. الآحاد والمثاني: الضحاك، ج5/ص172.  كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم، ص551. السنن الكبرى: النسائي، ج5/ص44. خصائص أمير المؤمنين عليه السلام: النسائي، ص48. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج1/ص287. جزء الحميري: علي بن محمد الحميري، ص28. أمالي المحاملي: الحسين بن إسماعيل المحاملي، ص209. حديث خيثمة: خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، ص199. صحيح ابن حبان: ابن حبان، ج15/ص16. المعجم الأوسط: الطبراني، ج2/ص126. المعجم الصغير: الطبراني، ج2/ص22. المعجم الكبير: الطبراني، ج1/ص146. معرفة علوم الحديث: الحاكم النيسابوري، ص252. فوائد العراقيين: ابن عمرو النقاش، ص95. الفوائد المنتقاة: محمد بن الصوري: ص55. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج3/ص1097. التمهيد: ابن عبد البر، ج22/ص132. جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر، ج1/ص112. جزء بقي بن مخلد: ابن بشكوال، ص126. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج2/ص59. درر السمط في خبر السبط: ابن الأبار، ص79. الأذكار النووية: يحيى بن شرف النووي، ص277. نظم درر السمطين: الزرندي الحنفي، ص24. المواقف: الإيجي، ج3/ص603. موارد الظمآن: الهيثمي، ج7/ص313. الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي، ج2/ص177. كنز العمال: المتقي الهندي، ج5/ص724. فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي، ج4/ص471. كشف الخفاء: العجلوني، ج2/ص382.  نظم المتناثر من الحديث المتواتر: الشيخ محمد ابن جعفر الكتاني، ص195. فتح الملك العلى: أحمد بن صديق المغربي، ص48. إرواء الغليل: محمد ناصر الألباني، ج5/ص11. تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: الباقلاني، ص458. شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني، ج1/ص190. تفسير الرازي: الرازي، ج16/ص76.  تفسير القرطبي: القرطبي، ج1/ص266. تفسير البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي، ج5/ص111. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي، ج3/ص266. تفسير الآلوسي: الآلوسي، ج4/ص258. الثقات: ابن حبان، ج1/ص142. الكامل: عبد الله بن عدي، ج1/ص306. طبقات المحدثين بأصبهان: عبد الله بن حبان، ج4/ص264. علل الدارقطني: الدارقطني، ج4/ص313. تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، ج1/ص342. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، ج12/ص349. أسد الغابة: ابن الأثير، ج4/ص26. ذيل تاريخ بغداد: ابن نجار البغدادي، ج2/ص78. تهذيب الكمال: المزي، ج5/ص277. تذكرة الحفاظ: الذهبي، ج1/ص217. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج1/ص142. الكشف الحثيث: سبط ابن العجمي، ص186. الإصابة: ابن حجر، ج4/ص464. تهذيب التهذيب: ابن حجر،ج2/ص209. لسان الميزان: ابن حجر، ج2/ص23. تاريخ الطبري: الطبري، ج2/ص368. بلاغات النساء: ابن طيفور، ص28. ذكر أخبار أصبهان: الحافظ الأصبهاني، ج1/ص80. تاريخ الإسلام: الذهبي، ج2/ص631. الوافي بالوفيات: الصافي، ج12/ص172.

[6] علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ السيد كمال شاكر، ص184.

[7] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص11.

[8] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج33/ص201. نقلاً عن ربيع الأبرار: الزمخشري.

[9] الاحتجاج: الطبرسي، فصل احتجاجات الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

[10] الزخرف: ٥٤.

[11] أحاديث أم المؤمنين عائشة: السيد مرتضى العسكري، ج2/ص237. شيخ المضيرة أبو هريرة: محمود أبو رية، ص207. البداية والنهاية: ابن كثير، ج8/ص128.

[12] شرح الأخبار: القاضي النعمان المغربي، ج2/ص157. الملاحم والفتن: السيد ابن طاووس، ص225. بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج44/ص53.

[13] الغدير: الشيخ الأميني، ج11/ص74.

 [14] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج30/ص296. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج15/ص175.

[15] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج15/ص177. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/ص386. الإصابة: ابن حجر، ج1/ص371. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج3/ص1139.

[16] مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج6/ص233. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/121. مجمع الزوائد: الهيثمي، ج9/ص130. السنن الكبرى: النسائي، ج5/ص133. خصائص أمير المؤمنين  عليه السلام: النسائي، ص99.

[17] المناظرات في الإمامة: الشيخ عبد الحسن، ص389. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص102.

[18] المبسوط: الشيخ الطوسي، ج7/ص263. المجموع: محي الدين النووي، ج19/ص190. روضة الطالبين: محي الدين النووي، ج7/ص271. مغني المحتاج: محمد بن أحمد الشربيني، ج4/ص124. المغني: عبد الله بن قدامة، ج10/ص49. الشرح الكبير: عبد الرحمن بن قدامة، ج10/ص49. سبل السلام: محمد بن إسماعيل الكحلاني، ج3/ص258. نيل الأوطار: الشوكاني، ج7/ص358.

[19] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج4/ص57. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص105.

[20] الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: أحمد الرحماني الهمداني، ص753. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج4/ص59. الإسلام المفترى عليه: الشيخ محمد الغزالي، ص35.

[21] علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ كمال شاكر، ص420.

[22] تاريخ الإسلام: الدكتور حسن إبراهيم، ص278.

[23] الغدير: الشيخ الأميني، ج2/127. وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري، ص38. الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ابن الصباغ، ج1/ص443. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص137.

[24] الأبيات للمرحوم السيد جعفر الحلي)).