مناقشة قول الرافعي في تفضيل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة صلوات الله وسلامه عليها

بقلم: السيد نبيل الحسني

قال الرافعي: (إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل نساء هذه الأمة، فإن استثنيت فاطمة لكونها بضعة، فأخواتها شاركنها؛ وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة هي أفضل بناتي أصيبت فيّ)[1].

أقول: ألف: (أما قوله فإن استثنيت فاطمة ــ من التفضيل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ــ لكونها بضعة، فأخواتها شاركنها)، لا شك إن الإنسان حينما لم يتمكن من التحرر من العصبية الجاهلية والأهواء النفسية فانه ينحدر إلى الجهل فيكون له حاجزاً عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فتكون النتيجة أن يقوم بالمساواة بين فاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، وبين أخواتها في حديث البضعة الصادر عن الحضرة النبوية المقدسة فيقول: «إنما فاطمة بضعة مني».

وكأن الرافعي لم يقرأ مسنداً من مساند المسلمين، أو صحاحهم، أو سننهم، أو مستدركاتهم التي مع كثرتها لم يكن فيها حديث واحد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينص على بضعية أخوات فاطمة منه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يأتي الرافعي فيتقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيشركهن مع فاطمة في هذه المنزلة الخاصة.

وكأنه أدرى ــ والعياذ بالله ــ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناته ومن منهن كانت بهذه المنزلة من النبوة والرسالة، فكانت بضعة منه يرضيه ما يرضيها ويسخطه ما يسخطها.

أو لعل الرافعي أطلع الغيب فأخبر بما لم يخبر به الوحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان منزلة بناته فسكت ــ والعياذ بالله ــ عن بيان منزلتهن من النبوة وما لهن من الشأن عند الله تعالى.

ولكن: نود هنا أن ننقل للرافعي ومن يعتقد بقوله، ما قاله المناوي نقلاً عن العلقمي فقال:

(إن فاطمة هي أفضل الصحابة حتى من الشيخين)، فعقب عليه المناوي قائلاً: (وإطلاقه مرضي)[2].

وأقول: أنى للشيخين والصحابة ما نزل به الوحي في آية التطهير فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[3].

وفاطمة مشكاة الآية. وأنى لهم بالمباهلة بفاطمة وبعلها وولديها فقال سبحانه: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[4].

وأنى لهم بالمودة لفاطمة بعلها وولديها وقد أوجب الله حبهم على الخلائق فقال: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[5].

وهل يتقبل الله صلاة الشيخين وجميع الصحابة من المهاجرين والأنصار وجميع المسلمين بدون الصلاة على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها.

{...فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}[6]، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}[7].

باء: واما قوله: (وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم قال في حق زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة: «هي أفضل بناتي أُصيبت فيّ»).

فهذا القول غير صحيح ولا يصمد أمام كثير من الأدلة التي تنفي صدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كالآتي:

1. إن هذا الحديث هو من الآحاد وقد نص على كونه كذلك الضحاك في الآحاد والمثاني[8].

2. إن طريقة التدليس التي اتبعها الرافعي في هذا الحديث لا يمكن لها أن تغني عن الحق شيئاً بل بها يفتضح أمر المدلس فضلاً عن الخيانة العلمية والأخلاقية.

فهذا الحديث الذي يستدل به الرافعي والذي أخرجه الطحاوي والحاكم هو نفسه يرد هذا الافتراء في كون زينب أفضل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الا ان الرافعي دلس فيه فذكر صدر الحديث وترك عجزه الذي ينص على تكذيب هذا القول فضلاً عن أن التحديث به يعد انتقاصاً لحق فاطمة عليها السلام كما يصرح بذلك الحاكم والطحاوي والدولابي واللفظ للحاكم فيقول:

فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام، أي: ان زينب أفضل بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق إلى عروة فقال: «ما حديث بلغني عنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة؟».

فقال: (والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب، وإني أنتقص فاطمة حقاً هو لها، وأما بعد فلك أن لا أحدث به أبداً).

قال عروة: (وإنما كان هذا قبل نزول آية: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ...}[9].

والعجيب من الرافعي أن يتجرأ فينتقص حقاً لفاطمة عليها السلام على الرغم من قراءته لهذا الحديث وعلمه ببطلان الاعتقاد بأن زينب أفضل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا الغرض كان مجيء الإمام زين العابدين لعروة وتذكيره بأن التحديث بهذا الحديث بين الناس وشياعه، أي: انها مع أخواتها رقية وأم كلثوم بنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعد انتقاصاً لحق فاطمة في كونها واحدة أبيها.

ولذلك نجد عروة بن الزبير يقول في نهاية الحديث: «وإنما كان هذا قبل نزول آية: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ...}.

بمعنى: أن جعلها بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان قبل نزول الآية ولكن بعد نزولها فيلزم أن تدعى زينب لأبيها الحقيقي لا أن تحسب بنتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يتستر على ذاك ويُحدّث به الناس[10].

جيم. فضلاً عن ذلك فقد رد الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا القول الذي أطلقه الرافعي حينما استند إلى هذا الحديث فقال: «أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدماً ثم وهب الله لفاطمة عليها السلام من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقاً»[11].

ــــــــــــــ
[1] فتح الباري لابن حجر: ج7، ص84.
[2] فيض القدير للمناوي: ج3، ص107.
[3] سورة الأحزاب، الآية: 33.
[4] سورة آل عمران، الآية: 61.
[5] سورة الشورى، الآية: 23.
[6] سورة فاطر، الآية: 3.
[7] سورة هود، الآية: 28.
[8] الآحاد والمثاني للضحاك: ج5، ص375.
[9] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج2، ص201، قصة هجرة زينب، مشكل الآثار للطحاوي: ج1، ص134، باب: 23. فتح الباري لابن حجر: ج7، ص82. الآحاد والمثاني: ج5، ص373.
[10] لمزيد من الاطلاع على هذه الحقيقة، ينظر كتاب خديجة بنت خويلد أمة جمعت في امرأة فقد تم تخصيص الجزء الأول من الكتاب حول حقيقة بنات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
[11] فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر: ج7، ص82.

تلازم حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحب فاطمة وبعلها وولديها

بقلم: السيد نبيل الحسني

يمضي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في إظهار منزلة فاطمة عليها السلام لديه وذلك من خلال بيان أن حب فاطمة وبعلها وبنيها هو متلازم مع حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثمّ فإن هذا الحب يقود إلى غاية شرعية أظهرها القرآن الكريم وهو ضمن العناوين الآتية:

ألف: إنّ المراد من الحب الإتباع


إن هذا العنوان الشرعي المبين لإحدى دلالات الحب، وهو الإتباع جاء من خلال القرآن الكريم كما هو واضح في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ...}[1].

بمعنى: لا يمكن أن ينزرع حب الله في قلب أي إنسان وينمو ويعطي ثماره ما لم يكن هناك إتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل لا معنى للحب بدون الإتباع وهو ما عليه الوجدان الإنساني والسير العقلائي، بل يكفي لو تأمل الإنسان أن ذلك سنته كونية جرت في النبات والحيوان وإن اختلف المحرك في الإتباع بين القطرة والغريزة والحب، فعندها يكون الحب في الموجودات فطري وغرائزي يدفع الإنسان إلى ما يحب حتى وإن اختلفت الأهداف فقد يكون الإنسان محب للشهوات لكنه في طبيعته وفطرته يندفع لهذه الشهوات ويتبع كل ما يحقق له إشباع هذا الحب.

ولذلك: وجود الحب يقتضي الإتباع وبدون الإتباع لا معنى للقائل بأنه يحب وذلك لأنه يكون قد خالق الخلقة والفطرة التي فطر الله عليها الموجودات، بل كلما كان الحب أكبر كلما كان الإتباع أشد حتى لا يستطيع المحب الانفكاك عن المحب، بل حتى يكون صورة له في أفعاله وأقواله وهديه وسمته وسننه، وهذا الذي يريده القرآن من حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أن يكون المحب ــ وبحسب ــ مستوى هذا الحب صورة تحاكي المحب في الهدي والسمت والسنة.

من هنا: حينما نأتي إلى معرفة أولئك الذين كانوا مصداقاً للحب النبوي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك من خلال أنهم كانوا يمثلون في فعلهم وقولهم وهديهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنا لا يمكن أن نتعدى أهل بيته عليهم السلام وذلك حسبما أكدته النصوص ودلت عليه الروايات.

1 ــ روى الترمذي عن عائشة قال: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلا وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم)[2].

والحديث يكشف عن رتبة فاطمة عليها السالم ومنزلتها الاتباعية لهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فلمن يكن أحد بعد علي بن أبي طالب عليه السلام ــ كما سيمر ــ في مثل إتباعها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أصبحت تشابهه في سمته ودله وهديه فكان الناظر إليها يخال نفسه ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2 ــ وفي سنة الإتباع التي فطر الله تعالى عليها الخلق فكان الحب قائد المرء في إتباعه للأشياء هو درجة حبه لها، فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يكشف للناس لاسيما أولئك الذين يدعون أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أبعد الخلق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حجم حبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أصبح المصداق الأول لهذه السنة في الإسلام فيقول:

«ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به؛ ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري؛ ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان أيس حق عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير»[3].

إذن: يقتضي حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإتباع كما دلّ عليه القرآن والسُنّة وسيرة العقلاء، وأن أشد الناس حباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وفاطمة وولديهما عليهم السلام فقد كان مصداق هذا الحب من خلال الإتباع المطبق لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمته وسنته وخلقه.

باء: إنّ المراد من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإيمان به


يطرح القرآن قضية حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إطار آخر وتحت عنوان شرعي جديد إلاّ وهو الإيمان بالله تعالى إذ يبدأ القرآن في أول الأمر عند تأسيس هذا العنوان الشرعي والبنائي للمجتمع المسلم من خلال بيان أن الإيمان هو عين الحب لله تعالى، ومن ثمّ فالذين أمنوا هم أشد الناس حباً لله تعالى كما دل عليه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...}[4].

ثم يمضي القرآن في التأسيس لهذا العنوان الشرعي في نفوس الناس كي يتم بناء المجتمع الأنموذج الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فيكون مصداق لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[5].

وذلك من خلال ترسيخ حب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتقديمه على كل شيء تعلق به الإنسان في الحياة وارتبطه.

فيقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[6].

وهذا التأسيس والبناء للعقيدة الإسلامية وبهذه الكيفية التي يطرحها القرآن ويريدها الله تبارك اسمه فيكون حب رسول الله صلى الله عليه وآله يرتكز على الإيمان به وإن مراتب هذا الإيمان مرتبطة بمراتب هذا الحب كما هو مبين في الآية الكريمة من خلال الروابط النفسية والروحية والاجتماعية التي يرتبط بها الإنسان فتعلق بها، بل ويصرف في بقائها ودوامها الكثير من متعلقاته الأخرى وذلك بحسب التفاوت القائم لدى كل إنسان فيما يرتبط به من علاقة أبوية أو أخوية أو والدية أو قرابية أو زوجية أو مالية، كما هو منصوص عليه في الآية المباركة.

فهذه العلائق تتفاوت الناس في التعاطي معها والارتباط بها حتى تأتي العلاقة بالله ورسوله متأخرة أو متقدمة بحسب الإيمان الذي يختلج في قلب الإنسان.

وعليه: يجعل القرآن حب الله ورسوله والجهاد في سبيله هو المقدم على هذه العلائق التي ارتبط بها الإنسان وأحبها وتفاوتت فيما بينها لديه في الحب والأهمية فقد يكون المال أحب جميع هذه الأشياء وقد يكون الأبناء وقد تكون الزوجة.

إلاّ أن المنهج القرآني في بناء العقيدة الإسلامية للمسلم هو أن يكون حب الله ورسوله هوالعنوان الأول والأساس فيما يرتبط بالإنسان من أشياء عديدة.

ثم ليأتي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا النص القرآني ليبين للناس وللمسلمين تحديداً وفي إطار العقيدة القرآنية التي أرادت أن يبنى الإسلام عليها أن يكون حب فاطمة وعلي وولديهما عليهم السلام هو تبع لحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل لا يمكن أن يصدق عنوان الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يكن هناك حب لفاطمة وعلي وولديهما عليهم السلام كما نصت عليه الأحاديث النبوية الشريفة فكانت كالآتي:

1 ــ روى ابن عساكر وغيره عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمرت فاطمة عليها السلام وهي خارجة من بيتها إلى حجرة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها إبناها الحسن والحسين عليهم السلام وعلي في أثرهم فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «من أحب هؤلاء فقد أحبني ومن أبغض هؤلاء فقد أبغضني»[7].

2 ــ روى الشيخ الصدوق والطوسي والترمذي والحاكم والبخاري وغيرهم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحبوا الله لما يغدوكم به مننعمة، وأحبوني لحُب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»[8].

3 ـ روى ابن تيمية وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي»[9].

4 ــ روى ابن أبي شيبة الكوفي، والطبراني وابن عساكر وغيرهم، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح قال: قال العباس: يا رسول الله إنا لنرى وجوه قوم من وقائع أوقعتها فيهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يصيبوا خيراً حتى يحبوكم لله ولقرابتي، أترجو سلهب شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب»[10].

5 ــ روى أحمد بن حنبل، ومحمد بن سليمان الكوفي، والترمذي، والحاكم النيسابوري، وغيرهم بطرق عدة، منها ما رواه أحمد عن عبد الله بن الحرث عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت يا رسول الله إن قريشا إذا لقى بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا تعرفنا؟!

قال: فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً، وقال: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله»[11].

والملاحظ في الحديث بعض النقاط منها:

أ: تخصيص الإيمان بالله تعالى وأنه مرهون بحب أهل البيت عليهم السلام، أي يكون حب كل رجل أو امرأة لأهل البيت عليهم السلام خالصاً لله تعالى وإن كانوا يجدون من يقول بخلافهم وإن كانوا أقرب الناس إليهم كآبائهم وأبنائهم كما نصت الآية الكريمة التي مرّ ذكرها.

ب: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب غضباً شديداً لتغير وجوه قريش في وجه عمه العباس وذلك لما أحدثه الإسلام من تغيرات في المجتمع فكيف يكون حاله عند قتل ابنته فاطمة وولدها عليهم السلام على النحو المعروف ــ نعوذ بالله من سوء المنقلب ومن غضب الله وغضب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ــ.

ج: من البديهي أن أسباب حصول الغضب يضادها أسباب حصول الرضا، بمعنى: كلما زاد إيمان الإنسان كلما زاد حباً لأهل البيت عليهم السلام وكلما كان الحرص شديد على خدمتهم وإدخال السرور عليهم فإن بذلك إدخال للسرور على قلب سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

6 ــ روى أحمد بن حنبل، والترمذي، والدولابي، والطبراني جميعاً عن علي بن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد بن علي الباقر عن أبيه الإمام علي بن الحسين عن أبيه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد حسن وحسين عليهما السلام فقال: من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة»[12].

والحديث الشريف يجمع ما قدمناه من دلالات في أن معنى الحب هو الإتباع والاقتداء والهدي بهؤلاء إلى المستوى الذي يكون الشخص بسمته وطريقة معيشته وتعامله مع الناس صورة حاكية عن الحسن والحسين وعلي وفاطمة عليهم السلام فمن استطاع أن يصل إلى هذا المستوى من الحب فإنه لا شك وبنص الحديث النبوي الشريف سينال من الرضا والقرب الإلهي ما يجعله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة في الدرجة التي أعدها الله تعالى لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في جنة عدن أو الفردوس لأنه قد بلغ رتبة من التقوى العملية ما مكنته من الوصول إلى هذه المنزلة.


ــــــــــــــ
[1] سورة آل عمران، ألآية: 31.
[2] سنن الترمذي: ج5، ص361؛ فضائل الصحابة للنسائي: ص78؛ المستدرك للحاكم: ج4، ص272؛ فتح الباري لابن حجر: ج8، ص103؛ السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص96؛ نصب الراية للزيلعي: ج6، ص156؛ مطالب السؤول لابن طلحة: ص36؛ سبل الهدى والرشاد للشامي: ج11، ص46.
[3] نهج البلاغة، الخطبة القاصعة: ج2، ص157.
[4] سورة البقرة، الآية: 165.
[5] سورة آل عمران، الآية: 110.
[6] سورة التوبة، الآية: 24.
[7] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج14، ص154؛ كنز العمال للهندي: ج12، ص103؛ كشف الغمة للأربلي: ج1، ص525؛ سبل الهدى للصالحي الشامي: ج11، ص57.
[8] الأمالي للصدوق ص446؛ الأمالي للطوسي: ص633؛ سنن لترمذي: ج5، ص330؛ المستدرك للحاكم: ج3، ص150 التاريخ الكبير للبخاري: ج1، ص183؛ تفسير ابن كثير: ج4، ص123؛ الآداب للبيهقي: ج2، ص23؛ الدر المنثور: ج6، ص7.
[9] الوصية الكبرى لابن تيمية: ص297؛ البحر الزخار: ج6، ص131، حديث 2175؛ القول القيم لابن القيم: ص12.
[10] المصنف لابن أبي شيبة الكوفي: ج7، ص518؛ المعجم الكبير للطبراني: ج11، ص343؛ كنز العمال: ج12، ص41؛ تاريخ دمشق لابن عساكر: ج26، 337؛ تاريخ المدينة لابن شبة النمري: ج2، ص640؛ رأس الإمام الحسين لابن تيمية: ص201؛ ينابيع المودة للقندوزي الشافعي: ج2، ص112؛ شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج24، ص235.
[11] مسند أحمد: ج1، ص207؛ وج4، ص165؛ المناقب لمحمد بن سليمان الكوفي: ج2، ص122؛ سنن الترمذي: ج5، ص318؛ سنن ابن ماجة: ج1، ص50؛ فضائل الصحابة للنسائي، ص23؛ المستدرك للحاكم: ج3، ص333؛ المعجم الكبير للطبراني: ص285؛ تهذيب الخصائص للسيوطي: ص432؛ الشفا للقاضي عياض: ج2، ص48؛ السيرة النبوية لابن كثير: ج1، ص92.
[12] مسائل علي بن جعفر: ص50؛ كامل الزيارات: ص117؛ أمالي الصدوق: ص299؛ مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص78؛ سنن الترمذي: ج5، ص305؛ تحفة الأحوذي: ج1، ص163؛ الذرية الطاهرة للدولابي: ص167؛ المعجم الصغير للطبراني: ج2، ص70؛ المعجم الكبير للطبراني: ج3، ص50؛ نظم درر السمطين للزرندي: ص210؛ كنز العمال للهندي: ج12، ص97؛ تاريخ مدينة دمشق: ج13، ص196؛ تهذيب الكمال للمزي: ج6، ص228؛ تهذيب التهذيب لابن حجر: ج10، ص284؛ ذكر أخبار اصبهان للحافظ الأصبهاني: ج1، ص192.

تلازم بغض فاطمة وبعلها وولديها ببغض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

بقلم: السيد نبيل الحسني

إنّ من السنن الكونية التي أوجدها الله تعالى في الخلق هي سنة التضاد وهذه السنة قرن الله تعالى بها نظام الاستقامة في الحياة بمعنى إما أن يعتدل الإنسان بفعل هذه السنة في سلوكياته ومسيرته وتعايشه في الحياة.

وإما أنه يميل إلى أحد المتناقضين فيكتسب من أحدهما طاقته ودوامه وعنوانه الحياتي فيكون ملاصقاً له بل يصبح أحد أدواته الفاعلة والمؤثرة في الحياة.

ومثال ذلك الخير والشر، والجهل والعلم والصدق والكذب، والإيمان والكفر، والحب والبغض، فإما أن يكون الإنسان معالجاً للجهل بالعلم، وللكذب بالصدق، وللكفر بالإيمان، وللبغض بالحب، وإما أنه يميل إلى أحد هذين القطبين فيكون متصفاً به، وعنواناً لأحدهما فيصبح إما شريراً أو خيراً وإما عالماً أو جاهلاً أو محباً أو مبغضاً.

وهنا: في مسألة حب فاطمة وبعلها وولديهما عليهم السلام لا يمكن أن يكون الإنسان يحمل من طرف مثقال ذرة من حبهما ومثقال ذرة من بغضهما في آن واحد فحالهما أي الحب والبغض حال الإيمان والكفر، فمثقال من الكفر يؤدي إلى الهلاك ومثقال من الخير يؤدي إلى النجاة كما دلّ عليه قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[1].

وفي حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبغضهم تظهر الخطورة العظمى حيث يندرج الإنسان ضمن قائمة الظالين الذين غضب الله عليهم كما دلت عليه النصوص، منها:

1 ــ عن أبي الجارود عن أبي عبد الله الحداي قال: قال لي أمير المؤمنين عليه السلام:
«يا أبا عبد الله ألا أخبرك التي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة، وبالسيئة التي من جاء بها كب على وجهه في جهنم؟».

قلت: بلى يا أمير المؤمنين، فقال: «الحسنة حبنا، والسيئة بغضها أهل البيت»)[2].

2 ــ روى الشيخ الطوسي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم عليه السلام فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمّد اشمأزت قلوبهم؟، والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي»[3].

3 ــ عن أبي حمزة الثمالي قال: (كنت مع أبي جعفر عليه السلام، فقلت: جعلت فداك يبن رسول الله: قد يصوم الرجل النهار، ويقوم الليل، ويتصدق، ولا يعرف منه إلا خيراً، إلا أنه لا يعرف الولاية، قال: فتبسم أبو جعفر عليه السلام وقال: «يا ثابت إنا في أفضل بقعة على ظهر الأرض لو أن عبداً لم يزل ساجداً بين الركن والمقام حتى يفارق الدنيا لم يعرف ولايتنا، لم ينفعه ذلك شيئاً»)[4].

من هنا: نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قرن هذا الحب ــ وبلحاظ هذه السُنّة السلوكية ــ بالبغض فمن أحبهم فقد بغض أعدائهم، ومن أبغضهم أحب أعدائهم؛ وذلك ن المؤمن ينجذب إلى الخير سريع الالتحاق بأهله ويأنس بهم ويستوحش من غيرهم؛ والحال نفسه قائم عند الكافر فهو يستوحش من أهل الخير سريع الفرار منهم، بل نجده يشمئز من الإيمان والذكر كما دلّ عليه قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}[5].

وهذه الحالة النفسية التي يمكن ملاحظتها في جميع الأزمنة نجدها متجسدة في المؤمن والكافر وتنعكس على حاله وأفعاله؛ بل نجدها لتتضاعف معه حتى يصبح المؤمن سلم لمن سالم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ وحرب لمن حارب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لتلازم الإيمان بالحب، والبغض بالنفاق فيكون إما من أهل الإيمان، وإما من أهل النفاق، فيسالم أهل سنخه ويعادي أهل نقيضه.

ولعل كثير من النصوص الصريحة والواضحة في هذا الجانب تقطع الطريق على المتأولين في دفع المسلم عن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحديد المسار والعلاقة مع أهل البيت عليهم السلام، فكان منها:

1 ــ روى الزرندي، وابن حجر، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي، ومن أحب أن يسأله في أجله، وأن يتمتع بما خوله الله، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر الله عمره وورد عليّ يوم القيامة مسوداً وجه»[6].

2 ــ روى أبو يعلى الموصلي (عن بن حوشب الحنفي قال: حدثتني أم سلمة قالت: ثم جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم متوركة الحسن والحسين في يدها برمة للحسن فيها سخين حتى أتت بها النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم، فلما وضعتها قدامه قال لها: «أين أبو الحسن».

قالت: «في البيت».

فدعاه، فجلس النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين يأكلون.

قالت أم سلمة:  وما سامني النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم وما أكل طعاماً قط إلا وأنا عنده إلاّ ساميته قبل ذلك اليوم[7].

فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال: «اللهم عاد من عاداهم ووال من والاهم»)[8].

ويمضي النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في بيان تلازم الحب والبغض وارتباطهما الإيماني والنفاقي، فيبين للمسلمين إن حب أهل بيته هو عين حبه صلى الله عليه وآله وسلم ــ كما أسلفنا ــ وإن بغضهم هو عين بغضه ــ والعياذ بالله ــ.

ولشدت حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إيصال هذا الحكم إلى الناس وحثّهم على العمل به تعدد منه صدور هذا الحكم الشرعي بنحوي المجمل والمفصل؛ فمرة يخص بهذا الحكم الشرعي الحسن والحسين عليهما السلام فيقتصر على ذكرهما فيظهر تلازم حبهما بحبه وبغضهما ببغضه؛ ومرة أخرى يخص بالذكر علي بن أبي طالب عليه السلام، ومرة ثالثة بفاطمة، ورابعة بهم جميعاً.

والظاهر ــ كذلك ــ من سيل الروايات الكثيرة في هذا الخصوص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك موقفاً أو مناسبة إلا وقد صرح للمسلمين بهذا الحكم الشرعي كي يلتفت المسلمون إلى خطورة هذا العنوان وذلك لما يترتب عليه من صلاح لهذه الأمة أو فسادها وضلالها.

ولذلك: نجد أن السبب في تعدد هذه الأحاديث وكثرتها هو لما ذكرناه، فكان من هذه الأحاديث ما يلي:

1 ــ أخرج أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني».

يعني حسناً وحسيناً)[9].

ولا يخفى على اللبيب إن ما يترتب على الحب من عناوين شرعية وروحية واجتماعية يترتب على البغض كذلك.

2 ــ وعن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة، قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة ويلثم هذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما؟ فقال: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني»)[10].

وفي حبه صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام وما يترتب على المسلم من حكم شرعي من التلازم بين حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحب علي بن أبي طالب عليه السلام فمن بغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام فقد بغض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى الحاكم في المستدرك، عن عوف بن أبي عثمان النهدي قال: (قال رجل لسلمان: ما أشد حبّك لعلي؟

ــ فقال سلمان ــ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من أحبّ علياً فقد أحبني ومن أبغض علياً فقد أبغضني»)[11].

والحديث واضح الدلالة في أن شدة حب سلمان لعلي بن أبي طالب عليه السلام إنما في حقيقته هو حبه الشديد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن هنا: فإن الذين كانوا يبغون علي بن أبي طالب عليه السلام، فهم يبغضون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك للملازمة بين حبيهما وبغضيهما؛ أي: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام.

فمن يدعي حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزم منه حب علي عليه السلام، فضلاً عن مفاهيم الحب ومصاديقه كـ:(الإتباع، والإيمان، والموالاة، والنصرة، والسلم) وغيرها، وفضلاً عن نقائض هذه المصاديق كـ(التخلي، والكفر، والبراءة، والخذلان، والحرب) وغيرها، فمن اتبعهم تخلى عن غيرهم، ومن آمن بهم كفر بغيرهم، ومن والاهم تبرأ من أعداءهم ومخالفيهم، ومن نصرهم خذل غيرهم، ومن سالمهم حارب غيرهم إن كانوا حرب لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولأجل ذلك: وما يترتب عليه من تحديد للهوية الإسلامية والأخروية حينما يقف المسلم بين يدي الله تعالى، لقوله سبحانه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}[12].

عن آل محمد كيف خلفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، كان كل هذا التشديد والتحذير من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
1 ــ روى القندوزي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال له: «يا سلمان من أحب فاطمة ابنتي فهو في الجنة معي، ومن أبغضها فهو في النار، يا سلمان حب فاطمة ينفع في مائة موطن أيسر تلك المواطن: الموت، والقبر، والميزان، والصراط، والحساب، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه، ومن رضيت عنه رضى الله تعالى عنه، ومن غضبت ابنتي فاطمة عليه غضبت عليه ومن غضبت عليه غضب الله عليه.

«يا سلمان، ويل لمن ظلمها ويظلم بعلها عليا، وويل لمن يظلم ذريتها وشيعتها»[13].

2 ــ روى القاضي عياض في الشفا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال:

«معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب»[14].

3 ــ روى الحافظ الخركوشي في شرف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، والقندوزي عن علي عليه السلام، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

من آذاني في أهل بيتي فقد آذى الله عزّ وجل، ومن أعان على أذاهم وركز إلى عدوهم فقد أذن بحرب من الله ولا نصيب له غداً في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»[15].

4 ــ أخرج الشيخ الصدوق رحمه الله (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ علياً وصيي وخليفتي، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداي من والاهم فقد والاني ومن عاداهم فقد عاداني ومن ناواهم فقد ناواني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برهم فقد برني، وصل الله من وصلهم، وقطع من قطعهم، ونصر من نصرهم، وأعان من أعانهم، وخذل من خذلهم، اللهم من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت، فعلي وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»)[16].

ـــــــــــــــ
[1] سورة الزلزلة، الآيتان: 7 و 8.
[2] المحاسن للبرقي: ج1، ص150؛ دعائم الإسلام للقاضي المغربي: ج1، ص71؛ الأمالي للطوسي: ص493؛ تفسير الثعلبي: ج7، ص230؛ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج1، ص548؛ كشف الغمة للأربلي: ج1، ص328؛ ينابيع المودة للقندوزي: ج1، ص291.
[3] الأمالي للشيخ الطوسي: ص140؛ كشف الغمة للأربلي: ج2، ص11.
[4] الأصول الستة عشر بتحقيق المحمودي: ص333؛ تفسير أبي حمزة الثمالي: ص137؛ مستدرك الوسائل: ج1، ص151.
[5] سورة الزمر، الآية: 45.
[6] نظم درر السمطين للزرندي: ص231؛ الإصابة لابن حجر: ج1، ص406؛ فيض القدير للمناوي: ج2، ص220؛ كنز العمال: ج12، ص99.
[7] تعني بسامني دعاني إليه.
[8] مسند أبي يعلى الموصلي: ج12، ص384؛ شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج33، ص92.
[9] مسند أحمد بن حنبل: ج2، ص288؛ فضائل الصحابة للنسائي: ص20.
[10] مسند أحمد: ج2، ص440؛ سنن ابن ماجة: ج1، ص21؛ مستدرك الحاكم: ج3، ص166.
[11] مستدرك الحاكم: ج3، ص130.
[12] سورة الصافات، الآية: 24.
[13] ينابيع المودة للقندوزي: ج2، ص332؛ الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري: ج1، ص20.
[14] الشفا بتعريف المصطفى للقاضي عياض: ج2، ص48؛ العجاجة الزرنبية للسيوطي: ص33؛ ينابيع المودة للقندوزي: ج1، ص7؛ وج2، ص254.
[15] شرف المصطفى للحافظ الخركوشي (مخطوط) يرقد في مكتبة الأسد الوطنية تحت الرقم (1887) ويحمل رقم المصغر الفيلمي (4891) الورقة 180، من جهة اليمين؛ ينابيع المودة للقندوزي: ج2، ص81؛ كتاب الأربعين للقمي الشيرازي: ص472؛ شرح إحقاق الحق: ج9، ص467.
[16] الأمالي للصدوق: ص473.

اختصاص جبرائيل بتزويج فاطمة من علي عليهما السلام ومراحل ظهوره زماناً ومكاناً

بقلم السيد نبيل الحسني

يعدّ زواج فاطمة عليها السلام محطة من المحطات التي كان لجبرائيل عليه السلام دورٌ خاصٌّ فيها فكان ظهوره في هذه المناسبة متكرراً حتى أصبح هو المعني بهذا الأمر مما يقود الذهن إلى ان أمر زواجها من علي عليهما السلام لا يقل أهمية من بعث الأنبياء عليهم السلام وذلك لما يترتب عليه من جعل الإمامة في ذريتهما وليتجلى فيهما الاصطفاء الإلهي على العالمين.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[1].

من هنا: نجد أن هذا الظهور المتكرر لجبرائيل عليه السلام في هذه المناسبة إنما لكونهما المختارين لخروج نور النبوة وصراط الشريعة وتحقيق دولة الحق والعدل وظهور الإسلام على الدين كله في المهدي ابن فاطمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ألف: هبوط جبرائيل عليه السلام بخبر تزويج فاطمة في السماء ليزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض من علي بن أبي طالب عليه السلام


عن أم سلمة، وسلمان المحمدي، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، كلهم قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انه قال:

«هبط عليّ جبرائيل، فقال: السلام عليك ورحمة الله يا نبي الله، ثم انه وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنة، وفيها سطران مكتوبان بالنور.

فقلت حبيبي جبرائيل ما هذه الحريرة، وما هذه الخطوط؟

فقال جبرائيل: يا محمد إن الله عز وجل أطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارك من خلقه، فبعثك برسالته ثم اطلع إلى الأرض ثانية فاختار لك منها أخا ووزيرا، وصاحباً وختنا فزوجه ابنتك فاطمة.

فقلت حبيبي جبرائيل ومن هذا الرجل؟

فقال لي: يا محمد أخوك في الدنيا والآخرة وابن عمك في النسب علي بن أبي طالب»[2].

باء: جبرائيل وميكائيل يجريان عقد نكاح فاطمة من علي في السماء والملائكة هم الشهود


وبالإسناد السابق في الفقرة «ألف»، قال: جبرائيل عليه السلام:

«ثم أوحى الله أن أعقد عقدة النكاح، فاني قد زوجت فاطمة بنت حبيبي محمد ــ بـ ــ عبدي علي بن أبي طالب».

وفي خبر عن أم أيمن: وعقد جبرائيل وميكائيل في السماء نكاح علي وفاطمة. قال جبرائيل:

فعقدت عقدة النكاح وأشهدت على ذلك الملائكة أجمعين، وكتبت شهادتهم في هذه الحريرة وقد أمرني عز وجل أن أعرضها عليك وان اختمها بخاتم مسك وان ادفعها إلى رضوان، وان الله عز وجل لما أشهد الملائكة على تزويج علي من فاطمة أمر شجرة طوبى أن تنشر حملها من الحلي والحلل، فنشرت ما فيها فالتقطته الملائكة والحور العين، وأن الحور العين لتهادينه ويفتخرن به إلى يوم القيامة..»[3].

جيم: جبرائيل عليه السلام يشتري الدرع الحطمية من علي عليه السلام ثم يهديها إليه ليكون مهر فاطمة عليها السلام


بعد ان يقوم جبرائيل عليه السلام في إخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمجريات عقد فاطمة في السماء ويأمره عن الله عز وجل بإجراء العقد في الدنيا، فإن الظهور الثالث الذي تنقله الروايات لجبرائيل عليه السلام يكون في تحديد مهر فاطمة عليها السلام.

ولقد مرّ علينا في الجزء الثاني من الكتاب: ان مهر فاطمة كان مقداره أربعمائة درهم وديناراً حصل عليها الإمام علي عليه السلام من خلال بيعه لدرعه الحطمية التي غنمها في معركة بدر الكبرى.

الا ان الملاحظ في هذا المهر هو قيام جبرائيل عليه السلام بشراء هذه الدرع وإعطاء ثمنها لعلي عليه السلام ثم ارجاعها إليه بعنوان الهدية.

فقد ورد في الحديث انه جاء بالدرع والدراهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطرحها بين يديه وقال:

يا رسول الله بعت الدرع بأربعمائة درهم ودينار، وقد اشتراها دحية وسألني أن أقبل الدرع هدية فما تأمرني فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ليس هو دحية لكنه جبرائيل، والدراهم من عند الله لتكون شرفاً وفخراً لابنتي فاطمة»[4].

والحديث واضح الدلالة في اختصاص فاطمة بهذا التشريف الإلهي الذي امتازت به على جميع نساء الدنيا في أمر زواجها. فضلاً عن ذلك فان الآثار التكوينية في مصدر مال المهر على الحياة الزوجية والذرية ما لا يخفى بيانه لأهل الإشارة والعرفان، ولو شاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يظهر ما لهذه المسألة أي أن تكون الدراهم من الله تعالى والحامل لها جبرائيل عليه السلام على هذا الزواج ليبين ذلك للناس الا ان اقتصاره على هذا القول فيه كفاية لمن أراد ان يقف على الحكمة في أن يتولى جبرائيل عن الله تعالى بذل مهر فاطمة عليها السلام.

دال: إن عطر فاطمة ليلة زفافها عنبر يسقط من أجنحة جبرائيل ممزوج بعرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


إن من الأمور التي اعتادها النساء هو الاحتياج إلى العطر ليلة الزفاف، لكن أن يكون هذا العطر من السماء ومن أجنحة جبرائيل وحبات عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا أمر غير اعتيادي؛ بل فريد واستثنائي كفرادة علي وفاطمة عليهما السلام وما تعلق بهما من أمر الدين والدنيا والآخرة.

فقد روي: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر نساءه بتزيين فاطمة عليها السلام فاستدعين من فاطمة طيباً فاتت بقارورة فسئلت عنها؟ فقالت:

كان دحية الكلبي يدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول لي ــ أبي ــ: يا فاطمة هاتي الوسادة فاطرحيها لعمك، فكان إذا نهض سقط من ثيابه شيء فيأمرني بجمعه.

فسئل رسول الله عن ذلك فقال: «هو عنبر يسقط من أجنحة جبرائيل».

وأتت بماء ورد فسألت أم سلمة عنه؟

قالت: هذا عرق رسول الله كنت آخذه عند قيلولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم[5].

ولعل، بل الأرجح أن التي أتت بماء الورد هي نفسها فاطمة عليها السلام وذلك أن أم سلمة قد تزوجت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد زواج فاطمة بسنتين أو ثلاث إلاّ أن هذا الفعل أي: جمع حبات تعرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكرر كذلك من أم سلمة ولعل الرواة اشتبهوا في نسب هذا الفعل إلى أم سلمة في زواج فاطمة عليها السلام في حين أن التي جاءت بالعنبر الذي تساقط من أجنحة جبرائيل وبماء الورد الذي كان يتساقط من تعرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي فاطمة عليها السلام فكان عطرها في ليلة زفافها لعلي عليه السلام.

هاء: جبرائيل عليه السلام يهبط في سبعين ألف ملك في ليلة زفاف فاطمة عليها السلام


من الأزمنة التي ظهر فيها جبرائيل عليه السلام في حدث زواج فاطمة عليها السلام هو ليلة زفافها، فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري، انه قال: «فلما كانت الليلة التي زفت فيها فاطمة إلى علي عليهما السلام وبينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الطريق إذ سمع صلى الله عليه وآله وسلم وجبة فإذا هو جبرائيل في سبعين ألف، وميكائيل في سبعين ألف.

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أهبطكم إلى الأرض»؟

قالوا: جئنا نزف فاطمة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام».

واو: جبرائيل يتحف فاطمة وعليّاً عليهما السلام ليلة الزفاف بطعام من الجنة


إن من الأمور التي تلازم الأعراس هو تهيئة طعام في ليلة العرس للعروسين، لكن الذي لم يحصل الا في عرس علياً وفاطمة عليهما السلام: هو أن يأتيهما جبرائيل بهدية ليلة العرس.

فقد هبط جبرائيل عليه السلام في زمرة من الملائكة بهدية ــ وهي عبارة عن سلة وكانت مغلقة فلما استقر الحال بالعروسين في بيتهما ــ فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلة فإذا فيها كعك وموز وزبيب، فقال: هذا هدية جبرائيل، ثم اقلب يده سفرجلة فشقها نصفين فأعطى علياً نصفاً وفاطمة نصفاً وقال: هذه هدية من الجنة إليكما[6].

ياء: جبرائيل يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة زفاف فاطمة بقتل الإمام الحسين عليه السلام


لم تزل ليلة زفاف فاطمة عليها السلام استثنائية وفريدة في جميع مجرياتها حتى في حياة جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام فمن منهم يهبط عليه جبرائيل ليطلعه في ليلة زفافه على ما قضاه الله تعالى في أمر زواجه من إرزاقه بولدٍ تقتله أمته من بعده.

نعم: هذا الذي حصل في ليلة زفاف علي وفاطمة عليهما السلام كما أخبرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند السحر من ليلة الزفاف.

فعن علي أمير المؤمنين عليه السلام قال: «فلما كان في آخر السحر أحسست برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذهبت لأنهض، فقال: مكانك أتيتك في فراشك رحمك الله.
فأدخل رجليه معنا في الدثار ثم أخذ مدرعة كانت تحت رأس فاطمة فاستيقظت فبكى وبكت وبكيت لبكائهما.

فقال لي: ما يبكيك؟!

فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله بكيت وبكت فاطمة فبكيت لبكائكما.

فقال: أتاني جبرائيل فبشرني بفرخين يكونان لك ثم عزيت بأحدهما وعلمت أنه يقتل غريباً عطشانا فبكت فاطمة حتى علا بكاؤها.

ثم قالت: يا أبي لم يقتلوه وأنت جده وعلي أبوه وأنا أمه؟!

قال: يا بنية لطلبهم الملك، أما إنهم سيظهر عليهم سيف لا يغمد إلا على يد المهدي من ولدك، يا علي من أحبك وأحب ذريتك فقد أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أبغضك وأبغض ذريتك فقد أبغضني ومَنْ أبغضني أبغضه الله وأدخله النار»[7].

ـــــــــــــــــــــــ
[1] سورة آل عمران: 33 ــ 34.
[2] البحار للمجلسي: ج43، ص128.
[3] البحار للمجلسي: ج43، ص128.
[4] دلائل الإمامة للطبري: ص13.
[5] الأمالي للطوسي: ص42. المناقب لابن شهر: ج3، ص130. الدر النظيم لابن أبي حاتم: ص407. البحار للمجلسي: ج43، ص114 ــ 115.
[6] الخرائج للراوندي: ج2، ص536؛ البحار للمجلسي: ج43، ص96.
[7] فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة الكوفي: ص108. نوادر المعجزات لمحمد بن جرير الطبري: ص96.

سر العلاقة بين غضب الله تعالى وغضب فاطمة عليها السلام

بقلم: السيد نبيل الحسني

لا شك أن هناك علاقة بين غضب الله تعالى وبين غضب فاطمة عليها السلام على الرغم من تلك المغايرة والاختلاف بين النشأة والأسباب والعلامات للغضبين والرضائين، فشتان بين الخالق عزّ شأنه وبين المخلوق.

كما لا شك أن هذا الحديث النبوي الشريف له دلالات كثيرة، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[1].

يدفع بالإنسان الى التفكر والتدبر في حديثه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن ثم فإن هذا الحديث يخبر عن حقيقة شرعية، وسنة إلهية، وقد قال سبحانه وتعالى: {...وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}[2].

وقوله تعالى: {...وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}[3].

أي أن من السنن الإلهية أن يرضى الله تعالى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها؛ ومن ثم أين تكمن العلاقة، وأين تكون المغايرة، وقد قرن الحديث النبوي بين غضب الله تعالى وغضب فاطمة عليها السلام؟

وجوابه فيما يلي:

1 ــ لابد أولاً من التفريق بين المغايرة التي يراد بها اتصاف الخالق بالمخلوق، وبين المغايرة التي يراد بها الشريعة، يعني: أننا حينما نريد أن نصف الغضب من حيث كونه غضباً فلابد أن نلتفت إلى أن هناك تغايرا في منشئ الغضب وظهوره وتحققه في الخارج، بحيث يلحق منشئ الغضب لدى الإنسان وظهوره وتحققه في الخارج بالخالق عزّ وجل وهذا لا يجوز شرعاً، فغضب الخالق مغاير بالكلية لغضب المخلوق.

أما أن يكون غضب الأنبياء والمرسلين الحادث لانتهاك الشريعة، وتعدي الحدود الإلهية، فهو في الواقع غضب الله تعالى وبه تنشئ العلاقة بين الغضبين والرضائين، لأن المحرك لهذا الغضب هو الحكم الشرعي.

إلاّ أن تبعات هذا الغضب والرضا بين الخالق سبحانه والمخلوق مختلفة؛ ومغايرة، وهي المغايرة الشرعية، بمعنى: أن تبعات غضب الخالق سبحانه: هو الدخول في النار، وتبعات رضاه، هو الدخول في الجنة، أما الأنبياء والمرسلون والأئمة فهم لا يملكون جنة ولا نار وإنما هم السبل المؤدية إلى الجنة والنار.

وهذا المعنى قد دلّ عليه الحديث الشريف للإمام الصادق عليه السلام في بيانه لقول الله تعالى: {فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}[4].

فقال: («إنّ الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون  مدبرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطا، وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضا: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال أيضا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}[5].

وقال أيضا: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[6].

وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، هكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول: إن المكون يبيد يوما ما، لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا، هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء الله»)[7].

والحديث الشريف واضح الدلالة والمعنى في بيان العلاقة بين غضب الله تعالى وبين غضب أولياءه، وإن المناط في ذلك هو الحكم الشرعي فهؤلاء الأنبياء والمرسلين والأئمة غضبهم لله ورضاهم له ولذلك جعلهم لنفسه سبحانه.

2 ــ لا يكون الغضب من الله تعالى إلا بهتك الحرمات، وحرمات الله تعالى تحددها الشرائع السماوية بحسب الضرورة الشرعية والمصالح الدينية التي يحددها الله تعالى لكل نبي من الأنبياء وإن كانوا جميعاً قد بعثوا لمحاربة الوثنية والإشراك بالله تعالى وقاموا بالدعوة إلى التوحيد.

فكان انتهاك هذه الحرمات وتعدي حدود الله تعالى هي الموجبة للغضب الإلهي وبها ينزل العذاب على المقترفين لهذه الانتهاكات، وبصونها تنزل الرحمة وتفتح أبواب السماء وينال رضا الله تعالى.

ولقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في مواضع كثيرة تظهر اختلاف هذه الحرمات من دين إلى دين آخر حتى إذا جئنا إلى الإسلام كانت الحرمات التي ذكرها القرآن خمسة، وهي:

(البيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل)[8].

ثم كان التعظيم لهذه الحرمات فقال سبحانه: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[9].

كي يبتلى المسلم في هذه الحرمات فيرى الله سبحانه كيف يعظمها عباده فيختبرهم ويمتحنهم بها كما امتحن الذين من قبلهم.

وهذه الحقيقة والحكمة في هذا الابتلاء بيّنها الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام حينما تحدث عن القرآن ومن تكلم فيه من الناس بدون علم ولا هدى فقال عليه السلام:

«إن ناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}[10].

فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}[11].

ثم دعاهم إلى الله وحده وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم بعث الأنبياء عليهم السلام على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}[12].

فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء (به) من عند الله فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك، وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد، وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها، فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة ومنهاجا، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده.

وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة وكان من السنة والسبيل التي أمر الله عز وجل بها موسى عليه السلام أن جعل الله عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله، أدخله الله الجنة ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من عمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عز وجل النار وذلك حيث استحلوا الحيتان واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن ولا شكوا في شيء مما جاء به موسى عليه السلام، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}[13].

ثم بعث الله عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بما جاء به من عند الله وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا، ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره وهو إيمان التصديق ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد صلى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}[14].

أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شيء مما نهى عنه وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}[15].

وأنزل تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[16].

فهذا مشرك وأنزل في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا}[17].

فهذا مشرك وأنزل في (سورة) تبارك: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}[18].

فهؤلاء مشركون وأنزل في الواقعة: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}[19].

فهؤلاء مشركون وأنزل في الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}[20].

فهذا مشرك، وأنزل في طسم: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}[21].

جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}[22].

يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد وتصديق ذلك قول الله عز وجل: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ}[23].

{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}[24].

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}[25].

ليس فيهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله ،ولا النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}[26].

سيدخل الله اليهود والنصارى النار ويدخل كل قوم بأعمالهم، وقولهم: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}[27].

إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم إلى النار:

{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}[28].

وقوله: (كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا).

وقال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة والآيات وأشباههن مما نزل به بمكة ولا يدخل الله النار إلا مشركا، فلما أذن الله لمحمد صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وأنزل عليه الحدود وقسمة الفرائض وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها وأنزل في بيان القاتل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[29].

ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[30].

وكيف يكون في المشيئة وقد ألحق به ــ حين جزاه جهنم ــ الغضب واللعنة وقد بين ذلك من الملعونون في كتابه وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما.

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}[31].

" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما وذلك أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه حتى يعرفه كل أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}[32].

ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا، قال الله عز وجل: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[33].

وأنزل في العهد: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[34].

والخلاق: النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شيء يدخل الجنة وأنزل بالمدينة: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[35].

فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ــ ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال ــ:

«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص». ونزل بالمدينة: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[36].

فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عز وجل: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}[37].

وجعله الله منافقا، قال الله عز وجل: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[38].

وجعله عز وجل من أولياء إبليس، قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}[39].

وجعله ملعونا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[40].

وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}[41].

أنزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}[42].

والسبيل الذي قال الله عز وجل: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[43])[44].

وهنا نجد بوضوح كيف أن الله تعالى قد أجرى حكمته في ابتلاء الأمم السابقة في تعظيمها للحرمات التي حددها الله سبحانه كحرمة يوم السبت ثم نسخه لهذه الحرمة في أمة عيسى عليه السلام وكيف كان تدرج الأحكام في هذه الأمة وابتلاء المسلمين بها منذ أن بعث صلى الله عليه آله وسلم وحتى توفي وقد صدع بالنذارة وبلغ بالرسالة فكانت أعظم الحرمات التي ابتلي بها المسلمون هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته أهل بيته.

فكانت طاعته صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله التي ينال بها رضاه وجنته؛ ومعصيته صلى الله عليه وآله وسلم هي معصية الله تعالى التي ينزل بها سخط الله وتوجب الخلود في النار والعياذ بالله.

لأن العاصي لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون قد هتك أعظم الحرمات وذلك لعظم حرمة الإسلام عند الله تعالى؛ وأن المطيع لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون قد صان أعظما لحرمات عند الله تعالى.

وهي حقيقة نص عليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها:

1 ــ قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[45].

2 ــ قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}[46].

3 ــ وقد جعل الله الهجرة إليه وإلى رسوله فقال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[47].

4 ــ وجعل سبحانه حرب رسوله هي حرب له عزّ شأنه فقال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[48].

5 ــ وجعل شقاهما أمر واحد فقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[49].

6 ــ وإن تحريم الرسول هو تحريم الله سبحانه فقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[50].

7 ــ وإن الله جعل العطاء والخير والرزق وما يحتاجه العباد هو من الله ورسوله فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}[51].

8 ــ وقد جعل الله سبحانه الغنى منه ومن رسوله فقال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}[52].

9 ــ وقال سبحانه في الذين يحاربون رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ}[53].

10 ــ وقد سخط الله على أهل الكتاب فأخرجهم من ديارهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وجعلهم يقدمون على تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وأجلاهم من الأرض والسبب في ذلك أنهم شاقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال سبحانه: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[54].

وغيرها من الآيات الكريمة التي تظهر أن أعظم الحرمات عند الله تعالى هي حرمة رسوله الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن بطاعته يكون المسلم قد صان أعظم الحرمات، وأن بمعصيته صلى الله عليه وآله وسلم يكون العاصي قد هتك أعظم الحرمات.

قال تعالى: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}[55].

والآية لا تنطق بعقوبة الإشراك بالله تعالى ولم تتحدث عن الصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد وغيرها من الفروع وإنما مطلق المعصية لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تدخل العاصي النار وتقضي عليه بالخلود فيها.

فكيف بمن آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماذا سيكون مصيره في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}[56].

وأي أذى أكبر من أن تقتل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها يقول النبي: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»[57].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»[58].

وعليه: قد لا يبقى مجال لدى البعض في نكران أن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة عليها السلام بعد أن ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي يغضب لغضبها ويتأذى لأذاها، والسؤال المطروح هل أن الله تعالى سيجعل انفكاكاً وتجزءاً بين رضا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ورضا بضعته فاطمة عليها السلام بعد كل هذا البيان الذي نزل به الوحي في محكم الكتاب في إظهار حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان هذا التلازم بين طاعة الله ومعصيته وحربه، وشقاقه، وحداده، وأذاه، ورضاه، وبين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا ينفك ولا يتجزأ عن رضا بضعته وقلبه وروحه التي بين جنبيه فاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها؟

إذن: العلة في أن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، ويتألم لألمها، ويتأذى لآذاها، ويفرح لفرحها، وغير ذلك مما يحيط بها صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

ولكن لماذا هذه الخصوصية التي لفاطمة عند سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم؟

وجوابه سيمر ببيان أوضح في مبحث خصص لمعرفة منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أننا هنا نجيب بما سيأتي في المقدمة الخامسة.

 
ــــــــــــــــ
[1] سورة الحاقة، الآية: 40.

[2] سورة الأحزاب، الآية: 62.

[3] سورة فاطر، الآية: 43.

[4] سورة الزخرف، الآية: 55.

[5] سورة النساء، الآية: 80.

[6] سورة الفتح، الآية: 10.

[7] كتاب التوحيد للشيخ الصدوق: ص169.

[8] زبدة البيان للمحقق الأردبيلي: ص229.

[9] سورة البقرة، الآية: 194.

[10] سورة آل عمران، الآية: 7.

[11] سورة نوح، الآية: 3.

[12] سورة الشورى، الآية: 13.

[13] سورة البقرة، الآية: 65.

[14] سورة الإسراء، الآيات: 23 ــ 30.

[15] سورة الإسراء، الآيات: 31 ــ 39

[16] سورة الليل: الآيات: 1 ــ 16.

[17] سورة الانشقاق، الآيات: 1 ــ 15.

[18] سورة الملك، الآيتان: 8 و 9.

[19] سورة الواقعة، الآية: 92.

[20] سورة الحاقة، الآية: 25 ــ 33.

[21] سورة الشعراء، الآية: 91.

[22] سورة الشعراء، الآية: 99.

[23] سورة الحج، الآية: 42.

[24] سورة الشعراء، الآية: 176.

[25] سورة الشعراء، الآية: 160.

[26] سورة التوبة، الآية: 30.

[27] سورة الشعراء، الآية: 99.

[28] سورة الأعراف، الآية: 38.

[29] سورة النساء، الآية: 93.

[30] سورة الأحزاب، الآية: 64.

[31] سورة النساء، الآية: 10.

[32] سورة المطففين، الآية: 1.

[33] سورة مريم، الآية: 37.

[34] سورة آل عمران، الآية: 77.

[35] سورة النور، الآية: 3.

[36] سورة النور، الآية: 4.

[37] سورة السجدة، الآية: 18.

[38] سورة التوبة، الآية: 67.

[39] سورة الكهف، الآية: 50.

[40] سورة النور، الآية: 23.

[41] سورة الإسراء، الآية: 76.

[42] سورة النساء، الآية: 15.

[43] سورة النور، الآية: 1.

[44] الكافي للكليني: ج2، ص28 ــ 33.

[45] سورة النساء، الآية: 13.

[46] سورة النساء،الآية: 14.

[47] سورة النساء، الآية: 100.

[48] سورة المائدة، الآية: 33.

[49] سورة الأنفال: الآية: 13.

[50] سورة التوبة، الآية: 29.

[51] سورة التوبة، الآية: 59.

[52] سورة التوبة، الآية: 74.

[53] سورة المجادلة، الآية: 20.

[54] سورة الحشر، الآيتان: 3 و 4.

[55] سورة الجن، الآية: 23.

[56] سورة الأحزاب، الآية: 57.

[57] صحيح البخاري، باب: مناقب المهاجرين: ج3، ص219؛ صحيح مسلم، باب: فضائل فاطمة عليها السلام: ج7، ص141.

[58] صحيح البخاري، باب: النكاح: ج6، ص158؛ صحيح مسلم، باب: فضائل فاطمة عليها السلام: ج7، ص141.