هل كان الشمر لعنه الله من الخوارج؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

وجدت في بعض البحوث والكتب المعاصرة وصفاً للشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بأنه من الخوارج لعنة الله عليهم، كقول السيد شرف الدين الموسوي قدس الله روحه في كتابه (صلح الإمام الحسن «عليه السلام»)حيث يقول: (الخوارج: وهم أعداء علي عليه السلام منذ حادثة التحكيم، كما هم أعداء معاوية. وأقطاب هؤلاء في الكوفة: عبد الله بن وهب الراسبي، وشبث بن ربعي، وعبد الله بن الكواء، والأشعث بن قيس، وشمر بن ذي الجوشن...)[1].

وخالد محمد خالد في كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) حيث يقول: (وكان مستشار ابن زياد لهذه الحملة الباغية، مسخ شائه الخلق والخلق، اسمه شمر بن ذي الجوشن. رجل مدخول الإسلام، انشقت عنه الأرض بغتة في الأيام الأولى لفتنة الخوارج الذين ناصبوا الإمام عليا العداء.. فأدلى معهم بدلوه، عاملا لحساب نفسه الخبيثة، أو لحساب قوة خفية شريرة. ومن تلك الأيام، وهو يكيد للإسلام، ويخرب في صفوفه متخفيا وراء ذلك القناع المشبوه، قناع انتمائه للخوارج وتسلله له بمبادئهم إلى أغراضه المنكرة وأغراض القوى التي يعمل لحسابها...)[2].

وكالشيخ محمد السماوي في كتابه (أبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام») حيث يقول: (شمر بن ذي الجوشن: بفتح الشين وكسر الميم ويجري على الألسن ويمضى في الشعر الحديث كسر الشين وسكون الميم وهو خلاف المضبوط، وذو الجوشن أبوه، واسمه شراحيل بن الأعور قرط بن عمرو بن معاوية بن كلاب الكلابي الضبابي، وهو قاتل الحسين «عليه السلام» وكان أبرص خارجيا)[3].

ولكن وللأسف الشديد لم نعثر على دليل تاريخي متين يمكن أن يُركن إليه في إثبات انتماء الشمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله لفرقة الخوارج، والنصوص المتقدمة للسيد شرف الدين قدس الله روحه وغيره خالية عن ذكر الدليل التاريخي الذي اعتمدوه كدليل على انتماء الشمر لعنه الله للخوارج.

إضافة إلى أن واحدة من متبنيات الخوارج لعنهم الله الفكرية الأيدلوجية هي تكفير كل من أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه واهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجميع شيعته، وتكفير معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليهما وجميع آل أمية وشيعتهم عليهم لعنة الله أجمعين[4]، والشمر بن ذي الجوشن لعنه الله وان كان يبغض أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأولغ في دمائهم الطاهرة، إلا انه كان يرى الطاعة والمعاضدة والنصرة والدفاع عن آل أمية، فعقيدة الخوارج غير متحققة بالنسبة للشمر بن ذي الجوشن لعنه الله، نعم هو خارجي بفعله، فلو كان قدر للخوارج أن ينالوا من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لما كانوا ليفعلوا أكثر من الذي فعله الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله، فهو لعنة الله عليه أموي الهوى والفكر خارجي الفعل.

ــــــــــــــــ
[1] صلح الحسن عليه السلام للسيد شرف الدين ص 70.
[2] أبناء الرسول في كربلاء لخالد محمد خالد ص 108.
[3] أبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام» للشيخ محمد السماوي ص44 ــ 45.
[4] يقول محمد جعفر شمس الدين في كتابه دراسات في العقيدة الاسلامية: (ذهبوا ــ أي الخوارج ــ على اختلافهم إلى القول بتكفير مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار. بل ذهبت بعض فرقهم، إلى تكفير مرتكب الذنب مطلقا ، حتى ولو كان من الصغائر. كما حكموا بكفر كل ما خالفهم، وان أطفال المشركين في النار مع آبائهم).

دور الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله في تخذيل للناس عن مسلم بن عقيل عليه السلام

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

أغلب من تورط في دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه في يوم عاشوراء، كان قد تورط قبل ذلك في دم ابن عمه مسلم بن عقيل عليه السلام، وكان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله من هؤلاء الذين تورطوا وشاركوا مشاركة فاعلة في تخذيل الناس عن نصرة مسلم بن عقيل عليه السلام الأمر الذي أدى إلى تركه وحيدا ثم القبض عليه من قبل أنصار ابن مرجانة لعنه الله ثم استشهاده عليه السلام، والمصادر التاريخية قد نقلت مجموعة كبيرة من الأحداث التي رافقت وجود مسلم بن عقيل عليه السلام في الكوفة، والتي كان للشمر لعنه الله دور فاعل فيها، وفيما يأتي جملة من تلك النصوص المنقولة.



1: قال ابن الأثير: (فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلة عدد من معه. وخرج أولئك النفر يخذلون النفر وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل الطاعة ففعلوا فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى أن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول انصرف الناس يكفونك ويفعل الرجل مثل ذلك فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا)[1].

2: وقال الطبري: (ودعا عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس)[2].

3: وقال الدينوري في الاخبار الطوال: (وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة: ليشرف كل رجل منكم في ناحية من السور، فخوفوا القوم. فأشرف كثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، فتنادوا: يا أهل الكوفة، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم. فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور)[3].

ــــــــــــــــ
[1] الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 31.
[2] تاريخ الطبري ج4 ص276.
[3] الأخبار الطوال للدينوري ص 239.

موقف الإمام الحسين عليه السلام من صلح الامام الحسن عليه السلام

بقلم: الشيخ حسن الشمري

تمهيد


تقلّد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خلافة المسلمين بنص من سيد الوصيينعليه السلام، وبإجماع المسلمين، وهو الإجماع الثاني بعد إجماع المسلمين على خلافة سيد الوصيين الإمام علي عليه السلام.

وقد تسلّم الخلافة والأمة الإسلامية ((تموج بالفتن)) التي افتعلها معاوية ابن أبي سفيان بالتنسيق مع رأس المنافقين ((الأشعث بن قيس الكندي)).

وقد حاول المنافق الأشعث بن قيس صرف الخلافة إلى معاوية إلا أنه فشل، وبعدها أخذ ينسج المؤامرات لإفشال حكومة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.


وقد شكّل الإمام الحسن مع أخيه الإمام الحسين عليهما السلام وثلّة من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، منهم حجر بن عدي، وقيس بن سعد بن عبادة ((غرفة عمليات)) لإدارة الأزمة المتفاقمة.

وقد أمر الإمام الحسن عليه السلام بعقد اجتماع طارئ وعام في جامع الكوفة لتدارك الأزمة، وإيجاد السبل الكفيلة في الخروج منها، وألقى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خطاباً رائعاً وبليغاً جعل الأسماع تصغي إليه برمّتها.

فدعا إلى وحدة الصف، وتلاحم القوى، ومعرفة الواقع الذي يلفّ المسلمين، وحذّر من معاوية ومن دعاياته وأعوانه الذين انتشروا في الحواضر الإسلامية.

ودعا الإمام (صلوات الله عليه) إلى حرب معاوية المفسد.

جاء في (موسوعة الإمام الحسين عليه السلام): ((ثم ندب الناس لحرب معاوية، فلمّا سمعوا ذلك وجلت قلوبهم، وكمّت أفواههم، ولم يستجب منهم أحد سوى البطل الملهم عدي بن حاتم، فانبرى يعلن دعمه الكامل للإمام، ووجّه أعنف اللوم والتقريع لأهل الكوفة على موقفهم الانهزامي، واستبان للإمام وغيره أنّ جيشه لا يريد الحرب، فقد خلع يد الطاعة، وانساب في ميادين العصيان والتمرد.

وبعد جهود مكثّفة قام بها بعض المخلصين للإمام نفر للحرب أخلاط من الناس ــ على حدّ تعبير الشيخ المفيد عليهما السلام ــ كان أكثرهم من الخوارج والشكاكين وذوي الأطماع))[1].

ولنا وقفة مع سماحة الشيخ القرشي:

أولاً: ليس مع المعقول بعد خطاب الإمام التاريخي أن يستجيب نفر واحد وهو ((عدي بن حاتم الطائي))، علماً أنّ أهل الكوفة كانوا قريبي عهد بالإمام أمير المؤمنينعليه السلام، وفيهم ثلّة من الصحابة والحواريين، منهم حجر بن عدي، وقيس بن سعد بن عبادة، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وبرير بن خضير، وسليمان بن صرد الخزاعي، وغيرهم.

ثانياً: مع استجابة ((عدي بن حاتم))، ونفر قليل، كيف يَطْمَئنّ الإمام (صلوات الله عليه) إلى جماعة، وفيها ــ كما يذكر الشيخ المقدس العلامة المفيد عليهما السلام ــ الخوارج والشكاكون وذوو الأطماع، علماً أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان يروم خوض المعركة الفاصلة مع معاوية، فلولا علم الإمام الحسن عليه السلام أنّ هناك من ينصره لما أقدم على هذه الخطوة، فالحرب مع معاوية كانت تشكّل أهمية خاصة للإمام الحسن عليه السلام حتى يكسر هيبة معاوية التي استولت على قلوب أهل الشام، ويثبّت أعمدة الإسلام التي اهتزت كثيراً بفعل الممارسات الجاهلية.

ويعيد الإسلام إلى الشام بعد أن لفظته واستبدلته بـ((قيم معاوية الجاهلية))، فالشام تشكّل موقعاً استراتيجياً لدولة الإسلام.

ثالثاً: إنّ خروج الأعداد الغفيرة لنصرة الإمام الحسن عليه السلام يشكّل دليلاً واضحاً في تأثير الإمام (صلوات الله عليه) بالرغم من الظروف القاسية التي لفت العراقيين من جراء استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، واستغلال الفئة المنافقة لفقيد الأمة في بثّ الإشاعات المغرضة وتجييرها لمعاوية بن أبي سفيان.
موقف الإمام الحسين عليه السلام من الصلح

إنّ أهمّ حدث ظهر في زمن الإمام الحسن عليه السلام يكمن في الصلح، ويعتبر الصلح من الأحداث القاسية التي ألمت بالأمة الإسلامية، فقد أزاحت الإمام الحسن عليه السلام عن منصبه الذي أجمعت الأمة عليه واعتبرته امتداداً لمنصب أبيه سيد الوصيين الإمام عليعليه السلام.

إنّ اختيار الإمام الحسن عليه السلام ومبايعته بكلّ طواعية، بما فيهم المنافقون الذين تربّصوا بالإمام يعتبر حدثاً مهماً حيث أكسب الإمام مع الوصية موقعاً استثنائياً.

وقد جاء الصلح مع معاوية بن أبي سفيان لضرورات اقتضتها مصلحة الإسلام والأمة، كما اقتضت الضرورة أن يصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً.

وقد صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية أسوة بجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفاظاً على الإسلام وعلى أمته، وقد أظهر الصلح شدّة حرص الإمام الحسن عليه السلام على الإسلام وأمة جده صلى الله عليه وآله وسلم، وحرص معاوية على الملك والسلطان، وفشله في إخفاء نهمه للسلطة والتسلط، فبعد أن صالح الإمام الحسن عليه السلام على وفق الشروط الدينية والأخلاقية وأشهد عليها ثلّة من المؤمنين نكث معاوية، فجاء إلى الكوفة، وخطب فيها:

((يا أهل الكوفة، إني ما قاتلتكم لتصلّوا وتصوموا، وإني أعلم أنكم تصلون وتزكون، ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وهذه شروط ((الحسن)) الذي أعطيتها فهي تحت قدميّ هاتين))[2].

وفي نظري لولا الصلح والخلافة لما انكشف معاوية وظهرت حقيقته، فالسلطان والمال تكشفان حقيقة الإنسان مهما طال به الزمن، وسوف نعرج على ملابسات الصلح ونتائجه في كتاب (قبس من نور الإمام الحسن المجتبى عليه السلام).

لقد كان موقف الإمام الحسين عليه السلام واضحاً، فقد تجاوب مع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، لاسيّما وهو يعرف قبل غيره أنّ أخاه إمام مفترض الطاعة، وأنّ طاعته طاعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله تعالى.

قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ))[3].

فالإمام عليه السلام هو ولي الأمر، وطاعته واجبة بنصّ الآية، ثم إنّ الإمام الحسين عليه السلام وقف عن قرب على الأسباب التي دعت الإمام الحسن عليه السلام إلى الصلح، منها خذلان أقرب المقرّبين ((عبيد الله بن العباس)) القائد الميداني الذي كان يحسب له حساب.

ثم إنّ معاوية كاد أن يهلك الحرث والنسل في سبيل الوصول إلى ((مطامعه الدنيوية)) التي حوّلته إلى جيفة وكتل من التراب المهين.

يقول الشاعر الشامي محمد مجذوب:



أين القصور أبا يزيد ولهوها *** والصافنات وزهوها والسؤددُ؟

أين الدّهاء نحرت عزّته *** على أعتاب دنيا سحرها لا ينفدُ؟

هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه *** لأسال مدمعك المصير الأسودُ

كتل من الترب المهين بخربة *** سكر الذّباب عليها فراح يعربدُ



تقول بعض الروايات أنّ الإمام الحسين عليه السلام اعترض على أخيه الإمام الحسنعليه السلام، وهي لم تصح ولم يثبت وثاقة الناقل لها، فهي من صنع العباسيين نكاية بأبناء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام الذين أكثروا الثورات ضدهم، فاتهموهم ونسبوا إليهم الكثير من الأباطيل، وبجدّهم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كما هو ثابت في التاريخ، وللمزيد راجع كتاب (صلح الإمام الحسن عليه السلام) للشيخ آل ياسين عليهما السلام.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام وافق أخاه الإمام الحسن عليه السلام، بعد أن وافق الإمام الحسن عليه السلام على الصلح، وضمَّنه بنوداً، منها إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام بعد موت معاوية، ورفع السبّ عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، ووقف حملات القتل والإبادة الجماعية لأصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

ولكن معاوية نقض بنود الصلح وضربها عرض الحائط، ولم يكتفِ بذلك، بل دسّ السمّ إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فمضى شهيداً (بأبي وأمي) متأثّراً بالسمّ الذي اشتراه معاوية من ملك الروم.

وبعد استشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام تسلّم معاوية زمام السلطة، فعاث في الأرض فساداً، وأهلك الحرث والنسل.

قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ))[4].

وقد تولّى معاوية وقلبه يغلي حقداً على الإسلام الذي قضى على أحلام ((أبي سفيان في القضاء على الإسلام))، فجاء معاوية كي يحقق أحلام أبيه، وقد استبدّ معاوية بالحكم ليساعده على ذلك ((عمرو بن العاص)) الذي باع دينه لدنيا حقيرة، فكانت الصفقة مع معاوية ((ولاية مصر))، فاستولى عمرو ابن العاص على مصر ((وأحرق الولد البار للإسلام محمد بن أبي بكر في جلد حمار))، وهي طريقة منكرة، وفي الوقت نفسه دنيئة تبيّن الحقـد والتفنن في إرعاب الناس.

وعندما تولى معاوية حاول تزيين صورته كي يتسنّى له إحكام السيطرة، ثم القضاء على الرموز العالية التي كانت تقف أمام مخططاته الدنيئة.

إنّ خطة معاوية كانت تستهدف التخلص أولاً من صحابة أمير المؤمنين علي عليه السلام أمثال حجر بن عدي، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ومن ثمّ يجهز على الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

إنّ أسلوب ((قصقصة الأجنحة)) كانت من الأساليب المهمّة لدى معاوية، وقد اتبعها في زمن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، حين استهدف مالك الأشتر الذي كان رمزاً مهماً، وأحد أعمدة الدولة الإسلامية ثم محمد بن أبي بكر.

وقد استهدف جلّ الصحابة في معركة صفين، فقتل عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وابن التيهان، كلّ ذلك حتى ((يستفرد بالإمام أمير المؤمنينعليه السلام».

إنّ استهداف الرموز الكبيرة تعدّ من الخطط التي اعتمدها العدو، وتعدّ هذه الخطة من أخطر ما يتعرّض له الكيان الإسلامي، فالرموز الكبيرة هي السور الواقي والخندق الأول الذي تتهاوى عنده الهجمات والمؤامرات، والخندق الأول يعدّ من الناحية الإستراتيجية ((السدّ المنيع))، لذا يحاول العدو اختراقه وتحطيمه حتى يتسنّى له التقدم بسهولة في عمق الدولة.

والرموز الكبيرة هي القدوة التي تدفع الشبهات وتدحض الأباطيل، ثم تعطي الصورة الواضحة للقيم، وهي العمق الإستراتيجي للقيادة في ساعة المحنة، والرمز يشكّل ((الخزين الإستراتيجي)) للقيادة، من هنا فإنّ القيادة الناجحة هي التي تصنع الكوادر التي تستطيع من خلالها نشر الفكر والقيم، ثم إنّ نجاح القائد مرهون ببقاء الكوادر إلى جنبها في كلّ مراحل العمل حتى في أدقّ التفاصيل.

إنّ بقاء الكوادر والرموز إلى جانب القيادة يعدّ انتصاراً للقائد حتى لو لم يحقق الانتصار، فالنصر ليس محصوراً في سحق العدو، بل في الحفاظ على مستوى الرموز، وعلى استقامتهم، وتمسكهم بالمبادئ فأيّ تفريط بهم يشكّل منعطفاً خطيراًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً، لذلك فإنّ بعض القادة فقدوا الانتصار بعد أن فقدوا الأنصار.

إنّ بقاء الكوادر إلى جانب القيادة يعطي زخماً معنوياً للقائد وللكوادر، ثم تعطي مصداقية للقيم التي تعتمدها القيادة، من هنا فإنّ الأنبياء عليهم السلام اعتمدوا على الكوادر الكفوءة من لدن بعثتهم كلّ ذلك حتى تثبت مصداقية الرسالة.

إنّ الناس تنظر إلى الرموز مثلما تنظر إلى القيادة، فالرمز في نظر الناس يشكّل الصورة الحية للقائد، ثم إنّ الناس تهوي ((المثال))، وتشتدّ علاقتها بالقيم كلما وجدت ((رمزاً عالياً))، وهذه نقطة جديرة بالملاحظة.

ثم إنّ القيادة الناجحة التي تمثّل المصداق الحقيقي للانتصار تكمن في حفاظها على الرموز وعلى الكوادر، فالقائد الحقيقي الذي يمثّل قمّة القيادة هو الذي يصنع ((القادة))، وبهذه الخطوة فإنه يسجّل انتصاراً حقيقياً.

إنّ انتصار الإسلام بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن محصوراً في سحق العدو، وإنما في صنع القادة أمثال بطل الإسلام الخالد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وعمار، وأبو ذر، وسلمان، وبهذا الانجاز فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حافظ على قيم الإسلام الفذّة.

إنّ قيم الإسلام تعرّضت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبشع الهجمات، وإلى حملات تحريف لم يسبق لها مثيل، ولكن الرموز الكبيرة التي تخرجت من مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقفت سداً منيعاً، وحالت دون أن تعمل هذه الهجمات عملها.

إنّ الدور الذي قام به الرمز العالي علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقلّ عن دور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))[5]، راجع مصادر هذا الحديث في الهامش.

وهذا الدور الذي تقمّصه الإمام عليه السلام يشابه تماماً دور هارون في زمن النبي موسى عليهما السلام، فعليه فإننا بحاجة إلى منهج استراتيجي للحفاظ على الرموز والكوادر، لأننا فقدنا الكثير وبسهولة، وهكذا فإنّ المجتمع الإسلامي بات ينتج الرمز بصعوبة ولكنه يفقده بسهولة.

وتعدّ هذه الظاهرة كما أسلفت من أخطر ما يتعرّض له المجتمع الإسلامي، إنّ مذهب أتباع أهل البيت عليهم السلام فقد الكثير من الرموز السامية، التي هي عالية ليس على صعيد العالم الإسلامي فحسب، وإنما على صعيد ((العالم الإنساني)).

وقد فقدنا الكثير بسهولة، وكأنّ هناك مصنعاً ينتج الرموز حتى يمكن تعويض ما خسرناه، وفقدان هذه الرموز يشكّل فراغاً عميقاً أثّر سلباً على المستوى العلمي والثقافي والأخلاقي.

إنّ بناء الإنسان أصعب ما في الحياة فكيف ببناء قائد، لذا فعلينا أن نحافظ على ((الرموز)) بإيجاد ((قوانين)) دولية تحرّم التعرّض إلى الرموز، وتجرم من يتعدّى عليهم بأيّ شكل من الأشكال، وتحت أيّ غطاء كان، ولابدّ للمؤسسات الإنسانية والدينية أن تبذل الجهد الحثيث لتشريع ((قانون في الأمم المتحدة)) يمنع فيه التعرّض إلى الرموز، ثم إلزام الدول العربية والإسلامية وباقي الدول بهذا القانون.

ولابدّ أن توضع وثيقة عهدٍ قانونية ملزمة تحرّم وتجرّم كل من يتعرّض إلى الرموز الدينية وغير الدينية بما فيها الرموز العلمية.

وأيضاً على المؤسسات الإنسانية السعي ((لفرض)) قانون يلزم الدول في دستورها ((حرمة التعرض للرموز))، وبأيّ شكل من الأشكال وتحت أيّ غطاء وذريعة.

إنّ سعي المؤسسات الإنسانية والإسلامية لفرض قانون يجرّم فيه التعرّض إلى الرموز يعدّ خطوة هامة على طريق الحفاظ على ((صمامات الأمان للأمة))، كما يضمن حقوق الأمم الأساسية.

ومن جانب فإنّ هذه الخطوة تضمن ((تقدم الكوادر))، وتدفعهم إلى العمل بجد.

نعود ونقول: إنّ استلام معاوية الحكم واستبداده شكّل خطراً حقيقياً على الإسلام، وكاد معاوية بن أبي سفيان أن يقضي على الإسلام.

يقول روجيه غارودي:

((وكانت الدولة الأموية وخلافة معاوية من القروح الآكلة في جسم الدولة الإسلامية))[6].

وقد تعرض الإسلام في ظلّ معاوية لأبشع أنواع التشويه، وكادت القيم الإلهية أن تلفظ أنفاسها لولا وجود الأئمة من آل البيت عليهم السلام.

إنّ المحكّ الحقيقي للقيم الأهلية تكمن عندما تقابل الباطل، فإذا برز الباطل لابدّ للحق أن يبرز ويسفر عن وجهه، وهذا ما حدث إبان ثورة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على النّاكثين والمارقين والقاسطين، فقد تجلّى الحق في سلوك الإمام عليه السلام، وظهرت معالمه واضحة، الأمر الذي أدّى إلى تجذّرها،  وصارت جزءاً من حياة الأمة، إلا أنّ محاولات معاوية تواصلت وتتابعت فأفرخت فتناً.

إنّ معاوية بن أبي سفيان رسّخ الشجرة التي وضع بذرتها جدّه أمية حين نفي إلى الشام بعد أن نافر هاشماً، وسقيت الشجرة بولاية أخيه يزيد عليها في زمن أبي بكر وعمر، وها هو ثالث بني أمية يفصح عمّا وقر في صدره.

إنه ابن هند التي يقول عنها ابن أبي الحديد: ((وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر))[7].

ويذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار):

((كان معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمر، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح، وقد كان أبو سفيان دميماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً  (أجيراً) لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها فغشيها))[8].

وإذا وضعنا معاوية بن أبي سفيان في الميزان فلا قيمة له، وقد أخطأ العقّاد حين كتب عن معاوية، وأطلق عليه (معاوية في الميزان).

وأيّ شيء عند معاوية حتى نضعه في الميزان، وإنما يوضع في الميزان من له حسنة واحدة؟ ومعاوية صفر اليدين من الحسنات، ولا يمكن أن نتكلم عن معاوية والحسنات.

قال الإمام الحسن عليه السلام في معاوية: ((أنا لا أقول أنا خير منك لأنه لا خير فيك))[9].

وأيّ خير في معاوية؟ وقد أغلق أبواب الخير في وجه أصحابه في الشام حتى باتوا لا يفرّقون بين الناقة والجمل، وقد استخفّ بهم إلى أدنى درجات الحضيض كي يحكم قبضته فيهم، ثم يدخلهم في أتون الحروب التي كرّسها لشهواته وبطنه التي كانت لا تشبع، وقد أعماهم وأصمّهم، واستخفّ بهم.

قال تعالى: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ))[10].

إنّ معاوية بن أبي سفيان هو أول من استخف قومه، وصيّرهم وسيلة رخيصة لمآربه الشخصية وبطنه التي أضحت لا تشبع.

جاء في (تاريخ الطبري):

((إنّ معاوية كان يأكل في اليوم سبع مرات، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا))[11].وقال علماء النفس الاجتماعي: ((إنّ الأكول لا يفكّر طويلاً كما لا يبصر عميقاً)).

والأكول ((لا يمكنه أن يتألّق ويكون مبدعاً))، ومن طبع الأكول ((الاستئثار والعجلة))، وهذه صفات قبيحة ظهرت جلية في سلوك معاوية حتى ضرب بها رقماً قياسياً، فما أن يذكر معاوية حتى يذكر الختل والدوران والدهاء.

جاء في كتاب (معاوية بن أبي سفيان) للعقّاد:

((وأبرع ما برع فيه معاوية من ألوان الدهاء إلقاء الشبهة بين خصومه، وقد احتال بمثل هذه الحيلة على قيس بن سعد حتى أوقع الريبة منه في نفس الإمام)).

ومعاوية جيّر كل وسيلة بما فيها التسقيط والحروب.

جاء في كتاب (تاريخ الطبري) كما عن سعيد بن سويد:

قال معاوية لأهل الكوفة: ((والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، وإنكم تفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم له كارهون))[12].

وهو أول من استعمل سياسة الإطراء له وللخلفاء الثلاثة، وانتحال صفات ومناقب لهم ليس لها واقع أو سند وثيق.

جاء في (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه سأل أباه عن عليّ ومعاوية؟.

فقال: ((اعلم أنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتّش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له))[13].

ومما يحزّ في النفس أنّ الكثير من الناس باتوا يصدقون أقوال معاوية ويضعونها في مصاف الأحاديث الصحيحة، كل ذلك لشبهة وردت في كتب الحديث مثل ((معاوية كاتب الوحي))، و((خال المؤمنين))، و((أمير المؤمنين)).

وإذا كان معاوية كاتب الوحي فكيف يلعنه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى أبا سفيان راكباً، ويزيد السائق، ومعاوية القائد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعن الله الراكب والقائد والسائق))[14].

ثم هو من الشجرة الخبيثة (راجع: تفسير الرازي، تفسير آية الشجرة الخبيثة)، وهو من أهل النار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: ((ويح عمار تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار))[15].

وهو السابّ لله ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله))[16].

وجاء في (صحيح مسلم: باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام):

((قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما لك لا تسبّ علياً؟. قال: ثلاث أذكرهنّ فإنّي لا أسبّه.

وعندما مرّ ابن عباس على جماعة عند الكعبة، فسمعهم يسبّون علياً (صلوات الله عليه). فقال: من منكم يسبّ الله؟. قالوا: وكيف!! نستغفر الله؟.

قال: فمن منكم يسبّ رسول الله؟. قالوا: نستغفر الله؟.

قال: من منكم يسبّ علياً؟. قالوا: أما هذه فنعم.

فقال ابن عباس: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله))[17].

ويكفي معاوية أنه خلع الطاعة لإمام أجمعت الأمة على بيعته، فمات ميتة جاهلية.

جاء في (صحيح مسلم): ((من خلع الطاعة وفارق الجماعة ميتته جاهلية»[18].

ومعاوية هو أول من أشهر سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على المنابر، وأضحت منابر المسلمين تزعق بسبّ الإمام عليه السلام، بل زاد بعضهم آل البيتعليهم السلام، فهذا المجرم خالد بن عبد الله القسري والي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك يلعن الإمام علياً عليه السلام وأهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ذكر ابن الأثير في (الكامل في التاريخ):

إنّ خالد بن عبد الله القسري كان يقول: ((اللهم إلعن علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته، وأبا الحسن والحسين)).

ثم يقبل على الناس، فيقول: هل كنيت[19].

وقد استمرت هذه السنّة سبعون سنة إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فألغاها، بسبب ما كان يلحظه من أبيه من ارتجاج عندما يعرج على سبّ وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ما الحيلة عند الأمويين والدنيا لا تستقيم لحكمهم إلا بإتباع هذه السنّة السيئة، والرعية لا تخضع لهم إلا بالتأكيد عليها، وهذا ما أكّد عليه عبد العزيز لولده عمر: ((يا بني إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد))[20].

يقول الغزالي في كتابه (الإسلام المفترى عليه):

 ((فلما أراد معاوية أن يتجه بشكل الحكم إلى غير ما عرف في دولة الخلافة، لاحظ المعترضون عليه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ هذا الاتجاه روماني لا إسلامي، وقالوا في وصفه: كلّما هلك هرقل قام هرقل.

ولكن هذا الأسلوب الروماني كتبت له السيطرة، وبلغ من اجترائه أنه استولى على منابر الجمعة يلعن من فوقها ممثلي الاتجاه الإسلامي الصحيح))[21].

وقد سعى معاوية بن أبي سفيان إلى تثبيت هذه السنّة السيئة حتى:

1 ــ يزرع في أذهان الشاميين ((فكرة الخوارج)) التي تذهب أن علياً عليه السلام وآل البيتعليهم السلام لا علاقة لهم بالدين، وقد تأكدت هذه الفكرة بدليل أنّ أهل الشام بُعيد استشهاد أبي عبدالله الحسين عليه السلام صدقوا ((خروج الحسين عن الإسلام وقد قتل لخروجه منه)).

2 ــ حتى يغطّي على مناقب الإمام عليه السلام، وكادت السنّة السيئة تأتي على مناقب الإمام، لولا ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام التي مزقت الستار الذي نسجه معاوية.

3 ــ إنّ فكرة السبّ على سبعين ألف منبر في كل يوم، وفي رواية في كلّ منتدى ومسجد لابدّ وأن تأخذ حيّزاً من نفوس الناس، فهي إن لم تقنعهم فعلى الأقل تتفاعل في نفوسهم (كما هو ثابت في علم النفس التربوي)، فتظل هذه الفكرة تشغلهم عن الأبعد من حدود السبّ.

4 ــ إنّ فكرة السبّ الشيطانية إنما تؤكد ((حرص معاوية)) على استعمال الأساليب كافة في سبيل دنياه، وهكذا فإنّ كلّ السبل كانت مفتوحة أمامه، فهو لا يتورّع من استعمال أقذرها لمصالحه الدنيئة.

يقول الدكتور حسن إبراهيم:

((فالأمويون لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية))[22].

5 ــ إنّ فكرة السبّ فتحت الأبواب أمام ((الانتهازيين))، والمتملّقين لافتراء الأحاديث، والافتراء على الإسلام بكلّ وقاحة، فشخصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تمثّل الإسلام، وتمثّل شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا تمّ التجاوز على شخصية الإمام فمن السهولة بمكان التجاوز على الإسلام، ثم إزاحته من واقع المسلمين.

وفي نظري فإنّ هذا هو المطلب الأساسي الذي كان يستهدفه معاوية، فإنّ معاوية كان يتميز غيظاً منه، فلابد من عمل شيء حتى يمكنه من استغلال الواقع الإسلامي لمصالحه الدنيئة، لقد عوّدنا معاوية في استعمال كل ما هو قذر حتى لو كان يجمع قذارات الأولين والآخرين.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: قال أبو القاسم البلخي: ((وما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردّد في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله))[23].

6 ــ وفي نظري فإنّ استعمال السبّ إنما هو لإيجاد مناخ لأمراء السوء كي يتبؤوا مقعد الخلافة، وهذا ما حصل، فقد جاء يزيد بن معاوية على خلفية الواقع المزري الذي لفّ المسلمين.



الله أيّ دم في كربلا سفكا *** لم يجرِ في الأرض حتى أوقف الفلكا

وقد تحكّم بالإسلام طاغية *** يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا

لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا *** وكيف صار يزيدٌ بينهم ملكا

العاصر الخمر من لؤم بعنصره *** ومن خساسة طبع يعصر الودكا

لئن جرت لفظة التوحيد في *** فمه فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا

قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً *** وما إلى أحد غير الحسين شكا

فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً *** إلا إذا دمه في كربلا سفكا

وما سمعت عليلاً لا علاج له *** إلا بنفس مداويه إذا هلكا[24]


7 ــ حتى يتسع الغدر ليعمل معاوية ما يشاء ويفعل ما يريد، لقد عمل معاوية بما فيه الكفاية في تحريف الإسلام حتى أنسى الكثير الصلاة التي هي أظهر مصاديق الإسلام.

ــــــــــــــــــــــ
[1] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص112.

[2] الغدير: الشيخ الأميني، ج1/ص7. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص46.

[3] النساء: ٥٩.

[4] البقرة: ٢٠٤ ــ ٢٠٥.

[5] مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج1/ص170. صحيح البخاري: البخاري، ج3/ص208. صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، ج7/ص121. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني، ج1/ص43. سنن الترمذي: الترمذي، ج5/ص304. فضائل الصحابة: النسائي، ص13. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج2/ص337. السنن الكبرى: البيهقي، ج9/ص40. شرح مسلم: النووي، ج1/ص195. مجمع الزوائد: الهيثمي، ج9/ص109. فتح الباري: ابن حجر، ج8/ص86. عمدة القاري: العيني، ج16/ص214. الديباج على مسلم: جلال الدين السيوطي، ج5/ص386. تحفة الأحوزي: المباركفوري، ج10/ص157. مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود الطيالسي، ص28. المصنف: عبد الرزاق الصنعاني، ج5/ص406. مسند الحميدي: عبد الله بن الزبير، ج1/ص38. المعيار والموازنة: أبو جعفر الإسكافي، ص70. مسند ابن الجعد: علي بن الجعد بن عبيد، ص301. المصنف: ابن أبي شيبة الكوفي، ج7/ص496. مسند ابن راهويه: إسحاق بن راهويه، ج5/ص37. مسند سعد بن أبي وقاص: أحمد بن إبراهيم الدورقي، ص51. تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة، ص13. ما روي في الحوض والكوثر: ابن مخلد القرطبي، ص126. الآحاد والمثاني: الضحاك، ج5/ص172.  كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم، ص551. السنن الكبرى: النسائي، ج5/ص44. خصائص أمير المؤمنين عليه السلام: النسائي، ص48. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج1/ص287. جزء الحميري: علي بن محمد الحميري، ص28. أمالي المحاملي: الحسين بن إسماعيل المحاملي، ص209. حديث خيثمة: خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، ص199. صحيح ابن حبان: ابن حبان، ج15/ص16. المعجم الأوسط: الطبراني، ج2/ص126. المعجم الصغير: الطبراني، ج2/ص22. المعجم الكبير: الطبراني، ج1/ص146. معرفة علوم الحديث: الحاكم النيسابوري، ص252. فوائد العراقيين: ابن عمرو النقاش، ص95. الفوائد المنتقاة: محمد بن الصوري: ص55. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج3/ص1097. التمهيد: ابن عبد البر، ج22/ص132. جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر، ج1/ص112. جزء بقي بن مخلد: ابن بشكوال، ص126. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج2/ص59. درر السمط في خبر السبط: ابن الأبار، ص79. الأذكار النووية: يحيى بن شرف النووي، ص277. نظم درر السمطين: الزرندي الحنفي، ص24. المواقف: الإيجي، ج3/ص603. موارد الظمآن: الهيثمي، ج7/ص313. الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي، ج2/ص177. كنز العمال: المتقي الهندي، ج5/ص724. فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي، ج4/ص471. كشف الخفاء: العجلوني، ج2/ص382.  نظم المتناثر من الحديث المتواتر: الشيخ محمد ابن جعفر الكتاني، ص195. فتح الملك العلى: أحمد بن صديق المغربي، ص48. إرواء الغليل: محمد ناصر الألباني، ج5/ص11. تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: الباقلاني، ص458. شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني، ج1/ص190. تفسير الرازي: الرازي، ج16/ص76.  تفسير القرطبي: القرطبي، ج1/ص266. تفسير البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي، ج5/ص111. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي، ج3/ص266. تفسير الآلوسي: الآلوسي، ج4/ص258. الثقات: ابن حبان، ج1/ص142. الكامل: عبد الله بن عدي، ج1/ص306. طبقات المحدثين بأصبهان: عبد الله بن حبان، ج4/ص264. علل الدارقطني: الدارقطني، ج4/ص313. تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، ج1/ص342. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، ج12/ص349. أسد الغابة: ابن الأثير، ج4/ص26. ذيل تاريخ بغداد: ابن نجار البغدادي، ج2/ص78. تهذيب الكمال: المزي، ج5/ص277. تذكرة الحفاظ: الذهبي، ج1/ص217. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج1/ص142. الكشف الحثيث: سبط ابن العجمي، ص186. الإصابة: ابن حجر، ج4/ص464. تهذيب التهذيب: ابن حجر،ج2/ص209. لسان الميزان: ابن حجر، ج2/ص23. تاريخ الطبري: الطبري، ج2/ص368. بلاغات النساء: ابن طيفور، ص28. ذكر أخبار أصبهان: الحافظ الأصبهاني، ج1/ص80. تاريخ الإسلام: الذهبي، ج2/ص631. الوافي بالوفيات: الصافي، ج12/ص172.

[6] علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ السيد كمال شاكر، ص184.

[7] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص11.

[8] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج33/ص201. نقلاً عن ربيع الأبرار: الزمخشري.

[9] الاحتجاج: الطبرسي، فصل احتجاجات الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

[10] الزخرف: ٥٤.

[11] أحاديث أم المؤمنين عائشة: السيد مرتضى العسكري، ج2/ص237. شيخ المضيرة أبو هريرة: محمود أبو رية، ص207. البداية والنهاية: ابن كثير، ج8/ص128.

[12] شرح الأخبار: القاضي النعمان المغربي، ج2/ص157. الملاحم والفتن: السيد ابن طاووس، ص225. بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج44/ص53.

[13] الغدير: الشيخ الأميني، ج11/ص74.

 [14] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج30/ص296. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج15/ص175.

[15] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج15/ص177. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/ص386. الإصابة: ابن حجر، ج1/ص371. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج3/ص1139.

[16] مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل، ج6/ص233. المستدرك: الحاكم النيسابوري، ج3/121. مجمع الزوائد: الهيثمي، ج9/ص130. السنن الكبرى: النسائي، ج5/ص133. خصائص أمير المؤمنين  عليه السلام: النسائي، ص99.

[17] المناظرات في الإمامة: الشيخ عبد الحسن، ص389. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص102.

[18] المبسوط: الشيخ الطوسي، ج7/ص263. المجموع: محي الدين النووي، ج19/ص190. روضة الطالبين: محي الدين النووي، ج7/ص271. مغني المحتاج: محمد بن أحمد الشربيني، ج4/ص124. المغني: عبد الله بن قدامة، ج10/ص49. الشرح الكبير: عبد الرحمن بن قدامة، ج10/ص49. سبل السلام: محمد بن إسماعيل الكحلاني، ج3/ص258. نيل الأوطار: الشوكاني، ج7/ص358.

[19] شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج4/ص57. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص105.

[20] الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: أحمد الرحماني الهمداني، ص753. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج4/ص59. الإسلام المفترى عليه: الشيخ محمد الغزالي، ص35.

[21] علي عليه السلام إمام لكل العصور: الأستاذ كمال شاكر، ص420.

[22] تاريخ الإسلام: الدكتور حسن إبراهيم، ص278.

[23] الغدير: الشيخ الأميني، ج2/127. وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري، ص38. الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ابن الصباغ، ج1/ص443. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص137.

[24] الأبيات للمرحوم السيد جعفر الحلي)).

هل اشترك الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله في معركة صفين مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

أما عن مسألة حضوره لعنه الله في جيش صفين، فقد روي ذلك في روايتين نوردهما ونورد ما فيهما من إشكال، الأولى عن: (عمر بن سعد، حدثني يونس بن أبي إسحاق قال: قال لنا أدهم بن محرز الباهلي ونحن معه بأذرح: هل رأى أحد منكم شمر بن ذي الجوشن؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي، وسعيد بن خازم السلولي: نحن رأيناه. قال: فهل رأيتما ضربة بوجهه؟ قالا: نعم. قال: أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين)[1].

والرواية الثانية عن: (عمر، عن الصلت بن زهير النهدي، عن مسلم قال: خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية بصفين إلى شمر بن ذي الجوشن فاختلفا ضربتين، فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم، وضربه شمر فلم يصنع سيفه شيئا، فرجع إلى عسكره فشرب من الماء وأخذ رمحا، ثم أقبل وهو يقول:

إني زعيم لأخي باهله *** بطعنة إن لم أمت عاجله
وضربة تحت الوغى فاصله  *** شبيهة بالقتل أو قاتله

ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه، وأدهم ثابت له لم ينصرف، فطعنه فوقع عن فرسه، وحال أصحابه دونه فانصرف، فقال شمر: هذه بتلك)[2].

والروايتان ضعيفتان من حيث السند، لان الأولى فيها يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي، وقد اجتمعت كلمة الشيعة والسنة على تضعيفه، وعدم الاحتجاج بحديثه، قال السيد الخوئي: (إنه كان من العامة وشديد التعصب)[3]، وفي كتاب العلل لأحمد بن حنبل: (يونس بن أبي إسحاق قال حديثه حديث مضطرب)[4]، وقال الرازي عن: (عبد الرحمن قال سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال: كان صدوقا إلا انه لا يحتج بحديثه)[5].

والرواية الثانية نقلت عن مسلم، وهو مسلم بن كيسان الأعور، فعن احمد بن حنبل قال: (لا يكتب حديثه ضعيف الحديث)[6]، وقال العجلي: (مسلم الأعور كوفي ضعيف الحديث)[7]. وقال العقيأتي: (كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن مسلم الأعور وهو مسلم أبو عبد الله وكان شعبة وسفيان يحدثان عنه وهو منكر الحديث جدا)[8].

ثم ان الروايتين منقولتان عن عمر بن سعد، وهو عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي، وهو مجهول لم يذكروا له ترجمة، كما صرح بذلك الشيخ علي النمازي الشهرودي بقوله: (عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي: لم يذكروه)[9].

وقد نقل ابن أبي الحديد الروايتين بقوله: (قال نصر: وحدثنا عمرو...)[10] بدلا من (عمر بن سعد) وعمرو المقصود من رواية ابن أبي الحديد هو (عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي) والذي قال عنه النجاشي: (عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي عربي، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، ضعيف جدا)[11]، وقال العلامة الحلي: (عمرو بن شمر بالشين المعجمة، والراء أخيرا أبو عبد الله الجعفي، كوفي روى عن أبي عبد الله «عليه السلام» وعن جابر، وهو ضعيف جدا...فلا اعتمد على شيء مما يرويه)[12].

وقال الرازي: (عمرو بن شمر الجعفي أبو عبد الله روى عن عمران بن مسلم والسدي وجابر الجعفي روى عنه أحمد بن يونس سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن نا محمد بن إبراهيم نا عمرو بن علي أن عمرو بن شمر منكر الحديث حدث بأحاديث منكرة، نا عبد الرحمن قال قرئ على العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول عمرو بن شمر ليس بثقة، نا عبد الرحمن قال سألت أبي عن عمرو بن شمر فقال منكر الحديث جدا ضعيف الحديث لا يشتغل به تركوه، نا عبد الرحمن قال سئل أبو زرعة عن عمرو بن شمر فقال ضعيف الحديث)[13].

ثم لو سلمنا جدلا ان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله كان في معسكر أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يوم صفين، فلا يثبت أيضا مدعى من يحاول نسبته إلى أنصار وشيعة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لان جيش صفين كان خليطا من الناس المتشعبة آراؤهم المختلفة عقائدهم المتفرقة قلوبهم، فقد كان فيهم المؤمن المخلص بوده وانتمائه إلى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهم الأقلية عددا، وهؤلاء قد استشهد أكثرهم دفاعا عن أمير المؤمنين ونصرته.

ومنهم من كان يقاتل حمية وعصبية، من دون اعتقاد لإمامة أمير المؤمنين أو الإيمان بأفضليته على من سبقوه، وهؤلاء لا يستهان بعددهم، وقد نقلت الروايات بان قسما كبيرا من جيشه صلوات الله وسلامه عليه كانوا يصلون في رمضان صلاة التراويح التي سنها وابتدعها عمر بن الخطاب، فلما نهاهم الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه عن إتيان هذه البدعة ضجوا وتململوا حتى خاف الإمام على جيشه من التفرق فتركهم، فقد روى الشيخ الكليني في الكافي: (عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين «عليه السلام» فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي «صلى الله عليه وآله»، ثم قال: ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: إتباع الهوى وطول الأمل... والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري...)[14].

وقسم ثالث قد التحق بالجيش كجاسوس ينقل إلى معاوية بن أبي سفيان أخبار الجيش وتحركاته، كمثل الأشعث بن قيس وأمثاله، والشمر إن ثبت التحاقه بجيش صفين فهو من القسم الثاني أو الثالث يقينا، لأنه كان ولمدّة قصيرة قبل حرب صفين متواجداً في الشام عند معاوية بن أبي سفيان، يجلس على باب قصره الخضراء، وكان من قواده، فقد أورد الشيخ المفيد في كتابه الاختصاص رواية تكشف هذه الحقيقة فقال في رواية طويلة نقتطع منها قدر الحاجة: (كتب معاوية بن أبي سفيان إلى علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا علي لأضربنك بشهاب قاطع لا يدكنه الريح ولا يطفئه الماء إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب والسلام.
فلما قرأ علي عليه السلام كتابه دعا بدواة وقرطاس ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا معاوية فقد كذبت، أنا علي بن أبي طالب، وأنا أبو الحسن والحسين قاتل جدك وعمك وخالك وأبيك، وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم أحد، وذلك السيف بيدي، تحمله ساعدي بجرأة قلبي كما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بكف الوصي، لم أستبدل بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وآله نبيا وبالسيف بدلا والسلام على من اتبع الهدى.

 ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلا مفوها طوالا، فقال له: خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ورد جوابه، فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته، ثم ركب جملا... فسار حتى نزل مدينة دمشق فسأل عن قواد معاوية، فقيل له: من تريد منهم ؟ فقال: أريد جرولا...وأبا الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وشمر بن ذي الجوشن... فقيل إنهم يجتمعون عند باب الخضراء، فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا ركب إليهم، فلما بصروا به قاموا إليه يهزؤون به، فقال واحد منهم: يا أعرابي أعندك خبر من السماء ؟ قال: نعم جبرئيل في السماء وملك الموت في الهواء وعلي في القضاء فقالوا له: يا أعرابي من أين أقبلت؟ قال: من عند التقي النقي إلى المنافق الردي، قالوا له: يا أعرابي فما تنزل إلى الأرض حتى نشاورك؟ قال: والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم، قالوا: يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم، فكتبوا إليه: أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب أعرابي له لسان يقول فما يمل، ويكثر فما يكل والسلام...)[15] فالرواية كما ترى صريحة في جعل الشمر بن ذي الجوشن من قواد جيش معاوية بن أبي سفيان لعنه الله.

ثم وفجأة ومن دون سابق إنذار ينتقل من الشام ومن جبهة معاوية بن أبي سفيان إلى جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ثم يتحول من جبهته إلى جبهة الخوارج الذين انقذوا معاوية بن أبي سفيان في اللحظات الأخيرة من أن يناله السيف والقتل، كل هذا وغيره يجعلنا متيقنين بأن وجود الشمر بن ذي الجوشن في ضمن جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في أثناء معركة صفين متردد بين فرضين، فأما أن يكون وجوده مكذوباً مفتعلاً لإغراض لا تخفى، وأما أن يكون قد حضر لأجل التجسس والتخريب وإشاعة الفوضى وبث الضعف والفتنة في صفوف جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، كما فعل مع مسلم بن عقيل سلام الله عليه وقد ذكر خبره.

هل كان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله شجاعا؟


حاول البعض تضخيم شخصية الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله ليطلق عليه بعض المدائح فعدّوه من ذوي الرئاسة تارة وتارة أخرى من أصحاب الشجاعة، وتارة ثالثة من المحدثين، قال خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام: (شمر بن ذي الجوشن واسمه شرحبيل ابن قرط الضبابي الكلابي، أبو السابغة... كان في أول أمره من ذوي الرياسة في هوازن موصوفا بالشجاعة، وشهد يوم صفين مع علي ثم أقام في الكوفة، يروي الحديث)[16] وللأسف فقد أعاد بعض المفكرين الشيعة هذا القول في كتبهم عن حسن نية منهم، متناسين أن الشجاعة من صفات الكمال التي لا تليق بمثل هذا الموجود الممسوخ، وان وصفه بالشجاعة شبيه بوصف الشيطان بالنبل أو الكرم.

ونحن نسأل جميع من وصف الشمر لعنه الله بالشجاعة أو الرئاسة عن دليلهم الذي إليه استندوا في زعمهم هذا، لان كتب التاريخ خالية عن المواقف التي تكشف شجاعة هذا الموجود الممسوخ، وفي يوم عاشوراء ظهر للعالم جليا ان هذا اللعين لم يكن يمتلك وجميع من تحت إمرته أي لون من ألوان الشجاعة، فلم نرى له نزالا واحدا مع بطل من إبطال الطف يمكن أن يستدل به على تلك الشجاعة المزعومة، فأين هو من مقارعة العباس ابن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه؟ وأين شجاعته يوم كان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يكر عليهم فينهزم هو وجميع أفراد جيشه كالجراد المنتشر أو كالغنم إذا اشتد عليها الأسد؟

ونحن وحينما تتبعنا جولات هذا اللعين وصولاته يوم عاشوراء لم نجده قد قاتل إلا ضمن فئة من أصحابه يتحصن بهم من أن يناله سيف أسد من اسود الطف، ولم يقاتل بمفرده أبدا، كما وصف القرآن الكريم المنافقين بقوله ((لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ))[17]وكان غاية جهده أن يهجم على خيام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فيطعن الفسطاط، أو يدعو بالنار ليحرق الخيام على الأطفال والنساء، أو يسرق ما كان في معسكر الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من الذهب والإبل بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله، فأين الشجاعة يا ترى من كل هذا؟!

وكدليل صريح على عدم تمتع هذا المسخ البشري المسمى بالشمر بالشجاعة تأمل معي في رواية الطبري التي يقول فيها: (فجعل شمر بن ذي الجوشن يحرضهم ــ على قتل الإمام الحسين ــ فمر بأبي الجنوب وهو شاك في السلاح فقال له أقدم عليه قال وما يمنعك أن تقدم عليه أنت فقال له شمر إلي تقول ذا قال وأنت لي تقول ذا فاستبا فقال له أبو الجنوب وكان شجاعا والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك قال فانصرف عنه شمر وقال والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك)[18] فلو كان للشمر لعنه الله رجولة أو شجاعة أو كان معروفا عند الناس بهما لما تجرأ المدعو بأبي الجنوب عليه، ولرد عليه قوله وأوقفه عند حده ولما أظهر عجزه وخنوعه وذله بقوله: (والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك) يريد به الغدر والأخذ على حين غفلة عند أسياده ابن مرجانة وأمثاله.

ــــــــــــــــ
[1] وقعة صفين لابن مزاحم المنقري ص267 ــ 268.
[2] المصدر السابق ص268.
[3] معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج21 ص199.
[4] العلل لأحمد بن حنبل ج2 ص519.
[5] الجرح والتعديل للرازي ج9 ص244.
[6] العلل لأحمد بن حنبل ج2 ص476.
[7] معرفة الثقات للعجلي ج2 ص279.
[8] ضعفاء العقيلي للعقيلي ج4 ص154.
[9] مستدركات علم رجال الحديث للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج6 ص90.
[10] شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي ج5 ص213 من اخبار يوم صفين.
[11] رجال النجاشي ص287.
[12] خلاصة الأقوال للعلامة الحلي ص378.
[13] الجرح والتعديل للرازي ج 6 ص 239 ــ 240.
[14] الكافي للشيخ الكليني ج8 ص58 ــ 63.
[15] الاختصاص للشيخ المفيد ص139 كتاب معاوية إلى علي عليه السلام وجواب علي عليه السلام على يد الطرماح إليه.
[16] الأعلام لخير الدين الزركلي ج3 ص175.
[17] سورة الحشر الآية رقم 14.
[18] تاريخ الطبري ج 4 ص 344.

أمن الشيعة كان الشمر لعنه الله أم من أهل السنة؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

قد حاولت أقلام المؤرخين من أهل السنة قديما وحديثا جعل الشمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله وغيره من القتلة الذين اشتركوا في الحرب والسلب والنهب في يوم عاشوراء الرهيب، في مصاف الشيعة والموالين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، وبذلوا في سبيل إثبات ذلك الغالي والنفيس، فحرفت من أجل ذلك النصوص التاريخية، وزورت الأدلة الاثباتية، وتواطأ على الكذب الرواة، وألّفت الكتب وطبعت ووزعت بأعداد خيالية، وفعلت الدول المستفيدة من تثبيت هذه الفرية المستحيل، كل ذلك وغيره جاء ضمن محاولة فاشلة لإقناع الرأي العام بأن الشيعة هم الذين قتلوا أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن أشياع وأتباع وأولياء المذاهب الأخرى هم بعيدون كل البعد عن المشاركة في حرب الحسين صلوات الله وسلامه عليه وقتله وسبي حريمه، ومواقع النواصب من السلفية اليوم مليئة بالكتب والمقالات المأجورة التي تصور الشيعة بأنهم اناس سفاكون للدماء قتلوا أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قديما وهم الآن يبكون على فعلتهم لا على فقدهم لأئمتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

والحق ان الشيعة كانوا ولا يزالون بعيدين كل البعد عن الولوغ والمشاركة في دماء أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وان دماء أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين سفكت بسيوف اتباع الامويين والعباسيين، والذين قد وثّقهم علماء أهل السنة، كعمر بن سعد لعنه الله الذي سبق ذكر توثيقهم إيّاه في الفقرة السابقة من الزيارة.
والشمر بن ذي الجوشن كان احد الذين بذل خصوم الشيعة الغالي والنفيس في سبيل إثبات كونه من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، فتشبثوا بالطحالب، واعتمدوا على المغالطات، فتارة ينسبونه الى التشيع لأنه من أهل الكوفة، لاعتقادهم الفاسد بأن جميع أهل الكوفة كانوا شيعة، وتارة أخرى يستدلون على تشيعه لعنه الله بأنه كان مع الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في حرب صفين، وكل من كان مع أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في جيشه فهو من شيعته، وغير ذلك من السفاسف التي يحسبون أنها أدلة، لكنها إذا ما نوقشت ومحصت كانت ((كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا))[1].

ومسألة كون قتلة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ومنهم الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله لا يمكن فصل القول بها ما لم نتعرف على الجذور الأصلية لمصطلح الـ(شيعي)، لنرى هل ينطبق هذا الوصف على قتلة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أو لا ينطبق، وهذا ما سنعرف حقيقته فيما يأتي من الكلام.

قال أبو الحسن الأشعري الذي إليه يرجع أتباع المذاهب السنية الأربعة في عقائدهم: (وإنما قيل لهم الشيعة؛ لأنهم شايعوا علياً رضوان الله عليه ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)[2].

وقال الشهرستاني: (الشيعة هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية إما جليا وإما خفيا واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر والقول بالتولي والتبرؤ قولا وفعلا وعقدا إلا في حال التقية)[3].

وقال ابن حزم الظاهري: (ومن وافق الشيعة في أن عليا رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا)[4].

إذن فأصل إطلاق لفظ الشيعة عند أهل السنة كان على كل من شايع عليا وقدمه على سائر الصحابة، ويعتقدون بلزوم وجود النص على إمامة من يستخلف بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لان الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة، ويعتقدون أيضا أن الإمامة لا تخرج عن أولاد أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه إلا بغصب غاصب، ويعتقدون بعصمة الأنبياء والأئمة من كل ذنب كبيرا كان أو صغيرا، ويتولون أولياء علي والأئمة والأنبياء والرسل الذين هم أولياء الله ويتبرؤون من أعدائهم أعداء الله. وان جميع من يعتقد بهذا الاعتقاد هو شيعي وكل من لا يشاركهم هذا الاعتقاد فهو ليس شيعيا كما سبق من قول ابن حزم الظاهري.

وهو نفس ما عليه الشيعة الإمامية، فقد قال الشيخ المفيد في باب الفرق بين الإمامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات ما يأتي: (فأما السمة للمذهب بالإمامة ووصف الفريق من الشيعة بالإمامية فهو عَلَمٌ على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي)[5].

ونحن نتحدى من يأتينا بدليل يدل على أن الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله كان ممن يقدم الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه على سائر الصحابة، ويعتقد بضرورة وجود نص على إمامته، وانه كان يعتقد بوجوب أن لا تخرج عن أولاده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومنهم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وانه كان يعتقد بأن الإمام معصوم من كل صغيرة وكبيرة، وانه كان يتبرأ من أعدائهم ويوالي أولياءهم، فإذا ما جاؤونا بمثل هذا الدليل ــ ولن يستطيعوا ذلك ــ آمنا حينئذ بأن الشمر لعنه الله كان شيعيا، أما لو لم يأتونا بمثل هذا الدليل فسيثبت حينئذ العكس، وسيكون معلوما عند الجميع إن الشمر ان لم يكن شيعيا فسيكون حينئذ سنيا، وسيثبت عكس ما أراده أعداء الشيعة، وسيصبح لأهل السنة دور هام في قتل الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وأحداث عاشوراء الأليمة، فننصح المسلمين من باقي المذاهب الأخرى لا سيما السلفية منهم بعدم إثارة هذه المواضيع على شبكات الانترنت أو في الكتب والمقالات لأنها ستضرهم أكثر مما تنفعهم.

والطبري يعترف بأن الشمر بن ذي الجوشن كان معروفا عند معاوية بن أبي سفيان بالصدق والاستقامة، وكان من ضمن من شهد على حجر بن عدي 5 صاحب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وقد روى الطبري خبر شهادته لعنه الله بأمر من زياد بن أبيه بقوله: (هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء فقال زياد على مثل هذه الشهادة فاشهدوا أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق فشهد رؤوس الأرباع على مثل شهادته وكانوا أربعة ثم إن زيادا دعا الناس فقال اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع...فقال زياد ابدأوا بأسامي قريش ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله وموسى بن طلحة... وشمر بن ذي الجوشن العامري وشداد ومروان)[6].

وسيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه يناديهم يوم عاشوراء والشمر من ضمنهم بقوله: (يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم...)[7]وهو صريح في كون الشمر وجميع من حضر جيش الكفر والإلحاد كانوا شيعة لآل أمية، وعدم اعتراضهم على هذا الوصف دليل قبولهم وإقرارهم به.

ــــــــــــــــــ
[1] سورة النور الآية رقم 39.
[2] مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ج1 باب مقالات التشيع ص2.
[3] الملل والنحل للشهرستاني ج1 الفصل السادس الشيعة ص145.
[4] الفصل في الملل والأهواء والنحل لعلي بن احمد بن حزم الظاهري ج2 ص90.
[5] أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 38 باب الفرق بين الإمامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات.
[6] تاريخ الطبري ج 4 ص 200 ــ 201.
[7] بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج45 ص51 في أن الحسين عليه السلام تقدم إلى القتال.