لماذا ثار الامام الحسيــن عليه السلام

بقلم: عبد الامير شمس الدين

تضحية انسان بنفسه وآله وصحبه، من اجل عقيدة ومبدأ ودين واقدامه على جلائل الامور، في سبيل اشعاع حق، انارة لشعب وشعوب، وايقاظاً لامة وامم، وهداية لاجيال ….، ميزتان من ميزات جبابرة الارادة، ونوابغ العالم وعباقرة القادة.

خاض الامام الحسين (عليه السلام) معركة الكفاح الاسلامي فكان المثل الاعلى للبطولة والفداء، والقدوة العظمى في التضحية وانكار الذات، من اجل الابقاء على رسالة هي خلاصة رسالات السماء، بعدما اصطدمت بها عواصف الاهواء والغايات، وكادت ان تقضي على مثلها العليا، ومبادئها الانسانية السامية التي انتزعت الاغلال السابقة عن كل انسان في كل مكان.

فكان كفاحه امتداد لكفاح جده وابيه، اللذين اعملا معمولهما الاقدس في بناية العبوديات الراسخة. التي شهدت من نوع تلك العواصف الشيء الكثير.

ولقد عبر عن ذلك (عليه السلام) بهذه الكلمات الخالدات ((اني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً. وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق)).

من ذلك يتضح لنا ان ثورته (عليه السلام) لم تكن على يزيد فحسب بل كان الهدف منها تقويض حكم يزيد، لان حكمه امتداد لحكم امية، واستمرار حكم على الاسلام بالزوال وفي زوال الاسلام، عودة لظلمات الجاهلية العمياء.

هدم الرجعية اذن ! الهدف من ثورة الحسين(عليه السلام)، وما الرجعية الا كل ماهو مخالف لعدالة الاسلام وشريعته الحقة، والرجعية بكل ما تنطوي عليه من مبادئ هدامة، منحصرة في بني امية. فقضاء الحسين (عليه السلام) على حكم امية لاشك انه قضاء على الرجعية بكل معانيها.

ولابرام هذا الحكم عليهم لابد لنا من شواهد واسانيد مما حفلت به صفحات التاريخ، فاذا ما أتينا على ذكر بني امية، بعد الاسلام اول ما تطالعنا شخصية ابي سفيان، ذلك الرجل الذي لقى الاسلام منه والمسلمون الآمرين قبل الهجرة وبعدها.

ما اسلم الا بعد ان خاف على نفسه من غلبة الاسلام، فهو اسلام الشفة واللسان لا ايمان القلب والعقل، لقد ظل يتمنى هزيمة المسلمين، ويستبشر لها في يوم حنين، وفي قتال المسلميـن والروم فيما بعد، وحينما تخطت الخلافة علياً لأبي بكر. استعرت في قرارة نفسه نار الفتنة. فخف يصرخ (يا بني هاشم وعبد مناف، ارضيتم ان يترأس عليكم ابو فضيل اما والله لو شئتم لأملأنها عليه خيلاً ورجلاً) فاسكته الامام علي (عليه السلام) بعد ان تبين قصده بقوله (انك والله ما اردت بهذا الا الفتنة، وانك والله طالما بغيت للاسلام شراً).

ولقد كان يحلم بملك وراثي في بني امية، حيث انبرى يقول: لما تولى عثمان الخلافة (يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به ابو سفيان، مازلت ارجوها لكم ولتصيرن الى صبيانكم وراثة).

ما كان ابو سفيان ليؤمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) او يعتقد يوماً انه نبي. وما كان يتصور حكم المسلمين الا ملكاً. وقف ينظر الى جيوشهم يوم فتح مكة، ويقول للعباس بن عبد المطلب: (والله يا ابا الفضل لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيماً). اجابه العباس (انها النبوة) قال (نعم اذن).

نعم اذن ! ان النبوة لكلمة يسمعها باذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه الا معنى الملك والسلطان.

ذلك القليل عن ابي سفيان… اما زوجته هند ام معاوية، هي تلك التي استعملت شتى وسائل الايذاء للرسول الكريم. وهي تلك التي وقفت يوم (احد) تلغ في الدم، اذ تنهش كبد حمزة بن عبد المطلب حققت في هذه الفعلة الشنيعة حقد الثار على حمزة عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنقل هذه النفسية الخبيثة بالوراثة، الى باكورة انتاجهما معاوية، الذي اطلق لأمية العنان: بعد استشهاد الامام علي وولده الحسن (عليه السلام) فلقد انهى الحاجز القوي الصلب الذي كان يحد من مطامعه واهوائه.

وهوى العملاق الجبار الذي كان يهابه ويخشاه. وبموتهما حلت الكارثة التي قصمت ظهر الاسلام.. فأمية ارتدت الى اعمال ورثتها من الجاهلية، وانحاز اليها المنتفعون الذين اعتادوا على التفضيل في العطاء، ومردوا على الاستئثار.

انحاز جميعهم الى معسكر معاوية، حيث يجدون فيه غاية لأطماعهم وتوطئوا على عناصر الحق والعدل والضمير في السيرة وفي الحكم سواء.

ولن اتعرض لذكر ماحفل به التاريخ الاسلامي، من اعمال مخزية مؤسفة قام بها معاوية واعوانه ضد الاسلام واهله ..، بل اكتفي بذكر صورة بسيطة من عشرات الصور المخزية التي استعملها معاوية.

سار معاوية الى مكة، مصطحباً معه الجند والمال، فجمع ساداتها، وقد ضاق ذرعاً بمحاربتهم له وكشفهم لعوراته، قال يتوعدهم (اعذر من انذر، انـي كنت اخطب فيكم فيقوم الى القائم فيكم، فيكذبني على رؤوس الناس فاهمل ذلك واصفح، واني قائم بمقاله فاقسم بالله: لئن رد علي احدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه، فلا يبقين رجل الا على نفسه).

وما كان من بعدئذ، حتى اقام على رأس كل من هؤلاء رجلين من جنده اذا قام احدهم يرد عليه بكلمة يضربانه بسيفهما .. ثم رقى المنبر وقال (هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبرم امر دونهم، ولا يقضى الا بمشورتهم، انهم رضوا وبايعوا يزيد فبايعوا على اسم الله) فبايع الناس يزيد.

فمن هو يزيد هذا ؟ الذي استعمل ابوه معاوية شتى صنوف الخداع والتضليل والاكراه، كي يوليه الملك بعده، ويجعله قيماً على شريعة الاسلام.

انه لا يكلفنا بذل الجهد للبحث عن اخباره، فاشعاره التي نطق بها في مناسبات عدة صورة صادقة عن نفسيته الخبيثة، ودليل قاطع على خروجه عن الاسلام فنظرة يزيد للنبوة ما كانت لتختلف عن نظرة جده ابي سفيان، فهو ينكر على رسول الاسلام نبوته، وينكر نزول الوحي عليه.

ان النبوة في نظر يزيد لا تعدوا ان تكون وسيلة ابدعها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للفوز بالملك والسلطان، هاكم قوله:

لعبت هاشم بالملك فلا  ****   خبر جاء ولا وحي نزل

ما كان يزيد ليهتم بما يصيب الامة الاسلامية من نكسات وما يحمل بالمسلمين من ويلات، بل كان همه اشباع غرائزه الحيوانية الجامحة والنوم على الاسرة المنمقة والأسماط الثمينة.

جاء يوماً خبر فتك الجوع والمرض بالجيوش الاسلامية الزاحفة لغزو القسطنطينية، فأنشأ يقول:

ما ان  ابالي بما لاقت جموعهم    ****    بالفرقدنه من حمى ومن حوم
       اذا اتكأت على الانماط مرتفعاً   ****    بدير مروان عندي ام كلثوم

الإمام الحسين (عليه السلام) ذكرى خالدة في نفوس الملايين

بقلم: الدكتور شريف عسيران

ليس لمثلي ان يكتب عن فاجعة الطف الأليمة فهي حديث الأزمان وفاجعة التأريخ الكبرى تثير في نفس كل من قرأها أو سمعها أشجى العواطف وتستنزف عيونه دماء سواء اكان مسلماً أو غير مسلم بل تحتاج الى وصاف ماهر اوتي حظاً من مقدرة البيان ولكن عاطفة القلب اقوى من عاطفة اللسان وقد تبارى المؤرخون والشعراء والكتاب من عرب واعاجم في تصوير فضاعتها وسجلوا اسوأ الصفحات السود في تاريخ الإنسان فلم يتركوا زيادة لمستزيد.

وها ذكرى الحسين(عليه السلام) خالدة في نفوس ملايين البشر تملي عليهم الفضائل العالية وتمثل لهم الإباء والتضحية والمبادئ السامية وتلقي عليهم ابلغ الـدروس في عـزة النفس ومـكارم الأخلاق ومقاومة الظلم، فقد قدم الحسين(عليه السلام) نفسه فداء لتلك المبادئ لندين بها ونفعل مثلما فعل فهل نحن فاعلون..؟ ليس البكاء دليل الحزن فقد يتصنع الإنسان البكاء او تثيره عوامل خارجية كالصوت الشجي والنواح او تذكر عزيز او غير ذلك من الحوافز المؤقته والحزن الصحيح هو المتأصل في النفس يثير الذكرى في كل آن.

لم تتبدل اساليبنا في تخليد ذكرى الحسين منذ وفاته (عليه السلام) ولم نقم بعمل يتناسب وجلال قدره وعظم تضحيته وتأدية رسالته وقنعنا بالمظاهر البسيطة المؤقتة. تتفنن الأمم الراقية في تخليد عظماءها وتقديرهم ممن لا يقاسون بشهيدنا العزيز ولو أضفنا الى مظاهرنا بعض الأمور النافعة كفتح المدارس والكليات والجامعات وأسسنا المستشفيات ومراكزاً لرعاية الأم والطفل وبنينا قاعات للإرشاد والمحاضرات ودوراً للأيتام وغير ذلك من المؤسسات النافعة التي تكون خير ذكرى لبطل المبادئ السامية تخلد ذكراه في كل لحظة وكل يوم وكل سنة وتغرس فينا المبادئ التي اعتنقها وتجعل هذه الذكرى أكثر انتشاراً وأرسخ قدماً واشد تأثيراً وأكبر نفعاً وأرقى مظهراً فعسى أن نفكر تفكيراً جدياً بتبديل اساليبنا وإحياء هذه الذكرى احياء عملياً.

تأملات في آخر خطبة للإمام في أثناء القتال

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري





أعلن الإمام الحسين في آخر خطاب له استعداده وأصحابه للقتال، وآثروا مصارع الكرام على طاعة اللئام وانتهت لغة الحوار الذي لم يجدِ نفعاً مع قوم استحوذ عليهم الشيطان لتحل محلها لغة السيوف والرماح، ويزحف آلاف الرجال والفرسان وهم بكامل عدة القتال نحو معسكر الحسين وأصحابه، ولم يرغب الإمام أن يبدأهم بقتال حتى كانت البداية منهم، وبدأت المعركة ويصمد أصحاب الحسين وأهل بيته أمام هذا السيل الجارف من الخيل والرجال، يشد ازرهم الإيمان بالقضية التي يدافعون عنها والعقيدة التي آمنوا بها ويريدون التضحية من أجلها، وكانوا صادقين مع أنفسهم ومع سيدهم يدل على ذلك ثباتهم مع الحسين في هذا الطريق من غير تردد... إلى أن لقوا الله تعالى[1] وقد شهد لهم أعداؤهم قبل أصحابهم بالشجاعة.

ومناقب شهد العدو بفضلها*** والفضل ما شهدت به الأعداء

يقول أحد الذين شهدوا المعركة مع ابن سعد: (ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها كالأُسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا تقبل المال...) [2]، وقد أبدع أحد الشعراء في وصفهم بقوله.

قوم إذا نودوا لدفع ملمة*** والخيل بين مدعس ومكردس
لبسوا الدروع على القلوب وأقبلوا*** يتها فتون على ذهاب الانفس

لقد واجه أصحاب الحسين وأهل بيته الموت بصدورهم العارية وحملوا أرواحهم على أكفهم، ولم يتهيّبوا من تلك الجموع الزاحفة نحوهم، لقد أخافوا الموت ولم يخفهم، فهم ماضون في طريق نصر الحسين ابن بنت نبيهم، ويقاتلون من أجل إحياء الدين، ولا يرون الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما، وهو ما عبر عنه إمامهم وقائدهم الحسين، وهكذا أُسقطوا في أرض المعركة واحداً بعد الآخر واحتسبهم الإمام الحسين عند رب رحيم، ولم يبق مع الإمام الحسين سوى أهل بيته الذين تقدموا للقتال بين يدي سيدهم، ودافعوا عن إمامهم ودينهم وعقيدتهم دفاع المستميت، وأَذاقوا العدى الموت الزؤام، وكلما سقط واحد منهم شهيداً بكاه الحسين واحتسبه عند الله، وسقطوا في أرض المعركة واحداً بعد الآخر، وكان آخرَ من استشهد منهم أخوه وحامل لوائه ابو الفضل العباس، قدموا أرواحهم جميعاً في سبيل الله ورسوله وحماية دين الإسلام، اختاروا الموت العزيز على الحياة الذليلة يقول احد الشعراء[3]:

ولما رأوا بعض الحياة مذلة*** عليهم وعز الموت غير محرمِ
أبوا أن يذوقوا العيش والذل واقع*** عليه وماتوا ميتة لم تذممِ
ولا عجب للأُسْدِ إن ظفرت بها*** كلاب الاعادي من فصيح وأعجمِ
فحربة وحشي سقت حمزة الردى*** وحتف علي من حسام ابن ملجمِ

ويجد الإمام الحسين نفسه وحيداً بين الاعداء وهو ينظر إلى أصحابه وأهل بيته مجزرين على أرض كربلاء، فعزم على مواجهة القوم بصدره الشريف، وأطلق صرخته التي دوت في أركان السموات والأرض، ورددها كل حجر ومدر «أما من مغيث يغيثنا، أما من ناصر ينصرنا، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله»، ثم يتقدم الإمام نحو القوم بعد أن ودّع أطفاله وعياله وأوصاهم وصيته الأخيرة، وتفر زمر الاعداء أمامه فقتل من قتل وجرح من جرح حتى وصل إلى شاطئ الفرات وأحاط به القوم من كل جانب وحالوا بينه وبين رحله وخيامه فصاح فيهم:

«ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعراباً كما تزعمون، فقال له الشمر ماذا تقول يا حسين؟ قال الإمام أقول أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس لكم عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجهالكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً...»[4].
       
كانت هذه آخر كلمات الإمام الحسين مع القوم قبل استشهاده، بدأها بلفظة «ويحكم»، وهي اسم فعل فيه دلالة على شدة اللوم والتقريع لمن يناديه، ثم استعمل أسلوب الشرط بعد نداء القوم الذين أضافهم إلى أبي سفيان مستفيداً من دلالة هذا التركيب على الربط بين قضيتين «ان لم يكن لكم دين... فكونوا احراراً» لقد استعمل الإمام اداة الشرط «إن» لما فيها من دلالة على الشك وهو يعرف أن هؤلاء القوم ليس لهم دين يردعهم عن ارتكاب المحرمات ولا يخافون عقاب الآخرة، لذا دعاهم إلى أن يكونوا أحراراً في هذه الدنيا ويعودوا إلى أنسابهم إن كانوا عرباً كما يزعمون، قال الإمام هذا لأن العربي يأنف بطبيعته من الإساءة إلى النساء والأطفال ولو كانوا من أعدائه، هكذا هي أخلاق العرب قبل الإسلام وبعده، وقد عمل الدين الإسلامي على ترسيخ هذا المبدأ ــ وبموجبه دعاهم الإمام إلى منع جهالهم من التعرض لحرمه ما دام حياً ــ طلب منهم أن يقصدوه بنفسه لأنه هو الذي يقاتلهم.

وتستمر المعركة ويتكاثر الأعداء حول الإمام وهم يضربونه بالسيوف ويطعنونه بالرماح ويرمونه بالنبال، وهو يقاتلهم بكل قوة وشجاعة ويفرون من أمامه فهو الحسين بن علي بن ابي طالب ــ بطل توّرث من أبيه شجاعة ــ ويمضي الإمام في قتال القوم، ويحاط به من كل جانب ويقع المقدور ويصاب الإمام بسهم في صدره ويضربه رجل بالسيف على رأسه فيهوي من ظهر جواده ويخر على الأرض صريعاً، وتنعاه ملائكة السماء ويغبر وجه الأرض وتمطر السماء دماً، ويهدم ركن الإسلام وتذل بقتله رقاب المسلمين.

أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم*** وقد نكأت أعداءهم حين سلتِ
وإنّ قتيل الطف من آل هاشم*** أذل رقاب المسلمين فذلتِ

 ويسقط الإمام متردّياً ثياب الموت الملطخة بالدماء من أجل إحياء الدين وعزة المسلمين.

تردى ثياب الموت حمراً فما دجا*** لها الليل الا وهي من سندس خضر

وهكذا تنتهي معركة الطف التي قدّم فيها الإمام الحسين نفسه وأهل بيته وأصحابه قرباناً من أجل دين الإسلام دين جده وأبيه، فاصبح رمزاً خالداً في الدفاع عن العقيدة ومبادئ الدين ورفض الظلم، لقد كان في قتله منتصراً في دينه، في عقيدته، وقد تعلَّمت منه الأجيال في مختلف أنحاء الدنيا كيف أن النصر لا يعني كسب المعركة بمعناه المادي المحسوس، انما النصر في ثبات العقيدة ورسوخ المبدأ وخلود القضية وهذا ما حصل في معركة الطف؛ فقد خرج الإمام الحسين منها منتصراً بالرغم من استشهاده هو ومن معه، انتصر الإمام الحسين لأنه يمثل انتصار الحق على الباطل والدين على البدعة والمظلوم على الظالم انتصر الحسين وكان مناراً خالداً يهتدي به الثائرون وأصحاب الحق والمظلومون في الأرض، وقد أصبح انتصار الحسين مدرسة تعلمت منها الأجيال معاني التضحية والشجاعة والصبر والدفاع عن العقيدة، لقد جسد الإمام الحسين في هذه المرحلة من خطابه قوة العزم والتصميم والارادة في الثبات على المبادئ والدفاع عنها مهما كان الثمن غالياً، وقد استنفد في بنية هذا الخطاب كل مسالك الحوار مع الأعداء، وأخلص في نصحهم وإرشادهم ولكنهم لم يسمعوا ما يقول، وكأنهم قدروا من حجر لا حياة فيه.

لقد أسمعت لو ناديت حياً *** ولكنْ لا حياةَ لمن تنادي

ــــــــــــــ
[1] مختارات من المحاضرات الحسينية 2 / 675.
[2] شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد 1 / 307.
[3] مختارات من المحاضرات الحسنية / 244.
[4] الكامل في التاريخ 3 / 294.

الشهامة في ساحة الطف

بقلم: الشيخ عبد الغفار الانصاري

تكاد تكون وقعة الطف من اولها الى آخرها فصلاً واحداً من امثلة الوفاء والشهامة والدفاع عن الحق والواجب، والثبات على المبدأ.

ويكاد المشتركون في تمثيل روايتها يتساوون في صدق العقيدة وقوة الأيمان، ومضاء العزيمة ومقارعة الاهوال والذود عن حياض الدين فالكبير والصغير، والحر والعبد، والسيد والمسود، والصحابي والتابعي قد غمرهم شعور واحد، وملكتهم نفسية واحدة وقادهم رأي واحد جعلهم يسيرون الى تحقيق غايتهم ويتجهون الى هدفهم صفاً واحداً دون ان يساورهم شك او قلق في صحة اتجاهم والمضي الى جهادهم بخطوات ثابتة، وعزيمة راسخة وجنان ملؤها القوة. والشجاعة والايمان بعدالة نهضتهم وجهادهم في سبيل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وانقاذ البشرية من شرور الباطل وكيد المستبدين.

فكل من يتصفح تاريخ يوم الطف لا يخامره شك ولا ريب بأن الفئة الصالحة التي رافقت الحسين في ثورته من المدينة الى كربلاء واستشهدت دونه كانت خير فئة خرجت تطلب الحق وتنشد الحرية ومن درس تاريخ اولئك الابطال عرفهم انهم كانوا من خيرة الرجال وخيرة الاصحاب قد حكمت المحبة بين قلوبهم اواصر الوفاء والاخاء والولاء فجعلهم يتسابقون الى القتل ويتراكضون الى الموت ويتمنون الشهادة ويحبون لقاء الله حتى لقد كان احدهم يتمنى ان يقتل ويحيى ثم يقتل ثم يحيى وهكذا الف مرة ليدفع الموت عن سيده الحسين كما صرح بذلك مسلم بن عوسجة ساعة جمع الحسين اصحابه وامرهم بالتفرق والتخلي عنه فاجابه مسلم قائلاً: والله لو علمت اني اقتل واحرق ثم احي ثم يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك، وصرح زهير بن القين قائلاً: والله يا ابا عبد الله وددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت ثم قتلت ويفعل بي ذلك الف مرة وان الله يدفع بذلك عن نفسك وعن نفس هؤلاء الصبيان من اهل بيتك الموت لرضيت.

ومن أسطع البراهين على تساوي اصحاب الحسين في العقيدة قول (جون مولى ابي ذر الغفاري) للحسين (عليه السلام) حين امره بالانصراف فاستعد باكياً وقال ((يا ابن رسول الله أفي الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة اخذلكم ؟ والله يا ابا عبد الله ان ريحي لنتن وان حسبي للئيم وان لوني لاسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض لوني)) فشكره الحسين (عليه السلام) على مقالته تلك التي تخبرنا على ان عقيدة العبيد من شهداء الطف لم تختلف عن عقيدة الاحرار وان تفانيهم ونضالهم في ذلك اليوم العظيم لم يختلف عن نضال سادتهم وشيوخهم.

ومن اروع ما جاء في تاريخ الوفاء والمثابرة وصحة العقيدة والثبات ان الحسين (عليه السلام) خرج ذات ليلة من لياليه في الطف يدور حول خيام فتيانه واخبئة عياله دون ان يصحب معه احداً وقد ساد الموقف ظلام دامس وهدئت الاصوات فالتفت الحسين (عليه السلام) ورائه فشاهد هلال بن نافع يجري خلفه فناداه فاقترب منه فقال له الحسين (عليه السلام) يا هلال انت في حل من بيعتي اسلك ما بين هذين الجبلين وانجو بنفسك ولا بأس عليك مني فارتعد هلال واضطرب وقال سيدي لا والله لا افعل ذلك انجو بنفسي لا والله حتى اقاتل دونك بهذه العقيدة الصادقة وبذلك الايمان الصحيح وعلى تلك المحجة البيضاء سار اصحاب الحسين وبتلك التضحية الغالية وما بذلوه من الشهامة نالوا هذه الذكرى التي ترددها الاجيال بالفخر والمجد والعظمة.

حضور المشهد الرسالي في واقعة الطف



بقلم: الدكتور مهدي حسين التميمي

والملاحظ في مجرى التاريخ الرسالي أن شواخص الأنباء الرسالي، كمثل ما هو التوافق في الأحداث الرسالية يشكل علامة من علامات الوثوق والمصداقية لإنباءات الرسالات الدينية، وقد كانت النبوءات الصادقة عن سير الأحداث في التاريخ الرسالي قد عبرت وفي حقب متفاوتة من ذلك عن تلك الحقيقة كمثل ما كان من نبوءات أشعيا وأرميا - من أنبياء بني إسرائيل - فيما ان يوحنا (النبي يحيى بن زكريا) هو الذي عناه النبي أشعيا من قبل في نبوءته عنه كمثل نبوءته عن السيد المسيح: "هيئوا طريق الرب.. واجعلوا سبله مستقيمة" (متى 3: 1-3). 

وقد كان أرميا قد تنبأ بسقوط أورشليم وتدمير هيكل سليمان وقد أرعب ذلك قومه فأخذ إلى مصر ورجم هناك بالحجارة لتنبؤاته الكئيبة، وأن أرميا كما ذكر في كتاب (أهل البيت في الكتاب المقدس) قد ورد عنه أخباره عن ملحمة الطف، مما نقل من الأصل العبري من العهد القديم وفيها تعظيم لفداحة ما يحدث في شمالي نهر الفرات (تسافونا على يد نهر فرات)، والتأكيد على أن الخراب والسيوف ستشع وترتوي من الدماء التي ستسيل في ساحة المعركة، كذلك أخبار "يوحنا" عن مذبحة كربلاء مما ورد من التحليل اللغوي للنص العبري الخاص بذلك والمستقى من المعجم الحديث (عبري - عربي) للدكتور ربحي كمال. 

وفيه ما يذكر عن أنباء السيد المسيح عن شهادة الإمام الحسين عليه السلام ـ وهي شهادة صادقة صدق ما أنبأ عن حوادث الزمان التي تحققت بعده: أن عيسى بن مريم مر بأرض كربلاء فراى ظباءً ترعى هناك فكلمته بأنها ترعى هنا شوقا إلى تربة الفرخ المبارك فرخ الرسول أحمد وانها آمنة في هذه الأرض، ثم اخذ المسيح من أبعارها وشمه وقال: اللهم أبقه حتى يشمها أبوه فتكون له عزاءً وسلوة، فبقيت الابعار إلى مجيء الإمام علي بكربلاء وقد اصفرت لطول المدة فأخذها وشمها ثم دفعها إلى ابن عباس وقال: احتفظ بها فإذا رأيتها تفور دما فاعلم ان الحسين عليه السلام قد قتل، وفي يوم عاشوراء بعد الظهر رآها تفور دما.([1])
 
وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مأساة حفيده الإمام الحسين عليه السلام منوها في ذلك بمأساة النبي يحيى بن زكريا عليه السلام وصلتها مع مأساة الإمام الحسين عليه السلام ومكانتها عند الله وما يكون لها من الوقع المؤلم والأثر في سير الأحداث بعدها في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال جبريل: قال الله تعالى: إني قتلت بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بدم الحسين بن علي عليهما السلام سبعين ألفاً"([2])

وأنه عدا تلك النبوءات التي توافر عليها الذكر النبوي لواقعة الطف فقد شهدت هذه الواقعة حضور الموقف الرسالي فيها مجسداً بما كان من مواقف أهل الإيمان في سائر الأديان، ومن ذلك ما كان من التحاق (وهب بن عبد الله الكلبي) الرجل المسيحي بركب الشهادة في موقعة الطف ما مر ذكره.

وبعد مقتل الإمام الحسين، وإذ رفعت رؤوس أعلام الشهادة في واقعة الطف على الرماح يتقدمهم رأس الإمام الحسين عليه السلام، كان المشهد الآخر للموقف الرسالي، ما كان من ذلك الراهب في صومعته، فإنه وقد نصب رأس الإمام الحسين عليه السلام على رمح إلى جنب صومعته، فإنه وفي أثناء الليل - كما ذكر - سمع تسبيحاً وتهليلاً ورأى نوراً ساطعاً من الرأس المطهر، وسمع قائلاً يقول: "السلام عليك يا أبا عبد الله.." فتعجب حيث لم يعرف الحال، وعند الصباح استخبر من القوم فقالوا له إنه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأمه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم: تباً لكم أيها الجماعة، صدقت الأخبار في قولها إذا قتل تمطر السماء دماً، وأراد منهم أن يقبل الرأس فلم يجيبوه إلا بعد أن دفع إليهم دراهم، ثم أظهر الشهادتين وأسلم ببركة المذبوح دون الدعوة الإلهية([3])، و هذا هو عنوان إسلام المؤمنين كلهم بالله، ورسله، وكتبه، ومواثيقه، ومنها ميثاق الشهادة. 

وفي مجلس الطاغية يزيد مَثُلَ رأس الشهيد الإمام الحسين عليه السلام، كمثل ما مَثُلَ رأس الشهيد النبي يحيى بن زكريا عند الطاغية، وفي ذات الموقع من مشهد الشهادة ذكر أنه كانت لرسول قيصر – الرجل المسيحي المنصف – وهو حاضر آنذاك، وقفته المستنكرة لذلك المشهد الفظيع والخارج عن قيم الأديان، مما بدر من يزيد في ضربه بعصاه للرأس الشريف، فإن هذا الرجل قد ذكر لهم مشهدا من مشاهد التقدير عند أهل دينه لكل ما يؤول إلى النبوة ويمت إليها بصلة: "إن عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى ونحن نحج إليه في كل عام من الأقطار ونهدي إليه النذور ونعظمه كما تعظمون كعبتكم، فأشهد أنكم على باطل"(23). 

ويظل هكذا النفس المسيحي في الشهادة توأم النفس الإسلامي فيها، إن معاناة السيد المسيح ومكابدته مع الطغاة هي نفسها معاناة ومكابدة الإمام الحسين، وشهادته هي كمثل شهادته، وقد ارتقى القديسان المبجّلان كلاهما على خشبة الشهادة ورؤوسهما تعلو إلى السماء منتصبة على سواري المجد والخلود، وما زلنا كل عام نستمع إلى الأقباط المسيحيين في بلدنا وهم يعبرون في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام عن صدق مشاعرهم وولائهم لمشهد الشهادة، وهو عنوان الولاء للشهداء الرساليين في كل دين، وقد كانت الإشارة في الذكر القرآني لمودة المسيحيين (النصارى) لإخوانهم من مؤمني الإسلام، ما يكون من صدق إيمان القسيسين والرهبان ومعرفتهم للحق في كل رسالة من رسالات الله: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ" (المائدة: 81-84).

وكمثل ذلك ما نرى من موقف الصابئة وهم يجدون في شهادة الإمام الحسين عليه السلام حضور الشهادة لنبيهم الشهيد يحيى بن زكريا عليه السلام، وأنهم في موطنهم في جنوب العراق ووسطه قد عاشوا جنباً إلى جنب مع الموالين لأهل بيت النبوة، واندمجوا معهم حتى في أسمائهم، وقد تغنى الشاعر الصابئي المعروف عبد الرزاق عبد الواحد بملحمة الإمام الحسين عليه السلام في قصيدة رائعة تعبر عن كامل المعرفة والتقدير لمشهد الشهادة الحسينية في الطف:

فمذ كنت طفلا رأيت الحسين


مناراً إلى ضوئه أهتدي

ومذ كنت طفلاً وجدت الحسين


ملاذاً بأنواره أحتمي

سلام عليك فأنت السلام


وإن كنت مختضباً بالدم

وإنك معتصم الخائفين


يا من من الذبح لم يعصم




([1]) أهل البيت في الكتاب المقدس، ص97-98.
([2]) الصواعق المحرقة، ص200.
([3]) موسوعة مقتل الإمام الحسين (نهضة الحسين)، ص465-466.

قصة استبصار السيد أبو حسن التونسي وتأثره بواقعة الطف



بقلم: الشيخ ياسر الصالحي

بتاريخ: 2 ــ 4 ــ 2014 

الولادة والنشأة

ولد عام (1388هـ/ 1969م) في تونس، حاصل على شهادة الثانوية، كان منذ صغره مولعاً بمطالعة الكتب والمجلاّت والحديث مع الآخرين في المجالات الثقافية والعلمية.
ومن هذا المنطلق حصل أبو حسن على خزين علمي تمكَّن من خلاله أن يتحرَّر من موروثاته العقائدية، ويشيّد لنفسه عقيدة مبتنية على الأدلَّة والبراهين، وكان استبصاره عام (1407هـ/ 1987م).


دين الله لا يعرف بالرجال

يقول (أبو حسن) حول تقييمه لمذهب أهل السُنّة: (أهمّ إشكالية موجودة في إخواننا أهل السُنّة أنَّهم لا يفصلون بين الإسلام بوصفه ديناً سماوياً وسيرة الخلفاء، ويعدّون الخلفاء هم الإسلام، أي: إذا أشكلت على الخلفاء فأنت تشكل على الإسلام!

وأهمّ ما يستدلّ به أهل السُنّة على مشروعية خلافتهم بأنَّها لو كانت مخالفة لما يريده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما قبلها أكثرية الصحابة، ولكنَّهم لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة بأنَّ الصحابة قد يغفلون عن حقائق كثيرة، كما أنَّ الأنصار طالبوا بالخلافة وهم يعلمون بأنَّ الخلافة في قريش من خلال حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم).


الانفتاح على الآخر

يقول (أبو حسن): (نحن لا نخشى مثل هذه الشبهات، لماذا؟ لأنَّنا أصحاب دليل وأصحاب منطق، ولقد زرت أحد الإخوة من بلدتي، وطلبت منه أن يأتيني بكتاب شيعي ولو كتاباً واحداً، ولكن لم يكن عنده ذلك. 

قلت له: هذا هو الفرق بين الشيعة وأهل السُنّة، اذهب إلى كلّ بيت شيعي تجد فيه كتب أهل السُنّة، وهذا عظيم، الانفتاح على الآخر، ومعرفته ماذا يطرح؟ وماذا يريد؟).


عظمة شأن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

تعدّ واقعة عاشوراء من الوقائع المتضمّنة للكثير من الدروس والعبر التي تمدّ الإنسان بالعطاء الروحي والغذاء المعنوي، وتحفّز الطاقات للعمل في ساحة الخير والصلاح.
والكثير من أهل السُنّة الذين يقتربون إلى الاستبصار يجدون بأنَّ هذا الأمر يستدعي منهم التضحية، ولهذا يكون أصحاب الإمام الحسين عليه السلام أسوة لهؤلاء فيتلقّون منهم درس الإيثار والتضحية.

وحول عظمة شأن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ينقل لنا (أبو حسن التونسي) قصّة طريفة، وهي:
شكَّك أحد الأشخاص ذات يوم في دلالة قول الإمام الحسين عليه السلام:
«فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي»([1]).

وحاول بهذا التشكيك في الدلالة أن يشكّك في صدور هذا الحديث من الإمام الحسين عليه السلام، وكان يقول في تشكيكه: بأنَّ أصحاب الإمام الحسين لم يقوموا بعمل خارق للعادة، بل كان عملهم أمراً طبيعياً يفعله كلّ إنسان في تلك الظروف التي أظهر العدوّ أقصى الخسّة والوضاعة، لأنَّ الإمام الحسين عليه السلام سبط النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، وهو ابن علي عليه السلام والزهراء عليها السلام، وهو إمام عصره فمن الطبيعي أن ينصره الإنسان المسلم.

ويقول هذا الشخص: رأيت في عالم الرؤيا بعد بيان تشكيكي هذا، وكأنّي حاضر في واقعة الطفّ فأعلنت للإمام الحسين عليه السلام استعدادي لنصرته، فقبل الإمام الحسين عليه السلام ذلك، ولمَّا حان وقت الصلاة قال الإمام عليه السلام:نحن نريد إقامة الصلاة فقف أنت هنا كي تحول بيننا وبين سهام العدوّ حتَّى نؤدّي الصلاة.

فقلت: أفعل يا بن رسول الله، فشرع عليه السلام بالصلاة، ووقفت أمامه، وبعد لحظات رأيت سهماً ينطلق نحوي بسرعة، فلمَّا اقترب طأطأت رأسي من دون إرادتي فإذا بالسهم يصيب الإمام عليه السلام، فقلت: ما أقبح ما فعلت، لن أسمح بعد هذا بتكرار مثله، أي بوصول سهم إلى الإمام عليه السلام.

وبعد قليل أتى سهم ثانٍ فحدث منّي ما حدث في المرَّة الأولى، وأصيب الإمام ثانية بسهم آخر، وتكرَّرت الحالة ثالثة ورابعة، والسهام تصيب الإمام أبا عبد الله عليه السلام وأنا لا أمنعها من الوصول إليه.

ثمّ حانت منّي التفاتة فرأيت الإمام ينظر إليَّ مبتسماً، ثمّ قال: «فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي».

فاستيقظت من منامي وعرفت أنَّ الله تعالى أراد أن ينقذني من هذه الغفلة والجهالة، وعرفت أنَّنا ينبغي أن نكون من أصحاب العمل، ولا نكون أهل قول مجرَّد عن العمل.


التأثّر بواقعة الطفّ

يقول (أبو حسن) حول واقعة الطفّ: «كان في السابق يمرُّ علينا محرَّم، ونحن نعيش البعد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكنّا في تونس نعدّ عاشوراء عيداً، ومن هنا نفهم أنَّ الإمام الحسين عليه السلام لا يعرفه الكثير من العامّة وحتَّى العلماء معرفة جيّدة، لأنَّ الدور الأموي على مستوى تجهيل الأمّة وإبعاد الناس عن الإسلام الأصيل دور فعّال».

يقول (أبو حسن): «كنت جالساً في بيتي وأنا أشاهد بعض الفضائيات الشيعية أيّام محرَّم الحرام، وإذا بمجموعة من الإخوة في الجنوب وفي الشمال اتَّصلوا بي، وقدَّموا لي التعازي بمناسبة شهر محرَّم، فاستغربت وقلت في نفسي: هذه تونس كانت لا تعتني بمحرَّم، ولكنَّها اليوم على رغم جهود الوهّابية حصل هذا التحوّل في وطني الغالي، وبدأ الناس في تونس يلبسون السواد، ويضعون بعض الرايات على منازلهم، ومكتوب فيها: يا حسين يا مظلوم، يا حسين يا غريب، يا حسين يا شهيد».

ويضيف (أبو حسن): (لقد أدخل الإمام زين العابدين عليه السلام كربلاء إلى عمق الشعور عند المسلم فجعلها جزءاً من كلّ مفردة من مفردات حياتهم، فإذا أكلوا تذكَّروا جوع الإمام الحسين عليه السلام، وإذا شربوا تذكَّروا عطش الإمام الحسين عليه السلام، وإذا خلدوا إلى الراحة تذكَّروا تعب الإمام الحسين عليه السلام ومعاناته، وبذلك تحوَّلت كربلاء بفعل الإمام السجّاد عليه السلام وطريقته الخاصّة إلى أسلوب حياة لدى قسم كبير من أبناء الأمّة الإسلاميّة.

وبهذا يستلهم الإنسان دائماً من ثورة الإمام الحسين عليه السلام ما ينير له الدرب في حياته، ويمنحه الاستقامة في كلّ الساحات التي تتطلَّب الجهاد والمقاومة).



([1]) الكامل في التاريخ 4: 57.

تأملات في خطاب الإمام الحسين في جيوش الأعداء يوم عاشوراء

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

زحف جيوش الضلالة إلى معسكر الحسين عليه السلام

بعد خطاب الإمام في أهل بيته وأصحابه بدأت جيوش الأمويين تزحف نحو معسكر الإمام الحسين، واتخذت مكاناً مقابلاً للإمام وأصحابه، وكانت بأعداد كبيرة بلغت آلاف الرجال والفرسان يقودها عمر بن سعد بن أبي وقاص، ويشرف على مجموعاتها عدد من فرسان أهل الكوفة المعروفين، وكانت هذه الجيوش على أهبة الاستعداد للقتال ومجهزة بأنواع الأسلحة المعروفة في ذلك العصر، وقد ازدحمت في أرض كربلاء أجواء القتال والمعارك فأصبحت تسمع فيها حمحمة الخيول وهمهمة الرجال وقعقعة السلاح وقرع طبول الحرب والقتال.

الإمام الحسين عليه السلام يمارس مسؤوليته الشرعية في النصح والإرشاد

وفي مثل هذا الموقف الذي تهب فيه رياح الحرب من كل صوب، وترتفع فيه رايات القتال، رأى الإمام الحسين بحكم مسؤوليته الشرعية بوصفه إمام العصر ومن أهل بيت النبوة أن ينصح هؤلاء القوم ويبين لهم أنّ ما يريدون الإقدام عليه وما يدفعهم إليه قادتهم وأمراؤهم من عمل هو خطأ كبير، وانهم حين يقدمون على قتاله سوف يرتكبون اثماً كبيراً ويغضبون الله ورسوله، وانهم سوف يخسرون الدنيا والآخرة إذا ما أقدموا على قتله، كل هذا أراد الإمام بيانه للقوم انطلاقاً من مبادئ الدين الإسلامي الذي يؤمن به الجميع ومن حق المسلم على المسلم فيه النصيحة.

وهكذا وقف الإمام الحسين عليه السلام، أمام جيوش الأعداء ووجه نداءه إليهم بأسلوب مؤثر تخشع له القلوب ويستفز العواطف ويخاطب العقول لعل فيها بقية من دين فيردع النفوس عن غيها ويكبح نزعة الشر التي انطوت عليها نفوس المخاطبين الذين أصبحوا ضحايا للزيف والخداع والكذب الذي مارسه ساداتهم لينالوا سخط الله وغضبه ويخسروا الدنيا والآخرة. 

نص الخطبة الشريفة

وقف الإمام بين العسكرين فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه ثم نادى بأعلى صوته ليسمعه الجميع: «أيها الناس اسمعوا قولي ولاتعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي، وحتى أعتذر إلى الله وإليكم عن مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم». ((تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ)) يونس/71 ،((إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)) الاعراف/196.

فلما سمعت النساء من أهل بيته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فأرسل إليهن من يسكتهن فلما سكتن، حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد والملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه([1])، ثم واصل خطابه قائلاً: «الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، وقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم قد كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين([2])، أيّها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟.

ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه، وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه، أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أو ليس جعفر الطيار عمي، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي (هذان سيدا شباب أهل الجنة) فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، فوالله ما تعمدت الكذب مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وان كذبتموني فإنّ فيكم مَنْ إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي الحسن، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي».

مقاطعة الشمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث لخطاب الإمام الحسين عليه السلام

فقال له الشمر بن ذي الجوشن: أنا أعبد الله على حرف إنْ كنت أدري ما تقول.
 فقال الإمام الحسين: «فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال لكم استهلكته او بقصاص جراحة، ثم نادى يا شبث بن ربعي ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا زيد بن الحارث... ألم تكتبوا إليّ، أن اقدم علينا قد اينعت الثمار واخضر الجناب وانما تقدم على جنود لك مجندة... قالوا لم نفعل قال الإمام: سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم ثم قال: ايها الناس اذا كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمني من الأرض.

فقال له قيس بن الاشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك...
فقال الإمام الحسين (عليه السلام): أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟، والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد)([3]).

عباد الله ((وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ)) الدخان / 20. ((إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)) غافر / 27([4]).

نقلت نص هذا الخطاب وما تخلله من حوارات كاملاً لأنه قيل في مقام واحد أراد الإمام أن يبين فيه للمخاطبين طائفة من الأغراض على وفق ترتيب محدد وتحدث عن أمور عدة قصد إيضاحها.

الأسرار اللغوية والبلاغية في هذا الخطاب الشريف


1: هيمنة أسلوب الطلب على القسم الأول من خطابه عله السلام

بدأ الإمام خطابه بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، ثم وجه نداءه إلى هؤلاء القوم بقوله «أيها الناس» ثم اتبع النداء بعدد من الأساليب الإنشائية، وكان أسلوب الطلب هو المهيمن على القسم الأول من خطابه، لأن المقام الذي قيل فيه الخطاب وغرض الإمام منه يتطلبان هذا النوع من التراكيب، فالإمام أراد أن يعظ القوم بما هو حق لهم عليه بوصفهم مسلمين وهو إمام عصرهم، فقد جاء بعد النداء «اسمعوا، لا تعجلوا» وغرض الإمام من هذا هو تهيأة القوم لسماع ما يريد قوله وما يريد ان يعظهم به، ويأتي قوله «أعظكم بما هو حق لكم علي» من كونه إماماً مفترض الطاعة ومن أهل البيت فمن حق هؤلاء القوم وهم يدينون بدين جده أن ينصحهم ويبصرهم بعاقبة ما يريدون الإقدام عليه من عمل، ويأتي هذا من باب تطبيق مبادئ الدين الإسلامي في مثل هذه المواقف وإلقاء الحجة عليهم وهم أحرار في قبول ما يقول أو رفضه.

2: الانتقال بالخطاب إلى أسلوب الشرط

وبعد هذا المدخل انتقل الإمام إلى أمر آخر هو تقديم العذر عن مقدمه إلى هذا البلد وقد بنى هذه الفقرة من خطابه على أسلوب الشرط الذي يرتبط فيه طرفا الخطاب «فان قبلتم عذري... كنتم أسعد، وإنْ لم تقبلوا... فأجمعوا...»، ويبدو من خلال أسلوب الشرط الذي بنى عليه الإمام هذه الفقرة من خطابه أنه قدم العذر عن قدومه إلى هذا البلد وقبوله دعوة أهلها، فإن قبلوا ذلك منه كانوا أسعد في دنياهم وآخرتهم، وإن لم يقبلوا ذلك فهو مستعد للقتال والدفاع عن أهدافه، يبدو ذلك واضحاً من خلال الآية التي مثلت جواب الشرط «فأجمعوا أمركم وشركاءكم...».

لقد أراد الإمام من هذا إلقاء الحجة على هؤلاء القوم وهو يعرف أنهم لا يقبلون منه ذلك لأن الأمر ليس في أيديهم إنما هم أداة تنفيذ ولديهم خيار آخر هو النزول على حكم الأمويين وقد عبر عن ذلك قيس بن الاشعث في حواره مع الإمام أو القتال حتى الموت.

وقد تقدمت الإشارة إلى أن الإمام لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبايع يزيد مهما كانت النتائج، وقد أعلن ذلك صراحة في كلامه مع والي المدينة، ومن هنا لم يكن أمامه بد من القتال والإمام الحسين حين خاطب القوم بهذا الأسلوب إنما يخاطب قوماً كاتبوه وبايعوه ودعوه إلى القدوم ثم نقضوا بيعتهم وتحللوا من عهودهم وجاءوا لقتاله، ومن هنا جاء بناء تراكيب هذه الفقرة على الأسلوب الشرطي الذي يقتضي فعلاً وجواباً وأداة تربط بينهما تجعل زمن السياق مستقبلاً.

والإمام الحسين حين ذكر هذه الأمور لا يريد منها استعطاف القوم أو تغيير نواياهم، لأنه يعرف أنه جاء إلى هذه الأرض ليلاقي المصير الذي وعده به الله ورسوله ويعرف أيضاً أن القوم لن يقبلوا بما طلبه منهم لذا اتخذ قراره الحاسم باختيار القتال، ويدل على هذا الاختيار الآيتان اللتان ختم بهما هذه الفقرة من خطابه وبكت النسوة عند سماعها.

3: الوعظ والإرشاد باستعمال أسلوب التشخيص

وبعد إعلان الإمام اختيار القتال في حال رفض القوم إنصافه وقبول ما يطلبه، انتقل إلى موضوع آخر له صلة بما بدأ به خطابه من وعظ وإرشاد، ذلك انه يعرف انه تهالك القوم على قتاله والخروج عن طاعة الله ورسوله كله من أجل حطام الدنيا ورغبة في إرضاء نزعة الشر عند ولاة الأمر من الأمويين، ومن هنا أراد الإمام أن ينبه هؤلاء القوم إلى نهاية هذه الدنيا، وقد رسم لهم من خلال تراكيب خطابه صورة هذه الدنيا التي غرتهم فنسوا طاعة الله الذي خلقها وخلقهم لكي يتعظ من يتعظ قال: «الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغركم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها».

لقد بنى الإمام تراكيب هذه الفقرة من خطابه بأسلوب يتسم بوضوح الإيقاع الموسيقي في مقاطعه، لكي يكون أكثر تأثيراً في نفس السامع من خلال ما يبعثه من موسيقى في فواصله «زوال ــ حال ــ غرته ــ فتنته ــ إليها ــ فيها»، ونلحظ ان الإمام استعمل ما يسمى بأسلوب «التشخيص» عند المحدثين في رسم صورة محسوسة لهذه الدنيا، فقد أضفى صفات المحسوسات على المعنويات، وجاء التعبير عن هذه الصورة بعبارات ذات موسيقى هادئة ينبعث منها نغم مؤثر يأخذ بالأسماع ويدخل القلوب بلا استئذان، يقول أحد الباحثين: «إذ أصبحت الدنيا بفضل التصوير الفني من المحسوسات التي تشارك الناس حياتهم اليومية من خلال إيهام المتلقي بمشاهدتها والاحساس بها حتى تكون الصورة أكثر قدرة على نقل المعنى وتوكيده، فاتخذ المنشىء من التشخيص وسيلة لتحقيق الآثار النفسية بنقل الدنيا من عالمها المعنوي إلى المحسوس فهي تغر وتخدع وتفتن وتخيب...»([5]).

لقد جسد الإمام في هذه الكلمات صورة متحركة للدنيا يحس بها كل من يسمعها، فقد أضفى الإمام على صورة الدنيا من صفات البشر ما يقربها إلى أذهان السامعين، ويعزز هذه الصورة ويزيدها صدقاً ما يحدث في واقع الحياة الذي يعيشه هؤلاء القوم أنفسهم، فهم يرون أنها لا تثبت على حال ولا تدوم لأحد مهما كان سلطانه وقوته، وكل شيء فيها إلى زوال وفناء، والعاقل هو الذي يأخذ العبرة من غيره مما يحدث في هذه الدنيا، ويصرف همه عنها ولا يركن إليها ويطمع فيها، والخاسر من يشتري داراً مصيرها الفناء والزوال، وهكذا وضع الإمام الحسين هذه الصورة المؤلمة للدنيا، لكي ينتبهوا إلى ما يقومون به من عمل من أجل هذه الدنيا، فهي لا تستحق أن يرتكب الإنسان من أجلها المعاصي فيخسر الدنيا والآخرة، ويبوء بغضب الله وسخطه، ويبدو واضحاً تأثر الإمام بما ورد من وصف للدنيا في كلام أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد رسم حال الدنيا بمثل هذه الصورة([6]).

4: التحير من نتائج الحرب باستخدام التراكيب الفعلية التي توحي بالتجدد والحدوث

وبعد أن بين الإمام حال الدنيا وطبيعتها لهؤلاء القوم انتقل إلى أمر آخر هو ما يريد هؤلاء القوم الإقدام عليه من أجل هذه الدنيا التي تقدمت صفتها لكي ينتبهوا إلى نتيجة هذا العمل، يقول: «وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، وقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم قد كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين»([7]).

الناظر في هذه القطعة من الخطاب يجد أن تراكيبها بنيت في أغلبها على التراكيب الفعلية التي توحي بالتجدد والحدوث، وبدت الجمل فيها بأبعاد محددة لتكون سهلة الإدراك عند السامعين، لأن مقام الكلام يتطلب هذه السهولة ليكون الكلام مفهوماً من جميع السامعين، ذلك أن الإمام أراد أن يوضح خطورة الأمر الذي اجتمع هؤلاء القوم من أجله، لأن فيه ما يغضب الله ورسوله، وإذا استمر هؤلاء القوم في تنفيذ ما أمر به ولاتهم الظالمون فسوف يحل عليهم غضب الله وسخطه ويجنبهم رحمته، وقد اعتمد الإمام بنية الفعل الماضي لتأكيد أن ما يقوله واقع لا محاله «أعرض ــ أحل ــ جنّب» واستعمال الفعل الماضي في مثل هذا السياق فيه دلالة على حتمية وقوع الحدث الذي ذكره الإمام من إعراض الله عنهم وسخطه عليهم وإحلال نقمته عليهم... ويشبه هذا ما ورد في قوله تعالى:((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)) النحل / 1. فهو آتٍ لا محالة... .

5: استخدامه عليه السلام لأسلوب المدح والذم

ثم يستعمل الإمام أسلوب المدح والذم من خلال استعمال الفعلين «نعم وبئس» فالله نعم الرب، وهو ربنا الذي هدانا وأنعم علينا، أمّا هؤلاء القوم فبئس العبيد هم، لأنهم عصوا أمر ربهم وخالفوا رسولهم وحرموا الحلال، وأحلوا الحرام، واتبعوا الظالمين، ونصروا الحاكم الجائر وتخلوا عن أهل بيت النبوة، ووقفوا مع الباطل وأنكروا الحق، وبعد هذا الوعظ الذي أصم الشيطان آذان القوم عن سماعه، ذكّرهم الإمام بأنهم مسلمون، أطاعوا الله ورسوله وآمنوا بما جاء به من مبادئ واهتدوا إلى سبيل الخير والرشاد وأخرجهم من الظلمات إلى النور وأصبحوا بفضله سادة الدنيا، وها هم اليوم يخالفونه ولم يلتزموا بما أوصاهم به فقد ترك فيهم بعد رحيله الثقلين «كتاب الله وأهل بيته» وأوصاهم بالتمسك بهما في إشارة إلى قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسـكتم بهما لن تضلوا»([8]).

وما يحصل الآن في هذا المقام خلاف ما أمر به الله وأوصى به الرسول، فأنتم تزحفون إلى عترته وأهل بيته تريدون قتلهم لكي يرضى عنكم الولاة الظالمون، وتنصرون الباطل على الحق، وفي هذا إغضاب لله ورسوله، وحين لم يجد الإمام أُذناً صاغية من هؤلاء القوم، وصفهم بأنهم قوم استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله ومبادئ دينه الحنيف، وجعل في آذانهم وقرا فأَصمها عن سماع نداء الحق وسماع ما يقوله الإمام، وعندها دعا الإمام عليهم وعلى ما يريدون بقوله: «فتباً لكم ولما تريدون» وقد استعمل الإمام صيغة المصدر في الدعاء بحالة النصب ليكون أكثر توكيداً ويدل على تجدد الأمر واستمراره.

ثم يسترجع الإمام إلى الله مما يريد هؤلاء القوم الإقدام عليه، فإليه ترجع الأمور، ويصفهم بأنهم قوم ظالمون كفروا بعد إيمانهم بالله ورسوله فبعداً لهم ولأعمالهم التي تكون سبباً في غضب الله ورسوله عليهم، وقد استمد الإمام هذا الوصف من القرآن الكريم.
 

6: التحول إلى الأسلوب الإنشائي بدلاً من الأسلوب الخبري الذي بدأ به خطابه

ومن أجل أن يضع الإمام القوم أمام واقع الأمر، ويبين لهم طبيعة الشر التي سيطرت على نفوسهم وعقولهم فأنستهم كل شيء حتى ذكر ربهم ومبادئ دينهم، لجأ إلى مخاطبة عقولهم وقلوبهم من خلال التذكير بأمور معروفة لديهم، ويدركها العرب جميعاً، فلا أحد من العرب يجهل أن الحسين هو ابن بنت رسول الله وابن وصيه، وانه سيد شباب أهل الجنة ــ يقول: «أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا ــ هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه ــ أوليس حمزة سيد الشهداء عم ابي، أوليس جعفر الطيار عمي، أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي. هذان سيدا شباب أهل الجنة».

لقد تغيرت بنية الخطاب في هذه القطعة، فقد صاغ الإمام تراكيبه بأسلوب مؤثر وعبر عما يريد بأسلوب انشائي بدلاً من الأسلوب الخبري الذي بدأ به خطابه، وذلك أن هذا المقام يتطلب هذا النوع من الأساليب، لأنها أكثر تأثيراً وأشد وقعاً في نفوس السامعين فهي تشد السامع إليها وتستلزم منه إجابات محددة لذا يطالعنا الخطاب في هذه القطعة بحشد من الأساليب الإنشائية كل منها يتطلب جواباً من السامعين (نداء، أمر مكرر، استفهام، استفهام انكاري..). وقد شكلت هذه الأساليب بنية هذا المقطع من الخطاب، وقد حشدها الإمام ليشد إليها أذهان السامعين ويدفعهم إلى التفكير في وضع إجابات لهذه المطالب، وإن كانت معروفة لديهم.

7: استخدامه عليه السلام لأسلوب الطلب والأمر

بدأ الإمام خطابه بنداء مؤثر «أيها الناس» ومن الطبيعي أن مثل هذا النداء في مقام يستعد فيه الرجال للقتال وتصطخب فيه أصوات السلاح وتقرع طبول الحرب يوحي بأن المنادي يريد أن يقول شيئاً يستلزم الانتباه والإصغاء، ويجعل السامع مشدوداً ومتيقظاً لسماع ما يقال، وحين أنصت القوم لهذا النداء أتبعه الإمام بطائفة من صيغ الطلب يتبع بعضها بعضاً وفي كل منها طلب يستلزم جواباً «انسبوا، ارجعوا، عاتبوا، انظروا»، ويمكن القول: إن هذا يأتي من باب تذكير القوم بأمور يستلزم المقام التذكير بها، فقد سيطرت على أفكارهم نزعة الشر والانتقام فأنستهم كل شيء، وإلاّ فهم يعرفون الحسين ويعرفون جده وأباه وأمه، وكل شيء عنه.

وبعد هذا طلب منهم مراجعة أنفسهم وقد استعمل مع هذا الفعل أداة العطف «ثم» التي تفيد في السياق دلالة التراخي ووجود مهلة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا ما يقتضيه السياق وطبيعة الفعل «راجع» ذلك أن مراجعة النفس لايمكن أن تكون بصورة متسرعة. وإنّما تحتاج إلى وقت لإعادة النظر فيما يريد الإنسان الإقدام عليه.

ولو استعمل «الواو أو الفاء» وهما يصلحان في هذا الموضع لما وصل إلى الدلالة التي تؤديها «ثم». ويوحي تكرار صيغ الأمر وعطف بعضها على بعض بدلالة الإلحاح والتأمل فيما يريد الإنسان الإقدام عليه لأن التسرع في مثل هذه المواقف تكون له نتائج غير سليمة.

8: استخدامه عليه السلام لتراكيب الاستفهام الاستنكاري

وبعد سياق الأمر الذي حدد فيه الإمام ما يريده من هؤلاء القوم انتقل إلى سياق آخر من سياقات الطلب وهو الاستفهام، وقد بنيت تراكيب الاستفهام على الاستفهام الإنكاري وهو ما يتطلبه السياق ويحدده المقام، ذلك أن الإمام أراد من خلال تكرار هذا الأسلوب إقرار القوم بحقيقة ما يريد قوله، لذا وجدنا الإمام يسوق في قطعة صغيرة عدداً من تراكيب الاستفهام الإنكاري، ليثير من خلالها عواطف القوم ويدفع كثيراً منهم للتفكير في وضع إجابات لهذه التساؤلات التي تتابعت في هذا المقطع من الخطاب ويبدو من النص أن الإمام كان دقيقاً في استعمال هذه التراكيب، لقد وجه الإمام سؤاله إلى القوم: «هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي»؟.

وبعد طلبه منهم أن ينسبوه فقد يكون نسبه إلى رسول الله وصلته به رادعاً لهؤلاء القوم عما يريدون الإقدام عليه من أمر. ثم اتبع ذلك بسلسلة من الاستفهام الإنكاري كان الغرض منه إقرار القوم واعترافهم أنّ ما يقوله هو الحق، لأن جواب هذا النوع من الاستفهام هو إقرار بإثبات مابعده، ذلك أن بنية الاستفهام الإنكاري تدل على إثبات ما بعدها على وجه الحقيقة لذا تكون إجابته بـ«بلى». ففي قوله تعإلى: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)) التين/8.

وقول الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
يكون بإثبات أن الله هو أحكم الحاكمين، والمخاطبين خير من ركب المطايا في نظر الشاعر، يقول الإمام: «أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أوليس جعفر الطيار عمي، أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي ــ هذان سيدا شباب أهل الجنة».

الناظر في هذه التساؤلات يجد أنّ ما بعدها هو حق ثابت يعرفه المسلمون جميعاً، فالحمزة هو عم الإمام علي بن أبي طالب حقاً وصدقاً، وجعفر الطيار هو عم الإمام الحسين، وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحسن والحسين ثابت يعرفه جميع المسلمين، وسمعه الصحابة من الرسول. كل هذه الأمور وغيرها ثابتة يعرفها المسلمون من العرب وغيرهم، ولم يرد الإمام من ذكرها إخبار القوم بشيء ولم يعرفوه إنما أراد من ذكرها إقرار القوم بها حقاً وصدقاً، وعندها يكون مايريدون الإقدام عليه من قتله وانتهاك حرمته خطأ كبيراً يحاسبهم الله عليه حساباً عسيراً ويخسرون الدنيا والآخرة.

9: استعماله عليه السلام لأسلوب الشرط

ولذا نجد الإمام يدعو القوم إلى التصديق بما يقوله، لأنه هو الحق وهو الواقع الذي لا خلاف فيه، ولكن نزعة الشر أعمت بصائر هؤلاء القوم وجعلتهم لا يفقهون شيئاً مما يقال لهم، فقلوبهم غلف عن فهم ما يقال ومن أجل توكيد ما ذهب إليه الإمام وتصديقه يحيلهم إلى سؤال من معهم من الصحابة مستعملاً في ذلك أسلوب الشرط بقوله: «فإن صدقتموني بما أقول... وإن كذبتموني فإن فيكم من لو سألتموه عن ذلك أخبركم به...».

ثم يحيلهم إلى طائفة من الصحابة لكي يسمعوا منهم ويؤكدوا لهم الحقيقة في هذا الأمر ــ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك ــ وهذه الطائفة من الأسماء التي ذكرها الإمام في خطابه هي أسماء عدد من الصحابة ممن عاصروا رسول الله وسمعوا منه ما قاله في حق الحسن والحسين بأنهما سيدا شباب أهل الجنة ــ وأنهما إمامان إن قاما وإن قعدا.

لكن هذا الخطاب وما أورده فيه الإمام من احتجاج صادف من القوم قلوباً كالحجارة أو أشد قسوة، وأسماعاً فيها وقر عن سماع نداء الحق، قلوباً سيطر عليها الشيطان فأعماها عن رؤية الخير، قلوباً تمكنت منها نزعة الشر فنزعت منها كل رحمة، وعقولاً سيطر عليها حب الدنيا وزينتها فشغلها عن التفكير بالآخرة، لقد أصم الشيطان آذانهم وأعمى أبصارهم، فلم يفرقوا بين نور الحق وظلام الباطل، ولم يميزوا بين بياض الصبح وسواد الليل، فلم ينتفعوا منها بشيء وصدق عليهم قول الشاعر.
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ

ولأنهم هكذا يجيبه جلف جاف يقال له شمر بن ذي الجوشن أنا أعبد الله على حرف إن كنت أدري ما تقول هذا جواب مجرم كافر سفاك نزع الله الرحمة والإنسانية من قلبه، وجعله لا يفقه شيئاً مما حوله فهو بهيمة كما وصفه أحد أصحاب الإمام الحسين.

10: الانتقال من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص لأشخاص معينين

وحين وجد الإمام الحسين هؤلاء القوم لا يسمعون خطاباً ولا يفقهون قولاً، وهم ينكرون كل ما سمعوه وما فعلوه وجه نداءً خاصاً إلى الملأ منهم وخصهم بأسمائهم قال: «يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحارث... ألم تكتبوا اليّ أن اقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب، وإنما تقدم على جنود لك مجندة...».

لقد انتقل الإمام إلى الحوار مع هؤلاء القوم بعد أن ألقى عليهم الحجة ووعظهم بما هو حق لهم عليه، وبين لهم طريق الحق والهدى، فوجد أنهم لا يسمعون خطاباً، ولا يملكون جواباً لما يقول، لقد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم كل شيء، وأنكروا ما سمعوا وما فعلوا، ولم يعرفوا سوى لغة الحرب، وقد وصف أحد الأدباء هذا الموقف بقوله:
لم أنسه إذ قام فيهم خاطباً
فإذا هم لا يملكون خطابا
فغدوا حيارى لا يرون لو عظه
إلا الأسنة والرماح جوابا
صلت على جسم الحسين سيوفهم
فغدا لساجدة الظبا محرابا

لقد خص الإمام جماعة ممن كاتبوه وطلبوا منه القدوم إلى العراق وعاهدوه أن يبذلوا أرواحهم وأموالهم دفاعاً عنه، وهم الآن في صف أعدائه ويحملون أسلحتهم عليه، ويعدون العدة لقتاله، وهو موقف يثير العجب، وأغرب منه جوابهم للإمام حين وجه إليهم النداء بأسمائهم، لقد أجابوه، اننا لم نفعل، لقد كذبوا على الله وعلى الناس وتنكروا لكل ما فعلوه.

11: استخدام أسلوب القسم والتوكيد والتعجب

وأمام هذا الجواب الذي يثير الاستغراب اضطر الإمام إلى استعمال أسلوب فيه من القوة والتوكيد ما يدل على كذب هؤلاء الرجال، فقد استعمل الإمام في سياق رده على جوابهم القسم والتوكيد والتعجب من فعل هؤلاء وجوابهم قال: «سبحان الله والله لقد فعلتم» بدأ الإمام رده على جوابهم بالتعجب مما قالوه ثم اتبعه بحرف الجواب «بلى» وهو حرف يجاب به في سياق النفي، أجاب به قولهم «لم نفعل»، ثم أتبع ذلك بقسم عظيم بلفظ الجلالة ومؤكدين هما «اللام وقد» والله لقد فعلتم، نعم فعلوا كل ذلك صدقت يا سيدي يا أبا عبد الله، صدقت وهم الكاذبون فقد كاتبوك ودعوك إلى القدوم وقالوا: إنما تقدم على جند لك مجندة، ثم تنكروا لكل ما فعلوه، وأصبحوا في صف أعدائك.

12: العودة إلى أسلوب الشرط

وبعد رد الإمام على جوابهم «لم نفعل» بالصورة التي تقدمت استمر الإمام في حواره مع القوم مستعملاً أسلوب الشرط الذي تكرر كثيراً في خطاباته مع هؤلاء القوم: «أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض».

إن ما ورد في هذه الفقرة يعد حجة يلقيها الإمام على هؤلاء القوم وهو يعرف ان الأمر ليس في أيديهم ويعرف أن مصرعه ومثواه في هذه الأرض، وقد عبر عن ذلك حين وطئت قدماه أرض كربلاء، وهو لا يريد الانصراف من هذا المكان، ولو افترضنا أنهم سمحوا بذلك لما فعل الإمام منه شيئاً لأنه ماضٍ لأداء رسالة لا يمكنه التراجع عنها.

13: استخدام القسم وتكرار أداة النفي ثلاث مرات للتعبير عن الغضب الشديد والقوة في الوقت نفسه

ويقول له قيس بن الأشعث: «أو لا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب...».
وحين سمع الإمام هذا الكلام منه، غضب منه وتغيرت لهجته وأسلوب خطابه معهم، لأن هذا الرجل هو أخو محمد بن الأشعث الذي يطلبه بنو هاشم بدم مسلم بن عقيل، رسول الإمام الحسين إلى أهل الكوفة فيرد عليه الإمام بأسلوب غاضب قائلاً: «أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل، لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد عباد الله ((وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ)) الدخان / 20. ((إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)) غافر / 27.

لقد كانت التراكيب التي ألّفت بنية هذا الخطاب فيها دلالة على الغضب والقوة في الوقت نفسه وهذا ما يتطلبه المقام، لأن الإمام الحسين لم يخرج إلى العراق لينزل على حكم الأمويين ويبايع يزيد بالخلافة لأنه رفض هذا الأمر وهو في المدينة، ومن هنا فقد خرج ثائراً ورافضاً لبيعة يزيد بن معاوية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقبل مثل هذا العرض من قوم قتلوا أخاه وابن عمه واجتمعوا لقتاله، لذا نراه يطلق تلك العبارة التي مثلت قراره الحاسم في هذا الأمر، وهو القتال الذي لابد منه من أجل إحياء الدين والدفاع عنه ضد ظلام الكفر والطغيان، تلك العبارة التي أصبحت فيما بعد شعاراً خالداً لكل الثائرين من أجل الحق والكرامة، ولكل مظلوم في وجه من ظلمه.

وقد بنيت هذه العبارة بألفاظ وتراكيب يتفجر الغضب والرفض من كل كلمة منها، بدأت بالقسم بلفظ الجلالة، وهو قسم عظيم يستعمل في الأمور الكبيرة والعظيمة، وتكررت فيها أداة النفي ثلاث مرات على قصرها لتوحي بدلالة الرفض الشديد لما طلب منه، ولا شك أن مثل هذا التكرار فيه دلالة على التوكيد وقوة نفي المراد.

نعم لقد خرج الإمام ثائراً من أجل نصرة الحق والدفاع عن الدين ووضع كل شيء في مكانه الصحيح، وسوف يستمر في هذا المنهج مهما كان صعباً ومهما كان الثمن غالياً إمّا النصر وإمّا الشهادة.

لقد خرج الإمام الحسين من أجل الكرامة خرج ليقدم نفسه ومن معه قرابين من أجل دين محمد، لأن في موته انتصار الحق على الباطل وانتصار الدم على السيف، وسوف يكون مخلداً في الدنيا والآخرة، وهذا ما تدل عليه العبارات التي استعملها الإمام في خطابه مع هؤلاء القوم، وعبر فيها عن رفضه لبيعة الظالمين، رفضها في كربلاء كما رفضها من قبل في المدينة.

.............................................
الهامش:

([1]) تاريخ الطبري 6 / 242.

([2]) مقتل الإمام الحسين، الخوارزمي / 345.

([3]) في بعض النسخ (فرار) بالفاء وما أثبتناه هو الصواب.

([4]) انساب الاشراف 3 / 188، وينظر الكامل 3 / 287.

([5]) التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية / 118، وينظر الاسس الفنية لاساليب البلاغة العربية/188.

([6]) ينظر نهج البلاغة 1 / 221.

([7]) تاريخ الطبري 6 / 242.

([8]) سنن الترمذي 1 / 223.