هل يشترط وجود الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه في مسألة أخذ ثار الامام الحسين عليه السلام؟

بقلم الشيخ وسام البلداوي

والذي يظهر من عبارة الزيارة الشريفة ان حضور الإمام المعصوم المنصور صلوات الله وسلامه عليه شرط في طلب الثار المقصود في فقرة الزيارة، والإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه في هذه الفقرة الشريفة لا يقصد كل طلب، وإنما يقصد طلبا خاصا وهو الذي مع الإمام المنصور صلوات الله وسلامه عليه، لان طلب الثار مع الإمام المهدي له قيمة أخرى تختلف عن كل طلب، لان الجهاد مهما كانت درجة أهميته عظيمة، إلا انه مع الإمام المعصوم وتحت رايته أعظم وأعظم، لاسيما تحت راية الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه الذي ورد النص بعظيم أهميته، ولان نصرته وكما ذكرنا سابقا هي نصرة لجميع الشرائع والأنبياء والسنن.

إضافة إلى ان الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه يعلم بتعليم من الله سبحانه وتعالى أين يطلب الثار، وممن يطلب الثار، على نحو التحديد والدقة، لان طلب الثار ليس بالأمر الهين، لان الأمر يتعلق بالدماء والأعراض والأموال، وهو أمر عظيم لا يمكن الحكم به والتجرؤ عليه بغير نص وأذن قطعي، ولا يمتلك هذا النص والأذن غير الإمام المهدي المنصور صلوات الله وسلامه عليه.

إضافة إلى ان عملية اخذ ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هي عملية تحتاج إلى إمكانات مادية وعسكرية عظيمة، لان بعض من يطلب منه ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد يكون الآن حاكم دولة عظمى، أو قائداً من أولئك الذين تقف خلفه الجيوش الجرارة، أو غير ذلك، واخذ الثار من هؤلاء يستلزم إمكانات لا تخفى على المتأمل، وهذه الإمكانات لا تتحقق في غير عصر خروج الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

لذلك نرى أنّ جميع تلك الثورات التي خرجت للطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه عبر التاريخ لم تؤتِ ثمارها كاملة، لضعفها من الناحية المادية والعسكرية وغير ذلك من الشروط التي لها مدخلية في تحقيق النصر الكامل، وأوضح دليل على ذلك ثورة المختار فبالرغم من كل الجهود التي بذلها المختار وأتباعه للنيل من قتلة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه والأخذ بثاره، إلا انه عجز عن الوصول إلى الكثيرين ممن اشتركوا في تلك الفاجعة، فيزيد بن معاوية¾ وبطانته الكافرة من آل أمية ½، وغيرهم الآلاف قد فروا من سيفه، أو لم يصل إليهم لسبب وآخر.

هذا فيما لو قلنا إنّ طلب الثار سيقتصر على تلك الأمة التي ارتكبت فاجعة عاشوراء، ولم نذهب إلى ان الطلب بالثار سيشمل ــ كما هو الصحيح ــ جميع الأمم التي أتت بعد تلك الأمة المنحوسة أو قبلها، فيشمل امة رضيت، وأمة مهدت، وأمة دافعت عن الجناة وصححت أفعالهم، وغير هذه الأمم ممن لا يحيط بعلمهم وخبرهم إلا الله سبحانه وتعالى والإمام المهديصلوات الله وسلامه عليه.

فيتبين ونتيجة لهذا العرض، ان الثار الحقيقي لدم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لن يتحقق إلا في زمن الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، وان جميع الحروب والثورات التي قامت أو ستقام في يوم من الأيام بهدف الأخذ بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ستكون ناقصة من حيث الأثر وسيكتب لها عدم النجاح، أو النجاح الجزئي، لذلك ورد وصف الـ(مَنْصُور) في العبارة التي نحن بصدد شرحها، فالوحيد الذي سيكتب له النصر وتكون ثورته لأخذ الثار متكاملة هو الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، فحري بالمؤمن ان يحافظ على نفسه ويدخرها للمشاركة مع صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه، ولا يسمح ببذل مهجته إلا تحت رايته، كما قال الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه: (كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم قتلاهم شهداء أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)[1].

وبناء على صحة هذا الحديث فإن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه مع انه يحكم على قتلاهم بأنهم شهداء، إلا انه صلوات الله وسلامه عليه يبين بان المرتبة الأفضل والأحسن والأكمل هي في عدم المشاركة واستبقاء النفس إلى صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه.

ـــــــــــــ

[1] كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني ص 281 ــ 282.

هل كتب الشمر لعنه الله كتاب أمان للعباس وإخوته صلوات الله وسلامه عليهم أم الكاتب شخص آخر؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

لقد أراد البعض عمدا أو جهلا ان يجعل لشمر بن ذي الجوشن لعنه الله فضلا على أولاد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها، فزعموا أن الشمر لعنه الله أتى لهم بكتاب أمان لكل من العباس بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وأخوته الثلاثة، صادر من عبيد الله بن مرجانة لعنه الله، فيما إذا تخلوا عن نصرة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وزعموا ان اللعين جاء يوم العاشر أو قبله: (حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو أختنا فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي فقالوا له: مالك؟ وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون قال له الفتية لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له)[1] والراوي لهذا النص أراد أن يزوّر اعترافا على لسان أولاد السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها بأن الشمر اللعين خالهم وذو رحم ماسة بهم.

وقال ابن كثير: (فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس وعبد الله، وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك)[2].

وحينما رجعنا إلى نسب السيدة الطاهرة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها وجدنا بأنها لا تشترك نسبيا مع الشمر لعنه الله إلا في الأب السابع وهو (كلاب)، فنسب السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها هو الآتي: (فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن)[3].

وقال الشيخ التستري قدس الله روحه: (ففي نسب قريش مصعب الزبيري: أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة)[4].

أما والد الشمر لعنه الله فهو كما: (قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي اسمه شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة)[5].

أو: (ذو الجوشن... واسمه أوس بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب يعني ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة وولد عمرو بن معاوية يقال لهم الضباب لأن أحد عمرو بن معاوية يقال له ضب فنسبوا إلى ذلك)[6].

فكل من السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها والشمر بن ذي الجوشن من حيين مختلفين من كلاب، ومثلهما مثل بني هاشم وبني أمية فهما وان كانا يرجعان إلى عبد مناف إلا أنهما حيان منفصلان نسبا وتاريخا وموقفا، وان محاولة جعل الشمر خالا للعباس واخوته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين نظير جعل معاوية بن أبي سفيان لعنه الله عما أو خالا للحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهما.

والحقيقة ان الذي طلب كتاب الأمان من عبيد الله بن زياد لعنه الله شخص آخر غير الشمر بن ذي الجوشن، وهو المذكور في رواية ابن كثير بالقول: (فاستأمن عبيد الله بن أبي المحل لبني عمته أم البنين بنت حزام من علي: وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كرمان، فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية. فلا نريده، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية)[7].

ـــــــــــــــ
[1] تاريخ الطبري ج 4 ص 315
[2] البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 190.
[3] عمدة الطالب لابن عنبة ص 356.
[4] قاموس الرجال للشيخ محمد تقي التستري ج 12 ص 195.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 6 ص 46.
[6] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج23 ص189.
[7] البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 190.

حرموا علينا ان نقول علي صلوات الله وسلامه عليه وصلوا على أبي بكر وعمر وعلى الجواري

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

من الغريب ان نرى المخالفين والمانعين من صلاة الشيعة الإمامية أعزهم الله على أئمتهم، وبعد ان وصفوهم كما عرفنا فيما سبق بأهل الأهواء واهل البدع، وألزموا على أتباعهم مخالفتهم، نراهم في كثير من كتبهم يصلون على أبي بكر وعمر ابن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر، وفيما يأتي جملة من تلك الموارد:

فمنها ما في كنز العمال قال: (من أهل حمص ذي ظليم الالهاني قدم على أبي بكر وقد كان النبي نعته له فعرف أبو بكر صلى الله عليه وسلم...)[1].

وقال الضحاك: (حدثنا محمد بن المثنى نا مسلم بن إبراهيم نا أشعث بن جابر عن الحسن قال ولي أبو بكر صلى الله عليه عشرين شهرا)[2].

قال الثعلبي في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[3]: (أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[4].

وقال محمد بن سعد: (أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب أسلم يوم فتح مكة ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[5].

وقال المزي: (العلاء بن عرار الخارفي الكوفي. روى عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب صلى الله عليه)[6].

وقال المزي أيضا: (وقال الحسين بن محمد بن فهم: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده حسن الجواري. قال: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها. فقلت يا أبا زكريا مثلك يقول هذا ؟ قال: نعم. صلى الله عليها وعلى كل مليح)[7].

فسبحان الله العظيم! كيف يمنعون الصلاة على علي وبقية أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع ان الرواية صريحة في دخولهم ضمن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصلون على الجواري وعلى كل مليح!!!.

ــــــــــــــ
[1] كنز العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 330 ــ 331.
[2] الآحاد والمثاني للضحاك ج 1 ص 85.
[3] الجاثية الآية رقم 14.
[4] تفسير الثعلبي ج 8 ص 359.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 5 ص 450 ــ 451.
[6] تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 528.
[7] تهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 561.

هل كان الشمر لعنه الله من الخوارج؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

وجدت في بعض البحوث والكتب المعاصرة وصفاً للشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بأنه من الخوارج لعنة الله عليهم، كقول السيد شرف الدين الموسوي قدس الله روحه في كتابه (صلح الإمام الحسن «عليه السلام»)حيث يقول: (الخوارج: وهم أعداء علي عليه السلام منذ حادثة التحكيم، كما هم أعداء معاوية. وأقطاب هؤلاء في الكوفة: عبد الله بن وهب الراسبي، وشبث بن ربعي، وعبد الله بن الكواء، والأشعث بن قيس، وشمر بن ذي الجوشن...)[1].

وخالد محمد خالد في كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) حيث يقول: (وكان مستشار ابن زياد لهذه الحملة الباغية، مسخ شائه الخلق والخلق، اسمه شمر بن ذي الجوشن. رجل مدخول الإسلام، انشقت عنه الأرض بغتة في الأيام الأولى لفتنة الخوارج الذين ناصبوا الإمام عليا العداء.. فأدلى معهم بدلوه، عاملا لحساب نفسه الخبيثة، أو لحساب قوة خفية شريرة. ومن تلك الأيام، وهو يكيد للإسلام، ويخرب في صفوفه متخفيا وراء ذلك القناع المشبوه، قناع انتمائه للخوارج وتسلله له بمبادئهم إلى أغراضه المنكرة وأغراض القوى التي يعمل لحسابها...)[2].

وكالشيخ محمد السماوي في كتابه (أبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام») حيث يقول: (شمر بن ذي الجوشن: بفتح الشين وكسر الميم ويجري على الألسن ويمضى في الشعر الحديث كسر الشين وسكون الميم وهو خلاف المضبوط، وذو الجوشن أبوه، واسمه شراحيل بن الأعور قرط بن عمرو بن معاوية بن كلاب الكلابي الضبابي، وهو قاتل الحسين «عليه السلام» وكان أبرص خارجيا)[3].

ولكن وللأسف الشديد لم نعثر على دليل تاريخي متين يمكن أن يُركن إليه في إثبات انتماء الشمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله لفرقة الخوارج، والنصوص المتقدمة للسيد شرف الدين قدس الله روحه وغيره خالية عن ذكر الدليل التاريخي الذي اعتمدوه كدليل على انتماء الشمر لعنه الله للخوارج.

إضافة إلى أن واحدة من متبنيات الخوارج لعنهم الله الفكرية الأيدلوجية هي تكفير كل من أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه واهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجميع شيعته، وتكفير معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليهما وجميع آل أمية وشيعتهم عليهم لعنة الله أجمعين[4]، والشمر بن ذي الجوشن لعنه الله وان كان يبغض أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأولغ في دمائهم الطاهرة، إلا انه كان يرى الطاعة والمعاضدة والنصرة والدفاع عن آل أمية، فعقيدة الخوارج غير متحققة بالنسبة للشمر بن ذي الجوشن لعنه الله، نعم هو خارجي بفعله، فلو كان قدر للخوارج أن ينالوا من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لما كانوا ليفعلوا أكثر من الذي فعله الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله، فهو لعنة الله عليه أموي الهوى والفكر خارجي الفعل.

ــــــــــــــــ
[1] صلح الحسن عليه السلام للسيد شرف الدين ص 70.
[2] أبناء الرسول في كربلاء لخالد محمد خالد ص 108.
[3] أبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام» للشيخ محمد السماوي ص44 ــ 45.
[4] يقول محمد جعفر شمس الدين في كتابه دراسات في العقيدة الاسلامية: (ذهبوا ــ أي الخوارج ــ على اختلافهم إلى القول بتكفير مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار. بل ذهبت بعض فرقهم، إلى تكفير مرتكب الذنب مطلقا ، حتى ولو كان من الصغائر. كما حكموا بكفر كل ما خالفهم، وان أطفال المشركين في النار مع آبائهم).

هل يمكن لثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أن يكون مهما؟ وما درجة أهميته؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

يمكن لنا ومن خلال قرائن عديدة وأحاديث كثيرة أن نكتشف أهمية وقيمة وعظمة الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وفيما يأتي جملة من تلك الأحاديث والقرائن.

ألف: نستطيع ونتيجة للأخبار والروايات التي تقدمت في المبحث الأول ان نكتشف بأن واحدة من المهام الجسام والوظائف العظام التي سيحققها الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه حين خروجه هو الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وقد أكدت الروايات الشريفة عن الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينعلى هذه المهمة تأكيدا ملفتا للانتباه، مما يدل على ان المسألة أكثر من مجرد مسألة القرابة والنسب الذي يجمع ما بين الإمام الحسين والإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليهما، وان جعل ثارات الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه والمطالبة به كشعار هو أكبر من كونه مسألة عاطفية أو مذهبية أو فئوية، وذلك لان الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه لا يقوم ولا يخرج بهدف العاطفة والفئوية بل يخرج لإنقاذ الإنسانية جمعاء فلابد أن تكون أهدافه وشعاراته إنسانية عامة لا تتقيد بفئة ولا تختص بطائفة، وعليه فحينما يرفع الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه شعارا له فان رزايا وهموم وآلام البشرية جمعاء في ماضيها وحاضرها ومستقبلها ستنطوي تحته ، فيكون رفعه رفعا لثارات جميع المؤمنين والمضطهدين والمحرومين.

فيكون دعاء الزائر في الزيارة وقوله (أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَأرِكَ مَعَ إِمَامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو في حقيقته سؤال لطلب ثار كل الأنبياء العظام والأوصياء الكرام وسائر الأئمة وشيعتهم وجميع المحرومين والمستضعفين منذ آدم إلى حين قيام الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، وسيأتي لاحقا تفصيل أكثر لهذه الحقيقة.

باء: ويمكن استنتاج أهمية الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من خلال الشخص السائل، إذ ان السائل لطلب الثار مع الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه هو الإمام المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، فأمر يتمناه المعصوم صلوات الله وسلامه عليه لابد أن يكون عظيما، وإذا كان عظيما في نظر المعصوم فلابد ان يكون عظيما عند الله سبحانه وتعالى، فيجب على عامة المؤمنين من شيعة أهل البيت وأسوة بأئمتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أن يتمنوا ذلك ويطلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يرزقهم إياه، ولو أن مؤمنا أفنى عمره في طلب هذه المرتبة، بالتزكية والإعداد والتربية ما كان ملوما، لأنه حينئذ قد أفنى عمره في رضا الله سبحانه وتعالى وطاعته.

باء: ويمكن استنتاج أهمية الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من خلال الشيء المسؤول به، لان السؤال بحق وشأن الشيء العظيم يستدعي ان يكون الشيء المطلوب عظيما أيضا، والإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه وقبل سؤال الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه مع الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، سأل الله بمقام الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وكرامته عند الله سبحانه وتعالى، وسأل الله سبحانه وتعالى بالإكرام الذي جعله لموالي الإمام الحسين وشيعته، وقد عرفنا سابقا أهمية ذلك وعظمة مرتبته، فلابد والحال هذه أن يكون الشيء المطلوب يتناسب مع عظمة هذه المراتب، لقبح ان يسأل الشيء الصغير التافه بالشيء العظيم الأهمية والجليل المنزلة والمرتبة، وهو أمر يكاد يكون بديهيا، فلابد ان يكون طلب ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه له من الأهمية والمنزلة ما يستدعي ان يسأل عنه بالشيء العظيم.


دال: ونستطيع ان نكتشف أهمية الطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من خلال أهمية صاحب الثار صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا الصدد يقول الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (الفوز بثواب طلب ثأر مولانا الحسين الإمام المظلوم الغريب الشهيد «عليه السلام»: وهذا أمر لا يقدر على إحصاء ثوابه أحد إلا الله العزيز الحميد جل شأنه، لأن عظمة شأن الثأر بقدر عظمة صاحبه، فكما لا يقدر أحد على الإحاطة بالشؤون الحسينية إلا الله عز وجل، كذلك لا يقدر غيره على إحصاء ثواب طلب ثأره، فإنه الذي ورد في زيارته: السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره ولو لم يكن في الدعاء بتعجيل ظهور مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه سوى هذا الثواب، لكفى فضلا وشرفا وشأنا فكيف وفيه من الفضل ما لا يحصى، ومن الثواب ما لا يستقصى)[1].

 
ـــــــــــــــــــ
[1] مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني ج 1 ص419 – 422.

إكرامنا بأصل نعمة الوجود بسبب الحسين صلوات الله وسلامه عليه وسبب بقية المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

حاولت جاهدا ان أجد أشياء محددة يمكن تلخيصها على شكل نقاط استطيع من خلالها حصر واستقصاء جميع أو اغلب مراتب الإكرام التي منّ الله سبحانه بها علينا بواسطة وسبب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فلم افلح في ذلك، ولا أظن احد من الناس إلى يومنا هذا قد افلح في هذه المهمة، لأن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه نعمة من النعم الإلهية، بل هو من أعظم النعم والألطاف والمنن التي منحت للبشرية، ونعم الله سبحانه وتعالى لا يمكن للعادين حصرها ولا إحصاؤها، وكيف يطيقون ذلك وقد اخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الناطق والنبأ الصادق عن عدم إمكان ذلك بقوله: ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ))[1]، هذا فضلا عن النعم الأخرى المتفرعة والمتولدة من وجوده صلوات الله وسلامه عليه واستشهاده وثواب زيارته والبكاء عليه، ومن كل نعمة من هذه النعم تتولد نعم أخرى لا علم لأحد بها إلا الله سبحانه وتعالى ولو أراد الحامدون أن يحمدوا الله على نعمة المن على هذا العالم بسيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه وبقية النعم المتفرعة على وجوده صلوات الله وسلامه عليه لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وكيف يستطيعون ذلك ولسان حالهم يقول كما قال الإمام علي بن الحسين السجاد صلوات الله وسلامه عليه في احد ادعيته: (فآلاؤك جمة ضعف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلا عن استقصائها. فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر فكلما قلت لك الحمد، وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد)[2].

إكرامنا بأصل نعمة الوجود بسبب الحسين عليه السلام


كثيراً ما نقرأ في الروايات الشريفة والأدعية المباركة والزيارات المقدسة ان أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ــ ومن ضمنهم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بل هو سيدهم ــ هم العلة والسبب الذي من أجله خلق الله سبحانه الخلق وكوّن الكون، ولولاهم لما وجدت سماء مبنية ولا ارض مدحية، ولا شمس مضيئة، ولا لأنعم الله بالوجود على كل موجود، وهذا ليس من الغلو في شيء، أو من القول بلا دليل حاشا أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من القول بغير دليل، ونستطيع من خلال بعض الخطوات الاستدلالية البسيطة إثبات هذه الحقيقة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذه الخطوات هي كالتالي:

أولا: من يدقق النظر والفكر في أجزاء هذا الكون أولا، وفي نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ثانيا، يجد ان كل جزء من أجزاء الكون موجود لهدف وغاية، قد تصل إليها عقولنا تارة، وقد تغفل أو تعمى عنها تارات أخرى، فالغائية والهدفية متحققة وعلى أساسها قد وجد الوجود وكون الكون، وهو أمر يكاد يكون بديهيا ومستغنيا عن البرهان، لا سيما للمؤمنين بوجود الله سبحانه وتعالى وحكمته.

وثانيا: ان كل جزء من أجزاء الكون قد اوجد من اجل جزء آخر منه، وجميعها من اجل الإنسان، ومن تأمل آيات الكتاب العزيز يجد هذا المعنى واضحا جدا، فحينما يتكلم عن الحيوانات والغاية من وجودها يقول سبحانه وتعالى ((وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ))[3]، ثم يجمل سبحانه وتعالى القول في آية ثالثة ليجعل كل ما في الأرض مخلوقا للإنسان فيقول: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))[4]، وحينما يتكلم سبحانه وتعالى عن أجزاء الكون الأخرى كالشمس والقمر والليل والنهار يقول: ((وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))[5]، إذن فالإنسان وبحسب هذه الآيات الشريفة سبب لخلق الأرض وما عليها، والشمس والقمر، والليل والنهار، وسائر الأنعام، وهو علة من أجله تم إيجادها، فهو علتها الغائية كما يقول الحكماء والفلاسفة، ولولاه لما خلقن ولا اوجدن.

ثالثا: والإنسان كما لا يخفى على احد مؤمن وكافر، ومن غير المعقول ان تخلق السماوات والأرض والشمس والقمر والبحار والجبال بما فيها من اجل الإنسان الكافر، فلابد حينئذ ان تكون كل هذه الموجودات مخلوقة للإنسان المؤمن، دون الكافر، كما قال الله سبحانه وتعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ))[6] فهي للذين آمنوا أصالة ويشاركهم الذين كفروا فيها بالتبع، أما يوم القيامة فليس للكافر في النعم نصيب، وهي للذين آمنوا خالصة.

رابعا: ان هؤلاء المؤمنين الذين خلق الله الكون وما فيه من أجلهم صنفان أيضا، فمنهم مأموم تابع، ومنهم إمام متبوع وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالحجة، والإمامة منصب واسع يشمل الأنبياء والأوصياء، وما دونهم مأموم تابع، والإمام والحجة في كثير من الروايات الشريفة، هو سبب وعلة وجود غيره من بقية أصناف أهل الإيمان من المأمومين، ولولا وجوده المقدس لساخت الأرض وانمحت من الوجود، فعن أبي حمزة قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أتبقى الأرض بغير إمام ؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت)[7].

وعن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام ؟ قال: لا، قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد، فقال: لا، لا تبقى إذا لساخت)[8].

وعن (أبي جعفر ــ الباقر ــ عليه السلام قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله)[9].

وسبب ذلك يعود إلى أنه لولا وجود الحجج من الأنبياء والأوصياء لم يعبد الله سبحانه، ولكان الناس أمة واحدة على الكفر والإلحاد، والكافر كما عرفنا سابقا ليس أهلا لان توجد الأرض والسماوات من أجله، ومع انحصار الإنسان بصنف الكافر لا يبقى هدف ولا غاية لان تخلق الأرض وبقية أجزاء الكون، فتنمحي حينئذ وتفنى، فالإمام ــ بغض النظر عن كونه نبيا أو رسولا أو وصيا ــ هو الأمان لأهل الأرض من ان تزول ومن عليها، وهو سبب بقائهم ولأجله يرزقون، وهو سبب وجودهم وعلة إنشائهم.

خامسا: كما هو معلوم فإن الإسلام هو دين الله سبحانه وتعالى في الأرض، وحجته البالغة على العباد، كما قال تعالى ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ))[10]، والإسلام دين تكامل وفقا لتكامل البشرية، حتى ختم على يد النبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسبب اختيار النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لمهمة الخاتمية هو تلك المواصفات والقابليات الكمالية التي يتفرد بها عن سائر من سبقوه من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجميع أهل الأرض، فهو صلى الله عليه وآله وسلم إمامهم وخيرتهم وسيدهم، لان مرتبة (خاتم الأنبياء والمرسلين) فوق كل الرتب التي يمكن ان يتمتع بها الأنبياء والمرسلون، فلا ضير ان يكون حاملها فوق كل الأنبياء والمرسلين، ولو لم يكن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أكملهم وأقدرهم على أداء الرسالة الخاتمة لما ختمت الشرائع على يديه الكريمتين، ولو لم تختم الشرائع لبقي الإسلام الذي هو دين الله سبحانه وتعالى ناقصا لا يحقق الغرض من تشريعه وتأسيسه، ولبقيت الناس على الشريعة اليهودية المحرفة والمسيحية المشركة، ولورث أهل الشرك والكفر الأرض ومن عليها، ولتخلف الهدف الذي من أجله خلق الكون، إذ ان الكون ــ وكما عرفنا سابقا ــ وما فيه مخلوق للمؤمن فإذا لم يكن هنالك مؤمن لم يكن هنالك سبب لبقائه واستمراره، بل لم يكن هنالك سبب لخلقه من الأساس، لان الله سبحانه وتعالى يعلم غيب السماوات والأرض قبل خلق السماوات والأرض، لأنه من غير المعقول ان يخلق الله الكون ليتكامل وليرث الذين آمنوا الأرض ومن عليها ويتمتعوا بخيراتها، ثم لا يتحقق الهدف، ويرثها الذين كفروا والمشركون، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ووجوده وإكماله للشرائع السماوية وإرساله بالرسالة الخاتمة هو الذي حقق الهدف والغاية من الخلق، وبه استمر خط التوحيد واكتمل، وبسببه سيرث الذين آمنوا الأرض ومن عليها، فهو السبب الذي تفضل الله سبحانه وتعالى به على كل جزء من أجزاء الكون بنعمة الوجود.

 سادسا: ان مبدأ الخاتمية كان مشروعا طويل الأمد يمتد بامتداد عمر البشرية، ويستمر إلى آخر يوم من أيامها، وهو أمر يحتاج إلى أشخاص يحملون حمل الرسالة ويستمرون في تبليغها وحفظها وصيانتها من التلاعب والتحريف والتزوير كما فعل بالشرائع السابقة والأديان السالفة، وهي مهمة لا يتسع لها العمر الطبيعي للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ولابد ان يكون له أوصياء وحجج يؤدون هذا الدور المكمل، فكان الأئمة الاثنا عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هم الحجج الذين أكملوا مسيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظوا شريعته.

فلولا وجود أشخاصهم المقدسة لبقيت الرسالة الخاتمة بلا راع ولا حفيظ، ولوقع المحذور الذي بيناه في النقطة السابقة، ولاستولى الباطل على أهله وعطلت حدود الإسلام وفروضه، ولضاعت جهود الأنبياء العظام والرسل الكرام والأوصياء والشهداء منذ أبينا آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وبذلك يضيع هدف الخلق وعلة الإيجاد بالتقريب الذي تقدم في النقاط السابقة، فبوجودهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منّ الله سبحانه وتعالى على الخلق بالخلق وعلى الكون بالتكوين والإنشاء، فهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين علة غائية وسببية لإكرام العباد بنعمة الوجود بل بكل النعم الأخرى المتفرعة على ذلك.

سابعا: الأئمة والحجج من أولاد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قضى الله سبحانه وتعالى وقدر ان يولدوا من سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة صلوات الله وسلامه عليها، التي كما في الروايات الشريفة لم يكن لها كفو غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، فهي صلوات الله وسلامه عليها سبب في وجودهم وهم سبب لإيجاد هذا العالم بكل تفاصيله، وسبب السبب سبب أيضا، وعلة العلة علة أيضا.
وبهذا التقريب، استطعنا ان نثبت ان شاء الله، كون أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عموما، والإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه الذي هو مورد كلامنا في هذه الصفحات على وجه الخصوص، هم السبب الذي به منّ الله سبحانه وتعالى علينا وعلى كل ما في الوجود بنعمة الوجود.

ــــــــــــــــــــ
[1] سورة النحل الآية رقم 18.

[2] الصحيفة السجادية (ابطحي) للإمام زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه ص 409 ــ 410.

[3] سورة النحل الآية رقم 5.

[4] سورة البقرة الآية رقم 29.

[5] سورة ابراهيم الآية رقم 33.

[6] سورة الأعراف الآية رقم 32.

[7] الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص179.

[8] المصدر السابق.

[9] المصدر السابق.

[10] سورة آل عمران الآية رقم 19.

لماذا التأكيد على ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه دون غيره من الأنبياء الأوصياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟

بقلم: الشيخ وسام برهان البلداوي

حينما سينطلق الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه بثورته المباركة ضد أهل الظلم فانه وكما ذكرنا من قبل سيرفع ثارات الإمام الحسين شعارا له كما ورد في الزيارة المنقولة في بحار الأنوار: (السلام على الإمام العالم، الغائب عن الأبصار... الذي يظهر في بيت الله الحرام ذي الأستار وينادي بشعار يا لثارات الحسين، أنا الطالب بالأوتار أنا قاصم كل جبار أنا القائم المنتظر بن الحسن عليه وآله أفضل السلام)(1).

وان أول دم سينتصر له هو دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، كما في الرواية التي عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه والتي جاء فيها: (... القائم إذا خرج يطلب بدم الحسين وهو قوله نحن أولياء الدم وطلاب الدية)(2).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو محور النهضة المهدوية وان ثار الإمام الحسين سيكون الهدف منها فأين يا ترى بقية ثارات الأنبياء والأوصياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ ولماذا لا يكون شعار النهضة المهدوية المباركة أكثر شمولية وسعة، بحيث تدخل تلك الدماء العظيمة ضمن أهداف النهضة وشعاراتها؟.

ويمكن لنا تلخيص الإجابة عبر النقاط التالية:

ألف: ان النهضة المهدوية المباركة وان أخذت دماء الإمام الحسين وثاراته شعارا لها حين انطلاق شرارتها الأولى، إلا ان هذا لا يعني بان قائدها المعصوم قد نسي أو تناسى دماء الأنبياء والأوصياء وباقي الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين حاشاه، فقد ورد في دعاء الندبة المبارك قوله صلوات الله وسلامه عليه: (أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء، أين الطالب بدم المقتول بكربلاء، أين المنصور على من اعتدى عليه وافترى، أين المضطر الذي يجاب إذا دعا)(3) فدماء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأبناء الأنبياء من الأوصياء والصلحاء غير منسية ولا مهملة من الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، وكيف ينساها وهو يأخذ بحقوق ودماء عامة المؤمنين صغيرها وكبيرها حتى من كان منهم مجهولا ولا يشار إليه بالبنان، فكيف بدماء الأنبياء وأوصيائهم ودماء الأئمة من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!

باء: أوضحنا إجمالا فيما سبق ان انتصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف للإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو انتصار لجميع الأنبياء والرسل وأخذه بثارات الإمام الحسين هو في واقعه أخذٌ لثارات الأنبياء وأولادهم، ومطالبته بدم الحسين وأهل بيته هو مطالبة بدماء جميع المظلومين، وذلك لان قضية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هي قضية كل الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منذ خلق الله الأرض ومن عليها والى قيام الإمام المنصور المهدي بن الحسن صلوات الله وسلامه عليه، فالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد صرح مرات عديدة بأنه لم يخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا ولكنه خرج طلبا للإصلاح في امة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وان هدفه من النهضة هو رفع يد الظلم والظالمين عن المؤمنين وإعادتهم إلى الصراط المستقيم، وهذا هو نفس الهدف الذي كان يعمل جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على تحقيقه، وعليه فقضية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هي قضية كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما أن محنته هي محنة الأنبياء جميعا وأوصيائهم وباقي الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والقصاص من قتلته هو في الحقيقة قصاص من جميع القتلة والمتجبرين الذين أذاقوا الأنبياء والمؤمنين شديد العذاب، لان هؤلاء هم امتداد لأولئك .

فشعار (يا لثارات الحسين) هو المعبر عن آلام الإنسانية بشكل عام وعن معاناة الأنبياء والمصلحين بشكل خاص، لذلك سيتخذه الإمام المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه عنوانا لثورته الإنسانية، ويكون دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو محور التغيير الذي يمثل كل تلك الدماء والأرواح التي سفكت وأزهقت سواء كانت لأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأولادهم، أو للقادة والمصلحين والشهداء إلى زمن قيام الإمام المهدي أرواحنا فداه.

 
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار ج99 ص193.

(2) بحار الأنوار ج 24 ص224.

(3) المزار لمحمد بن المشهدي ص579.

معلومات مهمة عن بني أمية واستمرار وجودهم إلى قيام الإمام المهدي عليه السلام

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

نستطيع ومن خلال الروايات الشريفة ومن خلال أقوال العلماء الأعلام رضوان الله تعالى عليهم ان نحصد جملة من المعلومات المفيدة والقيمة التي تخص بني أمية، وهي لا تندرج تحت مبحث موحد لذلك أدرجناها تحت عنوان معلومات إضافية، وهي على اختصار كالآتي:


أولا: أبغض الأحياء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف


قال الحاكم النيسابوري:(عن أبي حمزة قال سمعت حميد بن هلال يحدث عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)[1].

ثانيا: اهلك الله بني أمية بعد إحراقهم زيد بن علي بسبعة أيام


قال الشيخ الكليني قدس الله روحه عن: (عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام)[2].

ثالثا: لم يعط الله الملك لبني أمية وإنما اغتصبوه


روى الشيخ الكليني قدس الله روحه: (عن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك، عن داود بن فرقد، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: قلت له: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ))[3] أليس قد آتى الله عز وجل بني أمية الملك؟ قال: ليس حيث تذهب إليه إن الله عز وجل آتانا الملك وأخذته بنو أمية بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه)[4].

رابعا: بقاء وجودهم بالشام إلى حين خروج القائم صلوات الله وسلامه عليه


روى الشيخ الكليني قدس الله روحه عن: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الأسدي قال: سمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول في قول الله عز وجل: ((فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ))[5] قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: ((لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)) قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال: فيقولون ((قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ))[6] بالسيف)[7].

خامسا: ان في كثرة لعن بني أمية سببا من أسباب التقرب للإمام المهدي عليه السلام



قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (إكثار اللعن على بني أمية سرا وعلانية في المجالس وعلى المنابر، ما لم يكن خوف وتقية، ويدل على كون ذلك مما يتقرب به إلى مولانا «عليه السلام» مضافا إلى أنه من أفضل الأعمال، وأحبها، وأهمها ما رواه الشيخ الصدوق «رضي الله عنه» في الخصال عن أمير المؤمنين «عليه السلام» في ذكر مناقبه السبعين، قال «عليه السلام»: وأما الرابعة والخمسون، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «يا علي سيلعنك بنو أمية، ويرد عليهم ملك بكل لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم «عليه السلام» لعنهم أربعين سنة» الخبر.

 أقول[8]: لا يخفى عليك أن المراد باللعن أربعين سنة أمره «عليه السلام» شيعته وأتباعه بلعن بني أمية في جميع البلاد، والقرى، والأمصار على المنابر، وفي المجامع، وشيوع ذلك بين الناس في تلك المدة كما فعل ذلك بنو أمية لعنهم الله تعالى في زمن استيلائهم معاندة لأمير المؤمنين «عليه السلام».

ففعل القائم جزاء بما كسبوا في هذه الدنيا ولو كان المراد لعنه بني أمية بنفسه فقط لما كان محدودا بالمدة المعينة، وما اختص بزمان ظهوره «عليه السلام» لأنه يلعنهم في جميع عمره. والحاصل أن هذا الحديث الشريف يدل على فضل كثير في الاهتمام بلعن بني أمية، وإكثاره، وأنه مما يتقرب به إلى صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه وظهوره فينبغي للمؤمن الاهتمام والمواظبة عليه في سائر أوقاته وحالاته، خصوصا في صباحه ومسائه، وأعقاب صلواته. ويشهد لما ذكرناه ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» قال: إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة، فلا تنحرف إلا بانصراف لعن بني أمية.

ومما يدل[9] على أن اللعن عليهم وعلى سائر أعداء الأئمة من أقسام نصرة الإمام باللسان ما في تفسير الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام، أنه قال رجل للصادق «عليه السلام»: يا بن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إني عاجز ببدني عن نصرتكم، ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن عليهم، فكيف حالي: فقال له الصادق «عليه السلام» حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه، فلعنوا من يلعنه، ثم ثنوه، فقالوا اللهم صل على عبدك هذا، الذي قد بذل ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى: قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم وصليت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار» انتهى.

 هذا كله مضافا إلى أن موالاة الأئمة لا تتم إلا بالبراءة من أعدائهم، واللعن عليهم، ولا ريب أن بني أمية من أعدائهم، وقد فعلوا بالأئمة وأوليائهم ما فعلوا من الظلم والقتل، وأنواع الإيذاء فلعنة الله عليهم ما دامت الأرض والسماء)[10].

ــــــــــــــــــ
[1] المستدرك للحاكم النيسابوري ج 4 ص 480 ــ 481.
[2] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 161.
[3] سورة آل عمران الآية رقم 26.
[4] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 266.
[5] سورة الأنبياء الآية رقم 12 ــ 13.
[6] سورة الأنبياء الآية رقم 14 ــ 15.
[7] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 51 ــ 52.
[8] الكلام ما زال للميرزا محمد تقي الأصفهاني قدس الله روحه.
[9] ما زال الكلام للميرزا الأصفهاني قدس الله روحه.
[10] مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني ج 2 ص 390 ــ 392.

هل يجوز للمسلم أن يقول: (علي صلوات الله عليه)؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

اجتمعت كلمة الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل شيعتهم في جواز ان يصلي المؤمن على غير الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فجوزوا الصلاة على سائر الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعلى الصديقة السيدة فاطمة بنت محمد صلوات الله وسلامه عليها، بل وجوزوا الصلاة على غيرهم من الأولياء والصلحاء، والأحاديث المنقولة عنهم والزيارات التي وردت بحقهم وبحق بعض الأولياء والصلحاء كالعباس ابن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وكثير من أولاد الأئمة وأصحابهم كسلمان المحمدي وغيره، كل هذا وغيره خير شاهد على جواز ذلك.

أما باقي مذاهب المسلمين فتكاد تجمع على عدم جواز ذلك، لان الصلاة بزعمهم كما يقول عبد الكريم الرافعي في فتح العزيز: (قد صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما أن قولنا عز وجل صار مخصوصا بالله تعالى جده وكما لا يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر وعلي صلوات الله عليهما وإن صح المعنى)[1].

وقال محيي الدين النووي في روضة الطالبين: (قال الأئمة: وينبغي أن لا يقول: اللهم صل عليه، وإن ورد في الحديث، لان الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وكما أن قولنا. عز وجل. صار مخصوصا بالله تعالى. فكما لا يقال: محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا، لا يقال: أبو بكر، أو علي، صلى الله عليه، وإن صح المعنى)[2].

وقال الآلوسي في تفسيره: (وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك. وسفيان، واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالصلاة والتسليم كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه ويذكر من سواهم بالغفران والرضا)[3].

وقال المقريزي: (الرابع: أن الصلاة صارت في لسان الأمة مخصوصة بالنبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم تذكر مع ذكر اسمه لا يسوغ ذلك لغيره وكما لا يقال محمد عز وجل ولا محمد سبحانه وتعالى لئلا يعطى رتبة الخالق فهكذا لا ينبغي أن تعطى غير النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم رتبته فيقال: فلان صلى الله عليه وسلم)[4].

وخالف هذا الحكم بعض أئمتهم فذهب البعض إلى الكراهة وذهب آخر إلى الجواز لان الصلاة بمعنى الدعاء فتجوز لكل احد، قال الرافعي في فتح العزيز: (وصرح ــ الصيدلاني ــ بنفي الكراهة في العدة وقال أيضا الصلاة بمعنى الدعاء تجوز على كل أحد أما بمعنى التعظيم والتكريم يختص به الأنبياء عليهم السلام والمشهور ما سبق ــ وهو عدم الجواز ــ)[5].

وقال الآلوسي: (وحمل البيهقي القول بالمنع على ما إذا جعل ذلك تعظيما وتحية وبالجواز عليها إذا كان دعاء وتبركا، واختار بعض الحنابلة أن الصلاة على الآل مشروعة تبعا وجائزة استقلالا وعلى الملائكة وأهل الطاعة عموما جائزة أيضا وعلى معين شخص أو جماعة مكروهة)[6].

سبب رفض بعض المذاهب الصلاة على غير الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين


وقد بين غير واحد من المخالفين سبب حكمهم بعدم جواز الصلاة على غير الأنبياء والمرسلين، لان الصلاة على بعض الأولياء والأئمة قد أصبح شعارا للشيعة الإمامية ولكي يمنعوا أتباعهم من التشبه بشيعة أهل البيت منعوا عليهم ذلك ولم يجوزوه، قال الرافعي: (فقد ثبت نهي مقصود عن التشبه بأهل البدع وإظهار شعارهم والصلاة على غير الأنبياء مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض)[7].

وقال محيي الدين النووي: (وهل ذلك مكروه كراهة تنزيه، أم هو مجرد ترك أدب ؟ فيه وجهان. الصحيح الأشهر: أنه مكروه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم. والمكروه: هو ما ورد فيه نهي مقصود)[8].

وقال ابن عابدين: (فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول، وإنما حدثه الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم)[9].

وقال ابن كثير الشانئ لكل ما يرفع من مقام أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: (لا يجوز ذلك لان الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء يصلون على من يعتقدون فيهم فلا يقتدى بهم في ذلك والله أعلم... وقد غلب في هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي رضي الله عنه بأن يقال عليه السلام من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه وهذا وإن كان معناه صحيحا ولكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه)[10] أقول: بل أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وسائر الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولى من هؤلاء وأولى، ولو كان كلام هذا الشانئ صحيحا لضمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه وعلى اله الأطهار فلما لم يفعل ذلك علمنا ان مرتبتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تفوق مرتبة من ذكرهم ابن كثير بل تفوق مراتب العالمين جميعا انسهم وجنهم على رغم انف ابن كثير وغيره من المتعصبين.

وقال الآلوسي: (ولو قيل بتحريمها لم يبعد سيما إذا جعل ذلك شعارا له وحده دون مساويه ومن هو خير منه كما تفعل الرافضة بعلي كرم الله وجهه)[11].

وقال المقريزي: (إن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم قد صارت شعار أهل البدع ذكره النووي ومعنى ذلك أن الرافضة إذ ذكروا أئمتهم صلوا عليهم ولا يصلون على غيرهم فاستحبوا مخالفتهم في ذلك الشعار)[12].

ولرد هذه العصبية البغيضة لا نزيد في القول على ما سطره المحقق البحراني قدس الله روحه في الحدائق الناضرة حيث قال: (ومن أفحش تعصباتهم أنهم مع رواية هذه الأخبار[13] أجمعوا على عدم جواز الصلاة على غيره «صلى الله عليه وآله» وغير الأنبياء بل صرح جملة منهم بالمنع من ضم آله في الصلاة إليه كل ذلك عداوة وبغضا لهم «عليهم السلام» بل صرح بعضهم بالاعتراف بذلك وأنهم إنما تركوها مراغمة للشيعة حيث إنهم يضمون أهل بيته إليه «صلى الله عليه وآله» في الصلاة عليه)[14].

ـــــــــــــــ
[1] فتح العزيز لعبد الكريم الرافعي ج5 ص529 ــ 530.
[2] روضة الطالبين لمحيي الدين النووي ج 2ص 69 ــ70.
[3] تفسير الآلوسي ج 11 ص 6.
[4] إمتاع الأسماع للمقريزي ج 10 ص 373 ــ 374.
[5] فتح العزيز لعبد الكريم الرافعي ج5 ص530.
[6] تفسير الآلوسي ج 22 ص 86.
[7] المصدر السابق.
[8] روضة الطالبين لمحيي الدين النووي ج 2ص 69 ــ70.
[9] تكملة حاشية رد المحتار لابن عابدين «علاء الدين» ج 1 ص 344.
[10] تفسير ابن كثير ج 3 ص 524.
[11] تفسير الآلوسي ج 22 ص 86.
[12] إمتاع الأسماع للمقريزي ج10 ص373.
[13] يقصد قدس الله روحه بالأخبار، أخبار تخصيص الصلاة بالآية الشريفة بالنبي الأعظم وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
[14] الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج 8 ص 465 ــ 466.

كيف يطلب المؤمن أن يرزق طلب الثار واغلب الظن انه سيموت قبله؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

وربما يقال: كيف يمكن أن نصحح ان يطلب الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه او سائر الزائرين بهذه الزيارة الشريفة أن يرزقه الله سبحانه وتعالى طلب ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه مع الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه وهو يعلم يقينا بأن عمره لن يصل إلى ذلك اليوم، لان الغالب في ظن اغلب الداعين بهذا الدعاء ــ ان لم يكن مقطوعا به ــ هو عدم بلوغهم إلى ذلك اليوم الموعود، وعليه، أليس في هذا الدعاء نوع من العبثية وعدم الدقة في الطلب؟

أقول: ان هذا الدعاء من الإمام صلوات الله وسلامه عليه ومن سائر شيعته الكرام هو على نحو الترجي والتمني والالتماس لوجه من وجوه الخير، وهو أمر حسن ومستساغ شرعا وعقلا، وقد وردت نصوص عن أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تؤكد على أن العبد يستطيع أن يبلغ بنيته وقصده مراتب عالية من الكمال، حتى وان لم يوفق لفعل وتحقيق تلك النية وذلك القصد في الخارج، منها ما عن أبي بصير، عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه انه قال: (إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله ذلك منه بصدق نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم)[1].

وعن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه أيضا قال: (ما من مؤمن سن على نفسه سنة حسنة أو شيئا من الخير ثم حال بينه وبين ذلك حائل إلا كتب الله له ما أجرى على نفسه أيام الدنيا)[2].

وعن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه أيضا عن آبائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تمنى شيئا وهو لله عز وجل رضا لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه)[3].

وقد ورد في كثير من الأخبار ان الإنسان مع من أحب وله مثل أجره فان كان خيرا فخير وان كان شرا فشر، كما روي عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه انه قال: (ان الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة)[4]، وروى المخالفون قريباً من هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (يحشر الناس على نياتهم)[5]، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: (الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى)[6].

وربما شارك الإنسان أجر أناس عاشوا قبله أو بعده بمئات السنين بل وبآلاف السنين أيضا، لا لشيء إلا لأنه محب لعملهم، كما في الحديث المروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه لما فرغ من قتل الخوارج يوم النهروان (قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين طوبى لنا إذ شهدنا، معك هذا الموقف، وقتلنا معك هؤلاء الخوارج فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لقد شهدنا في هذا الموقف أناس لم يخلق الله آباءهم ولا أجدادهم بعد، فقال الرجل: وكيف يشهدنا قوم لم يخلقوا؟ قال: بلى قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه، ويسلمون لنا، فأولئك شركاؤنا فيما كنا فيه حقا حقا)[7].

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: (إنما يجمع الناس الرضا والسخط، فمن رضي أمرا فقد دخل فيه ومن سخطه فقد خرج منه)[8].

ويوجد توجيه ثانٍ وجواب آخر، وهو ان المشهور ان لم نقل المتواتر والمتسالم به عند أصحاب المذهب الحق مذهب أتباع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ان هنالك رجعة عند خروج الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه يحيي الله سبحانه وتعالى بها بعض المؤمنين وبعض الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أو جميعهم على اختلاف الآراء في ذلك، لينعموا بنصرة الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه والعيش في دولته الكريمة تلك الدولة التي كانت حلم جميع الأنبياء والمرسلين والأوصياء والصالحين منذ ان خلق الله سبحانه وتعالى أبا البشر آدم صلوات الله وسلامه عليه، وقد وردت عدة نصوص شرعية عن الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وعلماء الطائفة الأبرار رحمهم الله توضح حقيقة الرجعة وإمكان وقوعها في زمن الإمام المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه، بل ووقوعها فعلا في الأمم السالفة.

وقد الفت في إثباتها واستقصاء مسائلها عشرات الرسائل والمؤلفات والمصنفات العلمية، وقد عد محقق كتاب (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) للحر العاملي[9] أربعة وأربعين مصنفا في موضوع الرجعة وقد ذكر أسماءها وأسماء مصنفيها تفصيلا، وهذا الإكثار في التصنيف ان دل على شيء فانه يدل على أهمية موضوع الرجعة ومدى اهتمام العلماء الماضين والمتأخرين والمعاصرين بهذا الموضوع لأنه يعد من إحدى عقائد الشيعة الإثني عشرية.

ومن تلك الأقوال التي حكت إجماع الشيعة الاثني عشرية على الاعتقاد بالرجعة وإمكانها هو قول الشريف المرتضى قدس الله روحه حينما سُئل عن حقيقة الرجعة، لأن شذاذ الإمامية يذهبون إلى أن الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم عليه السلام من دون رجوع أجسامهم، فأجابهم قدس الله روحه بقوله: (إعلم أن الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أن الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوما ممن كان قد تقدم موته من شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته. ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق وعلو كلمة أهله. والدلالة على صحة هذا المذهب أن الذي ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل في أنه مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه، فإنا نرى كثيرا من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة. وإذا أثبت جواز الرجعة ودخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وإجماعهم قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة، لدخول قول الإمام عليه السلام فيه، وما يشتمل على قول المعصوم من الأقوال لا بد فيه من كونه صوابا)[10].

ومن الأحاديث الصريحة فيما نحن فيه ما روي عن المفضل بن عمر قال: (ذكرنا القائم عليه السلام ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله عليه السلام: إذا قام أتى المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا إنه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم)[11].

ومثله عن سيف بن عميرة، قال: (قال لي أبو جعفر «عليه السلام»: المؤمن ليخير في قبره، إذا قام القائم، فيقال له: قد قام صاحبك، فإن أحببت أن تلحق به فالحق، وإن أحببت أن تقيم في كرامة الله فأقم)[12].

وقد زخرت الزيارات الشريفة بحقيقة أنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين سيرجعون، وكذلك سيرجع جمع من شيعتهم ومحبيهم لغرض النصرة والعيش تحت ظلهم ورعايتهم، ومن هذه الزيارات الشريفة زيارة الجامعة التي تسالمت صحة صدورها وعلو مضامينها، والتي جاء في بعض فقراتها المباركة: (أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به كافر بعدوكم وبما كفرتم به، مستبصر بشأنكم وبضلالة من خالفكم، موال لكم ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم ومعاد لهم، سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم محقق لما حققتم، مبطل لما أبطلتم، مطيع لكم، عارف بحقكم، مقر بفضلكم، محتمل لعلمكم، محتجب بذمتكم معترف بكم، ومؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم...)[13].

ومنها ما ورد في زيارة الإمام صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه: (مولاي فان أدركني الموت قبل ظهورك، فاني أتوسل بك وبآبائك الطاهرين إلى الله تعالى، واسأله ان يصلي على محمد وآل محمد وان يجعل لي كرة في ظهورك، ورجعة في أيامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، وأشفي من أعدائك فؤادي)[14].

وفي زيارة أخرى جاء فيها: (وان حال بيني وبين لقائه الموت الذي جعلته على عبادك حتما وأقدرت به على خليقتك رغما، فأحيني عند ظهوره خارجا من حفرتي، مؤتزرا بكفني، حتى أجاهد بين يديه في الصف الذي أثنيت عليهم في كتابك، فقلت: ((كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ))[15]، اللهم طال الانتظار، وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتصار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون في حياتنا وبعد المنون. اللهم إني أدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هذه البقعة، الغوث الغوث الغوث يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلان، وهجرت لزيارتك الأوطان)[16] وتوجد زيارات أخرى يطول ذكرها قد تركناها روما للاختصار.

فيتحصل مما سبق ان سؤال الإمام صلوات الله وسلامه عليه وباقي المؤمنين الكرام صحيح موافق للموازين الشرعية حتى وان حال دون تحقق مرادهم الموت الذي جعله الله حقا على عباده، لان استجابة دعائه صلوات الله وسلامه عليه ودعاء شيعته الكرام سيكون في الرجعة التي ستقع يقينا حين خروج الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

ــــــــــــــ
[1] المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي ج1 ص261.
[2] المصدر السابق ص28.
[3] الأمالي للشيخ الصدوق ص 674.
[4] المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي ج1 ص262.
[5] سنن ابن ماجة لمحمد بن يزيد القزويني ج2 ص1414.
[6] صحيح البخاري ج1 ص20 كتاب الإيمان.
[7] المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي ج1 ص262.
[8] المصدر السابق.
[9] الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي تحقيق مشتاق مظفر.
[10] رسائل المرتضى للشريف المرتضى ج 1 ص 125 ــ 126، المسألة الثامنة، حقيقة الرجعة.
[11] الغيبة للشيخ الطوسي ص 459.
[12] دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري «الشيعي» ص 479.
[13] من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج 2 ص 614.
[14] المزار لمحمد بن المشهدي ص 588.
[15] سورة الصف الآية رقم 4.
[16] المصدر السابق ص 658.

شمر بن ذي الجوشن لعنه الله أموي الهوى خارجي الفعل

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

اتفقت كلمة المؤرخين على أن اسمه هو «شِمْر» وانه كان يكنى بأبي السابغة الضبابي، ولكنهم اختلفوا في اسم أبيه وبقية آبائه، قال ابن سعد في الطبقات وهو يتحدث عن أبيه:

(ذو الجوشن الضبابي قال: قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي اسمه شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وكان شمر يكنى أبا السابغة)[1].

ويقال إن أباه كان صحابيا وهو لعنه الله من التابعين، وبهذا صرح ابن عساكر في تاريخ دمشق حيث قال: (شمر بن ذي الجوشن واسم ذي الجوشن شرحبيل ويقال عثمان بن نوفل ويقال أوس بن الأعور أبو السابغة العامري ثم الضبابي حي من بني كلاب كانت لأبيه صحبة وهو تابعي)[2].

وقال في موضع آخر: (ذو الجوشن الكلابي ثم الضبابي واسمه أوس بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب يعني ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة وولد عمرو بن معاوية يقال لهم الضباب لأن أحد عمرو بن معاوية يقال له ضب فنسبوا إلى ذلك)[3].

وقال أيضا: (قال عبد الله بن المبارك عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق قال ذو الجوشن اسمه شرحبيل وإنما سمي ذو الجوشن من أجل أن صدره كان ناتئا)[4].

ومهما اختلفت الأسماء فان المراد من عبارة الزيارة شخص واحد معروف ومشهور، لعنه الله واخزاه واعد له نار جهنم خالدا فيها أبدا.

المبحث الثالث: شمر بن ذي الجوشن أموي الهوى خارجي الفعل


اقترن اسم الشمر لعنه الله بيوم عاشوراء، حيث يكفي في سماع اسمه المشؤوم، أن يتبادر إلى الذهن ذبحه للإمام السبط الشهيد صلوات الله وسلامه عليه، فكانت أفعاله الدنيئة يوم العاشر من المحرم هي التي شكلت صورته المقززة القبيحة في نفوس الناس، لذلك لم يعرف الكثير من الناس ان لشمر بن ذي الجوشن موبقات سبقت يوم العاشر من المحرم، وان له جذوراً قديمة شاهدة على انحرافه، ودالة على نصبه العداء لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وانه ليس كما يتصور البعض مجهولا ظهر وخرج يوم العاشر من المحرم كما يخرج المارد من قمقمه، وفيما يأتي جملة من أخباره وأفعاله المبينة لحاله وأهدافه وميوله.

الملامح الشخصية لشمر بن ذي الجوشن لعنه الله


مثلما كان يوم عاشوراء يوم ملحمة وصولة للحق على الباطل، كذلك كان هذا اليوم يوم انكشاف الحقائق وسقوط الأقنعة من على وجوه المنافقين والكاذبين والمتسربلين بثوب الإسلام، والشمر بن ذي الجوشن الضبابي كان من أولئك الذين سقط قناع نفاقه وبانت حقيقة أصله ومستواه الفكري والعقائدي الضحل، ومن أمعن النظر في أخبار يوم العاشر من المحرم، ولا سيما الساعات القلائل التي سبقت نشوب الحرب وبدء القتال، وحينما كان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه يكلمون الناس ويخطبون بالجيش الكافر، رجاء ردعهم واستنقاذ من يمكن استنقاذه منهم، نرى بأن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه قد وصفوا الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بأوصاف لا تقال إلا للأراذل من الناس، بل قد صُرح في بعض تلك المقولات وصفه بالبهيمة، والملاحظة الجديرة بالاهتمام ان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله لم يكن ينكر ما يطلق عليه من أوصاف، ولم يتصدّ غيره من أفراد جيشه بالرد والدفاع عنه، مما يعني ان لتلك الأوصاف والأقوال حقيقة وشهرة في ذلك الوقت، لا يمكن دفعها أو الرد عليها، وفيما يأتي جملة من تلك الأوصاف والنعوت التي أطلقها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه عليه لعنه الله.

1: ابن راعية المعزى


قال الشيخ المفيد في الإرشاد: (وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين عليه السلام فيرون الخندق في ظهورهم والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان ألقي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن عليه اللعنة بأعلى صوته: يا حسين أتعجلت النار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن فقالوا له: نعم، فقال له: يا ابن راعية المعزى، أنت أولى بها صليا)[5].

وقال الطبري: (فحدثني عبد الله بن عاصم قال حدثني الضحاك المشرقي قال لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه فرجع راجعا فنادى بأعلى صوته يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة فقال الحسين من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن فقالوا نعم أصلحك الله هو هو فقال يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا)[6].

وسبب تسميته بابن راعية المعزى قد أوضحه الشيخ علي النمازي الشاهرودي بقوله: (وعن كتاب المثالب لهشام بن محمد الكليني: إن امرأة ذي الجوشن خرجت من جبانة السبيع إلى جبانة كندة، فعطشت في طريق ولاقت راعيا يرعى الغنم فطلبت منه الماء فأبى أن يعطيها إلا بالإصابة منها، فمكنته فواقعها الراعي فحملت بشمر. انتهى. قول مولانا الحسين عليه السلام لشمر يوم عاشوراء: يا بن راعية المعزى، أنت أولى بها صليا)[7].

2: هو ابن البوال على عقبيه، الجلف الجافي، والبهيمة، الذي لا يحكم من كتاب الله آيتين


قال الطبري وابن كثير وابن الأثير مع اختلاف بسيط في بعض عباراتهم: (وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القين على فرس له شاك في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن أخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية، عبيد الله بن زياد...قال ــ الراوي ــ: فسبوه وأثنوا على ابن زياد ودعوا له، وقالوا: لا ننزع حتى نقتل صاحبك ومن معه. فقال لهم: إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن أنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم... قال ــ الراوي ــ: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له: اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك، فقال له زهير: يا بن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب؟ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك بعد ساعة، فقال له زهير: أبالموت تخوفني؟ فوالله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم. ثم إن زهيرا أقبل على الناس رافعا صوته يقول: عباد الله لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا ينال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوم أهرقوا دماء ذريته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم)[8].

3: انه الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين


قال الشيخ الطوسي قدس الله روحه: (ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فإن الفاسق من عظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه. فقال له الحسين عليه السلام: لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم)[9].

وقال الطبري: (فقال له مسلم بن عوسجة يا ابن رسول الله جعلت فداك ألا أرميه بسهم فإنه قد أمكنني وليس يسقط سهم فالفاسق من أعظم الجبارين فقال له الحسين لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم)[10].

4: انه كلب أبقع يلغ في دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأهل بيته


قال ابن نما الحلي قدس الله روحه: (ثم جاء آخر فقال أين الحسين فقال ها انا ذا قال أبشر بالنار قال ابشر برب رحيم وشفيع مطاع من أنت قال أنا شمر بن ذي الجوشن قال الحسين ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ: الله أكبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت كأنّ كلبا أبقع يلغ دماء أهل بيتي وقال الحسين ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ: رأيت كأنّ كلابا تنهشني وكأنّ فيها كلبا أبقع كان أشدهم عليّ وهو أنت وكان أبرص)[11].

وقال الصفدي: (وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في نومه كأن كلبا أبقع ولغ في دمه فلما قتل الحسين وكان شمر بن ذي الجوشن به وضح تفسرت رؤياه)[12].

وقال ابن خلكان: (قيل لجعفر بن محمد يعني الصادق كم تتأخر الرؤيا قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم كأن كلبا أبقع يلغ في دمه فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنه وكان أبرص فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة)[13].

5: انه مطبوع على قلبه، لم يكن يفهم شيئا مما يقوله الإمام صلوات الله وسلامه عليه


قال ابن نما الحلي قدس الله روحه: (ومد عمر بن سعد بالعساكر حتى تكملت العدة لست خلون من المحرم عشرين ألفا وضيق على الحسين وأصحابه قام ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فاتكا على سيفه ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد أيها الناس انسبوني وانظروا من انا ثم ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها هل يحل لكم سفك دمي وانتهاك حرمتي الست ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه وابن أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم... هل تطالبوني بقتيل قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة فسكتوا فقال شمر بن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يعرف شيئا مما يقول فقال حبيب بن مظاهر: إني أراك تعبد الله على ألف حرف وإنّي أشهد انك لا تعرف شيئا مما يقول إن الله قد طبع على قلبك)[14].

وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه: (فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك)[15].

وقال ابن كثير: (فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف: إن كنت أدري ما يقول؟ فقال له حبيب بن مظاهر: والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فوالله إنا لندري ما يقول: وإنه قد طبع على قلبك)[16].

ــــــــــــــــ
[1] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 6 ص 46.
[2] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 23 ص186.
[3] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج23 ص189.
[4] المصدر السابق.
[5] الارشاد للشيخ المفيد ج2 ص96 صباح عاشوراء والتعبئة للحرب.
[6] تاريخ الطبري ج 4 ص 321 ــ 322.
[7] مستدركات علم رجال الحديث للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج 4 ص 220، مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج6 ص44 أحوال الشمر بن ذي الجوشن لعنة الله عليه.
[8] تاريخ الطبري ج 4 ص 323 ــ 324، البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 194 ــ 195، والكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص63 ــ 64.
[9] الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص96.
[10] تاريخ الطبري ج 4 ص 322.
[11] مثير الأحزان لابن نما الحلي ص 48.
[12] الوافي بالوفيات للصفدي ج 12 ص 266.
[13] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان ج 7 ص 68، وقريب منه ما في السيرة الحلبية ج1 ص380.
[14] مثير الأحزان لابن نما الحلي ص36 ــ 37.
[15] الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص97 ــ 98.
[16] البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص194.

هل اشترك الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله في معركة صفين مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

أما عن مسألة حضوره لعنه الله في جيش صفين، فقد روي ذلك في روايتين نوردهما ونورد ما فيهما من إشكال، الأولى عن: (عمر بن سعد، حدثني يونس بن أبي إسحاق قال: قال لنا أدهم بن محرز الباهلي ونحن معه بأذرح: هل رأى أحد منكم شمر بن ذي الجوشن؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي، وسعيد بن خازم السلولي: نحن رأيناه. قال: فهل رأيتما ضربة بوجهه؟ قالا: نعم. قال: أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين)[1].

والرواية الثانية عن: (عمر، عن الصلت بن زهير النهدي، عن مسلم قال: خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية بصفين إلى شمر بن ذي الجوشن فاختلفا ضربتين، فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم، وضربه شمر فلم يصنع سيفه شيئا، فرجع إلى عسكره فشرب من الماء وأخذ رمحا، ثم أقبل وهو يقول:

إني زعيم لأخي باهله *** بطعنة إن لم أمت عاجله
وضربة تحت الوغى فاصله  *** شبيهة بالقتل أو قاتله

ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه، وأدهم ثابت له لم ينصرف، فطعنه فوقع عن فرسه، وحال أصحابه دونه فانصرف، فقال شمر: هذه بتلك)[2].

والروايتان ضعيفتان من حيث السند، لان الأولى فيها يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي، وقد اجتمعت كلمة الشيعة والسنة على تضعيفه، وعدم الاحتجاج بحديثه، قال السيد الخوئي: (إنه كان من العامة وشديد التعصب)[3]، وفي كتاب العلل لأحمد بن حنبل: (يونس بن أبي إسحاق قال حديثه حديث مضطرب)[4]، وقال الرازي عن: (عبد الرحمن قال سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال: كان صدوقا إلا انه لا يحتج بحديثه)[5].

والرواية الثانية نقلت عن مسلم، وهو مسلم بن كيسان الأعور، فعن احمد بن حنبل قال: (لا يكتب حديثه ضعيف الحديث)[6]، وقال العجلي: (مسلم الأعور كوفي ضعيف الحديث)[7]. وقال العقيأتي: (كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن مسلم الأعور وهو مسلم أبو عبد الله وكان شعبة وسفيان يحدثان عنه وهو منكر الحديث جدا)[8].

ثم ان الروايتين منقولتان عن عمر بن سعد، وهو عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي، وهو مجهول لم يذكروا له ترجمة، كما صرح بذلك الشيخ علي النمازي الشهرودي بقوله: (عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي: لم يذكروه)[9].

وقد نقل ابن أبي الحديد الروايتين بقوله: (قال نصر: وحدثنا عمرو...)[10] بدلا من (عمر بن سعد) وعمرو المقصود من رواية ابن أبي الحديد هو (عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي) والذي قال عنه النجاشي: (عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي عربي، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، ضعيف جدا)[11]، وقال العلامة الحلي: (عمرو بن شمر بالشين المعجمة، والراء أخيرا أبو عبد الله الجعفي، كوفي روى عن أبي عبد الله «عليه السلام» وعن جابر، وهو ضعيف جدا...فلا اعتمد على شيء مما يرويه)[12].

وقال الرازي: (عمرو بن شمر الجعفي أبو عبد الله روى عن عمران بن مسلم والسدي وجابر الجعفي روى عنه أحمد بن يونس سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن نا محمد بن إبراهيم نا عمرو بن علي أن عمرو بن شمر منكر الحديث حدث بأحاديث منكرة، نا عبد الرحمن قال قرئ على العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول عمرو بن شمر ليس بثقة، نا عبد الرحمن قال سألت أبي عن عمرو بن شمر فقال منكر الحديث جدا ضعيف الحديث لا يشتغل به تركوه، نا عبد الرحمن قال سئل أبو زرعة عن عمرو بن شمر فقال ضعيف الحديث)[13].

ثم لو سلمنا جدلا ان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله كان في معسكر أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يوم صفين، فلا يثبت أيضا مدعى من يحاول نسبته إلى أنصار وشيعة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لان جيش صفين كان خليطا من الناس المتشعبة آراؤهم المختلفة عقائدهم المتفرقة قلوبهم، فقد كان فيهم المؤمن المخلص بوده وانتمائه إلى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهم الأقلية عددا، وهؤلاء قد استشهد أكثرهم دفاعا عن أمير المؤمنين ونصرته.

ومنهم من كان يقاتل حمية وعصبية، من دون اعتقاد لإمامة أمير المؤمنين أو الإيمان بأفضليته على من سبقوه، وهؤلاء لا يستهان بعددهم، وقد نقلت الروايات بان قسما كبيرا من جيشه صلوات الله وسلامه عليه كانوا يصلون في رمضان صلاة التراويح التي سنها وابتدعها عمر بن الخطاب، فلما نهاهم الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه عن إتيان هذه البدعة ضجوا وتململوا حتى خاف الإمام على جيشه من التفرق فتركهم، فقد روى الشيخ الكليني في الكافي: (عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين «عليه السلام» فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي «صلى الله عليه وآله»، ثم قال: ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: إتباع الهوى وطول الأمل... والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري...)[14].

وقسم ثالث قد التحق بالجيش كجاسوس ينقل إلى معاوية بن أبي سفيان أخبار الجيش وتحركاته، كمثل الأشعث بن قيس وأمثاله، والشمر إن ثبت التحاقه بجيش صفين فهو من القسم الثاني أو الثالث يقينا، لأنه كان ولمدّة قصيرة قبل حرب صفين متواجداً في الشام عند معاوية بن أبي سفيان، يجلس على باب قصره الخضراء، وكان من قواده، فقد أورد الشيخ المفيد في كتابه الاختصاص رواية تكشف هذه الحقيقة فقال في رواية طويلة نقتطع منها قدر الحاجة: (كتب معاوية بن أبي سفيان إلى علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا علي لأضربنك بشهاب قاطع لا يدكنه الريح ولا يطفئه الماء إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب والسلام.
فلما قرأ علي عليه السلام كتابه دعا بدواة وقرطاس ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا معاوية فقد كذبت، أنا علي بن أبي طالب، وأنا أبو الحسن والحسين قاتل جدك وعمك وخالك وأبيك، وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم أحد، وذلك السيف بيدي، تحمله ساعدي بجرأة قلبي كما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بكف الوصي، لم أستبدل بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وآله نبيا وبالسيف بدلا والسلام على من اتبع الهدى.

 ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلا مفوها طوالا، فقال له: خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ورد جوابه، فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته، ثم ركب جملا... فسار حتى نزل مدينة دمشق فسأل عن قواد معاوية، فقيل له: من تريد منهم ؟ فقال: أريد جرولا...وأبا الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وشمر بن ذي الجوشن... فقيل إنهم يجتمعون عند باب الخضراء، فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا ركب إليهم، فلما بصروا به قاموا إليه يهزؤون به، فقال واحد منهم: يا أعرابي أعندك خبر من السماء ؟ قال: نعم جبرئيل في السماء وملك الموت في الهواء وعلي في القضاء فقالوا له: يا أعرابي من أين أقبلت؟ قال: من عند التقي النقي إلى المنافق الردي، قالوا له: يا أعرابي فما تنزل إلى الأرض حتى نشاورك؟ قال: والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم، قالوا: يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم، فكتبوا إليه: أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب أعرابي له لسان يقول فما يمل، ويكثر فما يكل والسلام...)[15] فالرواية كما ترى صريحة في جعل الشمر بن ذي الجوشن من قواد جيش معاوية بن أبي سفيان لعنه الله.

ثم وفجأة ومن دون سابق إنذار ينتقل من الشام ومن جبهة معاوية بن أبي سفيان إلى جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ثم يتحول من جبهته إلى جبهة الخوارج الذين انقذوا معاوية بن أبي سفيان في اللحظات الأخيرة من أن يناله السيف والقتل، كل هذا وغيره يجعلنا متيقنين بأن وجود الشمر بن ذي الجوشن في ضمن جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في أثناء معركة صفين متردد بين فرضين، فأما أن يكون وجوده مكذوباً مفتعلاً لإغراض لا تخفى، وأما أن يكون قد حضر لأجل التجسس والتخريب وإشاعة الفوضى وبث الضعف والفتنة في صفوف جيش أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، كما فعل مع مسلم بن عقيل سلام الله عليه وقد ذكر خبره.

هل كان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله شجاعا؟


حاول البعض تضخيم شخصية الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله ليطلق عليه بعض المدائح فعدّوه من ذوي الرئاسة تارة وتارة أخرى من أصحاب الشجاعة، وتارة ثالثة من المحدثين، قال خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام: (شمر بن ذي الجوشن واسمه شرحبيل ابن قرط الضبابي الكلابي، أبو السابغة... كان في أول أمره من ذوي الرياسة في هوازن موصوفا بالشجاعة، وشهد يوم صفين مع علي ثم أقام في الكوفة، يروي الحديث)[16] وللأسف فقد أعاد بعض المفكرين الشيعة هذا القول في كتبهم عن حسن نية منهم، متناسين أن الشجاعة من صفات الكمال التي لا تليق بمثل هذا الموجود الممسوخ، وان وصفه بالشجاعة شبيه بوصف الشيطان بالنبل أو الكرم.

ونحن نسأل جميع من وصف الشمر لعنه الله بالشجاعة أو الرئاسة عن دليلهم الذي إليه استندوا في زعمهم هذا، لان كتب التاريخ خالية عن المواقف التي تكشف شجاعة هذا الموجود الممسوخ، وفي يوم عاشوراء ظهر للعالم جليا ان هذا اللعين لم يكن يمتلك وجميع من تحت إمرته أي لون من ألوان الشجاعة، فلم نرى له نزالا واحدا مع بطل من إبطال الطف يمكن أن يستدل به على تلك الشجاعة المزعومة، فأين هو من مقارعة العباس ابن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه؟ وأين شجاعته يوم كان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يكر عليهم فينهزم هو وجميع أفراد جيشه كالجراد المنتشر أو كالغنم إذا اشتد عليها الأسد؟

ونحن وحينما تتبعنا جولات هذا اللعين وصولاته يوم عاشوراء لم نجده قد قاتل إلا ضمن فئة من أصحابه يتحصن بهم من أن يناله سيف أسد من اسود الطف، ولم يقاتل بمفرده أبدا، كما وصف القرآن الكريم المنافقين بقوله ((لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ))[17]وكان غاية جهده أن يهجم على خيام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فيطعن الفسطاط، أو يدعو بالنار ليحرق الخيام على الأطفال والنساء، أو يسرق ما كان في معسكر الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من الذهب والإبل بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله، فأين الشجاعة يا ترى من كل هذا؟!

وكدليل صريح على عدم تمتع هذا المسخ البشري المسمى بالشمر بالشجاعة تأمل معي في رواية الطبري التي يقول فيها: (فجعل شمر بن ذي الجوشن يحرضهم ــ على قتل الإمام الحسين ــ فمر بأبي الجنوب وهو شاك في السلاح فقال له أقدم عليه قال وما يمنعك أن تقدم عليه أنت فقال له شمر إلي تقول ذا قال وأنت لي تقول ذا فاستبا فقال له أبو الجنوب وكان شجاعا والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك قال فانصرف عنه شمر وقال والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك)[18] فلو كان للشمر لعنه الله رجولة أو شجاعة أو كان معروفا عند الناس بهما لما تجرأ المدعو بأبي الجنوب عليه، ولرد عليه قوله وأوقفه عند حده ولما أظهر عجزه وخنوعه وذله بقوله: (والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك) يريد به الغدر والأخذ على حين غفلة عند أسياده ابن مرجانة وأمثاله.

ــــــــــــــــ
[1] وقعة صفين لابن مزاحم المنقري ص267 ــ 268.
[2] المصدر السابق ص268.
[3] معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج21 ص199.
[4] العلل لأحمد بن حنبل ج2 ص519.
[5] الجرح والتعديل للرازي ج9 ص244.
[6] العلل لأحمد بن حنبل ج2 ص476.
[7] معرفة الثقات للعجلي ج2 ص279.
[8] ضعفاء العقيلي للعقيلي ج4 ص154.
[9] مستدركات علم رجال الحديث للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج6 ص90.
[10] شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي ج5 ص213 من اخبار يوم صفين.
[11] رجال النجاشي ص287.
[12] خلاصة الأقوال للعلامة الحلي ص378.
[13] الجرح والتعديل للرازي ج 6 ص 239 ــ 240.
[14] الكافي للشيخ الكليني ج8 ص58 ــ 63.
[15] الاختصاص للشيخ المفيد ص139 كتاب معاوية إلى علي عليه السلام وجواب علي عليه السلام على يد الطرماح إليه.
[16] الأعلام لخير الدين الزركلي ج3 ص175.
[17] سورة الحشر الآية رقم 14.
[18] تاريخ الطبري ج 4 ص 344.