تلازم حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحب فاطمة وبعلها وولديها

بقلم: السيد نبيل الحسني

يمضي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في إظهار منزلة فاطمة عليها السلام لديه وذلك من خلال بيان أن حب فاطمة وبعلها وبنيها هو متلازم مع حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثمّ فإن هذا الحب يقود إلى غاية شرعية أظهرها القرآن الكريم وهو ضمن العناوين الآتية:

ألف: إنّ المراد من الحب الإتباع


إن هذا العنوان الشرعي المبين لإحدى دلالات الحب، وهو الإتباع جاء من خلال القرآن الكريم كما هو واضح في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ...}[1].

بمعنى: لا يمكن أن ينزرع حب الله في قلب أي إنسان وينمو ويعطي ثماره ما لم يكن هناك إتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل لا معنى للحب بدون الإتباع وهو ما عليه الوجدان الإنساني والسير العقلائي، بل يكفي لو تأمل الإنسان أن ذلك سنته كونية جرت في النبات والحيوان وإن اختلف المحرك في الإتباع بين القطرة والغريزة والحب، فعندها يكون الحب في الموجودات فطري وغرائزي يدفع الإنسان إلى ما يحب حتى وإن اختلفت الأهداف فقد يكون الإنسان محب للشهوات لكنه في طبيعته وفطرته يندفع لهذه الشهوات ويتبع كل ما يحقق له إشباع هذا الحب.

ولذلك: وجود الحب يقتضي الإتباع وبدون الإتباع لا معنى للقائل بأنه يحب وذلك لأنه يكون قد خالق الخلقة والفطرة التي فطر الله عليها الموجودات، بل كلما كان الحب أكبر كلما كان الإتباع أشد حتى لا يستطيع المحب الانفكاك عن المحب، بل حتى يكون صورة له في أفعاله وأقواله وهديه وسمته وسننه، وهذا الذي يريده القرآن من حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أن يكون المحب ــ وبحسب ــ مستوى هذا الحب صورة تحاكي المحب في الهدي والسمت والسنة.

من هنا: حينما نأتي إلى معرفة أولئك الذين كانوا مصداقاً للحب النبوي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك من خلال أنهم كانوا يمثلون في فعلهم وقولهم وهديهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنا لا يمكن أن نتعدى أهل بيته عليهم السلام وذلك حسبما أكدته النصوص ودلت عليه الروايات.

1 ــ روى الترمذي عن عائشة قال: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلا وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم)[2].

والحديث يكشف عن رتبة فاطمة عليها السالم ومنزلتها الاتباعية لهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فلمن يكن أحد بعد علي بن أبي طالب عليه السلام ــ كما سيمر ــ في مثل إتباعها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أصبحت تشابهه في سمته ودله وهديه فكان الناظر إليها يخال نفسه ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2 ــ وفي سنة الإتباع التي فطر الله تعالى عليها الخلق فكان الحب قائد المرء في إتباعه للأشياء هو درجة حبه لها، فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يكشف للناس لاسيما أولئك الذين يدعون أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أبعد الخلق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حجم حبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أصبح المصداق الأول لهذه السنة في الإسلام فيقول:

«ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به؛ ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري؛ ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان أيس حق عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير»[3].

إذن: يقتضي حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإتباع كما دلّ عليه القرآن والسُنّة وسيرة العقلاء، وأن أشد الناس حباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وفاطمة وولديهما عليهم السلام فقد كان مصداق هذا الحب من خلال الإتباع المطبق لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمته وسنته وخلقه.

باء: إنّ المراد من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإيمان به


يطرح القرآن قضية حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إطار آخر وتحت عنوان شرعي جديد إلاّ وهو الإيمان بالله تعالى إذ يبدأ القرآن في أول الأمر عند تأسيس هذا العنوان الشرعي والبنائي للمجتمع المسلم من خلال بيان أن الإيمان هو عين الحب لله تعالى، ومن ثمّ فالذين أمنوا هم أشد الناس حباً لله تعالى كما دل عليه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...}[4].

ثم يمضي القرآن في التأسيس لهذا العنوان الشرعي في نفوس الناس كي يتم بناء المجتمع الأنموذج الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فيكون مصداق لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[5].

وذلك من خلال ترسيخ حب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتقديمه على كل شيء تعلق به الإنسان في الحياة وارتبطه.

فيقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[6].

وهذا التأسيس والبناء للعقيدة الإسلامية وبهذه الكيفية التي يطرحها القرآن ويريدها الله تبارك اسمه فيكون حب رسول الله صلى الله عليه وآله يرتكز على الإيمان به وإن مراتب هذا الإيمان مرتبطة بمراتب هذا الحب كما هو مبين في الآية الكريمة من خلال الروابط النفسية والروحية والاجتماعية التي يرتبط بها الإنسان فتعلق بها، بل ويصرف في بقائها ودوامها الكثير من متعلقاته الأخرى وذلك بحسب التفاوت القائم لدى كل إنسان فيما يرتبط به من علاقة أبوية أو أخوية أو والدية أو قرابية أو زوجية أو مالية، كما هو منصوص عليه في الآية المباركة.

فهذه العلائق تتفاوت الناس في التعاطي معها والارتباط بها حتى تأتي العلاقة بالله ورسوله متأخرة أو متقدمة بحسب الإيمان الذي يختلج في قلب الإنسان.

وعليه: يجعل القرآن حب الله ورسوله والجهاد في سبيله هو المقدم على هذه العلائق التي ارتبط بها الإنسان وأحبها وتفاوتت فيما بينها لديه في الحب والأهمية فقد يكون المال أحب جميع هذه الأشياء وقد يكون الأبناء وقد تكون الزوجة.

إلاّ أن المنهج القرآني في بناء العقيدة الإسلامية للمسلم هو أن يكون حب الله ورسوله هوالعنوان الأول والأساس فيما يرتبط بالإنسان من أشياء عديدة.

ثم ليأتي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا النص القرآني ليبين للناس وللمسلمين تحديداً وفي إطار العقيدة القرآنية التي أرادت أن يبنى الإسلام عليها أن يكون حب فاطمة وعلي وولديهما عليهم السلام هو تبع لحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل لا يمكن أن يصدق عنوان الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يكن هناك حب لفاطمة وعلي وولديهما عليهم السلام كما نصت عليه الأحاديث النبوية الشريفة فكانت كالآتي:

1 ــ روى ابن عساكر وغيره عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمرت فاطمة عليها السلام وهي خارجة من بيتها إلى حجرة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها إبناها الحسن والحسين عليهم السلام وعلي في أثرهم فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «من أحب هؤلاء فقد أحبني ومن أبغض هؤلاء فقد أبغضني»[7].

2 ــ روى الشيخ الصدوق والطوسي والترمذي والحاكم والبخاري وغيرهم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحبوا الله لما يغدوكم به مننعمة، وأحبوني لحُب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»[8].

3 ـ روى ابن تيمية وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي»[9].

4 ــ روى ابن أبي شيبة الكوفي، والطبراني وابن عساكر وغيرهم، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح قال: قال العباس: يا رسول الله إنا لنرى وجوه قوم من وقائع أوقعتها فيهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يصيبوا خيراً حتى يحبوكم لله ولقرابتي، أترجو سلهب شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب»[10].

5 ــ روى أحمد بن حنبل، ومحمد بن سليمان الكوفي، والترمذي، والحاكم النيسابوري، وغيرهم بطرق عدة، منها ما رواه أحمد عن عبد الله بن الحرث عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت يا رسول الله إن قريشا إذا لقى بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا تعرفنا؟!

قال: فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً، وقال: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله»[11].

والملاحظ في الحديث بعض النقاط منها:

أ: تخصيص الإيمان بالله تعالى وأنه مرهون بحب أهل البيت عليهم السلام، أي يكون حب كل رجل أو امرأة لأهل البيت عليهم السلام خالصاً لله تعالى وإن كانوا يجدون من يقول بخلافهم وإن كانوا أقرب الناس إليهم كآبائهم وأبنائهم كما نصت الآية الكريمة التي مرّ ذكرها.

ب: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب غضباً شديداً لتغير وجوه قريش في وجه عمه العباس وذلك لما أحدثه الإسلام من تغيرات في المجتمع فكيف يكون حاله عند قتل ابنته فاطمة وولدها عليهم السلام على النحو المعروف ــ نعوذ بالله من سوء المنقلب ومن غضب الله وغضب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ــ.

ج: من البديهي أن أسباب حصول الغضب يضادها أسباب حصول الرضا، بمعنى: كلما زاد إيمان الإنسان كلما زاد حباً لأهل البيت عليهم السلام وكلما كان الحرص شديد على خدمتهم وإدخال السرور عليهم فإن بذلك إدخال للسرور على قلب سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

6 ــ روى أحمد بن حنبل، والترمذي، والدولابي، والطبراني جميعاً عن علي بن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد بن علي الباقر عن أبيه الإمام علي بن الحسين عن أبيه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد حسن وحسين عليهما السلام فقال: من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة»[12].

والحديث الشريف يجمع ما قدمناه من دلالات في أن معنى الحب هو الإتباع والاقتداء والهدي بهؤلاء إلى المستوى الذي يكون الشخص بسمته وطريقة معيشته وتعامله مع الناس صورة حاكية عن الحسن والحسين وعلي وفاطمة عليهم السلام فمن استطاع أن يصل إلى هذا المستوى من الحب فإنه لا شك وبنص الحديث النبوي الشريف سينال من الرضا والقرب الإلهي ما يجعله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة في الدرجة التي أعدها الله تعالى لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في جنة عدن أو الفردوس لأنه قد بلغ رتبة من التقوى العملية ما مكنته من الوصول إلى هذه المنزلة.


ــــــــــــــ
[1] سورة آل عمران، ألآية: 31.
[2] سنن الترمذي: ج5، ص361؛ فضائل الصحابة للنسائي: ص78؛ المستدرك للحاكم: ج4، ص272؛ فتح الباري لابن حجر: ج8، ص103؛ السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص96؛ نصب الراية للزيلعي: ج6، ص156؛ مطالب السؤول لابن طلحة: ص36؛ سبل الهدى والرشاد للشامي: ج11، ص46.
[3] نهج البلاغة، الخطبة القاصعة: ج2، ص157.
[4] سورة البقرة، الآية: 165.
[5] سورة آل عمران، الآية: 110.
[6] سورة التوبة، الآية: 24.
[7] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج14، ص154؛ كنز العمال للهندي: ج12، ص103؛ كشف الغمة للأربلي: ج1، ص525؛ سبل الهدى للصالحي الشامي: ج11، ص57.
[8] الأمالي للصدوق ص446؛ الأمالي للطوسي: ص633؛ سنن لترمذي: ج5، ص330؛ المستدرك للحاكم: ج3، ص150 التاريخ الكبير للبخاري: ج1، ص183؛ تفسير ابن كثير: ج4، ص123؛ الآداب للبيهقي: ج2، ص23؛ الدر المنثور: ج6، ص7.
[9] الوصية الكبرى لابن تيمية: ص297؛ البحر الزخار: ج6، ص131، حديث 2175؛ القول القيم لابن القيم: ص12.
[10] المصنف لابن أبي شيبة الكوفي: ج7، ص518؛ المعجم الكبير للطبراني: ج11، ص343؛ كنز العمال: ج12، ص41؛ تاريخ دمشق لابن عساكر: ج26، 337؛ تاريخ المدينة لابن شبة النمري: ج2، ص640؛ رأس الإمام الحسين لابن تيمية: ص201؛ ينابيع المودة للقندوزي الشافعي: ج2، ص112؛ شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج24، ص235.
[11] مسند أحمد: ج1، ص207؛ وج4، ص165؛ المناقب لمحمد بن سليمان الكوفي: ج2، ص122؛ سنن الترمذي: ج5، ص318؛ سنن ابن ماجة: ج1، ص50؛ فضائل الصحابة للنسائي، ص23؛ المستدرك للحاكم: ج3، ص333؛ المعجم الكبير للطبراني: ص285؛ تهذيب الخصائص للسيوطي: ص432؛ الشفا للقاضي عياض: ج2، ص48؛ السيرة النبوية لابن كثير: ج1، ص92.
[12] مسائل علي بن جعفر: ص50؛ كامل الزيارات: ص117؛ أمالي الصدوق: ص299؛ مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص78؛ سنن الترمذي: ج5، ص305؛ تحفة الأحوذي: ج1، ص163؛ الذرية الطاهرة للدولابي: ص167؛ المعجم الصغير للطبراني: ج2، ص70؛ المعجم الكبير للطبراني: ج3، ص50؛ نظم درر السمطين للزرندي: ص210؛ كنز العمال للهندي: ج12، ص97؛ تاريخ مدينة دمشق: ج13، ص196؛ تهذيب الكمال للمزي: ج6، ص228؛ تهذيب التهذيب لابن حجر: ج10، ص284؛ ذكر أخبار اصبهان للحافظ الأصبهاني: ج1، ص192.

سر العلاقة بين غضب الله تعالى وغضب فاطمة عليها السلام

بقلم: السيد نبيل الحسني

لا شك أن هناك علاقة بين غضب الله تعالى وبين غضب فاطمة عليها السلام على الرغم من تلك المغايرة والاختلاف بين النشأة والأسباب والعلامات للغضبين والرضائين، فشتان بين الخالق عزّ شأنه وبين المخلوق.

كما لا شك أن هذا الحديث النبوي الشريف له دلالات كثيرة، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[1].

يدفع بالإنسان الى التفكر والتدبر في حديثه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن ثم فإن هذا الحديث يخبر عن حقيقة شرعية، وسنة إلهية، وقد قال سبحانه وتعالى: {...وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}[2].

وقوله تعالى: {...وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}[3].

أي أن من السنن الإلهية أن يرضى الله تعالى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها؛ ومن ثم أين تكمن العلاقة، وأين تكون المغايرة، وقد قرن الحديث النبوي بين غضب الله تعالى وغضب فاطمة عليها السلام؟

وجوابه فيما يلي:

1 ــ لابد أولاً من التفريق بين المغايرة التي يراد بها اتصاف الخالق بالمخلوق، وبين المغايرة التي يراد بها الشريعة، يعني: أننا حينما نريد أن نصف الغضب من حيث كونه غضباً فلابد أن نلتفت إلى أن هناك تغايرا في منشئ الغضب وظهوره وتحققه في الخارج، بحيث يلحق منشئ الغضب لدى الإنسان وظهوره وتحققه في الخارج بالخالق عزّ وجل وهذا لا يجوز شرعاً، فغضب الخالق مغاير بالكلية لغضب المخلوق.

أما أن يكون غضب الأنبياء والمرسلين الحادث لانتهاك الشريعة، وتعدي الحدود الإلهية، فهو في الواقع غضب الله تعالى وبه تنشئ العلاقة بين الغضبين والرضائين، لأن المحرك لهذا الغضب هو الحكم الشرعي.

إلاّ أن تبعات هذا الغضب والرضا بين الخالق سبحانه والمخلوق مختلفة؛ ومغايرة، وهي المغايرة الشرعية، بمعنى: أن تبعات غضب الخالق سبحانه: هو الدخول في النار، وتبعات رضاه، هو الدخول في الجنة، أما الأنبياء والمرسلون والأئمة فهم لا يملكون جنة ولا نار وإنما هم السبل المؤدية إلى الجنة والنار.

وهذا المعنى قد دلّ عليه الحديث الشريف للإمام الصادق عليه السلام في بيانه لقول الله تعالى: {فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}[4].

فقال: («إنّ الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون  مدبرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطا، وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضا: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال أيضا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}[5].

وقال أيضا: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[6].

وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، هكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول: إن المكون يبيد يوما ما، لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا، هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء الله»)[7].

والحديث الشريف واضح الدلالة والمعنى في بيان العلاقة بين غضب الله تعالى وبين غضب أولياءه، وإن المناط في ذلك هو الحكم الشرعي فهؤلاء الأنبياء والمرسلين والأئمة غضبهم لله ورضاهم له ولذلك جعلهم لنفسه سبحانه.

2 ــ لا يكون الغضب من الله تعالى إلا بهتك الحرمات، وحرمات الله تعالى تحددها الشرائع السماوية بحسب الضرورة الشرعية والمصالح الدينية التي يحددها الله تعالى لكل نبي من الأنبياء وإن كانوا جميعاً قد بعثوا لمحاربة الوثنية والإشراك بالله تعالى وقاموا بالدعوة إلى التوحيد.

فكان انتهاك هذه الحرمات وتعدي حدود الله تعالى هي الموجبة للغضب الإلهي وبها ينزل العذاب على المقترفين لهذه الانتهاكات، وبصونها تنزل الرحمة وتفتح أبواب السماء وينال رضا الله تعالى.

ولقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في مواضع كثيرة تظهر اختلاف هذه الحرمات من دين إلى دين آخر حتى إذا جئنا إلى الإسلام كانت الحرمات التي ذكرها القرآن خمسة، وهي:

(البيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل)[8].

ثم كان التعظيم لهذه الحرمات فقال سبحانه: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[9].

كي يبتلى المسلم في هذه الحرمات فيرى الله سبحانه كيف يعظمها عباده فيختبرهم ويمتحنهم بها كما امتحن الذين من قبلهم.

وهذه الحقيقة والحكمة في هذا الابتلاء بيّنها الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام حينما تحدث عن القرآن ومن تكلم فيه من الناس بدون علم ولا هدى فقال عليه السلام:

«إن ناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}[10].

فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}[11].

ثم دعاهم إلى الله وحده وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم بعث الأنبياء عليهم السلام على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}[12].

فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء (به) من عند الله فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك، وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد، وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها، فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة ومنهاجا، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده.

وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة وكان من السنة والسبيل التي أمر الله عز وجل بها موسى عليه السلام أن جعل الله عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله، أدخله الله الجنة ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من عمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عز وجل النار وذلك حيث استحلوا الحيتان واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن ولا شكوا في شيء مما جاء به موسى عليه السلام، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}[13].

ثم بعث الله عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بما جاء به من عند الله وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا، ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره وهو إيمان التصديق ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد صلى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}[14].

أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شيء مما نهى عنه وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}[15].

وأنزل تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[16].

فهذا مشرك وأنزل في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا}[17].

فهذا مشرك وأنزل في (سورة) تبارك: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}[18].

فهؤلاء مشركون وأنزل في الواقعة: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}[19].

فهؤلاء مشركون وأنزل في الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}[20].

فهذا مشرك، وأنزل في طسم: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}[21].

جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}[22].

يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد وتصديق ذلك قول الله عز وجل: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ}[23].

{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}[24].

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}[25].

ليس فيهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله ،ولا النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}[26].

سيدخل الله اليهود والنصارى النار ويدخل كل قوم بأعمالهم، وقولهم: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}[27].

إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم إلى النار:

{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}[28].

وقوله: (كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا).

وقال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة والآيات وأشباههن مما نزل به بمكة ولا يدخل الله النار إلا مشركا، فلما أذن الله لمحمد صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وأنزل عليه الحدود وقسمة الفرائض وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها وأنزل في بيان القاتل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[29].

ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[30].

وكيف يكون في المشيئة وقد ألحق به ــ حين جزاه جهنم ــ الغضب واللعنة وقد بين ذلك من الملعونون في كتابه وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما.

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}[31].

" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما وذلك أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه حتى يعرفه كل أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}[32].

ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا، قال الله عز وجل: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[33].

وأنزل في العهد: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[34].

والخلاق: النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شيء يدخل الجنة وأنزل بالمدينة: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[35].

فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ــ ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال ــ:

«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص». ونزل بالمدينة: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[36].

فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عز وجل: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}[37].

وجعله الله منافقا، قال الله عز وجل: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[38].

وجعله عز وجل من أولياء إبليس، قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}[39].

وجعله ملعونا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[40].

وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}[41].

أنزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}[42].

والسبيل الذي قال الله عز وجل: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[43])[44].

وهنا نجد بوضوح كيف أن الله تعالى قد أجرى حكمته في ابتلاء الأمم السابقة في تعظيمها للحرمات التي حددها الله سبحانه كحرمة يوم السبت ثم نسخه لهذه الحرمة في أمة عيسى عليه السلام وكيف كان تدرج الأحكام في هذه الأمة وابتلاء المسلمين بها منذ أن بعث صلى الله عليه آله وسلم وحتى توفي وقد صدع بالنذارة وبلغ بالرسالة فكانت أعظم الحرمات التي ابتلي بها المسلمون هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته أهل بيته.

فكانت طاعته صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله التي ينال بها رضاه وجنته؛ ومعصيته صلى الله عليه وآله وسلم هي معصية الله تعالى التي ينزل بها سخط الله وتوجب الخلود في النار والعياذ بالله.

لأن العاصي لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون قد هتك أعظم الحرمات وذلك لعظم حرمة الإسلام عند الله تعالى؛ وأن المطيع لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون قد صان أعظما لحرمات عند الله تعالى.

وهي حقيقة نص عليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها:

1 ــ قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[45].

2 ــ قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}[46].

3 ــ وقد جعل الله الهجرة إليه وإلى رسوله فقال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[47].

4 ــ وجعل سبحانه حرب رسوله هي حرب له عزّ شأنه فقال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[48].

5 ــ وجعل شقاهما أمر واحد فقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[49].

6 ــ وإن تحريم الرسول هو تحريم الله سبحانه فقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[50].

7 ــ وإن الله جعل العطاء والخير والرزق وما يحتاجه العباد هو من الله ورسوله فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}[51].

8 ــ وقد جعل الله سبحانه الغنى منه ومن رسوله فقال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}[52].

9 ــ وقال سبحانه في الذين يحاربون رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ}[53].

10 ــ وقد سخط الله على أهل الكتاب فأخرجهم من ديارهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وجعلهم يقدمون على تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وأجلاهم من الأرض والسبب في ذلك أنهم شاقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال سبحانه: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[54].

وغيرها من الآيات الكريمة التي تظهر أن أعظم الحرمات عند الله تعالى هي حرمة رسوله الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن بطاعته يكون المسلم قد صان أعظم الحرمات، وأن بمعصيته صلى الله عليه وآله وسلم يكون العاصي قد هتك أعظم الحرمات.

قال تعالى: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}[55].

والآية لا تنطق بعقوبة الإشراك بالله تعالى ولم تتحدث عن الصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد وغيرها من الفروع وإنما مطلق المعصية لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تدخل العاصي النار وتقضي عليه بالخلود فيها.

فكيف بمن آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماذا سيكون مصيره في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}[56].

وأي أذى أكبر من أن تقتل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها يقول النبي: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»[57].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»[58].

وعليه: قد لا يبقى مجال لدى البعض في نكران أن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة عليها السلام بعد أن ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي يغضب لغضبها ويتأذى لأذاها، والسؤال المطروح هل أن الله تعالى سيجعل انفكاكاً وتجزءاً بين رضا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ورضا بضعته فاطمة عليها السلام بعد كل هذا البيان الذي نزل به الوحي في محكم الكتاب في إظهار حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان هذا التلازم بين طاعة الله ومعصيته وحربه، وشقاقه، وحداده، وأذاه، ورضاه، وبين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا ينفك ولا يتجزأ عن رضا بضعته وقلبه وروحه التي بين جنبيه فاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها؟

إذن: العلة في أن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، ويتألم لألمها، ويتأذى لآذاها، ويفرح لفرحها، وغير ذلك مما يحيط بها صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

ولكن لماذا هذه الخصوصية التي لفاطمة عند سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم؟

وجوابه سيمر ببيان أوضح في مبحث خصص لمعرفة منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أننا هنا نجيب بما سيأتي في المقدمة الخامسة.

 
ــــــــــــــــ
[1] سورة الحاقة، الآية: 40.

[2] سورة الأحزاب، الآية: 62.

[3] سورة فاطر، الآية: 43.

[4] سورة الزخرف، الآية: 55.

[5] سورة النساء، الآية: 80.

[6] سورة الفتح، الآية: 10.

[7] كتاب التوحيد للشيخ الصدوق: ص169.

[8] زبدة البيان للمحقق الأردبيلي: ص229.

[9] سورة البقرة، الآية: 194.

[10] سورة آل عمران، الآية: 7.

[11] سورة نوح، الآية: 3.

[12] سورة الشورى، الآية: 13.

[13] سورة البقرة، الآية: 65.

[14] سورة الإسراء، الآيات: 23 ــ 30.

[15] سورة الإسراء، الآيات: 31 ــ 39

[16] سورة الليل: الآيات: 1 ــ 16.

[17] سورة الانشقاق، الآيات: 1 ــ 15.

[18] سورة الملك، الآيتان: 8 و 9.

[19] سورة الواقعة، الآية: 92.

[20] سورة الحاقة، الآية: 25 ــ 33.

[21] سورة الشعراء، الآية: 91.

[22] سورة الشعراء، الآية: 99.

[23] سورة الحج، الآية: 42.

[24] سورة الشعراء، الآية: 176.

[25] سورة الشعراء، الآية: 160.

[26] سورة التوبة، الآية: 30.

[27] سورة الشعراء، الآية: 99.

[28] سورة الأعراف، الآية: 38.

[29] سورة النساء، الآية: 93.

[30] سورة الأحزاب، الآية: 64.

[31] سورة النساء، الآية: 10.

[32] سورة المطففين، الآية: 1.

[33] سورة مريم، الآية: 37.

[34] سورة آل عمران، الآية: 77.

[35] سورة النور، الآية: 3.

[36] سورة النور، الآية: 4.

[37] سورة السجدة، الآية: 18.

[38] سورة التوبة، الآية: 67.

[39] سورة الكهف، الآية: 50.

[40] سورة النور، الآية: 23.

[41] سورة الإسراء، الآية: 76.

[42] سورة النساء، الآية: 15.

[43] سورة النور، الآية: 1.

[44] الكافي للكليني: ج2، ص28 ــ 33.

[45] سورة النساء، الآية: 13.

[46] سورة النساء،الآية: 14.

[47] سورة النساء، الآية: 100.

[48] سورة المائدة، الآية: 33.

[49] سورة الأنفال: الآية: 13.

[50] سورة التوبة، الآية: 29.

[51] سورة التوبة، الآية: 59.

[52] سورة التوبة، الآية: 74.

[53] سورة المجادلة، الآية: 20.

[54] سورة الحشر، الآيتان: 3 و 4.

[55] سورة الجن، الآية: 23.

[56] سورة الأحزاب، الآية: 57.

[57] صحيح البخاري، باب: مناقب المهاجرين: ج3، ص219؛ صحيح مسلم، باب: فضائل فاطمة عليها السلام: ج7، ص141.

[58] صحيح البخاري، باب: النكاح: ج6، ص158؛ صحيح مسلم، باب: فضائل فاطمة عليها السلام: ج7، ص141.

دور مدرسة العراق في تطور علم السيرة النبوية

بقلم: السيد نبيل الحسني

تصف بعض الدراسات التاريخية مدرسة العراق ــ أي الكوفة والبصرة ــ التاريخية بالطابع القبلي، الذي يهتم بسيرة القبيلة والأنساب وقد وجد البعض مبررات لهذا المنهج، منها:

1 ــ الاهتمام بالفعاليات والشؤون القبلية كان استمرارا مباشرا لقصص الأيام (ولروايات الأنساب) في الأسلوب والنظرة موجها إلى الأيام الجديدة، أو المعارك والفتوحات في الإسلام.

2 ــ اعتمادها على الشعر لوثائقها وتجد فيه خير وسيلة لحفظ التراث.

3 ــ قرب الكوفة والبصرة، وهي مراكز قبلية كبرى، وعلى صلة مباشرة ومستمرة بالصحراء، فهي مراكز فعالة لتداول هذه الروايات والأخبار[1].

في حين أن هذه المبررات لا مبرر لها، لأنها عوامل مشتركة في جميع البلاد العربية، بل هي أقدم وأقوم وأنشط في مكة والمدينة، فإن كانت القبيلة لها دورها الفعال في العراق فهي في مكة أكثر تأثيرا، وهما أكثر اهتماما بـ(الأيام) لاسيما وإنهما محطة تلاقي حضارات الشمال والجنوب واليهود والنصارى.

وأما اعتماد مدرسة العراق على الشعر، فما كانت المعلقات السبع في الكوفة أو البصرة وإنما في مكة.

وأما قرب الكوفة من الصحراء، فإن مكة هي في قلب الصحراء.

والذي يظهر من هذا أن أكثر الدراسات التاريخية لم تكن لتنظر بعينين إلى المادة البحثية، كما أنها لم تضع نصب عينها دور البلاط الأموي في طمس كل ما له صلة بأهل البيت عليهم السلام، فكيف بالعراق الذي أصبح في الربع الأول من القرن الأول للهجرة محطة التشيع لعترة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعاصمة الخلافة الإسلامية ومركز انطلاق الفكر الإسلامي.

نعم، يمكن تسجيل عامل مهم في بروز مدرسة المدينة على مدرسة الكوفة في تطور علم السيرة، هو ابتعاد الكوفة والبصرة عن منبع التحرك النبوي والفعل المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم الذي احتضنته نسيمات هواء المدينة المنورة، إلا أن هذا العامل نجده يتهافت فيما لو نظرنا إلى دور مدرسة العترة النبوية في تطور علم السيرة النبوية سواء كانت هذه المدرسة في المدينة أم في العراق.

وهو على عكس ما صوره البعض في وصف الحركة التاريخية والتدوين بأنها سارت متأثرة بـ(الحزبية والإقليمية والقبلية)، فنرى في أبي مخنف ــ وهو أحد رموز المدرسة الكوفية ــ ميولا علوية، وميولا عراقية ــ حيث يورد الرواية: (أدركت الناس وهم يقولون: أن أول ذل دخل الكوفة هو موت الحسين بن علي وقتل حجر بن عدي ودعوة زياد)[2].

وكأن الباحث قد كتب بحثه في زمن الدولة الأموية، لا القرن العشرين، فهو سائر على نهج القدامى في لصق تهمة التشيع ــ كما يسمونها تهمة ــ بكل من يروي رواية في أهل البيت عليهم السلام.

ولذلك: كيف يمكن تسجيل أي دور ولو بسيط لمدرسة الكوفة في تطور علم التاريخ والسيرة، وهي تحارب منذ قرون عديدة وإلى هذا اليوم.

ومن هنا:

فإننا لا نأخذ بهذه النظريات غير الموضوعية، كما أننا لا نسدل الستار على دور مدرسة الكوفة ممثلة بمدرسة أهل البيت عليهم السلام في تطور علم السيرة، وهي كالآتي.

أولا: دور الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في تطور علم السيرة النبوية وإنعكاس ذلك على مدرسة الكوفة

بدأ هذا الدور مع انتقال الإمام علي عليه السلام إلى الكوفة حينما بويع بالخلافة سنة 36هـ أي بعد مرور خمسة وعشرين عاما على وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتقال جل الصحابة معه إلى العراق، مما أعطى زخما علميا كبيرا لأهل العراق في الاطلاع على السيرة النبوية، ناهيك عن امتياز هذه المرحلة بظهور تيارات عقائدية ممثلة بـ:

1 ــ الناكثون: وهم طلحة والزبير وعائشة ومن اتبعهم.

2 ــ القاسطون: وهم معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن تشيع لهم.

3 ــ المارقون: وهم الخوارج أشياع عبد الرحمن بن ملجم وغيره.

وهذا يستلزم تتبع دقيق لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته وهديه كي يتمكن المسلم من النجاة وإتباع السبيل الذي ارتضاه الله تعالى، ولذلك نجده عليه السلام اتخذ منهجا لهذه المرحلة الحساسة في مصير الأمة الإسلامية فكانت من خلال الأمور الآتية:

تذكيره عليه السلام بسمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهديه وسيرته


أي تنقية الرواية الصحيحة من السقيمة والسنة من البدعة، مبتدئاً بعمود الدين، وهي الصلاة فنادى الصلاة جامعة، فصفهم في مسجد الكوفة وفيهم جمع من أهل بدر وحنين كعمار بن ياسر وأبي بن كعب وغيرهما مما لا حصر لهم في هذا الموضع من البحث ــ وصف معهم أهل الكوفة فصلى بهم، فكانت النتيجة لهذه الصلاة مدونة في صحاح المسلمين ومساندهم وعلى لسان مطرف بن الشخير قائلا: (كنت مع عمران بن حصين بالكوفة فصلى بنا علي بن أبي طالب عليه السلام، فجعل يكبر كلما سجد، وكلما رفع رأسه، فلما فرغ قال عمران: صلى بنا هذا مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)[3].

وفي رواية، أنه قال:

(فلما انصرفنا قال عمران: ما صليت منذ حين أو قال منذ كذا وكذا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الصلاة، يعني صلاة علي رضي الله تعالى عنه)[4].

وفي لفظ آخر أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن مطرف، قال:

(صليت أنا وعمران صلاة خلف علي بن أبي طالب عليه السلام، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بيدي فقال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم)[5].

والسؤال الذي يفرض نفسه في ساحة البحث: إذا كان المسلمون قد نسوا كيف هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي من المفروض أنها تصلى في اليوم خمس مرات، فكيف بهم يتذكرون بقية سنته وسيرته وأفعاله وأقواله!؟.

وأنى لهم ذلك وسنته قد أمر بها الشيخان أبو بكر وعمر، فأحرقت، ومحيت، ومنعت من التدوين، ولذا؛ كان لزاما على علي أمير المؤمنين عليه السلام أن يعيد السنة والسيرة النبوية إلى مسارها الصحيح، وأنْ تدون هذه السيرة الصحيحة بعد أن أحرقت ومحيت وغيرت، ومما يدل على أنها غيرت وبدلت ولم يبق منها شيء سواء التي أخرجها أهل البيت عليهم السلام إلى الناس ما يأتي:

1 ــ روى مالك بن أنس ــ إمام المذهب المالكي ــ عن عمه سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: (ما أعرف شيئا مما أدركت الناس عليه إلا النداء للصلاة، أي: الأذان)[6].

2 ــ أخرج الشافعي عن طريق وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: (كل سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد غيرت حتى الصلاة)[7].

3 ــ قال الزهري ــ وهو الذي تنسب إليه أوائل تدوين السيرة النبوية ــ: (دخلنا على أنس بن مالك بدمش وهو وحده يبكي، قلت: ما يبكيك!؟.

قال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضيعت)[8].

4 ــ قال الحسن البصري: (لو خرج عليكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عرفوا منكم إلا قبلتكم)[9].

5 ــ وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه قال: (لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلو بمصحفيهما في بعض الأودية، لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه)[10].

6 ــ وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:

«لا والله، ما هم على شيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا استقبال القبلة فقط»[11].

7 ــ وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

«لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن الدين إلا رسمه»[12].

ومما قام به أمير المؤمنين عليه السلام في تطوير علم السيرة هو:

باء ــ تذكيره بحال العرب قبل مبعث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم

إنّ مما قام به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو تذكير الصحابة بما قام به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من جهود عظيمة لتغييرهم وتعليمهم، أي إعادة تسجيل هذه السيرة في أذهان الناس، وهم الصحابة الذين قدموا معه إلى الكوفة، مع أخباره أهل الكوفة بتفاصيلها، بوصفهم كانوا الأبعد جغرافيا عن المدينة المنورة، فكان من خطبه في إحياء السيرة النبوية وتذكيره بحال العرب قبل الإسلام وبعده ما يأتي:

1 ــ قال عليه السلام: «وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ فيكُمْ مَعْصُوبَةٌ»[13].

2 ــ وقال عليه السلام: «بَعَثَهُ ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَةٍ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاَءُ، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأَمْرِ، وَبَلاَءٍ مِنَ الْجَهْلِ»[14].

3 ــ وقال عليه السلام: «أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً لأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالاَةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ إِلاّ اسْمِهِ وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ»[15].

وفي نهجه لبيان سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قد اتخذ في ذلك أسلوبين:

الأسلوب الأول: إظهار منزلته وقربه ومعرفته برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي بمعنى: إرجاع الناس إلى المصدر العلمي والدقيق والوافي عن كل ما يتعلق بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته. فيقول عليه السلام:

«وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ»[16].

وقال عليه السلام: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ»[17].

ثانيا: إظهار مايتعلق بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن كان فطيما، ثم تعبده في غار حراء، ثم بعثه، ثم تبليغه رسالته صلى الله عليه وآله وسلم وما جرى بينه وبين المشركين، فيقول عليه السلام: «وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ»[18].

وقال عليه السلام: «وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ ولاَ يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟.

فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»[19].

وفي جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ الرسالة فيقول عليه السلام:

«وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا أَتَاهُ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.

فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: وَمَا تَسْأَلُونَ؟

قَالُوا: تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ.

فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟

قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ[20]، وَمَنْ يُحَزِّبُ الأَحْزَابَ[21].

ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ.

فَوَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُرَفْرِفَةً وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا ــ عُلُوّاً واسْتِكْبَاراً ــ فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم. فَقَالُوا ــ كُفْراً وَعُتُوّاً ــ فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ صلى الله عليه وآله وسلم فَرَجَعَ.

فَقُلْتُ أَنَا: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ، إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وَإِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ.

فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ ساحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا (يَعْنُونَنِي) وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلاَمُهُمْ كَلاَمُ الأَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهَارِ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ، لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ولاَ يَعْلُونَ، ولاَ يَغُلُّونَ ولاَ يُفْسِدُونَ، قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ»[22].

إذن؛ لم تكن مدرسة الكوفة تمثل ثقافة القبيلة والأنساب فقط، وإنما شهدت مرحلة متقدمة من مراحل تطور علم السيرة النبوية مما شكل مفاجأة للمدارس الإسلامية الأخرى، ولاسيما مدرسة الشام، فحينما ألف محمد بن الحسن الشيباني العراقي في السير، وعلم الأوزاعي الدمشقي بذلك صاح محتجا ومعترضا: (ما لأهل العراق والتصنيف في هذا الباب؟ فإنه لا علم لهم بالسير!!)[23].

وحينما علم الشيباني بالكلمة وكان كتابه (السير) صغيرا، وهو أساس في الفقه، فكتب كتاب (السير الكبير) الذي حوى مع الفقه الأخبار والمغازي والفتوح، ويمكن أن يعد أول كتاب في بحث العلاقات الدولية[24].

ولقد لعبت الأوضاع السياسية والمذهبية دورها في حجب دور مدرسة الكوفة وقدرتها العلمية في جميع العلوم؛ ولاسيما علم السيرة، مما شكل نقطة فراغ في المادة البحثية للعديد من الدراسات التاريخية.

ثانيا: دور عبيد الله بن أبي رافع (صاحب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام) في تطور علم السيرة وإنعكاس ذلك على مدرسة الكوفة

نستطيع أن نجني ثمار المنهج الذي قام به الإمام علي عليه السلام سريعا في تطور علم السيرة من خلال بعض الأعمال التي قام بها أصحابه عليه السلام في هذا المجال، ومنهم عبيد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام على مدة خلافته في الكوفة.

فقد كتب تسمية من شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه الثلاثة الجمل وصفين والنهروان من الصحابة رضي الله عنهم[25].
وهو يعد بذاك أول مصنف في علم السير والمغازي والرجال في الإسلام؛ لأنه لم يعرف من سبقه في هذا التخصص[26]، وكان قد كتبه في عصر أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة وهو ما أعطى زخماً كبيراً لحركة وتدوين المغازي والسير في مدرسة الكوفة.

ــــــــــــــــــــ
[1] انظر نشأة علم التاريخ عند العرب للدوري: ص 103 ــ 104.

[2] نشأة علم التاريخ عند العرب للدوري: ص 107.

[3] مسند أحمد بن حنبل: حديث عمران بن حصين، ج 4، ص 428.

[4] مسند أحمد بن حنبل: حديث عمران بن حصين، ج 4، ص 429. مصنف الصنعاني لعبد الرزاق الصنعاني: باب التكبير، ج 2، ص 63، ح 2498.

[5] صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب المكث بين السجدتين: ج 1، ص 200. صحيح مسلم: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ج 2، ص 8. سنن أبي داود: باب تمام التكبير، ج 1، ص 192. سنن النسائي: باب الاعتدال في الركوع، ج 2، ص 204.

[6] الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك: ج 1، ص 93. شرح الموطأ للزركاني: ج 1، ص 221.

[7] كتاب الأم للشافعي: ج 1، ص 208.

[8] جامع بيان العلم: ج 2، ص 244.

[9] المصدر السابق.

[10] الزهد والرقاق: ص 61. الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر مرتضى: ج1، ص 142.

[11] بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 68، ص 91.

[12] الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر مرتضى العاملي: ج 1، ص 143.

[13] نهج البلاغة، محمد عبده: من خطب الإمام علي عليه السلام، ص 66. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 18، ص 226، ح 68. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج2، ص19.

[14] نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج 1، ص 186، برقم 95. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 18، ص 219، ح 51. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج 7، ص 66، برقم 94.

[15] نهج البلاغة: من خطب الإمام علي عليه السلام، ج 2، ص 154. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 14، باب 31، ص 474. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج13، ص 179.

[16] نهج البلاغة، من خطب الإمام علي عليه السلام، الخطبة القاصعة، ج 2، ص 157. شرح أصول الكافي لمولى محمد صالح المازندراني: ج 2، ص 298. العمدة لابن البطريق: ص تقديم10.

[17] نهج البلاغة: من خطب الإمام علي عليه السلام، الخطبة القاصعة، ج 2، ص 157. العمدة لابن البطريق: ص11. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف للسيد ابن طاووس: ص 415.

[18] نهج البلاغة: من خطب الإمام علي عليه السلام، الخطبة القاصعة، ج 2، ص 157. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج 2، ص 28. الغدير للشيخ الأميني: ج 3، ص 240.

[19] نهج البلاغة: من خطب الإمام علي عليه السلام، الخطبة القاصعة، ج 2، ص 157. نهج السعادة للشيخ المحمدي: ج 7، ص 145. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج 13، ص 197. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 14، ص 475، باب 31.

[20] القليب: البئر، وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما ستؤول إليه نهايتهم في معركة بدر الكبرى، فقد أسّر المسلمون منهم مجموعة فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ(21) مشركا فقتلوا وألقوا في القليب، أي البئر، ومنهم عقبة بن أبي معيط.

[21] وهو أشار إلى أبي سفيان الذي حزّب الأحزاب في معركة الخندق.

[22] نهج البلاغة: من خطب الإمام علي عليه السلام، الخطبة القاصعة، ج 2، ص 158 ــ 159، برقم 192، ط دار الذخائر، قم ــ إيران. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف للسيد ابن طاووس: ص 415، ط مطبعة الخيام، قم ــ إيران. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج38، ص 321، ح 33، ط مؤسسة الوفاء، بيروت ــ لبنان.

[23] التاريخ والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 171.

[24] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 171.

[25] الفهرست للطوسي: ص 107. رجال النجاشي: ص 3. رجال البرقي: 4. أخبار معرفة الرجال للطوسي: ج 1، ص 3، المقدمة.

[26] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 170.

من مظاهر عطف الإمام الحسين عليه السلام

بقلم: الشيخ حسن الشمري

يمكن أن نقول: إن أعظم اكتشاف يُعدّ في هذا الوجود هو اكتشاف النفس البشرية، فالذي يكتشف النفس البشرية يُعدّ ((عالماً وفاتحاً قديراً))، وقد اكتشف ((كولمبوس)) أمريكا.

ولكن قبل اكتشافه اكتشفَ القدرة في الاقتحام، فالنفس البشرية تشكّل مركز الثقل عند الإنسان، فإذا عرف قيمتها وحجمها يستطيع من خلالها إنجاز أعظم المشاريع وبمختلف صورها، ففي النفس قوة جبارة.

قال تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا))(1).

فالله عز وجل منح النفس ((الإلهام)) وهي قوة مكينة، وقد استطاع الأئمة عليهم السلام ((اكتشاف هذا العالم المكين)) عند الإنسان، فعندها استطاعوا التعامل مع هذه القوة المكينة، وتوظيفها في مجال الخير وخدمة الإنسان فجاءت النتائج باهرة.

يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقد أشار إلى هذا الاكتشاف:

دواءك فيك وما تبصرُ *** وداءك منكَ وما تشعرُ
أتحسبُ أنكَ جرمٌ صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبرُ(2)

فالإنسان ينطوي على ((عالم كبير وواسع يفوق التصور)).
أمثلة طبية

جاء في كتاب (الإعجاز الطبي في القرآن):

((يقول تعالى جلّ من قائل: ((وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ  ))(3).

فلننظر في بعض مظاهر التقدير والتدبير في جسم الإنسان، وهي آيات لا تُعد ولا تحصى.

ففي المعدة يوجد ((35 مليون)) غدة معقّدة التركيب لأجل الإفراز، حيث تفرز مواداً لتحويل الطعام إلى مركبات تفيد الجسم، أما الخلايا الجدارية التي تفرز ((حمض كلور الماء: HCL» فتقدّر بمليار خلية... مليار معمل كيميائي في هذه المعدة الصغيرة.

لقد صمّم الله سبحانه في كل خلية معملاً لصنع ((حمض كلور الماء)) الذي لو أردنا صنعه في المعامل لاحتجنا إلى معدات كثيرة، وأماكن كبيرة، ووقت طويل، وإمكانات هائلة، هذه الخلية الصغيرة أوكل الله سبحانه وتعالى إليها صنع ((هذا الحمض بكثافة قليلة))، فإذا زادت كثافته قليلاً في المعدة، حصل مع الإنسان حموضة وحرقة ومشاكل كثيرة، وإذا نقصت كثافته قليلاً لم يعد ينهضم الطعام، فتحصل معه غازات وتلبّك في الهضم، فكل شيء مقدّر تقديراً عجيباً.

وفي الأمعاء الدقيقة في ((العنج والصائم)) من الأمعاء الدقيقة يوجد ((3600 زغابة معوية)) في كل ((1 سم2)) لامتصاص الأغذية المهضومة، فالطعام بعد أن يخلص من المعدة يأتي إلى الاثني عشرية، ثم يأتي إلى الأمعاء الدقيقة، حيث يبدأ امتصاصه بعد أن أصبح مستحلياً، وهذه الزغابات التي تشبه الضملة هي التي تمتصه، وهي تمتص منه فقط المواد التي تفيد الجسم، أما المواد التي لا فائدة منها فتظل سائرة لتُطرح خارج الجسم.

وجاء في وظائف الكريات الحمراء والقلب: إذا جئنا إلى الدم، ولاحظنا الكريات الحمراء، والتي فيها عنصر الحديد الذي يعطيها اللون الأحمر، فإذا حصل مع الإنسان فقرٌ في الدم فإنّ الطبيب يصف له دواء فيه مركبات الحديد، ولو صففنا الكريات الحمراء التي في جسم إنسان واحد بجانب بعضها على صف واحد لأحاطت بالكرة الأرضية التي نعيش عليها من ((5 ــ 6 مرات))، وأما القلب الذي أنعم الله به علينا فهو مضخة الحياة التي لا تكلّ عن العمل، وعدد ضرباتها حوالي ((70 ضخّة)) في الدقيقة الواحدة، وينبض يومياً ما يزيد على مائة ألف مرة يضخ خلالها ((800 لتراً)) من الدم، وحوالي ((56 مليون غالون)) على مدى العمر الوسطي للإنسان))(4).

فإذا عرفنا مكنون هذا الإنسان نقول: على الإنسان أن يسعى لآخرته ويهيء مقدماتها بالمال والنفس.

فحرام عليك أيها الإنسان أن تُذهب بثروتك التي جاءت بشقّ الأنفس لبضع كلمات لا تغني عنك شيئاً، فهي بمجرد أن تظهر تذهب كالفقاعة أو كالزبد الذي يذهب جفاءً، وقد تمكن الأئمة عليهم السلام من الحفاظ على هذا ((العالم)) ومستوى العطاء المادي والمعنوي من خلال تذكير الإنسان بواقعه، وقد ضمّن الإمام أبو عبد الله عليه السلام ثلاث ملاحظات غاية في الأهمية:

1 ــ الذهاب إلى ذي دين، وذو الدين لا يطلب وجه الناس حتى يتحدث إليهم ويذكر ما أعطى، وإنما يطلب وجه الله وابتغاء مرضاته، والذي يطلب مرضات الله لا يرائي لأنه يعلم أنّ الرياء يبطل العمل، قال تعالى: ((لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى))(5).

وأذكّر البعض ممن يطلب ((السمعة والصيت)) من عمله أن لا قيمة للسمعة والصيت مهما تعاظمت واتسعت فهي لا تغني من الحق شيئاً، فماذا يفيد لو قال الناس: فلان يعطي ويساعد؟!! وماذا يقدم قولهم؟ وإنما الذي يقدم ((ثواب الله عز وجل)) فهو الذي يثري في الدنيا حيث يزيده هدى وبصيرة، فيضع ((عطاءه)) في موضعه، ثم يزداد ثواباً ومغفرة، وأما الآخرة فثوابه أعظم وأكبر.

قال تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))(6).

2 ــ أو صاحب مروءة: الذي إذا طلبت منه يكرمك، ويحفظ ماء وجهك، فهذا التقي يُعدّ عطاؤه سخياً وإن كان قليلاً، فصاحب المروءة يكرم ويحفظ إكرامه، لأنه يزن الإنسان، ويعرفه قيمته، ويثمن السعي فهو في خُلْده لولا الاضطرار لما شدّ الرحال، فصاحب المروءة يُقدّر الموقف، ويضع في حسابه كرامة الإنسان أولاً وأخيراً.

وهناك ملاحظة: فإنّ صاحب المروءة يعطي ((بنَفَس طيّب))، فيمتلئ عطاؤه طيباً، فيضحى مباركاً وذا نكهة طيبة، لذلك فإنّ عطاء أئمة أهل البيت عليهم السلام يمتاز بنكهة طيبة، ويتصف بالبركة.

قال تعالى: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا))(7)، فالله عز وجل وصف العطاء بالطعام الذي كان خبزاً لطيبه وبركته.

3 ــ أو حسب: ذو شهامة، فالشهم لا يستعظم العطاء مهما بلغ، لأن العطاء ينطلق من نفس كبيرة، وهكذا ((كلما سمت النفس وكبرت)) ازدادت عطاؤاً، سواء كان مادياً أو معنوياً، فترى صاحب ((النفس الكبيرة)) عظيماً في عطائهِ، وفي سماحته ولطفه وعطفه وحلمه.

وحسبك أن ترى ((كبار النفوس)) لا يبقون في أجسادهم طويلاً لأنها تُرْهَق.

وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسامُ(8)

وهكذا كانت نفس المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

جاء في كتاب (الرسالة في الثورة الحسينية):

((أجمع المؤرخون أن بعض مواليه قد جنى عليه جناية توجب التأديب، فأمر الإمام عليه السلام بتأديبه، فانبرى العبد قائلاً: يا مولاي، إن الله تعالى يقول: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ))(9).

فابتسم الإمام بابتسامته المعهودة، وقال له: خلوا عنه، فقد كظمت غيظي.

وعندها سارع العبد قائلاً: ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ))(10).

فقال الإمام عليه السلام: قد عفوت عنك.

فتشجّع العبد، وطلب المزيد من الإحسان، فقال: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))(11).

فما كان من الإمام عليه السلام إلا أن عفا عنه قائلاً: وأنت حر لوجه الله.

ثم أمر له بجائزة سنية تغنيه عن الحاجة ومسألة الناس(12).

وجاء في كتاب (سيد الشهداء الإمام الحسين رضي الله عنه):

((كان الإمام الحسين كثير البر والصدقة، وقد أورث أرضاً وأشياء فتصدق بها قبل أن يقبضها، وكان يحمل الطعام في غلس الليل إلى مساكين أهل المدينة، لم يبتغ بذلك إلا الأجر من الله، والتقرب إليه))(13).

وكما أسلفنا ونزيد أن شخصية الإنسان تكبر كلما لامست تعظيماً واحتراماً، ثم هي تعكس ما أخذته، فالنفس تختزن الطيب، كما أنها تختزن السيئ، فإذا أخذت الطيب باستمرار تتحول النفس إلى نبع رقراق، وشلال يتدفّق طيباً في كل حين.
قال تعالى: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا))(14).

ــــــــــــــــــــــــ
(1) الشمس: 7 ــ 8.

(2) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج16/ص186. الإمام جعفر الصادق عليه السلام: عبد الحليم الجندي، ص177. حياة الإمام الرضا عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج1/ص204. تاج العروس: الزبيدي، ج17/ص499.

(3) الذاريات: 21.

(4) الإعجاز الطبي في القرآن: الدكتور إبراهيم بيضون، ص260 ــ 261.

(5) البقرة: 264.

(6) القصص: 83.

(7) الإنسان: 8.

(8) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج3/ص292. تاريخ الإسلام: الذهبي، ج26/ص107. البداية والنهاية: ابن كثير، ج11/ص292. يتيمة الدهر: الثعالبي، ج1/ص253.

(9) آل عمران: 134.

(10) آل عمران: 134.

(11) آل عمران: 134.

(12) الرسالة في الثورة الحسينية: الدكتور حسين الحاج حسن، ص40.

(13) سيد الشهداء الإمام الحسين رضي الله عنه: الشيخ موسى محمد علي، ص70.

(14) إبراهيم: 25.

لماذا ندخل باقي أفراد الأئمة المعصومين ضمن أهل البيت مع ان حديث الكساء لا يشملهم؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

إن واحدة من حقوق وصلاحيات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هي إمكان تخصيص أو توسعة المفاهيم والحقائق الشرعية على وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأن باقي المذاهب الإسلامية قبل الشيعة يعتقدون ويصححون روايات تخصيص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم آية التطهير بالخمسة أهل الكساء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو اعتقاد حق لا ريب فيه، لكن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وتبعا لهم شيعتهم على مر الأيام والأعوام، كانوا ولا يزالون يعتقدون بأن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد خصص آية التطهير بأربعة عشر شخصا، هم كل من أهل الكساء الذين سبق ذكرهم في الأحاديث السابقة، وتسعة من أولاد الإمام الحسين صلى الله عليه وآله وسلم أولهم الإمام علي ابن الحسين وآخرهم الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا التخصيص وان لم يرد عن طريق المخالفين، فهو لا يضر ألبتة، لأنهم لا ينقلون شيئا يكون فيه حجة لخصومهم عليهم في أغلب الأحيان، فيصبح الاعتقاد بدخول الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر مذهبي بل من ضروريات مذهب الشيعة الاثني عشرية، ومن لم يعتقد بذلك فليس منهم.

وفيما يأتي جملة من تلك الروايات الشريفة عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين التي تلحق الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين بأصحاب الكساء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:

منها ما عن علي بن الحسين بن محمد، قال: حدثنا هارون بن موسى التلعكبري، قال حدثنا عيسى بن موسى الهاشمي بسر من رأى، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي، عن أبيه علي عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي هذه الآية نزلت فيك وفي سبطي والأئمة من ولدك. فقلت: يا رسول الله وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن، هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك فقال: يا محمد هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون وأعداؤهم ملعونون)[1].

ومنها ما عن عبد الرحمان بن كثير قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما عنى الله تعالى بقوله: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وفاطمة عليهم السلام. فلما قبض الله نبيه، كان أمير المؤمنين، ثم الحسن، ثم الحسين عليهم السلام.

ثم وقع تأويل هذه الآية: ((وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ)) فكان علي بن الحسين عليه السلام، ثم جرت في الأئمة من ولده الأوصياء، فطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله)[2].

وعن محمد بن علي الحلبي، (عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا)) يعني الولاية، من دخل في الولاية دخل في بيت الأنبياء عليهم السلام، وقوله: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) يعني الأئمة عليهم السلام وولايتهم، من دخل فيها دخل في بيت النبي صلى الله عليه وآله)[3].

وقد ورد في الزيارة الجامعة: (السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرسالة وخزان العلم ومنتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان)[4].

فوصف الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه بأنه (مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) صحيح وعليه إجماع الفرقة الناجية أعزها الله، بل ان وصف الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه بأنه من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد حتى في روايات باقي المذاهب الإسلامية، ففي مسند احمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله ظلما يكون سبع سنين)[5].
وعن أبي سعيد الخدري أيضا قال: (قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا قال ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا)[6].

ـــــــــــــــــــــــ
[1] كفاية الأثر للخزاز القمي ص155 ــ 156.

[2] الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي ص 47 ــ 48.

[3] الكافي للشيخ الكليني ج1 ص423.

[4] عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ج 1 ص 305.

[5] مسند احمد لأحمد بن حنبل ج 3 ص 17.

[6] المصدر السابق ج 3 ص 36.

الشجرة الطيبة والملعونة في القران والسنة

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

ورد ذكر الشجرة الملعونة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ)([1]).

كما ورد ذكر الشجرة الطيبة في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)([2]).

جاءت المقارنة بين الشجرة الطيبة والخبيثة لبيان الفارق بين الحق والباطل وبين الغنى المعنوي والفقر المعنوي، وبين الإيمان والكفر، وبين ما له أصل وما لا أصل له، وبين من هو ثابت لا يغيره شيء وبين ما هو متميّز ومتهاوٍ، وبين ينبوع البركات وما لا بركه ترجى منه أو فيه، وبين الطريق المستقيم والأعوج، وبين المعطاء الخصب والجشع الجدب، وبين المؤمن والكافر بل بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعدائه، أي بين الشجرة الإلهية والشجرة الشيطانية، الشجرة المثمرة والعقيم التي لا ثمر فيها.

ومما يدل على انطباق هذه الآيات على بني أمية ما ورد في التفاسير المعتبرة لآية الشجرة الملعونة كما جاء في تفسير مجمع البيان (إن ذلك رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه أن قروداً تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك، واغتم به)([3]).

وكما جاء في تفسير الأمثل (تحدث مجموعة من المفسرين مثل الطبرسي في (مجمع البيان) والفخر الرازي في (التفسير الكبير) وآخرون، في شأن نزول هذه الآيات، فقالوا: إنها نزلت في مجموعة من المشركين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه عن دعوة الناس إلى الدين، فحال الله سبحانه بينه وبينهم حتى لا يؤذوه.

وقد احتمل الطبرسي أن يكون الله منع المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق إلقاء الخوف والرعب في قلوبهم.

أما الرازي فيقول في ذلك: (إن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن على الناس، روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار).

وتفسير الميزان (يؤيد جميع ما تقدم ما ورد من طرق أهل السنة واتفقت عليه أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام أن المراد بالرؤيا في الآية هي رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بني أمية والشجرة شجرتهم)([4]).

وورد في تفاسير القوم ما يؤيد ذلك كما في الدر المنثور: وما ورد أيضا في التفاسير لآيات الشجرة الطيبة والخبيثة كما في تفسير الأمثل: (الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة!

هنا مشهد آخر في تجسيم الحق والباطل، الكفر والإيمان، الطيب والخبيث ضمن مثال واحد جميل وعميق المعنى... يكمل البحوث السابقة في هذا الباب.

يقول تعالى أولا: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ثم يشير إلى خصائص هذه الشجرة الطيبة في جميع أبعادها ضمن عبارات قصيرة.

ولكن قبل أن نستعرض هذه الخصائص يجب أن نعرف ما المقصود من (الكلمة الطيبة)؟

قال بعض المفسرين: إنها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).

وقال آخرون: إنها تشير إلى الأوامر الإلهية.

وقال البعض الآخر: إنه الإيمان الذي محتواه ومفهومه (لا إله إلا الله).

وقال آخرون في تفسيرها: إنها شخص المؤمن.

وأخيرا قال بعضهم: إنها الطريقة والبرامج العملية.

ولكن بالنظر إلى سعة مفهوم الكلمة الطيبة ومحتواها نستطيع أن نقول: إنها تشمل جميع هذه الأقوال، لأن (الكلمة) في معناها الواسع تشمل جميع الموجودات، ولهذا السبب يقال للمخلوقات (كلمة الله)، و(الطيب) كل طاهر ونظيف، فالنتيجة من هذا المثال أنه يشمل كل سنة ودستور وبرنامج وطريقة، وكل عمل، وكل إنسان.. والخلاصة: كل موجود طاهر ونظيف وذي بركة، وجميعها كشجرة طيبة فيها الخصائص التالية:

1ــ كائن يمتلك الحركة والنمو، وليس جامدا ولا خاملا، بل ثابت وفاعل ومبدع للآخرين ولنفسه (التعبير بـ(الشجرة) بيان لهذه الحقيقة).

2ــ هذه الشجرة طيبة، ولكن من أية جهة؟ بما أنه لم يُذكر لها قسم خاص بها، فإنها طيبة من كل جهة.. منظرها، ثمارها، أزهارها، ظلالها، ونسيمها بل جميعها طيب وطاهر.

3ــ لهذه الشجرة نظام دقيق، لها جذور وأغصان، وكل واحد له وظيفته الخاصة، فوجود الأصل والفرع فيها دليل على سيادة النظام الدقيق عليها.

4ــ أصلها ثابت محكم بشكل لا يمكن أن يقلعها الطوفان ولا العواصف.

وباستطاعتها أن تحفظ أغصانها العالية في الفضاء وتحت نور الشمس، لأن الغصن كلما كان عاليا يحتاج إلى جذور قوية أصلها ثابت.

5ــ إن أغصان هذه الشجرة الطيبة ليست في محيط ضيق ولا رديء، بل مقرها في عنان السماء، وهذه الأغصان والفروع تشق الهواء وتصعد فيه عاليا وفرعها في السماء.

ومن الواضح أن الأغصان كلما كانت عالية وسامقة تكون بعيدة عن التلوث والغبار وتصبح ثمارها نظيفة، وتستفيد أكثر من نور الشمس والهواء الطلق، فتكون ثمارها طيبة جدا.

6ــ هذه الشجرة كثيرة الثمر لا كالأشجار الذابلة العديمة الثمر، ولذلك فهي كثيرة العطاء تؤتي أكلها.

7ــ وثمارها ليست فصلية، بل في كل فصل وزمان، فإذا أردنا أن نمد يدنا إلى أغصانها في أي وقت لم نرجع خائبين كل حين.

8ــ إن إنتاجها من الثمار يكون وفق قوانين الخلقة والسنن الإلهية وليس بدون حساب بإذن ربها.

والآن يجب أن نفتش، أين نجد هذه الخصائص والبركات؟

نجدها بالتأكيد في كلمة التوحيد ومحتواها، وفي الإنسان الموحد ذي المعرفة، وفي البرامج الحية النظيفة، وجميعها نامية ومتحركة ولها أصول ثابتة ومحكمة وفروع كثيرة وعالية بعيدة عن التلوث بالأدران الجسدية والدنيوية، وكلها مثمرة وفياضة.

وما من أحد يأتي إليها ويمد يده إلى فروعها إلا ويستفيد من ثمارها اللذيذة العطرة؟ وتتحقق فيه الخصال المذكورة، فعواصف الأحداث الصعبة والمشاكل الكبيرة لا تزحزحه من مكانه، ولا يتحدد، وافق تفكيره في هذه الدنيا الصغيرة، بل يشق حجب الزمان والمكان ويسير نحو المطلق اللامتناهي.

سلوكهم وبرامجهم ليست تابعة للهوى والهوس، بل طبقا للأوامر الإلهية وبإذن ربهم، وهذا هو مصدر الحركة والنمو في حركتهم.

الرجال العظام من المؤمنين هم كلمة الله الطيبة، وحياتهم أصل البركة، دعوتهم توجب الحركة، آثارهم وكلماتهم وأقوالهم وكتبهم وتلاميذهم وتاريخهم.. وحتى قبورهم جميعها ملهمة وحية ومربية.

نعم ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.

هل لوجود هذه الشجرة وصفاتها واقع خارجي؟

يعتقد البعض بوجودها وهي النخلة، ولذلك اضطروا إلى أن يفسروا كل حين بستة أشهر.

ولكن لا حاجة إلى الإصرار في وجود مثل هذه الشجرة، بل هناك تشبيهات كثيرة وليس لها وجود خارجي أصلا.

وعلى أية حال، فالهدف من التشبيه هو تجسيم الحقائق والمسائل العقلية وصبها في قالب الحواس، وهذه الأمثال ليس فيها أي إبهام، بل هي مقبولة ومؤثرة وجذابة.

وفي عين الحال هناك أشجار في هذه الدنيا ثمارها لا تنقطع على طول السنة، وقد رأينا بعض الأشجار في المناطق الحارة وكانت مثمرة وفي نفس الوقت لها أزهار جديدة للثمار المقبلة!

وبما أن أحد أفضل الطرق لتوضيح المسائل هو الاستفادة من طريق المقابلة والمقايسة، فقد جعلت النقطة المقابلة للشجرة الطيبة، الشجرة الخبيثة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

والكلمة (الخبيثة) هي كلمة الكفر والشرك، وهي القول السيئ والرديء، وهي البرنامج الضال والمنحرف، والناس الخبثاء، والخلاصة: هي كل خبيث ونجس.

ومن البديهي أن مثل هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا نمو ولا تكامل ولا ثمار ولا ظل ولا ثبات ولا استقرار، بل هي قطعة خشبية لا تصلح إلا للاشتعال... بل أكثر من ذلك هي قاطعة للطريق وتزاحم السائرين وأحيانا تؤذي الناس!

ومن الطريف أن القرآن الكريم فصل الحديث في وصف الشجرة الطيبة بينما اكتفى في وصف الشجرة الخبيثة بجملة قصيرة واحدة (جتثت من فوق الأرض وما لها من قرار) وهذا نوع من لطافة البيان أن يتابع الإنسان جميع خصوصيات ذكر (المحبوب) بينما يمر بسرعة في جملة واحدة بذكر (المبغوض)!

ومرة أخرى نجد المفسرين اختلفوا في تفسير الشجرة الخبيثة، وهل لها واقع خارجي؟

قال البعض: إنها شجرة (الحنظل) والتي لها ثمار مرة ورديئة.

واعتقد آخرون أنها (الكشوت) وهي نوع من الأعشاب المعقدة التي تنبت في الصحراء ولها أشواك قصيرة تلتف حولها وليس لها جذر ولا أوراق.

وكما قلنا في تفسير الشجرة الطيبة، ليس من اللازم أن يكون للشجرة الخبيثة وجود خارجي في جميع صفاتها، بل الهدف هو تجسيم الوجه الحقيقي لكلمة الشرك والبرامج المنحرفة والناس الخبثاء، وهؤلاء كالشجرة الخبيثة ليس لها ثمار ولا فائدة... إلا المتاعب والمشاكل، مضافا إلى أن الأشجار والنباتات الخبيثة التي قلعتها الأعاصير ليست قليلة.

وبما أن الآيات السابقة جسدت حال الإيمان والكفر، الطيب والخبيث من خلال مثالين صريحين، فإن الآية الأخيرة تبحث نتيجة عملهم ومصيرهم النهائي، يقول تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ)([5]).

لأن إيمانهم لم يكن إيمانا سطحيا وشخصيتهم لم تكن كاذبة ومتلونة، بل كانت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وبما أن ليس هناك من لا يحتاج إلى اللطف الإلهي، وبعبارة أخرى: كل المواهب تعود لذاته المقدسة، فالمؤمنون المخلصون الثابتون بالاستناد إلى اللطف الإلهي يستقيمون كالجبال في مقابل أية حادثة، والله تعالى يحفظهم من الزلات التي تعتريهم في حياتهم، ومن الشياطين الذين يوسوسون لهم زخرف الحياة ليزلوهم عن الطريق.

وكذلك فالله تعالى يثبتهم أمام القوى الجهنمية للظالمين القساة، الذين يسعون لإخضاعهم بأنواع التهديد والوعيد.

ومن الطريف أن هذا الحفظ والتثبت الإلهيين يستوعبان كل حياتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة، فهنا يثبتون بالإيمان ويبرؤون من الذنوب، وهناك يخلدون في النعيم المقيم.

ثم يشير إلى النقطة المقابلة لهم ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء.

إن الهداية والضلال التي تنسب إلى الله عز وجل لا تتحققان إلا بأن يرفع الإنسان القدم الأولى لها، فالله عز وجل عندما يسلب المواهب والنعم من العبد أو يمنحها له يكون ذلك بسبب استحقاقه أو عدم استحقاقه.

ووصف (الظالمين) بعد جملة (يضل الله) أفضل قرينة لهذا الموضوع، يعني ما دام الإنسان غير ملوث بالظلم لا تسلب الهداية منه، أما إذا تلوث بالظلم وعمت وجوده الذنوب، فسوف يخرج من قلبه نور الهداية الإلهية، وهذه عين الإرادة الحرة، وبالطبع إذا غير مسيره بسرعة فطريق النجاة مفتوح له، ولكن إذا استحكم الذنب فإن طريق العودة يكون صعبا جدا.

هل القصد من الآخرة في الآية هو القبر؟

نقرأ في روايات متعددة أن الله يثبت الإنسان على خط الإيمان عندما يواجه أسئلة الملائكة في القبر، وهذا معنى الآية: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ).

ولقد وردت كلمة (القبر) بصراحة في بعض هذه الروايات.

ولكن هناك رواية شريفة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضله عما هو عليه، فيأبى الله عز وجل له ذلك، وهو قول الله عز وجل: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) ([6])»([7]).

وأكثر المفسرين يميلون إلى هذا التفسير، طبقا لما نقله المفسر الكبير العلامة الطبرسي في مجمع البيان ولعل ذلك يعود إلى أن الآخرة ليست محلا للأعمال ولا للانحراف، بل هي محل الحصول على النتائج فحسب ولكن عند وقوع الموت وحتى في البرزخ (الذي هو عالم بين الدنيا والآخرة) قد تحصل بعض الهفوات، فهنا يكون اللطف الإلهي عاملا في حفظ الإنسان وثباته.

ــ دور الثبات والاستقامة


من بين جميع الصفات التي ذكرتها الآيات أعلاه للشجرة الطيبة والخبيثة، وردت مسألة الثبات وعدم الثبات بشكل أكثر، وحتى في بيان ثمار هذه الشجرة يقول تعالى: يثبت الله الذين آمنوا، وبهذا الترتيب تتضح لنا أهمية الثبات ودوره في حياة الإنسان.

فكثير من الأشخاص من ذوي القابليات المتوسطة، إلا أنهم ينالون انتصارات كبيرة في حياتهم، ثم إذا حققنا في الأمر لم نجد دليلا إلا الثبات والاستقامة لديهم.

ومن جهة اجتماعية لا يتحقق أي تقدم في البرامج إلا في ظل الثبات، ولهذا السبب نجد المخربين يسعون في تدمير الاستقامة، ولا نعرف المؤمنين الصادقين إلا من خلال استقامتهم وثباتهم في مقابل الحوادث الصعبة.
الشجرة الطيبة والخبيثة في الروايات الإسلامية

كما قلنا أعلاه فإن كلمة (الطيبة) و(الخبيثة) التي شبهت الشجرتان بها، لها مفهوم واسع بحيث تشمل كل شخص وبرنامج ومبدأ وفكر وعلم وقول وعمل، ولكن وردت في بعض الروايات في موارد خاصة ولكن لا تنحصر بها.

ومن جملتها ما ورد في الكافي (عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)([8]).
قال: «رسول الله أصلها وأمير المؤمنين فرعها، والأئمة من ذريتهما أغصانها، وعلم الأئمة ثمرها، وشيعتهم المؤمنون ورقها، هل فيها فضل؟
( أي هل يبقى شيء ) قال قلت: لا والله، قال: والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها»)([9]).

..................................................

المصادر:
([1]) سورة الإسراء، الآية: 60.
([2]) سورة إبراهيم، الآيات: 24 و25 و26.
([3]) تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج6، ص266.
([4]) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي: ج13، ص137.
[5]) سورة إبراهيم، الآية: 27.
([6]) سورة إبراهيم، الآية: 27.
([7]) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج1، ص134، 360.
([8]) سورة إبراهيم، الآية: 26.
([9]) الأمثل في تفسير القرآن، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج7، ص502 إلى 509.