مناقشة الأقوال في ولادة حكيم بن حزام في الكعبة وبيان بطلانها

بقلم: السيد نبيل الحسني

عكف بعض الحفاظ الذين صنفوا في الحديث والسيرة والتراجم على التمسك بولادة حكيم بن حزام في جوف الكعبة من دون أن يبادر أحدهم إلى مناقشة هذا القول ودراسته ليرجح عنده صحته أم بطلانه؛ فذهب إلى القطع بوقوعه وتكذيب غيره من دون أن يقدم دليلاً علمياً على ذلك.

ولعل البعض يرى أن السبب في عدم مناقشة هذه الأقوال هو أنّها لا تعني للمسلم شيئاً وذلك لأنّها لا ترقى إلى كونها ضرورة من ضرورات الدين إذ لا تعد من العبادات ولا من المعاملات؛ لذا أعرض الحفاظ عن نقاشها.

وأقول: وإن كانت هذه الحادثة لم ترقَ إلى كونها ضرورة من ضرورات الفقه إلا أنها ضرورة من ضرورات العقيدة التي هي قوام هوية المسلم وسبيله لأخذ الأحكام الشرعية، فلو ذهبت العقيدة ذهبت معها أحكام الإسلام؛ فالمسلم الذي تأخذ الصلاة والزكاة والحج وغيرها من الفرائض بعنقه لأدائها هي عقيدته الإسلامية وليس قراءته للحكم الفقهي وإلا تصبح الصلاة من دون العقيدة الإسلامية عبارة عن حركات رياضية، ويصبح الصيام برنامجاً صحياً، ويصبح الحج نزهة وتسوقاً؛ وهذا أولاً.

وثانياً: لو لم تكن هذه الحادثة لها من الأهمية العقائدية لما عكف الحفاظ على نقلها؛ بل إن تركهم لمناقشة الأقوال الواردة فيها مرده العقيدة، وهذه بعض ألفاظهم الكاشفة عن عقيدتهم في الحادثة ولذلك لم يدرسوا واقعها العلمي.

1ــ قال الحافظ النووي: (ولم يصح أن غيره ولد في الكعبة)[1].

بمعنى أن هناك من ولد في الكعبة وهو غير حكيم بن حزام لكن الحافظ النووي لم يناقش الأقوال فيقنع  المسلم بصحة ولادة حكيم بن حزام، فهذا يكشف عن عقيدته وليس عن علمه.

2ــ وقال أيضا: (حكيم بن حزام رضي الله عنه ومن مناقبه أنه ولد في الكعبة! قال بعض العلماء ولا يعرف أحد شاركه في هذا)[2]؟؟!

وهنا: يظهر عقيدته في الرواية وليس علمه أو درايته بها.

3ــ قال الحلبي بعد أن أورد ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة، وقيل: (الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام، قال بعضهم: لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة، لكن في النور حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره، وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء)[3]!؟؟ وهنا: لم نلحظ الحلبي قد قام بمناقشة القولين وإنما سلّم لما يعتقد به هو في أن علياً لم يلد في الكعبة بل، ذهب إلى اعتماد الضعف في الرواية دون أي دليل علمي.

4ــ قال ابن أبي الحديد: (واختلف في مولد علي أين كان، فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة، والمحدثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام)؟ وهنا: يكمن الخبر اليقين فالمحدثون لا يعترفون بأن المولود في الكعبة علي بن أبي طالب عليه السلام؛ لأن هؤلاء المحدثين خشوا ــ ربما ــ من خالد القسري حينما سأله ابن شهاب الزهري قائلاً: (إنه يمر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فأذكره؟ فقال خالد القسري وهو أحد ولاة بني أمية: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم)[4].

ولأن المحدثين لم يروا أمير المؤمنين عليه السلام فيما قال خالد القسري فهم لذلك لا يعترفون بولادة علي بن أبي طالب عليه السلام لأنهم لا يرون الكعبة! فكيف يرون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد ولد فيها.

إذن: الأمر مرتكز على العقيدة التي بها تتكون هوية المسلم وبها تظهر ملامح شخصيته وثقافته، إلا أننا لا نسلك طريق هؤلاء الحفاظ وإنما نسلك طريق البحث والدراسة والمناقشة لهذه الأقوال فما رجح منها أخذنا به وما سقط أعرضنا عنه فيما يزيد المسلم إلا جهلاً وبعداً عن الله تعالى.

المسألة الأولى: عرض الأقوال في ولادة حكيم بن حزام على طاولة البحث


أنني أحببت أن أذكر هذه الأقوال في بادئ الأمر، أي في هذه المسألة ثم أقوم بمناقشتها في المسألة التالية. وذلك لتهيئة القارئ الكريم إلى المناقشة.

أولاً: الحافظ مسلم بن الحجاج (صاحب الصحيح)، (المتوفى سنة 261هـ)

قائلاً: (ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة)[5].

ثانياً: الحافظ النووي (المتوفى سنة 676هـ)

قال في شرحه لصحيح مسلم: (حكيم بن حزام الصحابي رضي الله عنه، ومن مناقبه أنه ولد في الكعبة، قال بعض العلماء ولا يعرف أحد شاركه في هذا)[6].

ثالثاً: ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفى سنة 656)

قائلاً: (واختلف في مولد علي أين كان فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة والمحدثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام)[7].

رابعاً: الحلبي في سيرته (المتوفى سنة 1044هـ)

قائلاً: (وقيل، الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام، قال بعضهم لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة ــ أي: علي بن أبي طالب عليه السلام وحكيم بن حزام ــ، لكن في النور حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ولا يعرف لغيره وأما ما روي أن علياً ولد فيها فضعيف عند العلماء)[8].

خامساً: الحافظ الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة 405هـ)

قائلاً: (سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب يقول: سمعت أبا محمد بن عبد الوهاب يقول: سمعت علي بن غنام العامري يقول: ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة وخلت أمه الكعبة فمخضت فيها فولدت في البيت)[9].

سادساً: الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة582هـ)

قائلاً: (وحكى الزبير بن بكار أن حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، قال وكان من سادات قريش في الجاهلي والإسلام)[10].

نكتفي بهذه الأقوال لأنها صدرت من بعض الحفاظ الذين نالوا حظاً كبيراً من الشهرة والتصنيف ولأن كثير من المسلمين يعتقدون بعلمهم ويأخذون بأقوالهم.

أما بقية الأقوال فهي تبع لذلك فقد أوردت ولادة حكيم بن حزام أما سماعاً وأما حكاية من دون أن تصرح باسم القائل ولم تشر إلى أي دليل علمي يثبت صحة هذه الأقوال سوى محاولات يائسة وأخرى بائسة كقولهم:

أ: إن المحدثين يزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام!!

ب: قال بعض العلماء ولا يعرف أحد شاركه في هذا!!

ج: إنّ من مناقبه ولد في جوف الكعبة!!

د: قال بعضهم لا مانع من ولادة كليهما!!

بقي أن نقول إننا لم نراعِ في تسلسل هذه الأقوال الوقوع الزمني وذلك لحاجة في الاستدلال سيمر على القارئ بيانها، لذا جعلنا آخرها قول الحاكم والحافظ ابن حجر لارتباطها بالمبحث ــ بعون الله تعالى ــ.

المسألة الثانية: مناقشة هذه الأقوال


أولاً: مناقشة قول الحافظ مسلم النيسابوري صاحب الصحيح


أما قول مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب (الصحيح) فقد أورده من دون سند فقد أدخله على الحديث وأقحمه فيه إقحاماً وهو كما واضح تدليساً في الحديث، إذ قال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا همام عن أبي التياح قال: سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثله (قال مسلم بن الحجاج ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة، وعاش مائة وعشرين سنة).
حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قال يحيى بن يحيى أخبرنا وقال الآخرون حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار انه سمع ابن عمر يقول ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه يخدع في البيوع..)[11].

وهذا الأسلوب لا يدل على صحة هذا القول وإنما يعبر عن رأي مسلم الذي أقحمه فيما بين الحديثين ولو وجد مسلم بن الحجاج لولادة حكيم بن حزام أصلاً وسنداً لأوردها من دون تردد، لكنه عمد إلى الالتفاف على الحديث وعلى القارئ لتمرير ما يعتقد به في ولادة حكيم بن حزام ونقض ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

ثانيا: مناقشة قول الحافظ النووي

اعتمد الحافظ النووي في تمرير القول بولادة حكيم بن حزام على صرف انتباه القارئ إلى لفظ المنقبة كي يوقعه في وهم تصديق هذه الحادثة انطلاقاً مما يرتكز في ذهن المسلم من دلالات للفظ (المنقبة).

ولكي يرفع النووي هذا الوهم إلى رتبة الظن ــ على الأقل ــ اعتمد على ربط الحادثة بعهدة بعض العلماء قائلاً: (قال بعض العلماء ولا يعرف أحد شاركه في هذا)[12]. فجعل القارئ يسلم للأمر بين قيود لفظين وهما (المنقبة) و(العلماء).

في حين كان يلزم به ولو من قبيل الأمانة العلمية فضلاً عما تفرضه الأمانة الشرعية من بيان للحقائق وإظهارها وحرمة كتمانها، أن يذكر للقارئ من هؤلاء العلماء الذين قالوا: ولا يعرف أحد شاركه في هذا)!!

وأي علماء هؤلاء وهم لا يعرفون أحد شاركه في هذا وكأنهم من علماء اليهود والنصارى وحتى هؤلاء فقد سمعوا وعرفوا أن هناك رجلاً آخر شارك حكيم بن حزام ــ على الأقل في الرواية ــ بولادته في الكعبة وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

إلا أن هؤلاء (العلماء) الذين لا يعرفون علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يسمعوا به فهم ليسوا من أهل هذا الكوكب، وذلك أن علماء جميع المذاهب والأمم قد عرفوا علي بن أبي طالب عليه السلام سوى أساتذة النووي الذين أخذ عنهم علومه؟!!

ولأن هؤلاء العلماء من المجاهيل الذين لا أحد يعرفهم سوى النووي فيكون هذا القول فاسداً ولا يعول عليه.

ثالثاً: مناقشة قول ابن أبي الحديد المعتزلي


ومن أطرف هذه الأقوال ما ورد عن ابن أبي الحديد المعتزلي فقد قال: (واختلف في مولد علي أين كان، فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة والمحدثون لا يعترفون بذلك: ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام.

وهذا القول يتضمن مجموعة من الإشكالات، وهي كالآتي:

1ــ طريفة، هي المعالجة التي عالج فيها ابن أبي الحديد المعتزلي حادثة الولادة في الكعبة فقد حصرها في المزاعم بين الطرفين، إلا أنه فاته أن يكون منصفاً وأميناً حتى في هذه المزاعم.

فقد وصف ولادة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى المذهب فقال (كثير من الشيعة) فنعتهم بمذهبهم الذي يدينون به ويتقربون به إلى الله تعالى بما للنصوص القرآنية والنبوية من إلزام في الأخذ بأعناقهم إلى هذا التعبد.

ونسب ولادة حكيم بن حزام إلى (المحدثين) وهنا: ولأنها مقايسة غير علمية وغير أمينة فقد نسب هذا القول إلى المحدثين من دون أن يأتي بقرينة تكشف عن هوية هؤلاء المحدثين فقد يكونون من محدثي اليهود، وقد يكونون من محدثي النصارى، وقد يكونون من محدثي المنافقين أو الخوارج أو الوثنيين وغير ذلك، وكله يصح لغياب القرينة.

كما فعل في قوله (كثير من الشيعة) فعندها أصبح واضحاً أن القول صادر من الشيعة، أما أن يترك ولادة حكيم بن حزام إلى (المحدثين) من دون أن يأتي بقرينة تعرف هؤلاء المحدثين فهذه طريفة لكنها تصلح أن تضاف إلى طرائف جحى لا لإثبات حادثة تاريخية متلازمة مع العقيدة الإسلامية.

2ــ من العجيب أن ينسب ابن أبي الحديد حادثة ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى (الشيعة) وكأنه لم يقرأ كتاباً واحداً من كتب أهل السنة والجماعة، ولا علم له بها فهو مشغول بين أقوال الشيعة وأقوال المحدثين المجهولين.

لكنا هنا: نلفت انتباه ابن أبي الحديد ومن تبنى قوله إلى أنّ كثيراً من حفاظ أهل السنة والجماعة وهم أصحاب مدرسة الخلافة قد رووا أن المولود في الكعبة علي بن أبي طالب عليه السلام وليس أولئك المحدثين المجهولين الهوية الذين زعموا أن حكيم بن حزام، قد ولد في الكعبة، ولأن هؤلاء المحدثين المجهولين لا يعترفون بولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة فقد أخذ ابن أبي الحديد بقولهم ونقله للقراء ونكتفي هنا بذكر قولين.

أ: قال الحافظ الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين البخاري ومسلم.

فقد قال: (تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة)[13].

ب: قال الزرندي الشافعي (المتوفى سنة 750هـ): (وولد كرم الله وجهه في جوف الكعبة، يوم الجمعة الثالث عشر من رجب قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة على المشهور)[14]. إذن: هذا تقول واضح على المحدثين وإن كانوا مجهولي الهوية.

3ــ وقد اتهم ابن أبي الحديد المحدثين حينما نسب إليهم جميعاً عدم الاعتراف بولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة في حين كانت الأمانة العلمية والدينية تلزمه إلى عدم التعميم في هذه التهمة فإن ذلك يدفع القارئ إلى القطع بأن المولود هو حكيم بن حزام.

في حين أن كثيراً من المحدثين من أهل السنة والجماعة لا يعترفون بولادة حكيم بن حزام في الكعبة وليس العكس، بل وإنما ينكرون على الرواة إتباعهم الأوهام في ولادة حكيم بن حزام، كقول الحاكم النيسابوري: (وهم مصعب)[15].

رابعا: مناقشة قول الحلبي صاحب السيرة


قال: (وقيل، الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام، قال بعضهم: لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة لكن في النور ــ أي كتاب النور ــ حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ولا يعرف لغيره وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء).

أقول: إن كان قول ابن أبي الحديد من أظرف الأقوال فان من أعجبها قول الحلبي الذي ملئ بالمتناقضات وهي كالآتي:

1ــ إن هذا القول لا يتعدى كونه تبعاً لتلك الأقوال غير العلمية، فما معنى أن ينسب المتكلم الحادثة التاريخية إلى: (وقيل) من دون أن يأتي بسند أو مصدر معتبر لهذا (القول)، ثم يمضي الحلبي في هذا الأسلوب ليتبع هذا (القيل) بلفظ: (قال بعضهم)، ومن هم؟ لا أحد يعلم سوى الحلبي، بل حتى الحلبي لا يعلم من هم، وإلا لأورد أسماءهم!!

2ــ وأما قوله (لا مانع من ولادة كليهما) فسرعان ما تراجع عنه، فقد رجح عنده، وهذه المرة متبعاً اعتماد المصدر كي يوقع القارئ فيما ينسجم مع عقيدته ــ فيقول: (لكن في النور ــ ولم يقل كتاب النور ــ حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف لغيره) وهذه العبارة مرت علينا آنفاً.

فصاحب كتاب النور الذي ينقل عنه الحلبي معذور فهو لم يعرف علي بن أبي طالب عليه السلام لا في الدنيا ولا سيعرفه في الآخرة ولذلك قال في ولادة حكيم: (ولا يعرف لغيره) أنه ولد في الكعبة!!

وأما عدم وجود (المانع في ولادة كليهما) فهو من الطرائف التي لا تجد ضوابط في طرح ما ترويه سوى الابتسامة لذا: هي طريفة وعجيبة، ولو أتبعت هذه الطرائف الموانع الشرعية والعقلية والعرفية لما سميت بالطريفة، وقول الحلبي: (لا مانع من ولادة كليهما) من الطرائف وكأن بيت الله الحرام هو بيت الحلبي، أو هو مستشفى خصص لولادة نساء قريش فأي واحدة ضربها المخاض خرجت لبيت الله الحرام فنفست فيه، وذلك لعدم وجود موانع من ذلك فليس للبيت حرمة أو تعظيم أو قداسة كما يعتقد أهل لعقة الدم فهذا الخلف تبعاً لذاك السلف كما يعتقد الحلبي في عدم وجود مانع من ولادة مشرك من أبوين مشركين في بيت التوحيد، بيت الله الحرام!!

3ــ وأما قوله (وأما ما روي أن علياً ولد فيها فضعيف عند العلماء) نحن وإن كنا قد ناقشنا هذه العبارة (عند العلماء) في قول الحافظ النووي.

إلا أنها فيها الكفاية عن بيان ضياع المنهج العلمي عند الحلبي حينما اتبع التعارض في الأقوال بين: (وقيل الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام) ثم ليرتفع في سلم الخطاب فيجمع الرجلين في الحدث في قوله: (لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة).

ثم ليدفع بهوى نفسه وعقيدته في علي بن أبي طالب كأسلافه خالد القسري والحجاج الثقفي فيوهم القارئ بأن علي بن أبي طالب لم يولد في الكعبة؟! بقوله: (وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء).

والسبب في ضعف ولادة علي عليه السلام في الكعبة عند هؤلاء العلماء فهو لأن هؤلاء العلماء يبحثون عن علي عليه السلام في (قعر الجحيم كخالد القسري) ولأنهم لم ولن يجدوه فسيبقى هؤلاء خالدين في قعر الجحيم وهم يبحثون، ولن يجدوا علياً عليه السلام؛ ولذا اشتبه عليهم المكان فبدل من أن يبحثوا عنه في بيت الله الحرام ذهبوا إلى الجحيم؟!

خامساً: مناقشة قول الحافظ الحاكم النيسابوري


قال: (ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة دخلت أمه فمخضت فيها فولدت في البيت)[16].

وأما قول الحاكم النيسابوري الذي أورده في المستدرك سماعاً فإنه سرعان ما يعود إليه فينفيه، بل ويظهر زيف هذا القول وأنه عبارة عن وهم توهم فيه قائله، فانظر عزيزي القارئ إلى ما قال: (أخبرنا أبو بكر بن أحمد بن بالويه، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا مصعب بن عبد الله فذكر نسب حكيم بن حزام وزاد فيه وأمه فاختة بنت زهير بن أسد بن عبد العزى وكانت ولدت حكيماً في الكعبة وهي حامل فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة فولدت فيها فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد).

قال الحاكم: (وَهَمَ مصعب في الحرف الأخير ــ أي توهم ــ فقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة)[17].

وقد قدم لنا الحاكم في رده لهذا الوهم والزيف حقيقة مهمة إذ يكشف بأسلوب مهذب أصل هذا الخبر ومحل صدوره وهو مصعب بن عبد الله، الذي سنتوقف معه لنستنطقه في معرفة الأسباب التي دعته لخلق هذا الوهم ونشره بين المسلمين.

سادساً: مناقشة قول الحافظ ابن حجر العسقلاني


أما قول ابن حجر فقد نقله عن الزبير بن بكار حكاية ثم أتبعه بقوله: «وقال الزبير عن عمه مصعب قال: جاء الإسلام وفي يد حكيم الرفادة وكان يفعل المعروف ويصل الرحم ويحض على البر[18].

وهذا يكشف أنّ هذه الأقوال نابعة عن مصعب بن عبد الله الذي وصف عم أبيه بأنه أحد سادات قريش في الجاهلية والإسلام. إذن: يكمن نشر هذا الادّعاء، أي ولادة حكيم بن حزام في جوف الكعبة في شخصيتين وهما:

1ــ الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب الزبيري.

2ــ وعمه، مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري.

واللذان يعود نسبهما إلى عبد الله بن الزبير بن العوام.

ــــــــــــــــ
[1] المجموع: ج2، ص66.
[2] شرح صحيح مسلم للحافظ النووي: ج2، ص142.
[3] السيرة الحلبية: ج1، ص226.
[4] الأغاني للأصفهاني: ص358.
[5] صحيح مسلم، باب: النهي عن بيع الثمار، ج5، ص11.
[6] شرح صحيح مسلم: ج2، ص142.
[7] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج1، ص14.
[8] السيرة الحلبية: ج1، ص226.
[9] مستدرك الحاكم: ج3، ص482.
[10] تهذيب التهذيب لابن حجر: ج2، ص385.
[11] صحيح مسلم، باب النهي عن بيع الثمار: ج5، ص11.
[12] شرح صحيح مسلم: ج2، ص142.
[13] المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج3، ص483.
[14] معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ص57.
[15] المستدرك للحاكم: ج3، ص483.
[16] المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج3، ص482.
[17] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج3، ص483.
[18] تهذيب التهذيب لابن حجر: ج2، ص385.

إرسال تعليق