هل يشترط وجود الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه في مسألة أخذ ثار الامام الحسين عليه السلام؟

بقلم الشيخ وسام البلداوي

والذي يظهر من عبارة الزيارة الشريفة ان حضور الإمام المعصوم المنصور صلوات الله وسلامه عليه شرط في طلب الثار المقصود في فقرة الزيارة، والإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه في هذه الفقرة الشريفة لا يقصد كل طلب، وإنما يقصد طلبا خاصا وهو الذي مع الإمام المنصور صلوات الله وسلامه عليه، لان طلب الثار مع الإمام المهدي له قيمة أخرى تختلف عن كل طلب، لان الجهاد مهما كانت درجة أهميته عظيمة، إلا انه مع الإمام المعصوم وتحت رايته أعظم وأعظم، لاسيما تحت راية الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه الذي ورد النص بعظيم أهميته، ولان نصرته وكما ذكرنا سابقا هي نصرة لجميع الشرائع والأنبياء والسنن.

إضافة إلى ان الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه يعلم بتعليم من الله سبحانه وتعالى أين يطلب الثار، وممن يطلب الثار، على نحو التحديد والدقة، لان طلب الثار ليس بالأمر الهين، لان الأمر يتعلق بالدماء والأعراض والأموال، وهو أمر عظيم لا يمكن الحكم به والتجرؤ عليه بغير نص وأذن قطعي، ولا يمتلك هذا النص والأذن غير الإمام المهدي المنصور صلوات الله وسلامه عليه.

إضافة إلى ان عملية اخذ ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هي عملية تحتاج إلى إمكانات مادية وعسكرية عظيمة، لان بعض من يطلب منه ثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد يكون الآن حاكم دولة عظمى، أو قائداً من أولئك الذين تقف خلفه الجيوش الجرارة، أو غير ذلك، واخذ الثار من هؤلاء يستلزم إمكانات لا تخفى على المتأمل، وهذه الإمكانات لا تتحقق في غير عصر خروج الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

لذلك نرى أنّ جميع تلك الثورات التي خرجت للطلب بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه عبر التاريخ لم تؤتِ ثمارها كاملة، لضعفها من الناحية المادية والعسكرية وغير ذلك من الشروط التي لها مدخلية في تحقيق النصر الكامل، وأوضح دليل على ذلك ثورة المختار فبالرغم من كل الجهود التي بذلها المختار وأتباعه للنيل من قتلة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه والأخذ بثاره، إلا انه عجز عن الوصول إلى الكثيرين ممن اشتركوا في تلك الفاجعة، فيزيد بن معاوية¾ وبطانته الكافرة من آل أمية ½، وغيرهم الآلاف قد فروا من سيفه، أو لم يصل إليهم لسبب وآخر.

هذا فيما لو قلنا إنّ طلب الثار سيقتصر على تلك الأمة التي ارتكبت فاجعة عاشوراء، ولم نذهب إلى ان الطلب بالثار سيشمل ــ كما هو الصحيح ــ جميع الأمم التي أتت بعد تلك الأمة المنحوسة أو قبلها، فيشمل امة رضيت، وأمة مهدت، وأمة دافعت عن الجناة وصححت أفعالهم، وغير هذه الأمم ممن لا يحيط بعلمهم وخبرهم إلا الله سبحانه وتعالى والإمام المهديصلوات الله وسلامه عليه.

فيتبين ونتيجة لهذا العرض، ان الثار الحقيقي لدم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لن يتحقق إلا في زمن الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، وان جميع الحروب والثورات التي قامت أو ستقام في يوم من الأيام بهدف الأخذ بثار الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ستكون ناقصة من حيث الأثر وسيكتب لها عدم النجاح، أو النجاح الجزئي، لذلك ورد وصف الـ(مَنْصُور) في العبارة التي نحن بصدد شرحها، فالوحيد الذي سيكتب له النصر وتكون ثورته لأخذ الثار متكاملة هو الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، فحري بالمؤمن ان يحافظ على نفسه ويدخرها للمشاركة مع صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه، ولا يسمح ببذل مهجته إلا تحت رايته، كما قال الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه: (كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم قتلاهم شهداء أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)[1].

وبناء على صحة هذا الحديث فإن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه مع انه يحكم على قتلاهم بأنهم شهداء، إلا انه صلوات الله وسلامه عليه يبين بان المرتبة الأفضل والأحسن والأكمل هي في عدم المشاركة واستبقاء النفس إلى صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه.

ـــــــــــــ

[1] كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني ص 281 ــ 282.

مناقشة قول الرافعي في تفضيل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة صلوات الله وسلامه عليها

بقلم: السيد نبيل الحسني

قال الرافعي: (إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل نساء هذه الأمة، فإن استثنيت فاطمة لكونها بضعة، فأخواتها شاركنها؛ وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة هي أفضل بناتي أصيبت فيّ)[1].

أقول: ألف: (أما قوله فإن استثنيت فاطمة ــ من التفضيل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ــ لكونها بضعة، فأخواتها شاركنها)، لا شك إن الإنسان حينما لم يتمكن من التحرر من العصبية الجاهلية والأهواء النفسية فانه ينحدر إلى الجهل فيكون له حاجزاً عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فتكون النتيجة أن يقوم بالمساواة بين فاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، وبين أخواتها في حديث البضعة الصادر عن الحضرة النبوية المقدسة فيقول: «إنما فاطمة بضعة مني».

وكأن الرافعي لم يقرأ مسنداً من مساند المسلمين، أو صحاحهم، أو سننهم، أو مستدركاتهم التي مع كثرتها لم يكن فيها حديث واحد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينص على بضعية أخوات فاطمة منه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يأتي الرافعي فيتقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيشركهن مع فاطمة في هذه المنزلة الخاصة.

وكأنه أدرى ــ والعياذ بالله ــ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناته ومن منهن كانت بهذه المنزلة من النبوة والرسالة، فكانت بضعة منه يرضيه ما يرضيها ويسخطه ما يسخطها.

أو لعل الرافعي أطلع الغيب فأخبر بما لم يخبر به الوحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان منزلة بناته فسكت ــ والعياذ بالله ــ عن بيان منزلتهن من النبوة وما لهن من الشأن عند الله تعالى.

ولكن: نود هنا أن ننقل للرافعي ومن يعتقد بقوله، ما قاله المناوي نقلاً عن العلقمي فقال:

(إن فاطمة هي أفضل الصحابة حتى من الشيخين)، فعقب عليه المناوي قائلاً: (وإطلاقه مرضي)[2].

وأقول: أنى للشيخين والصحابة ما نزل به الوحي في آية التطهير فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[3].

وفاطمة مشكاة الآية. وأنى لهم بالمباهلة بفاطمة وبعلها وولديها فقال سبحانه: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[4].

وأنى لهم بالمودة لفاطمة بعلها وولديها وقد أوجب الله حبهم على الخلائق فقال: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[5].

وهل يتقبل الله صلاة الشيخين وجميع الصحابة من المهاجرين والأنصار وجميع المسلمين بدون الصلاة على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها.

{...فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}[6]، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}[7].

باء: واما قوله: (وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم قال في حق زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة: «هي أفضل بناتي أُصيبت فيّ»).

فهذا القول غير صحيح ولا يصمد أمام كثير من الأدلة التي تنفي صدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كالآتي:

1. إن هذا الحديث هو من الآحاد وقد نص على كونه كذلك الضحاك في الآحاد والمثاني[8].

2. إن طريقة التدليس التي اتبعها الرافعي في هذا الحديث لا يمكن لها أن تغني عن الحق شيئاً بل بها يفتضح أمر المدلس فضلاً عن الخيانة العلمية والأخلاقية.

فهذا الحديث الذي يستدل به الرافعي والذي أخرجه الطحاوي والحاكم هو نفسه يرد هذا الافتراء في كون زينب أفضل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الا ان الرافعي دلس فيه فذكر صدر الحديث وترك عجزه الذي ينص على تكذيب هذا القول فضلاً عن أن التحديث به يعد انتقاصاً لحق فاطمة عليها السلام كما يصرح بذلك الحاكم والطحاوي والدولابي واللفظ للحاكم فيقول:

فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام، أي: ان زينب أفضل بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق إلى عروة فقال: «ما حديث بلغني عنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة؟».

فقال: (والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب، وإني أنتقص فاطمة حقاً هو لها، وأما بعد فلك أن لا أحدث به أبداً).

قال عروة: (وإنما كان هذا قبل نزول آية: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ...}[9].

والعجيب من الرافعي أن يتجرأ فينتقص حقاً لفاطمة عليها السلام على الرغم من قراءته لهذا الحديث وعلمه ببطلان الاعتقاد بأن زينب أفضل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا الغرض كان مجيء الإمام زين العابدين لعروة وتذكيره بأن التحديث بهذا الحديث بين الناس وشياعه، أي: انها مع أخواتها رقية وأم كلثوم بنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعد انتقاصاً لحق فاطمة في كونها واحدة أبيها.

ولذلك نجد عروة بن الزبير يقول في نهاية الحديث: «وإنما كان هذا قبل نزول آية: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ...}.

بمعنى: أن جعلها بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان قبل نزول الآية ولكن بعد نزولها فيلزم أن تدعى زينب لأبيها الحقيقي لا أن تحسب بنتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يتستر على ذاك ويُحدّث به الناس[10].

جيم. فضلاً عن ذلك فقد رد الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا القول الذي أطلقه الرافعي حينما استند إلى هذا الحديث فقال: «أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدماً ثم وهب الله لفاطمة عليها السلام من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقاً»[11].

ــــــــــــــ
[1] فتح الباري لابن حجر: ج7، ص84.
[2] فيض القدير للمناوي: ج3، ص107.
[3] سورة الأحزاب، الآية: 33.
[4] سورة آل عمران، الآية: 61.
[5] سورة الشورى، الآية: 23.
[6] سورة فاطر، الآية: 3.
[7] سورة هود، الآية: 28.
[8] الآحاد والمثاني للضحاك: ج5، ص375.
[9] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج2، ص201، قصة هجرة زينب، مشكل الآثار للطحاوي: ج1، ص134، باب: 23. فتح الباري لابن حجر: ج7، ص82. الآحاد والمثاني: ج5، ص373.
[10] لمزيد من الاطلاع على هذه الحقيقة، ينظر كتاب خديجة بنت خويلد أمة جمعت في امرأة فقد تم تخصيص الجزء الأول من الكتاب حول حقيقة بنات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
[11] فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر: ج7، ص82.

هل كتب الشمر لعنه الله كتاب أمان للعباس وإخوته صلوات الله وسلامه عليهم أم الكاتب شخص آخر؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

لقد أراد البعض عمدا أو جهلا ان يجعل لشمر بن ذي الجوشن لعنه الله فضلا على أولاد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها، فزعموا أن الشمر لعنه الله أتى لهم بكتاب أمان لكل من العباس بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وأخوته الثلاثة، صادر من عبيد الله بن مرجانة لعنه الله، فيما إذا تخلوا عن نصرة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وزعموا ان اللعين جاء يوم العاشر أو قبله: (حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو أختنا فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي فقالوا له: مالك؟ وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون قال له الفتية لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له)[1] والراوي لهذا النص أراد أن يزوّر اعترافا على لسان أولاد السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها بأن الشمر اللعين خالهم وذو رحم ماسة بهم.

وقال ابن كثير: (فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس وعبد الله، وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك)[2].

وحينما رجعنا إلى نسب السيدة الطاهرة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها وجدنا بأنها لا تشترك نسبيا مع الشمر لعنه الله إلا في الأب السابع وهو (كلاب)، فنسب السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها هو الآتي: (فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن)[3].

وقال الشيخ التستري قدس الله روحه: (ففي نسب قريش مصعب الزبيري: أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة)[4].

أما والد الشمر لعنه الله فهو كما: (قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي اسمه شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة)[5].

أو: (ذو الجوشن... واسمه أوس بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب يعني ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة وولد عمرو بن معاوية يقال لهم الضباب لأن أحد عمرو بن معاوية يقال له ضب فنسبوا إلى ذلك)[6].

فكل من السيدة أم البنين صلوات الله وسلامه عليها والشمر بن ذي الجوشن من حيين مختلفين من كلاب، ومثلهما مثل بني هاشم وبني أمية فهما وان كانا يرجعان إلى عبد مناف إلا أنهما حيان منفصلان نسبا وتاريخا وموقفا، وان محاولة جعل الشمر خالا للعباس واخوته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين نظير جعل معاوية بن أبي سفيان لعنه الله عما أو خالا للحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهما.

والحقيقة ان الذي طلب كتاب الأمان من عبيد الله بن زياد لعنه الله شخص آخر غير الشمر بن ذي الجوشن، وهو المذكور في رواية ابن كثير بالقول: (فاستأمن عبيد الله بن أبي المحل لبني عمته أم البنين بنت حزام من علي: وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كرمان، فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية. فلا نريده، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية)[7].

ـــــــــــــــ
[1] تاريخ الطبري ج 4 ص 315
[2] البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 190.
[3] عمدة الطالب لابن عنبة ص 356.
[4] قاموس الرجال للشيخ محمد تقي التستري ج 12 ص 195.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 6 ص 46.
[6] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج23 ص189.
[7] البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 190.

حرموا علينا ان نقول علي صلوات الله وسلامه عليه وصلوا على أبي بكر وعمر وعلى الجواري

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

من الغريب ان نرى المخالفين والمانعين من صلاة الشيعة الإمامية أعزهم الله على أئمتهم، وبعد ان وصفوهم كما عرفنا فيما سبق بأهل الأهواء واهل البدع، وألزموا على أتباعهم مخالفتهم، نراهم في كثير من كتبهم يصلون على أبي بكر وعمر ابن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر، وفيما يأتي جملة من تلك الموارد:

فمنها ما في كنز العمال قال: (من أهل حمص ذي ظليم الالهاني قدم على أبي بكر وقد كان النبي نعته له فعرف أبو بكر صلى الله عليه وسلم...)[1].

وقال الضحاك: (حدثنا محمد بن المثنى نا مسلم بن إبراهيم نا أشعث بن جابر عن الحسن قال ولي أبو بكر صلى الله عليه عشرين شهرا)[2].

قال الثعلبي في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[3]: (أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[4].

وقال محمد بن سعد: (أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب أسلم يوم فتح مكة ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[5].

وقال المزي: (العلاء بن عرار الخارفي الكوفي. روى عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب صلى الله عليه)[6].

وقال المزي أيضا: (وقال الحسين بن محمد بن فهم: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده حسن الجواري. قال: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها. فقلت يا أبا زكريا مثلك يقول هذا ؟ قال: نعم. صلى الله عليها وعلى كل مليح)[7].

فسبحان الله العظيم! كيف يمنعون الصلاة على علي وبقية أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع ان الرواية صريحة في دخولهم ضمن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصلون على الجواري وعلى كل مليح!!!.

ــــــــــــــ
[1] كنز العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 330 ــ 331.
[2] الآحاد والمثاني للضحاك ج 1 ص 85.
[3] الجاثية الآية رقم 14.
[4] تفسير الثعلبي ج 8 ص 359.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 5 ص 450 ــ 451.
[6] تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 528.
[7] تهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 561.

مناقشة ابن القيم في أفضلية عائشة على فاطمة عليها السلام وبيان فساد منهجه في التفضيل

بقلم: السيد نبيل الحسني

قال ابن القيم: (إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وان أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها)[1].

أقول: إن هذا التفريع في الواقع لا يقدم للقارئ شيئاً يعتد به، سوى الخروج بنتيجة يميل إليها الرافعي ويعتقد بها وهو ان عائشة أفضل من فاطمة صلوات الله وسلامه عليها معتمداً في ذاك على المراوغة والتضليل وهو يعلم علم اليقين ان لا فضيلة لامرأة في الأمة على فاطمة صلوات الله وسلامه عليها؛ فقد ثبت في القرآن والسنة ان فاطمة أفضل وأخير وأسيد نساء العالمين.

أما قوله: (إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه.... الخ) ــ ظناً منه ــ انه استطاع ان ينسب الفضل لعائشة على نساء الأمة فأضغاث أحلام لا تصمد أمام الأدلة الآتية:

ألف: قوله: «ان أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه أحد» فهو كذب وذلك:

1. إنّ التفضيل المستند إلى كثرة الثواب قد اطلع عليه الوحي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيانه لمناقب المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأنبياء والأولياء. كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي بن أبي طالب عليه السلام:

«لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله عليه».

وغيرها من الأحاديث الكاشفة عن منزلة بعض المهاجرين والأنصار.

2. إذا كان المناط عند ابن القيم في التفضيل بين عائشة وفاطمة صلوات الله عليها كثرة الثواب وهو أمر لا يطلع عليه أحد، فهذا جارٍ كذاك في جميع الصحابة من السابقين الأولين والمهاجرين والأنصار وأصحاب بدر وأحد وحنين وأصحاب بيعة الرضوان وغيرها.

فضلاً عن انه يكون قد رد على قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ...}[2].

فهذه المقامات التي يؤمن بها السلف والخلف كلها بحسب قاعدة ابن القيم لا أساس لها ولا فضل لمهاجري أو أنصاري أو بدري وذلك ــ وبحسب منهاج ابن القيم ــ ان الثواب لا يطلع عليه أحد؛ وان عمل هؤلاء غير مجزٍ لأنه عمل صدر عن الجوارح فهم لا يجازون عليه وإنما سيجازون على عمل القلوب!! فهذا بحسب منهج ابن القيم في التفضيل بين أصحاب الفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

باء. قوله: (وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة).

أقول: إن نظرة ولو سريعة إلى سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولاسيما المرحلة المدنية أي من السنة الأولى للهجرة إلى السنة الحادية عشرة ليدرك الناظر ان المدّة الزمنية التي  عاشتها عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي قصيرة جداً فيما لو أرجعنا الأمر إلى الأعداد وحساب الأيام التي كانت لها من بين تسع نساء لاسيما في السنوات الأخيرة.

بمعنى: لو أردنا أن نحسب عدد الأيام التي كانت لها من بين تسع أزواج لكان نصيبها يوماً واحداً من كل تسعة أيام فيكون لها ثلاثة أيام في الشهر وبضع ساعات ولو ضربناها في اثني عشر شهراً لكان نصيبها في السنة ستة وثلاثين يوماً، وهذا فضلاً عن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسفر أو للجهاد وانشغاله بالتهجد وشؤون الأمة والرعية ومواجهة المشركين والمنافقين وأهل الكتاب وغير ذلك.

ومن ثم من أين كان لها العلم وحالها في الحصول على الحديث النبوي كحال غيرها من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاسيما وان الإنسان يلقى زوجه في الليل وغالب الليل يخلد للراحة كي يستطيع ان يواصل عمله في النهار؛ فضلاً عن ذلك فقد عرف عنها انها كانت تتهم الصحابي أبا هريرة بالكذب على رسول الله وتحديث الناس بأحاديث لم يسمعها منه أزواجه لاسيما هي فقالت له:

(إنك لتحدث بشيء ما سمعته؟! فقال: يا أمه طلبتها وشغلك عنها المكحلة والمرآة، فقالت: لعله)[3].

إذن: قد فات عن عائشة كثير من الأحاديث التي شغلتها عن طلبها المكحلة والمرآة؛ ومن ثم فان قول ابن القيم في كثرة علمها تدفعه مكحلة عائشة ومرآتها؛ فضلاً عن ذلك فقد شغلتها أمور كثيرة أخرى غير المرآة والمكحلة كاللعب بالبنات، أي: العرائس التي تتخذها البنات غرضاً للعب فيما بينها.

ولعل ابن القيم وغيره ممن يرى الفضل لعائشة على نساء الأمة في علمها هو لكثرة لعبها بالدمى إلى وقت قريب من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ريب ان هذه الحالة السلوكية التي كانت ترافقها هي مما جبل عليه الإنسان وذلك لاحتياجه السايكولوجي إلى اللعب لاسيما وأن روايات أهل السنة والجماعة تقول: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبها في سبع سنوات وتزوج بها في تسع ومن ثم ان احتياجها للعب بالدمى هو حالة سلوكية فطرية يحركها الدافع النفسي لسد فراغ الطفولة؛ ولذا نجدها تحدثنا عن هذه الأفعال الطفولية فتقول:

1. (كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل يتقمَّعْن منه، فيُسرِّ بُهُنّ إليّ فيلعبْنَ معي)[4].

2. وفي حديث آخر أخرجه الحافظ البغوي، عن عائشة انها قالت:

(رجع رسول الله من غزوة تبوك أو حنين ومعها بنات لُعب)[5].

ولا يخفى على القارئ الكريم أن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة أي قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين.

3. وجاء في السيرة الحلبية، عنها انها قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك أو حنين فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما هذا يا عائشة؟!».

قلت: بناتي! ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع، قال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟!».

قلت: فرس، قال: «ما هذا الذي عليه؟!».

قلت: جناحان، قال: جناحان!!

قلت: أما سمعت إن لسليمان خيلاً لها أجنحة.

فضحك صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه)[6].

ولم يقتصر الأمر على لعب عائشة بالدمى إلى حد قريب من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كانت تتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسلوب يكشف عن طبيعة هذه المرحلة العمرية التي يحتاج فيها الإنسان إلى التقويم لا ان يكون هو مقوماً لغيره أو ان يوصف بالعلم، وأي علم هذا الذي كان يدفع عائشة إلى أن تضع رجلها في موضع سجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بين يدي ربه يصلي كلما يريد أن يسجد.

أو انها تقوم بضرب يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يتناول صحناً فيه طعام بعثت به أم سلمة فتقوم بكسر الإناء، ولا يخفى ما لهذه الأفعال من أذى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}[7].

وإليك أيها القارئ الكريم هذه النصوص التي تكشف عن طبيعة (العلم) الذي كانت تحمله عائشة ففضلت به على نساء الأمة كما يعتقد ابن القيم الذي أراد توجيه المسلمين إلى هذه العقيدة ولنضِفْها إلى ما مرّ ذكره سابقاً في الفقرة ألف وباء:

جيم: روى البخاري، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم انها قالت:

«كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فلما قام بسطتهما»[8].

قالت: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)[9].

ولاشك ان الجملة الأخيرة هي دسيسة في الرواية، بدليل عدم احتياج الحديث إلى لفظ (قالت) مجدداً لاسيما وان أحداً لم يقطع عليها حديثها أو لم تأتي بجملة اعتراضية كي يحتاج الراوي إلى بيان كلامها إلا أن الرواة حينما وجدوا أن هذا الفعل يشان به صاحبه ولا يليق بمحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوردوها تقولا على عائشة بلفظ: «قالت: والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح».

ولقد التفت السندي في حاشيته على سنن النسائي فقال: (قوله: والبيوت يومئذ الخ.. اعتذار عنها بأنها ما كانت تدري وقت سجوده لعدم المصباح، وإلا لما احتاج صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغمز).

أقول: على الرغم من أن السندي التفت إلى أن هذه العبارة هي دخيلة على الرواية وانها من تقولات البخاري أو شيوخه الا أنه رجع إلى منهج التضليل كغيره معلّلاً هذا الفعل بعدم وجود المصباح مستنداً باحتياج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغمز رجل عائشة.
في حين أن احتياج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غمز رجل عائشة لأنها لم تكف عن وضع رجلها في موضع سجوده فاضطر صلى الله عليه وآله وسلم إلى دفع رجلها كي يستطيع أن يسجد في صلاته.

وأما قوله لعدم وجود المصباح في البيوت يومئذ، فهو كذب بدليل:

1. لو لم يكن هناك مصباح في البيت لما تمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يبصر موضع سجوده ولما شاهد عائشة تضع رجلها في موضع سجوده، بل لو لم يكن هناك مصباح لما استطاعت عائشة أن تضع رجلها في موضع سجوده تحديداً ولوضعتها في موضع آخر لكنها كانت تبصر موضع سجوده فتضع رجلها فيه ولذا نجدها تعاود الفعل في نفس الموضع، بمعنى لو لم يكن هناك مصباح لما علمت ان النبي رفع رأسه من السجود لتعود مرة أخرى لوضع رجلها فيه.

2. ما يدل على وجود المصابيح في البيوت ما أخرجه الترمذي في السنن، عن جابر قال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«أغلقوا الباب، وأوكئوا السقاء[10]، واكفئوا الإناء[11]، أو خمروا الإناء[12]، واطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف آنية، فإن الفويسقة[13] تضرم على الناس بيتهم»[14].

3. روى الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان رجل يطوف بالبيت وهو يقول في دعائه أوه أوه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنه لأواه».

قال أبو ذر:فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه المصباح[15].

والحديثان يدلان على أن المصابيح كانت آنذاك موجودة ومستخدمة في البيوت وان ادعاء البخاري أو شيوخه بعدم وجودها في البيوت آنذاك لا يحمل أي وجه من الصدق.

فضلاً عن هذا التصرف المشين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي لا يكشف الا عن علم خاص بعائشة لا يعلمه الا ابن القيم وأشياعه فان هناك أفعالاً أخرى كانت تقوم بها عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا نعلم كيف فضلت بعلمها على نساء الأمة.

دال: روى النسائي عن عائشة قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته فسألت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن كفارته فقال: «إناء كإناء وطعام كطعام»[16].

هاء: عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام فضربت يد الرسول!! فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: «غارت أمكم كلوا فأكلوا».

فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وترك المسكورة في بيت التي كسرتها)[17].

ولعل هذه الرواية رواها أنس بن مالك والتي لم يشأ أن يصرح فيها عن هوية المرأة التي ضربت يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتسببت بألمه وكسر قصعة زوجته؛ هي عائشة لكنه غفل عن ان عائشة ستحدث هي بنفسها عن هذه الأفعال التي كانت تقوم بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي تكشف عن حجم علمها الذي فضلت به على نساء الأمة!!

ويكفيك أيها القارئ الكريم من علمها هذا ما روته عن فعلها مع حفصة ونزول الوحي في آية من الذكر الحكيم تظهر حقيقة ما توصلت إليه عائشة من علوم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي رجحت به عند ابن القيم على نساء الأمة فتقول:

«إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فتواصيت انا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير ــ أي رائحة كريهة في فمك ــ أكلت مغافير.

فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}[18].

فهذا العلم الذي كانت به عائشة قد فضلت على نساء الأمة والذي به رجحت عند ابن القيم وابن تيمية الذي توقف بين خديجة (صلوات الله وسلامه عليها وبين عائشة).

على الرغم من ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاش مع خديجة خمساً وعشرين سنة الا انه لم ير منها قط انها خالفت له امراً أو أدخلت عليه أذى أو تخالفت وتواطأت مع غيرها كما ينص البخاري على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينزل به قرآن يهددهما بأن لو لم تتوبا فان الله هو وجبرائيل وصالح المؤمنين ناصرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لكننا هنا نورد ما وفقنا الله إليه في أن خديجة فاقت مريم بنت عمران في مواضع عديدة.

ــــــــــــــــ
[1] فتح الباري لابن حجر: ج7، ص85؛ تحفة الأحوذي للمباركفوري: ج10، ص265.
[2] سورة الفتح، الآية: 29.
[3] أخرجه الحاكم في المستدرك: ج3، ص509. الاصابة لابن حجر: ج7، ص440. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج2، ص604.
[4] صحيح البخاري كتاب الآداب، باب: الإنبساط إلى الناس: ج7، ص102. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب13، باب في فضل عائشة حديث 81؛ مصابيح السنة للبغوي، كتاب النكاح: باب 10، عشرة النساء حديث 2420. فتح الباري لابن حجر: ج10، ص437.
[5] مصابيح السنة للبغوي، كتاب النكاح، باب: عشرة النساء، حديث 2442، ج2، ص452.
[6] السيرة الحلبية: ج2، ص341.
[7] سورة الأحزاب، الآية: 75.
[8] صحيح البخاري، باب: ما يذكر في الفخذ: ج1، ص101.
[9] المصدر السابق.
[10] أي سد فم السقاء.
[11] أي قلب الإناء.
[12] أي تغطيته بقطعة من القماش.
[13] أي الفأرة.
[14] سنن الترمذي: ج33، ص171. باب: ما جاء في استحباب التمر.
[15] مستدرك الحاكم: ج1، ص368.
[16] سنن النسائي: ج7، ص71. وصححه الألباني في صحيح الجامع وزيادته: ج2، ص13، برقم 1462 من كتاب المظالم.
[17] السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص286. مسند أحمد: ج3، ص263؛ من مسند أنس بن مالك. صحيح البخاري: ج3، ص108، من كتاب المظالم.
[18] سورة التحريم، الآية 1 و4.

شبهة ورد حول وصية معاوية بن أبي سفيان إلى ولده يزيد

بقلم: الشيخ حسن الشمري

«: يا بني: إنّي قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كلّ يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيّرت أخلاقهم، وإنّي لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما ابن عمر فإنّه رجل قد وقذته العبادة، فإذا لم يبق واحد غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فهو رجل (خفيف) ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً، وقرابة من محمد، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إرباً إرباً، واحقن دماء قومك ما استطعت»[1].

أولاً


هذه الرسالة يبدو عليها آثار الوضع، وهي كذلك ففيها ما يبيّض وجه معاوية بن أبي سفيان الأسود، حيث تنعته بالرحمة والرأفة، وصلة الرحم بالإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وهو بالأمس قتل سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن بن علي عليه السلام، وتآمر على قتل أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قتل من أهل البيت عليهم السلام الكثير، ومن الصحابة ما لا يحصى.

ثانياً


وكيف يرقّ معاوية ويرحم وقد ولّى يزيد العهر والجريمة والمجون، ومعاوية يعلم بنوايا يزيد وسلوكه المتهتّك، وهو القائل: «لولا هواي في يزيد لأبصرت فيه رشدي»[2].

فإذن كيف يترقّب من ولده العاهر الرحم الماسّة، والحق العظيم لأبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ويحزّ في نفسي أنّ بعض خطباء المنبر الحسيني يورد هذه الوصية، وهذا خطأ فاحش، فمعاوية تواطأ مع يزيد في القضاء على المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام حتى لو لم يخرج على يزيد، وسوف نثبت ذلك.

ثالثاً


إنّ في الوصية مغالطات، فمعاوية ينبّه يزيد من عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد نصّ المؤرّخون أنه توفي في حياة معاوية[3].

رابعاً


لم يكن معاوية يرقب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاً ولا ذمّة ولو راعى ذلك لوفَّى بعهده، وطبّق الشروط التي تحفظ ذمة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ولده الإمام الحسن عليه السلام فقد اشترط مع الإمام الحسن عليه السلام إرجاع الخلافة إلى أصحابها الحقيقيين، وهم أهل البيت عليهم السلام، لأنّ من الشروط إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام[4].

خامساً


 وكيف ترقب من إنسان إلاً وذمة، وهو قد قتل الآلاف من الأبرياء في سبيل الحكم، وكان مستعداً لقتل الملايين، إنه معاوية بن أبي سفيان الذي بلغ حبّ السلطة عنده ما لم يبلغ عند أحد من حكام الجور، فمن الطبيعي أن يرى ولده يزيد وهو متسلّط على رقاب الأمة يسومهما الخسف، ويلبسها الذلّة والصغار.

سادساً


لو كان معاوية يوصي بالإمام الحسين عليه السلام خيراً لما أقدم يزيد على أخذ البيعة من الإمام عليه السلام حتى لو كلفته حياته، وهذا ما أفصح عنه «: مروان بن الحكم»[5].

سابعاً


ثم أين الرأفة والرحم؟ ومعاوية يلهج، وعلى رؤوس الأشهاد: «: وهذا ابن أبي كبشة يصاح به في اليوم خمس مرات، لا والله إلا دفناً، لا والله إلا دفناً دفناً»[6].

فهذه الرسالة لا تصحّ، ولا يمكن نسبتها إلى معاوية بن أبي سفيان، وأرجو من الكتّاب والخطباء ملاحظة ذلك.

ـــــــــــــــــ
[1] الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج4/ص6. البداية والنهاية: ابن كثير، ج8/ص123. تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون، ج3/ص18.
[2] الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي، ج3/ص50. حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص197.
[3] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص238.
[4] صلح الإمام الحسن عليه السلام: الشيخ آل ياسين.
[5] الطبري: أحداث البيعة.
[6] بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج33/ص170. النصائح الكافية لمن يتولى معاوية: محمد بن عقيل، ص124.

مناقشة وتكذيب حديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)

يقلم: الشيخ وسام البلداوي
 

الكيل بمكيالين في التعامل مع موضوع الفضائل


من يقيس تعامل محدثي أهل السنة مع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفضائلهم من جهة، ومع باقي الصحابة وبالخصوص الثلاثة منهم وعائشة من جهة أخرى، يرى العجب العجاب، فحينما يتعاملون مع فضائل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يتعصبون في تطبيق قواعد الجرح والتعديل ويتزمتون في التقييم، حتى يصل بهم الحال إلى استعمال الكذب والتدليس واتباع الهوى والعصبية كما مر علينا في الفصل السابق كل ذلك في سبيل ردها ودحضها، لكنهم يبدون في غاية التسامح والتساهل حينما يتعلق الأمر في الصحابة الثلاثة وعائشة ومن هم بمستواهم من الأهمية عندهم.

وحينما يتعاملون مع أشخاص أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفضائلهم فإنهم يحاولون الوقوف وقفة رجل واحد في تسفيهها تارة وتحريف معانيها ومداليلها تارة ثانية، أو المجيء بما يناقضها تارة ثالثة، أو قلب مفرداتها ونسبتها إلى صحابة آخرين، أو غير ذلك مما فصلناه وذكرناه في الفصل السابق، لكنهم وحينما يتعلق الأمر بفضائل غيرهم، يقفون وقفة رجل واحد محاولين بجهدهم وغاية طاقتهم تصحيحها وإيجاد شواهد لها ومتابعات وتأويل ما فيها من تضارب وتناقض بوجوه تخفف وتحسن ما فيها من الاختلاف والتهافت، بل وإيجاد مخارج ووجوه حكمة حتى للأحاديث المكذوبة منها.

مثال لتناقض مواقفهم تجاه فضائل أهل البيت وغيرهم


 فمن باب المثال انظر بعين الإنصاف إلى قول المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير) عند حديثه عن رواية (عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة)، قال المناوي: (أي يزهو ويضيء لأهلها كما يضيء السراج لأهل الدنيا وأنهم ينتفعون بهديه فيها كما ينتفع أهل الدنيا بضوء المصباح لما سبق أن العلماء يحتاج الناس إليهم في الجنة... قال الهيثمي: فيه عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمر الغفاري وهو ضعيف...ثم قال: غريب من حديث مالك تفرد به عنه الواقدي)[1].

 فانظر كيف ان المناوي مع اعترافه بضعف هذا الحديث وكذبه شرحه بما لا مزيد عليه واوجد له وجهاً يحببه إلى النفوس والأسماع، بينما رأينا كيف تعاملوا مع حديث الطائر المشوي أو حديث الثقلين وكيف القوا عليهما شبهات لا تخطر على قلب بشر، وكيف كرهوا القارئ والسامع فيهما وفي مضامينهما.

والحاصل أنّ تعداد الفرق بين موقفهم من فضائل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبين موقفهم من فضائل غيرهم، مما يطول شرحه، وتكثر شواهده، فتبقى الإشارة إليه أبلغ، والاختصار أوفق، وقد سقنا في هذا الفصل عدة شواهد على هذه الحقيقة، واكتفينا ببعض فضائل أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، إنموذجاً لهذه الازدواجية في التقييم، والتناقض في الموقف، وعليها فليقس القارئ الكريم ما عداها.

من الراوي لحديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)


روي هذا الحديث في مصادر أهل السنة بسندين أحدهما ينتهي سنده إلى عمر بن الخطاب، والآخر ينتهي سنده إلى عبد الله بن عمر، فأما سند عمر فهو كما رواه إسحاق بن راهويه عن ابن المبارك قال حدثنا: (عبد الله بن شوذب، عن محمد ابن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هزيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم)[2] وهؤلاء كلهم ثقات عند أهل السنة فالحديث عندهم صحيح.

وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) حيث قال: (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ثنا أبو القاسم بن مسعدة أنا حمزة بن يوسف أنا أبو أحمد بن عدي ثنا محمد بن أحمد بن بخيت نا أحمد بن عبد الخالق الضبعي نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله «صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم» لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح)[3].

ولنا على حديث عمر بن الخطاب عدة ملاحظات منها:


1: ان حديث عمر ليس حديثا نبويا وإنما هو من أقوال عمر وآرائه الشخصية


والحديث الأول وان كان صحيح السند عندهم على حسب موازينهم في الجرح والتعديل، إلا انه موقوف على عمر، أي انه من كلام عمر بن الخطاب وليس من كلام النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اعترفوا بالإجماع بان حديث عمر الصحيح السند عندهم هو من قبيل الموقوف أي الذي لم يقله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو من آراء عمر بن الخطاب وأقواله، قال الفتني في (تذكرة الموضوعات): (في المقاصد «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر» عن عمر موقوفا بسند صحيح وعن ابن عمر مرفوعا بسند ضعيف)[4].

وقال العجلوني في (كشف الخفاء): (رواه إسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله)[5]وعبارة (من قوله) تصريح بان هذا الحديث ليس من الأحاديث النبوية بل هو من الأحاديث العمرية والآراء الشخصية.

2: ان حديث عمر وان صح سنده إلا انه لا قيمة علمية له ولا تثبت به فضيلة


لان إخباره برجحان إيمان أبي بكر على إيمان الناس هو إخبار عن المغيبات، والإخبار عن المغيبات لا يصح إلا أن يكون للمخبر اتصال بالغيب كالنبي والملك وأمثالهم، وعمر ليس كذلك قطعا.

وأما أن يكون الإخبار نقلا عمن له اتصال بالغيب كنقل المخبر عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر هنا لم يقل اخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله لما أخفاه عمر بن الخطاب، ولما خفي عن الصحابة ولتناقلته الرواة ولشاع وذاع أمره.

 إذن فإذا لم يكن لعمر اتصال بالغيب، ولم يأخذه عمن له اتصال بالغيب، فهذا يعني ان تقييم عمر لإيمان أبي بكر هو تقييم شخصي لا يرجع إلى جهة موثوقة لها اطلاع على الغيب، وهو من كيس عمر، وآرائه الشخصية التي لا إلزامية لها ولا حجة فيها على غير عمر بن الخطاب.

 3: ان في هذا الحديث منقصة وظلماً لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم


ان في قول عمر وتقييمه لإيمان أبي بكر، وانه لو وزن مع إيمان الناس لرجح، ظلماً وتعسفاً في حق أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أوضح الشيخ عبد الله الحسن في كتابه (المناظرات في الإمامة) هذه الحقيقة بقوله: (أما الحديث الذي يقول: لو وزن إيمان أمتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، فهو باطل وغير معقول، ولا يمكن أن يكون رجل قضى أربعين سنة من عمره يشرك بالله ويعبد الأصنام أرجح إيمانا من أمة محمد بأسرها، وفيها أولياء الله الصالحين والشهداء والأئمة الذين قضوا أعمارهم كلها جهادا في سبيل الله، ثم أين أبو بكر من هذا الحديث؟ لو كان صحيحا لما كان في آخر حياته يتمنى أن لا يكون بشرا. ولو كان إيمانه يفوق إيمان الأمة ما كانت سيدة النساء فاطمة بنت الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ، تغضب عليه وتدعو الله عليه في كل صلاة تصليها)[6].

4: لا تكفي صحة السند وحدها لقبول متن الحديث ومضمونه


الثابت عند أهل السنة بحسب قواعدهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها: ان الحديث الصحيح لا يؤخذ به مطلقا، فكثير من الأحاديث عندهم قد صحت أسانيدها إلا أنهم أعرضوا عنها ولم يقبلوها، لوجود علة في المتن مخالفة للقرآن أو غيره من الثوابت الإسلامية، قال ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح): (صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة)[7]، والعلة موجودة كما أوضحنا، فلا مجال لقبول حديث عمر وتقييمه حتى وان صح سنده.

5: هذا الحديث من ضمن الأحاديث المسروقة من أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه


ان حديث عمر بن الخطاب في حق أبي بكر هو من الأحاديث المقلوبة، قد منح له بعد أن كان لغيره، وفقا للسياسة التي بيناها في غير موضع من هذا الكتاب، والتي أسميناها بسياسة روى قلب الأحاديث من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى غيرهم، فقد روى كثير من كتب أهل السنة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (إن السماوات والأرض لو وضعتا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي).

قال ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق): (أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال أنا الشريف أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن الحسين بن طاهر بن يحيى الحسيني نا أبو عبد الله الكاتب النعماني نا أحمد بن محمد بن سعيد نا علي بن الحسن التيمي أنا جعفر بن محمد بن حكيم وجعفر بن أبي الصباح قالا نا إبراهيم بن عبد الحميد عن رقبة بن مصقلة العبدي عن أبيه عن جده قال أتى رجلان عمر بن الخطاب في ولايته يسألانه عن طلاق الأمة فقام معتمدا بشيء بينهما حتى أتى حلقة في المسجد وفيها رجل أصلع فوقف عليه فقال يا أصلع ما قولك في طلاق الأمة فرفع رأسه إليه ثم أومأ إليه بإصبعيه فقال عمر للرجلين تطليقتان فقال أحدهما سبحان الله جئنا لنسألك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه بأن أومأ إليك فقال أو تدريان من هذا قالا لا قال هذا علي بن أبي طالب أشهد على رسول الله (صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم) سمعته وهو يقول لو أن السماوات السبع وضعن في كفة ميزان ووضع إيمان علي في كفة ميزان لرجح بها إيمان علي)[8] وروى ابن عساكر حديثا آخر فيه الفضيلة نفسها لكن بسند آخر، وقد أخرج السيد المرعشي النجفي في (شرح إحقاق الحق) كثيراً ممن روى هذا الحديث في كتبهم ومصنفاتهم فراجع[9].

ولكن القوم كعادتهم طعنوا في كل ما يرفع من شأن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة محمد بن تسنيم الوراق: (محمد بن تسنيم الوراق. ما أعرف حاله، لكن روى حديثا باطلا رواه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن قاضي المرستان، عن الجوهري، عن الدارقطني، عن محمد بن القاسم المحاربي، حدثنا محمد بن تسنيم، حدثنا جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن رقبة بن مصقلة، عن عبد الله بن ضبيعة، عن أبيه، عن جده أن عمر بن الخطاب قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم يقول: إن السماوات والأرض لو وضعتا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي)[10].

أقول: ولا اعتقد إلا ان الذهبي قد كذب في زعمه عدم معرفته بـ(محمد بن تسنيم الوراق) لان محمد بن تسنيم هو من رجال ابن خزيمة الذين روى عنهم في صحيحه[11]، وكذلك هو من رجال الطبراني في معجمه[12]، وهو ممن ذكره ابن حبان في كتابه (الثقات) قائلا: (محمد بن تسنيم الحضرمي أبو الطاهر من أهل الكوفة يروي عن أبي نعيم وعبيد الله روى عنه يعقوب بن سفيان وأهل الكوفة)[13]، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب): (محمد بن تسنيم الحضرمي أبو الطاهر الوراق الكوفي صدوق من الحادية عشرة)[14]، فكيف يعقل بعد كل هذا أن لا يدري الذهبي حال محمد بن تسنيم؟! لكنها العصبية وعدم الإنصاف الذي ليس له دواء.

وأما حديث ابن عمر فيرد عليه عدة ملاحظات منها


وحديث ابن عمر الذي أخرجه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) حيث قال: (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ثنا أبو القاسم بن مسعدة أنا حمزة بن يوسف أنا أبو أحمد بن عدي ثنا محمد بن أحمد بن بخيت نا أحمد بن عبد الخالق الضبعي نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله «صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم» لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح)[15] يرد عليه اغلب ما ورد على حديث أبيه عمر بن الخطاب فلا نعيد، ويرد عليه إضافة إلى ذلك عدة أمور منها:

1: في احد طرقه عبد الله بن عبد العزيز وهو كذاب وأحاديثه عن أبيه لا يتابع عليها


لحديث ابن عمر طريقان في أحدهما (عبد الله بن عبد العزيز) المطعون في وثاقته وصدقه، وحديثه عن أبيه منكر، كما قال ابن عدي في (الكامل): (عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد يحدث عن أبيه عن نافع عن ابن عمر بأحاديث لا يتابعه أحد عليه ثنا محمد بن أحمد بن بخيت ثنا أحمد بن عبد الخالق الضبعي ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح... قال الشيخ: وعبد الله بن عبد العزيز له غير ما ذكرت أحاديث لم يتابعه أحد عليه ولم أر للمتقدمين فيه كلاما والمتقدمون قد تكلموا فيمن هو أصدق من عبد الله بن عبد العزيز وإنما ذكرته لما شرطت في أول كتابي هذا)[16] وهذا كما لا يخفى إقرار بنكارة حديث ابن عمر وعدم اعتباره.

ولكن كيف سوغ لنفسه (الشيخ) الذي ادعى بان عبد الله بن عبد العزيز لم يأتِ في حقه كلام من المتقدمين، وقد نقل ابن حجر في (لسان الميزان) قدح عدة من أعلامهم القدماء فيه حيث قال: («عبد الله» بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، قال أبو حاتم وغيره أحاديثه منكرة، وقال ابن الجنيد لا يساوي شيئا، وقال ابن عدي روى أحاديث عن أبيه لا يتابع عليها، «حدثنا» محمد بن أحمد بن عبد الخالق الضبعي ثنا عبد الله بن عبد العزيز حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح انتهى، وبقية كلام ابن الجنيد يحدث بأحاديث كذب وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يعتبر حديثه إذا روى عن غير أبيه وفي روايته عن إبراهيم بن طهمان مناكير، وقال العقيلي له أحاديث مناكير ليس ممن يقيم الحديث)[17].

2: في الطريق الثاني عيسى بن عبد الله ضعيف يسرق الحديث


وهذا الطريق رواه ابن عدي في (الكامل) فقال: (حدثنا زيد بن عبد العزيز ابن حبان قال: ثنا عيسى بن عبد الله بن سليمان القرشي قال: ثنا رواه بن الجراح قال: ثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم: لو وضع إيمان أبي بكر على إيمان هذه الأمة لرجح بها)[18].

وهو ضعيف يسرق الحديث قال ابن عدي في المصدر نفسه: (عيسى بن عبد الله بن سليمان القرشي العسقلاني ضعيف يسرق الحديث)[19].

3: حديث ابن عمر مضطرب الإسناد كما في علل الدارقطني


قال الدارقطني في (علل الدارقطني): (وسئل عن حديث هزيل بن شرحبيل عن عمر لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم فقال يرويه عبد الله ابن شوذب واختلف عنه فرواه ابن المبارك وأيوب بن سويد الرملي عن ابن شؤذب عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن هزيل بن شرحبيل عن عمر وخالفهم رواد بن الجراح فرواه عن ابن شؤذب عن محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن هزيل عن عمر وخالفهم ضمرة بن ربيعة رواه عن ابن شؤذب عن بن جحادة عن سلمة عن عمرو بن شرحبيل ولم يقل عن هزيل ووهم وأصحها قول ابن المبارك ومن تابعه)[20].
أقول: قوله (وأصحها قول ابن المبارك) إشارة منه إلى حديث عمر بن الخطاب الذي أثبتنا انه موقوف ومن آرائه الشخصية، وانه ليس من قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. فالحديث بكلا سنديه ضعيف لا يعتد به، ولا تصح نسبته بجميع طرقه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

ــــــــــــــــــــ
[1] فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي  ج 4 ص 474.

[2] مسند ابن راهويه: ج3، ص671.

[3] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 30 ص 126.

[4] تذكرة الموضوعات للفتني ص93.

[5] كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص.165

[6] المناظرات في الإمامة للشيخ عبد الله الحسن ص 572 ــ 573.

[7] النكت على ابن الصلاح لابن حجر ج1 ص404.

[8] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر  ج 42 ص 340 ــ 341.

[9] شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج 5 ص 614.

[10] ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 494.

[11] راجع صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 216.

[12] راجع مثلا المعجم الكبير للطبراني  ج 4 ص 211.

[13] الثقات لابن حبان ج 9 ص 96.

[14] تقريب التهذيب لابن حجر ج 2 ص 66.

[15] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 30 ص 126.

[16] الكامل لعبد الله بن عدي ج 4 ص 201.

[17] لسان الميزان لابن حجر ج 3 ص 310.

[18] الكامل لعبد الله بن عدي ج 5 ص 259 ــ 260.

[19] المصدر نفسه ص258.

[20] علل الدارقطني ج2 ص223 ــ 224.

عدم ذكر البخاري لحديث الثقلين هل يدل على ضعفه

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

لقد حاول ابن تيمية وغيره من مقلديه وأتباعه إثارة الشبهات أمام حديث الثقلين وواحدة من تلك الشبهات التي حاول ابن تيمية التأكيد عليها هي عدم إخراج البخاري حديث الثقلين في كتابه المعروف باسم (صحيح البخاري) بضميمة ان حديث الثقلين لو كان صحيحا للزم على البخاري ذكره في صحيحه.

وقد أشار ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة النبوية) بقوله: (والذي رواه مسلم انه بغدير خم قال إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا وهذا مما انفرد به مسلم ولم يروه البخاري... وقد طعن غير واحد من الحفاظ في هذه الزيادة وقال إنها ليست من الحديث...)(1).

أقول: تكاد تجتمع كلمة علماء أهل السنة ومحققيهم على ان الحديث الصحيح لا يشترط وجوده في كتابي مسلم والبخاري، وان عدم ذكر البخاري ومسلم أو احدهما حديثاً ما لا يدل يقينا على ضعف ذلك الحديث، وذلك للأسباب التالية:

* أن البخاري اقتصر على الأحاديث التي وصفها هو بأنها صحيحة، وترك المائتي ألف حديث الأخرى، ولم يكتف بذلك حتى اقتصر على بعض ذلك الصحيح وترك بقيته، وقد نقل الذهبي في (سير أعلام النبلاء) عن البخاري قوله: (لم أخرج في الكتاب إلا صحيحا. قال: وما تركت من الصحيح أكثر)(2).

* لان البخاري كما ذكر في محله صرح بأنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح ولكنه لم يذكر منها إلا أربعة آلاف أو أكثر بقليل مع المكرر أما من دون المكررات فعددها لا يتجاوز الثلاثة آلاف حديث أو اقل، وهذا يعني انه ترك ذكر ما يقارب ثلاثة وتسعين ألف حديث اعترف نفسه بصحتها.

* وقد صرح الحاكم النيسابوري في مستدركه ان الحديث الصحيح لا ينحصر وجوده في صحيح البخاري بل ولا في الصحيحين جميعا فقال في مقدمته: (... أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري...صنفا في صحيح الأخبار كتابين مهذبين انتشر ذكرهما في الأقطار، ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه)(3).

* وقال النووي في (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث): (أول مصنف في الصحيح المجرد، صحيح البخاري، ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن، والبخاري أصحهما وأكثرهما فوائد، وقيل مسلم أصح، والصواب الأول، واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان، ولم يستوعبا الصحيح ولا التزماه، قيل لم يفتهما منه إلا قليل وأنكر هذا...)(4).

* بل صرح النووي نقلا عن الشيخ تقي الدين ان الحديث الذي يرويه احدهما ــ البخاري أو مسلم ــ مقطوع بصحته عند المحققين وعند الأكثر إذا تواتر إذ قال: (وذكر الشيخ تقي الدين أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعي حاصل فيه، وخالفه المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر، والله أعلم)(5).

أقول: ومسلم قد روى حديث الثقلين، إضافة إلى اعتراف عدة من أعلامهم بتواتره فيكون مقطوعاً بصحته ويكون العلم القطعي حاصلاً فيه.
فمحاولة تحطيم حديث الغدير من ابن تيمية بحجة عدم إخراج البخاري له في صحيحه هي محاولة فاشلة، فقد ثبت بحمد الله ان الحديث الصحيح يبقى صحيحا حتى لو لم يخرجه البخاري بل حتى لو لم يخرجه مسلم أيضا في صحيحه.

ــــــــــــــــــــ
(1) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج7 ص318.

(2) سير أعلام النبلاء للذهبي  ج 12  ص 471.

(3) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج1 ص2.

(4) التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ج1 ص1.

(5) المصدر السابق.

لماذا ندخل باقي أفراد الأئمة المعصومين ضمن أهل البيت مع ان حديث الكساء لا يشملهم؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

إن واحدة من حقوق وصلاحيات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هي إمكان تخصيص أو توسعة المفاهيم والحقائق الشرعية على وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأن باقي المذاهب الإسلامية قبل الشيعة يعتقدون ويصححون روايات تخصيص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم آية التطهير بالخمسة أهل الكساء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو اعتقاد حق لا ريب فيه، لكن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وتبعا لهم شيعتهم على مر الأيام والأعوام، كانوا ولا يزالون يعتقدون بأن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد خصص آية التطهير بأربعة عشر شخصا، هم كل من أهل الكساء الذين سبق ذكرهم في الأحاديث السابقة، وتسعة من أولاد الإمام الحسين صلى الله عليه وآله وسلم أولهم الإمام علي ابن الحسين وآخرهم الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا التخصيص وان لم يرد عن طريق المخالفين، فهو لا يضر ألبتة، لأنهم لا ينقلون شيئا يكون فيه حجة لخصومهم عليهم في أغلب الأحيان، فيصبح الاعتقاد بدخول الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر مذهبي بل من ضروريات مذهب الشيعة الاثني عشرية، ومن لم يعتقد بذلك فليس منهم.

وفيما يأتي جملة من تلك الروايات الشريفة عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين التي تلحق الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين بأصحاب الكساء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:

منها ما عن علي بن الحسين بن محمد، قال: حدثنا هارون بن موسى التلعكبري، قال حدثنا عيسى بن موسى الهاشمي بسر من رأى، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي، عن أبيه علي عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي هذه الآية نزلت فيك وفي سبطي والأئمة من ولدك. فقلت: يا رسول الله وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن، هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك فقال: يا محمد هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون وأعداؤهم ملعونون)[1].

ومنها ما عن عبد الرحمان بن كثير قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما عنى الله تعالى بقوله: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وفاطمة عليهم السلام. فلما قبض الله نبيه، كان أمير المؤمنين، ثم الحسن، ثم الحسين عليهم السلام.

ثم وقع تأويل هذه الآية: ((وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ)) فكان علي بن الحسين عليه السلام، ثم جرت في الأئمة من ولده الأوصياء، فطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله)[2].

وعن محمد بن علي الحلبي، (عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا)) يعني الولاية، من دخل في الولاية دخل في بيت الأنبياء عليهم السلام، وقوله: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) يعني الأئمة عليهم السلام وولايتهم، من دخل فيها دخل في بيت النبي صلى الله عليه وآله)[3].

وقد ورد في الزيارة الجامعة: (السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرسالة وخزان العلم ومنتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان)[4].

فوصف الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه بأنه (مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) صحيح وعليه إجماع الفرقة الناجية أعزها الله، بل ان وصف الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه بأنه من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد حتى في روايات باقي المذاهب الإسلامية، ففي مسند احمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله ظلما يكون سبع سنين)[5].
وعن أبي سعيد الخدري أيضا قال: (قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا قال ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا)[6].

ـــــــــــــــــــــــ
[1] كفاية الأثر للخزاز القمي ص155 ــ 156.

[2] الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي ص 47 ــ 48.

[3] الكافي للشيخ الكليني ج1 ص423.

[4] عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ج 1 ص 305.

[5] مسند احمد لأحمد بن حنبل ج 3 ص 17.

[6] المصدر السابق ج 3 ص 36.

أسبقية مدرسة أهل البيت عليهم السلام في تدوين السيرة النبوية وكتابة التاريخ الفلسفي والتحليلي

بقلم: السيد نبيل الحسني

أولا: أقدم المدارس الإسلامية

مما لا شك فيه أن مدرسة المدينة هي من أقدم المدارس الإسلامية الأخرى التي نشأت في الكوفة واليمن ومكة والشام([1]).
وإذا عدنا إلى النهج الذي اتخذه أبو بكر وعمر بن الخطاب في حرق الصحائف والكتب أو محوها ومنع تدوين السنة النبوية، حتى عام 143هـ كما ينص الذهبي([2])، وبإكراه من حكام بني أمية كما صرح الزهري([3]).
فإن مدرسة العترة النبوية عليهم السلام التي لا تعتقد نهج الشيخين قد سعت في الحفاظ على السنة النبوية وتدوينها، وهي بذاك تكون أقدم هذه المدارس الإسلامية قاطبة.

ثانيا: الاختلاف فيمن أول من صنف المغازي

وإذا رجعنا إلى الدراسات التاريخية قديما وحديثا، نجد أن هذه الدراسات خلصت إلى القول بأن أول من اهتم بدراسة المغازي هي مدرسة المدينة.
إلا أنهم اختلفوا فيمن أول من صنف في المغازي.

ألف ــ فقد ذهب البعض إلى (أن من أوائل من دونوا أشياء عن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو (سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري) الذي لم تعرف سنة وفاته([4]).
علما؛ أن هذه الأشياء التي كتبها لم تعرف أهي له أم لأبيه الذي لم يعرف عنه أنه كان له شأن في التدوين.
وهذا قولهم: (وربما نظر فيها ــ أي هذه الأشياء ــ معدلا ما كتبه أبوه)([5])، وكان كتابه موجودا في نسخته الأصلية في أوائل العصر العباسي عند حفيده سعيد بن عمرو([6])، وأن قسما مما كتب قد وصل إلينا في كتب المساند مثل مسند أحمد بن حنبل.

باء ــ وقال البعض: (إن أبان بن عثمان بن عفان (توفي بين 95 ــ 105هـ) فهو محدث له ميل إلى دراسة المغازي، ومع أن أحد تلامذته كتب مغازيه، إلا أنها توصف بأنها من الحديث، وإذا استثنينا إشارة اليعقوبي ــ المؤرخ ــ فإننا لا نجد بين المؤرخين من نقل أو روى عنه، في حين أنه يروى عنه في كتب الحديث، ويبدو أن أبان بن عثمان يمثل مرحلة انتقال بين دراسة الحديث ودراسة المغازي)([7]).
ويبدو من خلال قولهم (إننا لا نجد بين المؤرخين من نقل أو روى عنه) دليل على إقحامه في تدوين السيرة النبوية لأغراض تتعلق بالسلطة الأموية، لاسيما وإن عبد الملك بن مروان قد سأله عن كتابة السيرة النبوية فأجابه: هي عنده حاضرة فلما رآها أمر بتخريقها([8]).
وهذه الرواية وإن كانت تدل على بشاعة ما قام به عبد الملك بن مروان فانها كذلك تدل على عدم تصريح أبان بن عثمان عن تصنيفه لهذه السيرة، لاسيما وهو على نهج الشيخين اللذين منعا التدوين.

ولذا: فالظاهر من الرواية أنه كان يحتفظ بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم يصرح عن الشخص الذي صنفها، والظاهر أيضا أنها كانت محط استدلال من قال: إن أبان بن عثمان هو أول من صنف في المغازي.

جيم ــ وقال البعض الآخر: (إن عروة بن الزبير (توفي 94هـ) كان مؤسس دراسة المغازي، إذ كان أول من ألّف كتابا في المغازي، وقد وصل إلينا شيء من مغازيه في مقتبسات وردت عند بعض المؤرخين كالطبري، وابن إسحاق، والواقدي، وابن سيد الناس، وابن كثير، وهذه المقتبسات هي أقدم ما وصل إلينا في تاريخ المغازي)([9]).
أما سبب اهتمامه بالمغازي والسيرة النبوية فيعود إلى (أن البلاط الأموي سأله عن حوادث تتعلق بفترة الرسالة، فأجاب عن ذلك برسائل وصل إلينا بعضها في الطبري، وهي من أقدم القطع التاريخية التي وصلت إلينا ومن أوثقها)([10]).

ونستظهر من هذا القول ما يأتي:
1 ــ إن الكتابة عن السيرة كانت من طلب البلاط الأموي الذي له ما له من العداء لأهل البيت عليهم السلام.
2 ــ إن هذه القطع لم تكن معروفة إلا من خلال كتاب الطبري المتوفى سنة 310هـ، أي أنها لم تكن معروفة قبل هذا التاريخ.
3 ــ لم يكن عروة من أهل الاختصاص بالتاريخ والسيرة.
4 ــ إن هناك قطعاً أخرى مختلفة مع التي عند الطبري إلا أن التي عند الطبري هي الأوثق، ولا ندري من الذي وثقها.

ثالثاً: لا دليل على امتلاك مدرسة المدينة التي اتبعت نهج الشيخين لكتاب مستقل في المغازي والسير

لم نحصل من خلال الدراسات في علم التاريخ الإسلامي على نصوص أو نتيجة قطعية على امتلاك مدرسة المدينة، التي اتبعت نهج الشيخين لكتاب مستقل في المغازي أو السيرة النبوية؛ كما هو حال مدرسة العترة النبوية الطاهرة عليهم السلام التي أثمرت كتابا مستقلا في المغازي والسير كـ: (كتاب سليم بن قيس الهلالي)، وكتاب المغازي والسير لابن اسحاق.
أما الخبر القائل بأن عروة بن الزبير ألف كتابا في (المغازي) فليس له مصدر قديم([11])، ــ كما أن ــ هناك قصة يتضح منها أن إجاباته عن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ــ والتي كان قدمها مدونة ــ إنما اعتمدت على الأحاديث التي جمعها بنفسه([12]).
وذكر السخاوي: (أن الزهري وأبا الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل (المتوفى سنة 131هـ) قد رويا المغازي عن عروة)([13])، أي لم يكن لديه كتاب في السيرة قد كتبه بيده، لكي ينقل عن هذا الكتاب، وإنما هي عبارة عن حديث حدّث به. وهذا يدل على عدم اتباع هذه المدرسة منهج التدوين في علم السيرة النبوية كمدرسة أهل البيت عليهم السلام.

رابعا: أسبقية مدرسة العترة تجليل الحدث التاريخي ونقده

فضلاً عن أسبقية مدرسة العترة بتقديم كتاب مستقل في سيرة الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من تصنيف سليم بن قيس الهلالي رحمه الله، فإن هذه المدرسة قد امتازت بتقديم الحدث، وهو خاضع للتحليل والنقد والبيان.
وهذا يكشف عن امتياز تلاميذ هذه المدرسة بالوعي التاريخي والتحليلي، أي أنهم سنوا المنهج النقدي قبل (فوستل) صاحب التاريخ النقدي بألف وثلاثمائة سنة. وقد أدى هذا المنهج التحليلي والفلسفي والتعليلي الذي انتهجته مدرسة العترة إلى نشوء التفسير التاريخي، فبدأت معه فكرة فلسفة التاريخ بشكل أولي في مدرسة المدينة.
إلا أن الفرق بين مدرسة العترة ومدرسة البلاط الأموي ــ التي أكرهت الزهري على التدوين ومن قبله طلبت من عروة بن الزبير مقاطع من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم فكتب لها ذلك ــ الفرق هو أن مدرسة العترة كانت تحلل الحدث، وتنتقده، وتظهر علله وأسبابه ونتائجه، ثم تبني رأيها على هذه المعطيات ــ كما سيمر بيانه في كتاب سليم بن قيس ــ.
بينما مدرسة البلاط الأموي علّلت التاريخ، وفلسفت الحدث على حيثية إرادة الله تعالى، فكانت هي محور هذه الفلسفة، ومنها نشأ الفكر الجبري([14]).
(وإنا لنرى فكرة الجبر التي روج لها الأمويون واضحة في بعض أعمال عوانة بن الحكم، حيث يثبت دفاع بعض الأمويين عن حقهم ودفعهم مسؤولية بعض الأعمال عن أنفسهم، كقيام يزيد بن معاوية بقتل الإمام الحسين عليه السلام، وينسبون ذلك إلى إرادة الله، ويرون في سلطانهم أمرا إلهيا في مظاهر الجبر الإلهي، وإرادة الله الغالبة لكل شيء، ونجد بالمقابل فكرة حرية الإرادة، ومسؤولية البشر عما يقترفون ــ وهو رأي الأحزاب المعارضة للأمويين ــ نجدها واضحة في بعض ما كتب أبو مخنف، وبخاصة فيما يورده عن حركة ــ الإمام الحسين عليه السلام ــ وحركة التوابين)([15]).

خامسا: نشوء الفكر الجبري

إن أول بذرة بُذرت لنشوء الفكر الجبري كانت في زمن أبي بكر، ومنذ الأيام الأولى لتوليه الخلافة التي اتخذت ــ أي الخلافة ــ في بادئ الأمر مفهوم خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتخذت مفهوم خلافة المسلمين، ثم أمراء وحكام.
فكانت البذرة لظهور الفكر الجبري هي عند قول أبي بكر: (إلا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أقم به، كان رسول الله عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإن رأيتموني زغت فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم ــ أي شعر الرأس ــ وأبشاركم ــ أي بشرة الجلد ــ([16]).
وهذا القول وإن لم يكن محوره (إرادة الله) وانه مجبر على فعله إلا أنه كان البداية لنشوء فكرة التخلي عن مسؤولية الأفعال الصادرة عن الخليفة لعلتين.
1 ــ لأنه لم يكن يوحى إليه، ولذا هو غير ملزم بما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يسدد بالوحي، ولذلك هو لا يخطئ أو إن لديه مبرراً في فعله وقوله وهو الوحي.
2 ــ إن له شيطاناً يعتريه فإذا غضب ووقّع أمراً في قطع رؤوسهم أو أعضائهم، وهو ما كنى عنه بلفظ (أشعاركم وأبشاركم)، فهو غير مسؤول عن هذا الصنع، لأنه مجبر على فعله بسبب اعتراء الشيطان له.
ومما يدل عليه: ما روي عنه بلفظ آخر: (أفتظنون إني أعمل فيكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ؟ إذن: لا أقوم بها إن رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ كان معه ملك، وإن لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم، ألا فراعوني)([17])، أي التخلي عن مسؤولية الأفعال وفي نفس الوقت انه مجبر على القيام بها.
ثم تبلورت هذه الفكرة في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، حينما خرج عليه معاوية بن أبي سفيان، وتحديدا تبلور هذا الفكر في حديث السيدة عائشة؛ التي لعبت دورا أساسياً في دعم خروج معاوية بن أبي سفيان لحرب علي بن أبي طالب عليه السلام، ومما يدل عليه:
ما رواه الذهبي، وابن عساكر، وابن كثير، وغيرهم، عن الأسود بن يزيد، قال: (قلت لعائشة، ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله في الخلافة؟.
فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار)([18]).
ولقد أعطى هذا القول دفعا قويا فيما بعد لحكام بني أمية، كما أنه أعطى نموا للفكر الجبري الذي ظهرت ثمرته في حكم يزيد بن معاوية، الذي يبدو أنه استخدم هذا الفكر بقوة للتخلص من الجريمة التي ارتكبها في حق الإسلام والمسلمين، حينما قام بقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وسبي بناته وذريته.

 ومما يدل عليه:1 ــ ما رواه الطبري في أحداث سنة 61هـ، من قول عن يزيد بن معاوية وهو يحاول بث الفكر الجبري أمام الحاضرين في مجلسه، وهو يحادث علي بن الحسين عليهما السلام قائلا له: (أبوك نازعني سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت)([19]).
2 ــ وقوله: (إن الحسين لم يقرأ قوله تعالى: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))([20]))([21]).
3 ــ ولم ينحصر الفكر الجبري بيزيد بن معاوية، وإنما هو عند ولاته أيضا مما يدل على أن هذا الفكر منتشر في الساحة الإسلامية آنذاك.
ومن الشواهد على ذلك:
قول عبيد الله بن زياد والي الكوفة للعقيلة زينب بنت علي أمير المؤمنين عليهما السلام: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك!؟.
فقالت عليها السلام: «ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن يكون الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة»([22]).
أي: إن كنت تسأل عن صنع الله تعالى فالله لا يصنع إلا جميلا، وإن كنت تسأل عن فعل قتلهم فستحاج يوم القيامة وسيخاصمك الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعندها فانظر لمن يكون هذا الفعل الذي نزل بأخي وأهل بيتي أهو لله كما تزعم أم أن هذا الفعل فعلك يا ابن مرجانة.

سادسا: الخلط بين الخلافة والملك

هذه الشبهة التي وقع فيها بعض الصحابة لتتبلور في حكام البلاط الأموي، أي: الخلط بين الظهور بمظهر الخلافة وإن الحاكم إنما هو (خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الظهور بمظهر الملك والسلطان وإن الله تعالى اختار لملكه هذا الحاكم أو ذاك، أدى إلى الاضطراب في السلوك، لأن الخلافة تفرض من خلال موقعها وعنوانها الشرعي المتصل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تفرض على صاحبها السير ضمن الحدود الشرعية، وهو ما لم يتصف به الحكام والملوك، لأنهم لم يخضعوا لتلك الضوابط التي يخضع لها الخليفة، أي خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من ثم فهم لا يعلمون أملوك هم أم خلفاء؟.
ومما يدل عليه:1 ــ روى ابن سعد عن سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أنا خليفة أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم.
قال قائل: يا أمير المؤمنين أن بينهما فرقا، فإن الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر([23]).
2 ــ وعن ابن سعد ايضا، عن سلمان المحمدي (الفارسي)، أنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟.
فقال سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة؛ فاستعبر عمر([24]).
3 ــ روى الثعلبي في تفسيره، أن عمر بن الخطاب سأل طلحة والزبير وكعبا وسلمان: ما الخليفة من الملك؟.
فقال طلحة والزبير: ما ندري.
فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم في السوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بكتاب الله.
فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكن الله عز وجل ملأ سلمان حكما وعلما وعدلا([25]).
ورب سؤال يفرض نفسه في البحث: مَنْ مِنَ الذين جلسوا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه هذه الصفات، التي ذكرها الصحابي الجليل سلمان المحمدي رضوان الله تعالى عليه؟ كي نعلم من منهم كان خليفة ومن كان ملكاً.
4 ــ قول عائشة الذي سبق، حينما سألها الأسود بن يزيد عن منازعة معاوية بن أبي سفيان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من الطلقاء ــ أي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أطلقه من الأسر يوم فتح مكة هو وجميع المشركين، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ــ فكان الأسود متعجبا من منازعة معاوية الصحابة في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقالت: (وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار).
ويظهر من حديث عائشة:أ. إمكانية أن يجلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحكم المسلمين من يكون كفرعون ملك مصر أو غيره من الكفار، من ثم: ليس هناك من عجب في منازعة معاوية بن أبي سفيان؛ وهو من الطلقاء؛ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ب. الخلط واضح في الفكر السائد عند الرموز الإسلامية بين مقام خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين الملك الذي يمكن أن يظهر في كافر من الكفار كفرعون، لأن السائل يسأل عن خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعائشة تجيب عن الملك.
ج. وجود حالة من النزاع بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مقام الخلافة أو الملك كلا منهم حسب فهمه لهذا الموقع.
د. إسكات الأصوات المعارضة لهذا النزاع، والتي تُظهر نسبة من الوعي والقدرة على تميز الدخلاء على موقع خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن غيرهم.
هـ. إفراغ موقع خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العنوان الشرعي من خلال المقارنة بينها وبين ملك مصر، في حين كان يلزم الأمر أن تكون المقارنة بين موسى عليه السلام وخليفته، وهذا يدعو إلى الاعتقاد منذ البدء بأنه ملك وليس خلافة مرتبطة بالسماء كما عنون لها القرآن: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)) ([26]). وهو نبي الله آدم عليه السلام.
ولذا حاول أولئك الحكام إصباغ موقعهم السلطوي بصبغة شرعية محورها إرادة الله، وأن الملك لله تعالى يهبه من يشاء، وعليه فيمكن أن يكون الحاكم أسوء من فرعون، ولا علاقة للحدود الشرعية في أمره ونهيه وفعله وتركه، وهو ما كان عليه حال المسلمين خلال القرون الماضية، وليس حالهم اليوم بأفضل من أمسهم.
إذن: لم تكن لمدرسة أهل البيت عليهم السلام الأسبقية في التدوين فقط، وإنما كان لها الأسبقية في الوعي التحليلي والفلسفي والنقدي، فقدمت مع الحدث تحليلا وبيانا يوضح الأسباب والنتائج التي كونت الحدث.
أما من حيث الأسبقية في تدوين (المغازي) فقد سجل هذا السبق إلى عبيد الله بن ابي رافع كاتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على مدة خلافته في الكوفة.
فقد قام بكتابة من شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام ــ في حروب الجمل وصفين والنهروان من الصحابة([27])، وهو (أول من صنّف في المغازي والسير والرجال في الإسلام لأنه لم يعرف من سبقه)([28]).
وأما من حيث تدوين سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع بيان المنهج التحليلي والفلسفي والنقدي للحدث؛ فقد برز سليم بن قيس الهلالي.

...........................................
المصادر:

([1]) راجع التاريخ والمؤرخون لمصطفى شاكر: الفصل الثالث والرابع. المدارس الإسلامية الصغرى والكبرى: ج 1، ص 113 ــ 160.
([2]) تذكرة الحفاظ للذهبي: ج 1، ص151 و229.
([3]) تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين: ج 2، ص 65.
([4]) تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين: ج 2، ص 65.
([5]) المصدر السابق.
([6]) التهذيب لابن حجر: ج 4، ص 69.
([7]) نشأة علم التاريخ لعبد العزيز الدوري: ص 19.
([8]) الموفقيات ــ الزبير بن بكار: ص322 ـــ 323.
([9]) نشأة علم التاريخ عند العرب للدوري: ص 19 ــ 20.
([10]) نشأة علم التاريخ عند العرب للدوري: ص 55.
([11]) تاريخ التراث الإسلامي لفؤاد سزكين: مج 1، ج 2، ص 70 ــ 71، نقلا عن كشف الظنون لحاجي خليفة: 1747.
([12]) تاريخ التراث الإسلامي: ج2، ص 71.
([13]) التهذيب لابن حجر: ج 9، ص 307 ــ 308.
([14]) الجبرية، هذه اللفظة أخذت من (الجبر) ومفهومه عند معتقديه هو نفي الفعل عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى (الملل والنحل للشهرستاني: ج 1، ص 85).
ونشأ الفكر الجبري عند بعض المسلمين نتيجة لظهور الخلاف فيما بينهم في القيادة الفكرية (فحدّثت مذاهب واتجاهات ووجدت مناهج متباينة في المعارف الاعتقادية فاختلف المسلمون في هذا المجال إلى معتزلة وجبرية، وانقسمت المعتزلة إلى واصلية، هذلية نظامية، خابطية، بشرية، معمرية،مردارية،ثمامية،هاشمية،جاحظية،خياطية،وانقسمت الجبرية إلى: جهمية، نجادية، ضرارية.
([15]) التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ص 90 ــ 91.
([16]) الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 3، ص 212.
([17]) كنز العمال للمتقي الهندي: ج 5، ص 590. الغدير للعلامة الأميني: ج 7، ص 118.
([18]) سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 3، ص 143. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 59، ص145. البداية والنهاية لابن كثير: ج 8، ص 140. شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: ج2، ص 159. الغدير للعلامة الأميني: ج 10، ص 173.
([19]) تاريخ الطبري: ج5، ص 461.
([20]) سورة آل عمران، الآية: 26.
([21]) تاريخ الطبري: ج 5، ص 464.
([22]) كتاب الفتوح لابن أعثم: ج 5، ص 122. مثير الأحزان لابن نما الحلي: ص 71. اللهوف لابن طاووس: ص 94.

([23]) الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 3، ص 307. الدر المنثور لجلال الدين السيوطي: ج 5، ص306.
([24]) الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 3، ص 306. تاريخ الطبري: ج 3، ص 279. الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج 3، ص 59.
([25]) تفسير الثعلبي: ج 1، ص 177.
([26]) سورة البقرة، الآية: 30.
([27]) التاريخ العربي لشاكر مصطفى: ج 1، ص 170.
([28]) الذريعة للطهراني: ج 4، ص 181. التاريخ العربي لشاكر مصطفى: ج 1، ص 170.