قصة استبصار السيد إدريس الحسيني المغربي

الولادة والمدينة

ولد عام (1967م) بمدينة (مولاي إدريس) المغربية، وترعرع في مدن المغرب: القصر الكبير، مكناس، الرباط، وذلك نتيجة الظروف التي كانت تحدّدها وظيفة والده في وزارة الفلاحة.


الأجواء التي ترعرع فيها

نشأ السيّد إدريس في أوساط عائلية وبيئة اجتماعية منحته منذ البداية الثقة بالنفس والعقلية المنفتحة والواعية نتيجة هيمنة قانون حرّية الرأي وحرّية الفكر فيها، فكان متحرّراً من كلّ فكر عقائدي في بيئته ولم يواجه أيّ لون من ألوان الأزمة في الحرّية.

فيقول السيّد إدريس في هذا المجال: (إنَّني لم أنشأ في أسرة تضرب أبناءها إطلاقاً، لأنَّ المغاربة لا يعرفون كيف يضربون أبناءهم. وهذه الحرّية العقائدية في بيتي ساعدتني على أن أدخل في معترك الاختيارات الفكرية من دون مسبقات).

كما أنَّ دولة المغرب بنحو عامّ كما يصفها السيّد إدريس بلد يتمتَّع بمجتمع مدني، وفيه أن تختار فكراً لا يعني أنَّ المسألة أصبح لها مدلولاً طائفياً، كما هو الوضع في بلدان أخرى، بل الكلّ حرّ في أن يختار طريقته من دون أن يذهب به ذلك إلى الإخلال بالأمن العامّ.

وفي هكذا أجواء ترعرع السيّد إدريس متَّسماً بالعقلية المتفتّحة والناقدة، فنما لديه طموح البحث في الفكر الإنساني على نحو عام والفكر الإسلامي على نحو خاص، وهذا هو الطموح الذي ظلَّ يراوده منذ الصبا والذي دفعه ليجتاز العقبات كلّها التي اعترته من أجل تحقّقه.

بداية الرحلة الجادّة في البحث

أدرك السيّد إدريس في بداية توجّهه للبحث أن ليس ثمَّة شيء في الدين إلاَّ وله علاقة بالتاريخ، وأنَّ ما تملكه اليوم الأمّة الإسلاميّة من عقائد وأحكام وثقافات كلّها جاءت عن طريق الرواية، فلهذا ينبغي أن يكون التاريخ هو أحد المصادر العلمية المهمّة. فتوجَّه السيّد إدريس إلى الأبحاث التاريخية بصورة موضوعية ومن دون تحيّز أو تعصّب لاتّجاه معيَّن.

مرحلة اجتياز العقبات

أوّل عقبة واجهها السيّد إدريس في مسيرته تحذير بعض العلماء له من البحث في القضايا التاريخية القديمة، محتجّين لذلك بأنَّ هذا الأمر باعث على الفتنة وأنَّه يورث الباحث شبهات توجب تزلزل بنيته العقائدية.

لكن السيّد إدريس سرعان ما تمكَّن من اجتياز هذه العقبة، فلم يتقبَّل هذه الفكرة، فيقول في هذا المجال: (لقد تحوَّل البحث عن الحقيقة، فتنة في قاموس هذا الصنف من الناس، وكأنَّهم يرون البقاء على التمزّق الباطني، حيث تتشوَّش الحقيقة وتغيب، أفضل من الافصاح عن الحقّ الذي من أجله أنزل الوحي، وكأنَّ مهمّة الدين هو أن يأتي بالغموض، وكأنَّ الله عز وجل أراد أن يبلبل الحقائق).

وكانت العقبة التالية أمامه هي قداسة بعض الشخصيات، لكن بعد عزمه على معرفة الحقّ أدرك أنَّ الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال من دون استثناء، وأنَّه لا بدَّ أن يوطّن نفسه ويهيّئها للطوارئ في معترك التنقيب عن الحقائق الضائعة. فلهذا لم يفسح المجال لأيّ قداسة مزعومة أن تجمّد فكره في مجال البحث عن الحقيقة.

وبهذه العقلية خاض السيّد إدريس غمار البحث، واستغرقت رحلة بحثه مدّة طويلة عاشها بين أنقاض التاريخ المدفون.

ويقول السيّد إدريس: (لقد قمت بكلّ ما يمكن أن يفعله باحث عن الحقيقة، ومصرّ على المضي في دربها المضني والوعر).

بداية تعرّفه على التشيّع

يقول السيّد إدريس: (وقع في يدي كتابان يتحدَّثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكنت لأوّل مرَّة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاصّ مناقضة تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها، لم أكن أعرف أنَّ صاحب الكتاب رجل شيعي، لأنَّني ما كنت أتصوَّر أنَّ الشيعة مسلمون! فكانت تختلط عندي المسألة الشيعية بالمسألة البوذية أو السيخية!).

ومن هنا تفتَّحت ذهنية السيّد إدريس فتعرَّف على بعض ورؤى التشيّع أفكاره فتبادر إلى ذهنه: لماذا هؤلاء شيعة ونحن سُنّة؟

ويقول السيّد إدريس: (تحوَّل هذا السؤال في ذهني إلى شبح، يطاردني في كلّ مكان، فتجاهلت الأمر في البداية وتناسيته حتَّى أخفّف عن نفسي مضاضة البحث، بيد أنَّ ثقل البحث كان أخفّ عليَّ من ثقل السؤال وأقلُّ ضغطاً من الحيرة والشكّ المريب).

ومن هذا المنطلق قرَّر السيّد إدريس ولأجل التخلّص من هذا الضغط النفسي أن يزوّد فكره بالجديد حتَّى يحسم مسلّماته الموروثة، لأنَّه أدرك عدم قيمة أفكار تتراكم في ذهنه من دون أن تبلور عنده أساس عقائدي متين.

فلهذا قرَّر السيّد إدريس أن يتوجَّه إلى معرفة الفكر الشيعي من أجل الإلمام بالفوارق بينه وبين الفكر السُنّي.

ثمار الانغماس في التراث الشيعي

لم تمض مدة قصيرة من دراسة السيّد إدريس للتراث الشيعي إلاَّ وأدرك أموراً خطيرة قلبت عنده الموازين، وكان منها وعيه بأنَّ الوضع السُنّي لا يجد حرجاً في أن يملي على أتباعه صورة مشوّهة عن معارضيه وأنَّه لا يستحي من الله ولا من التاريخ في تغذيته نزعة التجهيل والتمويه لمنتميه.

ويقول السيّد إدريس: (وفجأة وجدت نفسي مخدوعاً).


وانتفض ضميره قائلاً: (لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس كما هي في الواقع؟ لماذا يتعمَّدون إبقاءنا على وعينا السخيف؟).

فقرَّر السيّد إدريس أن يبحث عن الحقّ الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي، وكان من أكبر الأحداث التاريخية التي تركت الأثر العميق في وجدانه هي فاجعة الطفّ الدامية، ومنها عرف أنَّ هذا الظلم الذي يشكو منه اليوم ليس جديداً على الأمّة، وأنَّ الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسَّسه أفراد كانوا يشكّلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمّة من آل البيت عليهم السلام.


عقبة أحقّية الأكثرية

يقول السيّد إدريس: (كنت كلَّما طرحت سؤالاً على نفسي، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول لي: دع عنك هذا السؤال، فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك، وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتَّى تحسم في هذه المسألة؟).

ويضيف: (كنت أعلم أنَّ هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوَّة والإلحاح).

وعلى كلّ حال لم تكن هذه الاعتراضات بذلك المستوى الذي تردع السيّد إدريس عن اندفاعه إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المستورة.

ولقد حزَّ في نفسه هذه الكثرة الغالبة، حيث إنَّها كبرت في عينه وصعب عليه مخالفتها، بيد أنَّ شيئاً واحداً جعله ينتصر عليها وذلك بإيمانه بأنَّ الأكثرية فقط لا يمكنها أن تمثّل الحقيقة، ولا يسع في البحث الموضوعي عدّ الأكثرية ملاكاً لمعرفة الحقّ، وهذا ما جعله يتمكَّن من الصمود أمام الأمواج البشرية الهائلة التي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها.

ويقول السيّد إدريس: (كنت أطرح دائماً على أصدقائي قضيّة الحسين عليه السلام المظلوم، وآل البيت عليهم السلام... فأنا ظمآن إلى تفسير شافٍ لهذه المآسي... كيف يستطيع هؤلاء السلف (الصالح) أن يقتلوا آل البيت عليهم السلام تقتيلاً!؟ لكن أصحابي، ضاقوا منّي وعزَّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة).

ويضيف السيّد إدريس: (من هنا بدأت قصَّة - الحركة نحو الاستبصار - وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقادية صلبة. أنَّني لست من أولئك الذين يحبّون أن يخدعوا أو أن ينوّموا، لا، أبداً، لا أرتاح حتَّى أجدّد منطلقاتي، وأعالج مسلّماتي، فلتقف حركتي في المواقف، ما دامت حركتي في الفكر صائبة).

ومن هنا شدَّ السيّد إدريس عزمه لمواصلة طريق البحث مهما كانت النتائج، كما أنَّه أدرك بأنَّ هذا الطريق وعر، تتجلّى فيه أقوى معاني التضحية، وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعاً. لأنَّ أئمّة هذا الطريق ما ارتاح لهم بال ولا قرَّ لهم جنان، حتَّى يُتّموا، وذُبحوا، وحُوربوا عبر الأجيال!

فأدرك السيّد إدريس مدى قيمة الحقيقة في حسبان الباحثين عنها، وأدرك مدى الجهد الذي ينبغي بذله لخلع جبّة التقليد عن نفسه، واختراق الجدار السميك من الضلالات والأعراف والتقاليد.

فعدَّ لنفسه العدّة المطلوبة لهذه الرحلة الفكرية، فكانت نتيجة هذا الجهد الذي بذله في البحث هو انجلاء تلك الصورة التي ورثها عن الشيعة، وحلَّ محلّها المفهوم الموضوعي الذي يتأسَّس على العمق العلمي المتوفّر في الكتابات التأريخية. كما تبيَّن له أنَّ مذهب أهل البيت عليهم السلام هو أوّل مذهب في الإسلام، وهذا لا يعني أنَّ الشيعة انفردوا عن غيرهم بطريقة ابتدعوها، ولكنَّهم احتفظوا بموقعهم الأصيل الذي عُرفوا به، هذا في الوقت الذي شردت فيه جميع الملل والنحل، وتفرَّقت تبتغي الحقّ عند غير أهله.
اتّخاذ الموقف النهائي

يقول السيّد إدريس: (في اللحظات التي ظهرت لي الأحداث على حقيقتها، قامت - فوراً - حرب بين عقلي ونفسي، فالنفس عزَّ عليها اقتلاع (ضرس) العقيدة السابقة، والعقل عزَّ عليه أن يتغاضى عن الحقائق الواضحة القطعية، فإمَّا أن أتَّبع طريقاً موروثاً، وإمَّا أن أسلك سبيل القناعة ونور العقل).

ويضيف: (كان هذا أخطر قرار اتَّخذته في حياتي، لكي أنتقل بعدها إلى رحاب التحدّيات الفكرية والاجتماعية).

ومن هنا استقرَّ المقام بالسيّد إدريس في هدى الأئمّة الأطهار، فأعلن تشيّعه في المغرب ثمّ هاجر إلى سوريا من أجل الالتحاق بالحوزة العلمية في دمشق. فتلقّى دراسته الحوزوية على يد جملة من المشايخ والعلماء، وما يزال متابعاً لدراسته إلى جانب مزاولة التدريس بالحوزة العلمية، إضافة إلى عمل الصحافة والكتابة الأخرى.

وقد تبلور عند الأستاذ اتّجاهين في رحاب العلم والمعرفة:

الأوّل: الاهتمام بالمباحث المعاصرة والجديدة والحديثة التي تطرح بكثافة في ساحة المغرب.

الثاني: هو الاهتمام بالمباحث الدينية والمذهبية التي بدأ يتلقّاها على أيدي أساتذة الحوزة العلمية التي انتسب إليها.

وقد أبدع الأستاذ في نتاجاته في كلا الاتّجاهين، فألَّف بعض الكتب فيما يخصّ المباحث الدينية مثل كتاب (لقد شيَّعني الحسين)، وكتاب (الخلافة المغتصبة)، وألَّف جملة من الكتب تدور حول الأفكار والرؤى المعاصرة ككتاب (محنة التراث الآخر).

مؤلّفاته

1 - لقد شيَّعني الحسين عليه السلام (الانتقال الصعب في رحاب المعتقد والمذهب)، صدرت الطبعة الأولى عام (1414هـ/ 1994م) عن دار النخيل للطباعة والنشر/ بيروت، ترجمه مالك محمودي إلى اللغة الفارسية تحت عنوان (راه دشوار از مذهب به مذهب) وصدرت الترجمة عام (1416هـ) عن دار القرآن الكريم/ قم.

2 - الخلافة المغتصبة (أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ)، صدرت الطبعة الأولى عن دار الخليج، والطبعة الثانية عام (1416هـ) عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر/ بيروت.

3 - هكذا عرفت الشيعة (توضيحات وردود)، صدر عام (1418هـ) عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر/ بيروت.

4 - محنة التراث الآخر (النزعات العقلانية في الموروث الإمامي)، صدر عن دار الغدير/ بيروت سنة (1419هـ).

5 - حوار الحضارات، صدر عن المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ المغرب/ الطبعة الأولى/ عام (2000م).

6 - المفارقة والمعانقة (سؤال المقابسة في قرن جديد، رؤية نقدية في مسارات العولمة وحوار الحضارات)، صدر عن المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ المغرب/ الطبعة الأولى/ عام (2001م).

المقالات

1 - في نقد الأسطورة السبئية، نشرتها مجلَّة المنهاج التي تصدر عن مركز الغدير/ بيروت/ العدد الثالث/ خريف (1417هـ/ 1996م).

2 - الجابري.. واللامعقول الشيعي، نشرته مجلَّة المنهاج/ العدد الثامن/ شتاء 1418هـ/ 1997م.

3 - الأنطولوجيا المشّائية في أفق انفتاحها، ومقاربة لنظرية الوجود عند صدر المتألّهين الشيرازي، نشرته مجلَّة المنهاج/ العدد التاسع/ ربيع 1418هـ/ 1998م.

4 - مع ابن تيمية في ردوده على المنطقيين، نشرتها مجلَّة المنهاج/ العدد الرابع عشر/ صيف (1420هـ/ 1996م).

5 - آفاق النهضة في الفكر العربي المعاصر وجدلية العلاقة مع الغرب من منظار نقدي، نشرتها مجلَّة البصائر/ بيروت/ العدد 10/ ربيع (1413هـ/ 1993م).

6 - المقبول واللامقبول في (أصوليات) روجيه غارودي، نشرته مجلَّة البصائر/ العدد 10/ ربيع (1413هـ/ 1993م).





قصة استبصار المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب

نشرت مجلَّة المنبر في العدد العاشر/ ذي الحجّة (1421هـ) خطاباً لأحمد حسين يعقوب يبيّن فيه كيفية استبصاره وانتمائه لمذهب أهل البيت عليهم السلام، جاء فيما نشرته المجلَّة: موضوع مجلَّة المنبر

لم يكن مناظرة عقائدية، أو شخصية علمائية، أو تباحثاً شخصياً، أو كتاباً شيعياً.. ذلك الذي دفع المحامي الأردني الشهير (أحمد حسين يعقوب) إلى التشيّع واعتناق عقيدة أهل البيت عليهم السلام، بل كانت الومضة الأولى التي قادته إلى هذا المعين العذب، كتاباً أفجعه، لكاتب سُنّي هو (خالد محمّد خالد)، الأديب المعروف.

(أبناء الرسول في كربلاء)، كان اسم هذا الكتاب الذي وقعت عينا (أحمد حسين يعقوب) عليه، فقرأه بشغف، ليكتشف كيف أنَّ الظالمين وثبوا لتبديل شريعة الله تعالى، ومحو ذكر (محمّد وعلي) عليهما السلام، بما ارتكبوه من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، وإرهاب لم تعرف البشرية له مثيلاً، وبما رسَّخوه في أذهان العامّة من مضامين ثقافية جعلت الحلال حراماً والحرام حلالاً، وبدَّلت المعروف بالمنكر، وآل البيت بالصحابة!

إنَّه (الحسين).. سيّد الأحرار والشهداء عليه السلام، هو من فتح ذراعيه لـ (أحمد حسين يعقوب)، الذي ظلَّ يبكي ألماً ويئنُّ لوعةً، لما جرى على (أبي عبد الله عليه السلام)، فكان جرحه النازف ودمعه الهادر، طريقاً سلك به إلى برّ الأمان، حيث صاحب الزمان عليه السلام.

يتحدَّث المحامي الذي عاهد ربّه أن يدافع طوال حياته عن قضيّة أهل البيت عليهم السلام العادلة، عن قصَّته، وكيف تبيَّن له أنَّ شيعة آل محمّد عليهم السلام هم الفئة الناجية، كيف واجه المجتمع والناس، الذين اتَّهموه بالكفر والارتداد والرفض والمروق عن الملَّة والدين.

إنَّها كلمات يسردها (أحمد حسين يعقوب) صاحب كتاب (المواجهة) الذي حوكم بسببه، في خطاب خاصّ أرسله إلى (المنبر)، ها هو نصّه:

السيرة الشخصية للمحامي احمد حسين يعقوب

انتمي لعشيرة بني طه أبو عتمة إحدى بطون عشيرة العنوم، ولدت في كفرخل الواقعة شمال جرش عام (1939م)، متزوّج من امرأة واحدة ولي عشرة أولاد ذكور، وأربع بنات، حصلت على الثانوية العامّة من مصر، وأكملت دراسة الحقوق في جامعة دمشق، وسجَّلت للدراسات العالية / دبلوم القانون العامّ في الجامعة اللبنانية، وسجَّلت لدراسة الماجستير في جامعة الحكمة، كنت موظَّفاً ومعلّماً وخطيب جمعة ورئيس بلدية، وأنا أعمل في مهنة المحاماة منذ (17) عاماً.
كيف اهتديت؟

سافرت إلى بيروت لمناقشة بحث قدَّمته للجامعة اللبنانية عن رئاسة دولة الخلافة في الشريعة والتاريخ، وهو تقليدي من جميع الوجوه، ويحمل وجهة نظر العامّة ومعتقداتها في هذا المجال، وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) لخالد محمّد خالد، ومع أنَّ المؤلّف يتعاطف مع القتلة، ويلتمس لهم الأعذار، إلاَّ أنَّني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيت النبوّة وأصحابهم، وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحوّل في حياتي كلّها، وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب (الشيعة بين الحقائق والأوهام) لمحسن الأمين، وكتاب (المراجعات) للإمام العاملي، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوّة وأوليائهم، لقد تغيَّرت فكرتي عن التاريخ كلّه، وانهارت تباعاً القناعات الخاطئة كلّها التي كانت مستقرّة في ذهني، وتساءلت إن كانت هذه أفعال الظالمين بابن النبيّ وأهل بيته، فكيف تكون أفعالهم من الناس الاعتياديين؟

لقد أدركت بأنَّ الدولة التاريخية - وهي دولة عظمى - قد سخَّرت جميع مواردها ونفوذها من خلال برامجها التربوية والتعليمية لغايات قلب الحقائق الشرعية، وتسخير الدين الحنيف لخدمة وقائع التاريخ وإضفاء الشرعية على تلك الوقائع، وإظهار الدين والتاريخ بوصفهما وجهين لعملة واحدة.

وأنَّ الناس قد انطلت عليهم هذه الخطّة، فأُشربوا ثقافة التاريخ متصوّرين بحكم العادة والتكرار وتبنّي الدولة لهذه الثقافة، بأنَّ ثقافة التاريخ هي ثقافة الدين.

وبهذا المناخ الثقافي حملت الدولة التاريخية على أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وصوَّرتهم بصورة الخارجين على الجماعة، الشاقّين لعصا الطاعة، المنحرفين عن إسلام الدولة، وتقوَّلت عليهم ما لم يقولوه، ونسبت إليهم ما لا يؤمنون به، وصدَّقت العامّة دعايات الدولة ضدّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وتبنّى الأبناء والأحفاد ما آمنت به العامّة من دون تدقيق أو تمحيص، ولا دليل لا من كتاب الله ولا من سُنّة رسوله، لقد صارت كلمة الشيعة في أذهان العامّة مرادفة لكلمات الانحراف والكفر والخروج على الشرعية.

وتلك ثمرة من ثمرات الحملة التاريخية الظالمة التي شنَّتها الدولة على أهل البيت عليهم السلام عامّة، وعلى شيعتهم بشكل خاصّ. عندما أخذت الحقائق تنكشف رويداً رويداً خفَّفت الدولة من حملتها على أهل بيت النبوّة، ولكنَّها ضاعفت وكثَّفت حملتها على شيعة أهل البيت عليهم السلام.

الحقائق التي اكتشفتها

لقد تبيَّن لي أنَّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم موالاة حقيقية هم المؤمنون حقّاً، وهم الفئة الناجية، وهم شهود الحقّ طوال التاريخ، وأنَّ الإسلام النقي لا يفهم إلاَّ من خلالهم، فهم أحد الثقلين، وهم سفينة نوح وهم باب حِطّة، وهم نجوم الهدى، ولولاهم لضاع الإسلام الحقيقي ولما بقي للحقّ من شهود، لقد رفعوا لواء المعارضة طوال التاريخ، وتحمَّلوا في سبيل الله فوق ما يتحمّله البشر، حتَّى أوصلوا لنا هذا الدين الحنيف بصورته النقية الكاملة المباركة.

وباختصار شديد لقد اهتديت، وعرفت أنَّ لأهل بيت النبوّة قضيّة عالمية عادلة، وعاهدت ربّي أن أدافع عن هذه القضيّة ما حييت، فكانت كلّ مؤلّفاتي مرافعات ومدافعات عن عدالة هذه القضيّة، واستنهاضات للعقل المسلم خاصّة، وللعقل البشري عامّة، لينتقل من التقليد الأعمى إلى الإيمان المستنير المبدع.

أنا وأهلي والمجتمع

لقد اهتديت وأولادي والحمد لله، فصارت أفراح أهل البيت أفراحنا وأتراحهم أتراحنا، وأنا على بيّنة من ربّي، ولست معنيّاً بما يقوله المجتمع عنّي.

لقد وصفت الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمعات القديمة كلّها الرسل والأنبياء الكرام، بالمجانين، واتَّهمتّهم بالسحر والكهانة والشعر والكذب.. ولم يسلم خاتم النبيّين من هذه الأوصاف الظالمة! لقد بلغ العرب المدى عندما قالوا بأنَّ القرآن أساطير الأوّلين! ولكن بوقت طال أم قصر، سقطت أكاذيب الأكثرية من أبناء المجتمعات، وحصحص الحقّ، وبقيت الحقيقة الخالدة التي نادى بها النبيّون.

المطلوب أن أنجو بنفسي، ولا يضيرني عند الله إن ضلَّ ابني أو تنكَّر لي مجتمعي، ليقولوا: إنَّني كافر.. وإنَّني رافضي.. الخ، هم يعرفون أنَّني أُصلّي وأحجّ وأبكي من خشية الله، لقد كنت خطيبهم، وإمامهم في الصلاة، ورئيس بلديتهم، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاتّهامات وحقيقة الواقع!؟

تلك طبيعة المجتمع البشري

إنَّ فرعون كان يعتقد أنَّ حكمه وطريقته وعقيدته الفاسدة هي المثلى، وأنَّه كان يخشى أن يذهب موسى (بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى) (طه: 63)، كان يعتقد أنَّ دينه هو الصحيح، وهو يخاف من موسى أن ينجح بتبديل دين المجتمع، (أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) (غافر: 26)، كما يعتقد أنَّه مصلح، ويخشى أن يظهر موسى (فِي الأَْرْضِ الْفَسادَ) (غافر: 26)! لكن من يصدّق اليوم أنَّ فرعون مصلح، وأنَّ طريقته هي المثلى، وأنَّ موسى مفسد، حاشاه!؟ من يصدّق اليوم أكاذيب العرب بأنَّ القرآن أساطير الأوّلين!؟ بوقت يطول أو يقصر ستسقط الأكاذيب كلّها، وتزول الأصباغ الزائفة كلّها، وتظهر الحقائق الشرعية المجرَّدة، والخاسرون هم الذين يكذّبون على أنفسهم، ويسجنون أنفسهم وعقولهم في كهوف التاريخ ومغرة.

لقد أدمنت العامّة على ثقافة التاريخ، وبتعبير القرآن الكريم: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) (البقرة: 93)، واختلطت بدمهم ولحمهم، وهم يعتقدون بأنَّهم على الحقّ لأنَّهم الأكثرية، وأنَّ موالي أهل بيت النبوّة على الباطل لأنَّهم الأقلّية، ونادراً ما ينفع الجدل معهم، لأنَّهم قد اكتسبوا معتقداتهم بالوراثة والعادة، والعادة طبيعة ثانية، وإبطال مفعولها يحتاج عوناً من الله، ورغبة في التغيير، وجهداً عقلياً منظَّماً، وهم ليسوا على استعداد ليبذلوه، ولقد ساق القرآن الكريم نماذج رائعة من خلال جحد الأقوام لأنبيائهم ورسلهم، وفي هذه النماذج عبرة، قال تعالى: (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10).

التحريفات

لقد تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، وعمل أهل بيت النبّوة عليهم السلام وأوليائهم على حفظ بيان النبيّ لهذا القرآن، ومهما كانت قوّة الإعلام ومهما عظم المكر التاريخي فإنَّ دين الله الحنيف من الوضوح بحيث لا يخفى على عاقل، مع التمسّك بهذه المقدّمة، فقد جرت عدَّة محاولات للتحريف ولكنَّها كانت مكشوفة، من ذلك ما رواه الطبري في تاريخه عن حديث الدار وقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي: «إنَّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»([1]).

ثمّ اكتشف الطبري أو الناشرون في ما بعد خطورة هذا النصّ الشرعي على ثقافة التاريخ وبناها التحتية، فحذفوا كلمتي (وصيّي وخليفتي) ووضعوا بدلاً منهما: «إنَّ هذا أخي وكذا وكذا»([2])! هذا أنموذج للتحريف، وعندما ذكر ابن الأثير رسالة محمّد بن أبي بكر لمعاوية لم يذكر نصّ الرسالة، لأنَّها تكشف حقيقة معاوية وتاريخه، واكتفى بالقول بأنَّ فيها أموراً لا تحتمل العامّة سماعها([3])!

والثابت أنَّ البخاري لم يكن يكتب ما يسمعه من حديث الرسول مباشرة، إنَّما كان يسمع في بلد، ويصيغ ما يسمعه في بلد آخر، مراعياً في صياغته معتقدات الناس ونظرتهم للأمور، لقد صيغت الأخبار لتكون منسجمة مع الواقع التاريخي وغير متعارضة معه.

فالبخاري ومسلم وهما أصحّ كتب الحديث عند إخواننا أهل السُنّة يؤكّدان أنَّ اليهود قد سحروا الرسول بحيث يخيّل إليه أنَّه قد فعل الشيء وما فعله([4])، وأنَّ الرسول كان قد نسي آية من القرآن الكريم فذكّره بها فرد اعتيادي من الناس([5])، وأنّ الرسول كان يفقد السيطرة على أعصابه فيسبّ ويشتم ويلعن الناس بلا سبب([6])... الخ! وتلك تحريفات واضحة لتخدم وقائع التاريخ، لأنَّ القرآن الكريم يؤكّد أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، وأنَّ الرسول على خُلُق عظيم، وما رواه البخاري ومسلم يناقض القرآن الكريم، والسيرة النبوية المطهَّرة، وفي كتابي (المواجهة) تصدَّيت لهذه الترّهات، وبيَّنت الغاية الحقيقية من اختراعها.

وإن تعجب - لا أراك الدهر عجباً - فاعجب بربّك من أحد مشركي مكّة، دعاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتناول الطعام عنده، فرفض هذا المشرك أن يأكل من طعام الرسول بحجّة أنَّه لا يأكل إلاَّ ما ذكر اسم الله عليه! وإن كنت في شكّ من هذا فارجع إلى صحيح البخاري، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والأصنام([7])! وعلى أيّ حال فقد ناقشت أساس مثل هذه الأمور في كتابي (أين سُنّة الرسول وماذا فعلوا بها؟!).

عندما يكون المرء شيعياً

عندما يكون المرء شيعياً، يعني إنَّه مؤمن حقيقي، يسير على خطى الرسول وأهل بيته الطاهرين، قانونه النافذ عليه هو كتاب الله وبيان النبيّ لهذا الكتاب، وقيادته الشرعية الوحيدة هم أهل بيت النبوّة، يواليهم ويوالي من يواليهم، ويعادي من يعاديهم سواء أكان حيّاً أم ميّتاً.

كيف تعرف أنَّك شيعي؟

علاوة على التزامك الكامل بالإسلام اسأل نفسك، لو كنت موجوداً في زمن الإمام الحسين عليه السلام، هل كنت ستقف معه، وتقاتل دونه حتَّى تُقتل بين يديه؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فأنت من موالي أهل البيت حقّاً ومن شيعتهم، وإن تردَّدت فأنت بحاجة إلى تعمّق مفهوم الولاية في قلبك وذهنك.
الشيعة لا يوالون أهل البيت بطراً

الشيعة لا يوالون أهل بيت النبوّة بطراً ولا تشهّياً، لكنَّهم يوالون أهل البيت بناءً على أحكام شرعية وتنفيذاً لأوامر إلهيّة آخذة بالأعناق، لا مجال للفرار من تنفيذها، ويترتَّب على التنفيذ نتائج محورية ومنجية أو مدمّرة، فالهدى لا يُدرك إلاَّ بالتمسّك بالثقلين معاً، إنَّها أحكام شرعية يتوقَّف على تنفيذها اكتمال الإسلام والإيمان وبالتفصيل الوارد في أمكنته الشرعية.
مرتبة دينية وثقافية

الموالاة لأهل بيت النبوّة مرتبة ثقافية، وهي أعلى مراتب الوعي عند المسلم، إنَّها تمثّل النضج العقلي، بأرقى وأرفع صورة، إنَّها القدوة الصالحة، فأيُّ عاقل في الدنيا يترك آل محمّد ويقتدي بغيرهم؟ أصحاب المذاهب الأربعة من تلاميذ الإمام الصادق، ويتمنّون لو كانوا خدماً لعمداء أهل بيت النبوّة، والصحابة الكرام على مختلف طبقاتهم لا تصحّ صلاتهم إن لم يصلّوا فيها على محمّد وآل محمّد، إنَّ النصوص الشرعية آخذة بالأعناق، نحن لا نقلّل من أهمّية أصحاب المذاهب، ولا من أهمّية الشيخ حسن البنّا، أو ابن تيميّة، أو محمّد بن عبد الوهّاب أو غيرهم من قادة الفِرَق والأحزاب، لكن أيُّ أعمى قلب ذلك الذي يترك آل محمّد أعدال الكتاب ويتمسَّك بغيرهم من قادة الفِرَق والاتّجاهات والأحزاب!؟ بئس للظالمين بدلاً!
ضحايا التاريخ

طبعاً الجميع إخواننا، لنا ولهم كتاب، ونبيّ واحد، وقبلة واحدة، ودين واحد، ومن واجبنا أن نبذل كلّ ما بوسعنا وبالحكمة والموعظة الحسنة، لنضع تحت تصرّفهم الحقائق الشرعية والموضوعية المجرَّدة، وندلّهم على صراط الله المستقيم.

قصة استبصاره كما روتها مجلَّة العصر

نشرت مجلَّة العصر لقاءً مع أحمد حسين يعقوب في عددها (26) شهر رمضان (1424هـ)، وهذه مقتطفات ممَّا جاء في اللقاء:

سؤال: هل تسمح لنا بالحديث عن رحلتك مع أهل البيت عليهم السلام؟

جواب: أعتقد أنَّ الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام مرحلة من مراحل التكامل العقلي، وأعتقد أيضاً بأنَّ أيّ إنسان لو يترك نفسه على سجيّتها، ويبحث بحثاً علمياً مجرَّداً فإنَّه سيصل إلى نتيجة مفادها أنَّ الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام هو الحلّ، وهو الطريق السليم، ولو أنَّ الناس عرفوا حقيقة أهل بيت النبوّة عليهم السلام لدخلوا جميعاً في دائرة الولاء لهم عليهم السلام، ولو أنَّهم أحاطوا علماً بوجهة نظر أهل بيت النبوّة لتغيَّر مجرى التاريخ تماماً.

في الحقيقة أنا لم أصل إلى هذا الاعتقاد نتيجة نشاط عقلي، ولم يخطر في بالي هل أنّي على المذهب الحقّ؟ ولم أكن أُفكّر بالإجابة عن مثل هذا السؤال، لكن عندما ذهبت إلى بيروت لمناقشة رسالة بحث لدبلوم القانون العامّ، وبينما كنت أتجوَّل في الشارع رأيت رجلاً يبيع كتباً، فتناولت كتاباً اسمه (المراجعات) للسيّد عبد الحسين شرف الدين، وكتاباً آخر اسمه (الشيعة بين الحقائق والأوهام) حدث لي تحوّل، فعندما قرأت الكتابين أدركت أنَّ هنالك شيئاً مخفيّاً عن الناس، وهو أنَّ لأهل بيت النبوّة عليهم السلام فكراً كاملاً يغطّي ساحة الحياة، ولكن وسائل الإعلام طوال التاريخ طمسته وتجاهلته.

ومنذ ذلك التاريخ أخذت أقرأ وأقرأ وأقرأ، فتبيَّن لي تفاصيل مأساة كربلاء التي اكتشفت فظاعتها، إذ لو كان الإمام الحسين عليه السلام حبراً يهودياً أو عالماً مسيحياً لما فعل فيه ذلك الجيش الذي يدَّعي الإسلام ما فعله. ولما تصرَّفوا معه بهمجيّة بالغة. لقد أدركت عندما وقفت على كلّيات محنة الإمام الحسين عليه السلام وتفاصيلها في كربلاء أنَّ أهل بيت النبوّة عليهم السلام هم وحدهم القادرون على فهم الإسلام على حقيقته، ووحدهم المكلَّفون بقيادة العالم نحو الأفضل.. لقد صرت حينها أقرأ أو أكتب كلّ يوم ما بين العشر والاثنتي عشرة ساعة.. وأنا الآن ولله الحمد أقول - بغير ادّعاء-: بأنَّني على علم بالكثير من كلّيات قضيّة أهل البيت عليهم السلام العادلة وتفاصيلها.

سؤال: برأيك ما هي أهمّ الأسباب التي أدَّت إلى وقوع الاختلاف بين المسلمين؟

جواب: الاختلاف في المجتمعات يكون نتيجة أحد سببين: القيادة أو القانون، وقد حسم الله سبحانه وتعالى مسألة القيادة طوال عصر النبوّة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد، وهو المرجع، أمَّا مسألة القانون فإنَّ القرآن الكريم وبيان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتفسيره لهذا القرآن هما التشريع أو القانون النافذ.

وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنباء النبوّة والرسالة والكتاب، أعلن عن ولاية الإمام علي عليه السلام فقال أمام عشيرته الأقربين: «إنَّ هذا أخي وخليفتي ووصيّي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»([8]).

وشاءت العناية الإلهية أن لا يبقى لرسول الله ولد من صلبه، ويأمره الله سبحانه وتعالى أن يزوّج ابنته فاطمة عليها السلام المعروفة بسيّدة نساء العالمين مِن هذا الرجل الذي اختاره الله ليكون خليفة لنبيّه من بعده، فسيّدة نساء العالمين تتزوَّج سيّد المسلمين وسيّد العرب، الصدّيقة الطاهرة تتزوَّج وليّ الله الذي أعدَّه لقيادة مرحلة ما بعد النبوّة، ومن هذين الزوجين الطاهرين انبعثت القيادة للعالم أجمع.

لقد كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول للإمام علي عليه السلام أمام الصحابة: «أنت سيّد المسلمين»([9]).

ويقول أيضاً: «أنت راية الهدى ونور من أطاعني وإمام أوليائي»([10]).

أي كان يخلع على الإمام علي عليه السلام المصطلحات كافّة التي يخلعها الناس على الرئيس عادة، ويقدّمه بوصفه إماماً من بعده، ولم يفعل ذلك لأنَّه قريبه وابن عمّه، بل لأنَّ الله سبحانه وتعالى أمره بذلك، والذي أمره أيضاً بأن يعدّ هذا الإمام إعداداً تامّاً بحيث يكون هو الأفضل والأعلم والأتقى والأقرب، وهذا الأمر لا يجادل فيه أحد من المسلمين حتَّى الذين كرهوا الإمام علياً عليه السلام اعترفوا بأنَّه الأعلم، واعترفوا بأنَّه الأشجع والأقرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا حلَّت مسألة القيادة ومن قبلها مسألة القانون بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنَّ المسلمين لم يلتزموا بهما كاملاً، فوقع الاختلاف فيما بينهم.

سؤال: برأيك أين تكمن مواطن الضعف عند المسلمين على الرغم من الفكر الأصيل والتراث العظيم الذي يملكونه؟

جواب: موطن الضعف في المسلمين أنَّهم دائماً مع الغالب، فمن يغلب ينصاعون له، والمغلوب يتركونه. تلك السُنّة قد تعلَّموها من ثقافة التاريخ، فعندما تمكَّن يزيد بن معاوية من سحق المقاومة في المدينة المنوَّرة واستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سأل الناس أحد أقطابهم الروحية آنذاك: من يؤمُّ بنا؟ فقال: (نحن مع من غلب)([11])!

سؤال: كيف استطعت الجمع بين الأمور المختلفة التي مارستها في حياتك، مثل المحاماة والبلدية وإمامة المصلّين والخطابة والتأليف والتحقيق؟

جواب: أنا كنت إماماً وخطيباً معيَّناً من وزارة الأوقاف الأردنية وموظَّفاً، ثمّ أُحلت على التقاعد، وترشَّحت لرئاسة البلدية، ونجحت في الانتخابات، وبعد مدّة معيَّنة درست القانون وأصبحت محامياً وأستاذاً، واتَّخذت لنفسي مكتباً في جرش، وعندما تعرَّفت على معالم قضيّة أهل بيت النبوّة عليهم السلام توقَّفت عن ممارسة مهنة المحاماة، وتفرَّغت للبحث والدراسة والتحقيق، وكلّ هذا بفضل من الله ونعمه.

سؤال: في ضوء الإرهاصات العالمية والصحوة الإسلاميّة الشاملة للأمّة، ما هو الدور الذي يؤدّيه الولاء لأهل البيت عليهم السلام في مواجهة التحدّيات المعاصرة؟

جواب: الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام يؤهّل الإنسان لتحمّل المسؤوليّة، لأنَّ الولاء لهم قائم على الشرع الحنيف، وكلّ ما يقوله من رسول الله وهو من عند الله عز وجل، لذلك يفهم الناس من أهل بيت النبوّة عليهم السلام بقدر ما يستفيدون منهم، فهم كالنهر الصافي والجاري، يعرفه الذين يشربون منه أكثر من الذين يتفرَّجون عليه.. وعلى كلّ حال لن تكون هناك صحوة حقيقية إلاَّ باللجوء إلى أهل البيت عليهم السلام.

مؤلّفاته

1 - النظام السياسي في الإسلام (رأي الشيعة، رأي السُنّة، حكم الشرع)، صدر في طبعته الثانية عام (1412هـ) عن مؤسسة أنصاريان/ قم.

2 - نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام (رأي الشيعة، رأي السُنّة، حكم الشرع)، ترجمه إلى الفارسية محمّد قاضي زاده/ الناشر: اميد/ عام (1374هـ ش).

3 - مرتكزات الفكر السياسي (في الإسلام، في الرأسمالية، في الشيوعية)، صدر عن شركة شمس المشرق للخدمات الثقافية سنة (1413هـ).

4 - الخطط السياسية لتوحيد الأمّة الإسلاميّة، صدر عن دار الثقلين/ بيروت عام (1415هـ).

5 - طبيعة الأحزاب السياسية العربية (الأحزاب العلمانية، الأحزاب الدينية، معالم فكر أهل بيت النبوّة)، صدر عن الدار الإسلاميّة/ بيروت عام (1417هـ).

6 - الوجيز في الإمامة والولاية، صدر عن دار الغدير سنة (1417هـ).

7 - المواجهة مع رسول الله وآله (القصَّة الكاملة)، صدر عن دار الغدير في طبعته الثانية عام (1417هـ).

8 - مساحة للحوار، من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة، صدر عام (1418هـ) عن دار الغدير/ بيروت.

9 - كربلاء (الثورة والمأساة)، صدر عام (1418هـ) عن دار الغدير/ بيروت.

10 - الهاشميون في الشريعة والتاريخ، صدر في طبعته الثانية (1999م).

11 - حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، صدر عام (2000م) عن دار الملاك/ الأردن.

12 - أين سُنّة الرسول، وماذا فعلوا بها؟

13 - الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية، الطبعة الأولى/ 1421هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.

14 - المرجعية السياسية في الإسلام.

15 - مختصر المواجهة.

المقالات

1 - مفهوم الإمامة والولاية في الشريعة والتاريخ، نُشرت في مجلة المنهاج العدد الثالث/ خريف 1417هـ/ 1996م.

2 - الحزب الوحيد في القرآن الكريم، نُشرت في مجلة المنهاج/ العدد السادس/ صيف 1418هـ/ 1997م.

......................................
الهامش:

([1]) تاريخ الطبري 2: 63.

([2]) تفسير الطبري 19: 149/ ح 20374.

([3]) أنظر: الكامل في التاريخ 3: 273.

([4]) أنظر: صحيح البخاري 4: 91؛ صحيح مسلم 7: 14.

([5]) أنظر: صحيح البخاري 6: 110؛ صحيح مسلم 2: 190.

([6]) أنظر: صحيح البخاري 7: 157؛ صحيح مسلم 8 : 26.

([7]) أنظر: صحيح البخاري 6: 225.

([8]) تاريخ الطبري 2: 63.

([9]) المناقب للخوارزمي: 295/ ح 287.

([10]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 167؛ مطالب السؤول: 128.

([11]) أنظر: معالم المدرستين 1: 148، عن الأحكام السلطانية لأبي يعلى.

دلهم بنت عمير ودورها في نصرة الثورة الحسينية


بقلم: الباحثة كفاح الحداد

دلهم بنت عمير هي زوجة زهير بن القين وكانت امرأة صالحة وكانت معه في سفره وكان زهير عثماني الهوى مما جعله يتحاشى الإمام في المسير. يقول السيد ابن طاووس: ... ثمّ سار (عليه السلام) فحدّث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كنّا مع زهير ابن القين لمّا اقبلنا من مكّة فكنّا نسائر الحسين عليه السلام حتّى لحقناه فكان إذا أراد النّزول اعتزلناه فنـزلنا ناحية فلمّا كان في بعض الأيّام نزل في مكان لم نجد بداً من أن ننازله فيه فبينا نحن نتغذّى من طعام لنا إذ اقبل رسول الحسين عليه السلام حتّى سلّم ثمّ قال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد الله الحسين عليه السلام بعثني إليك لتأتيه فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير.

فقالت له زوجته وهي ديلم بنت عمرو: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه فمضى إليه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحوّل إلى الحسين عليه السلام وقال لامرأته أنت طالق فانّي لا أحبّ ان يصيبك بسببي إلا خير وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك اسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام فقال لأصحابه من أحبّ أن يصحبني وإلا فهو آخر العهد منّي به. (السيد الجليل ابن طاوس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص 71 – 73).

ويفرح زهير بولائه للإمام بقوله لعزرة الذي أرسله ابن سعد نحو الحسين عليه السلام: يا عزرة، إن الله قد زكاها وهداها فاتّقِ الله يا عزرة فاني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممن يعين أهل الضلالة على قتل النفوس الزكية.

ثم قال عزرة: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت على غير رأيهم قال زهير: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ولا أرسلت إليه رسولاً ولا وعدته نصرتي ولكن الطريق جمع بيني وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه عدوه فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه واجعل نفسي دون نفسه لما ضيعتم من حق رسوله.

زهير الذي كان يتحاشى الإمام الحسين تراه يقف مدافعا عنه أمام القوم حيث يدعوه الناس للتخلي عن النصرة في حين يقول: والله وددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل كذا ألف مرة، وان الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. (المقرم، 214).

ونال زهير وسام الشهادة وبقي اسمه خالداً مع الشهداء ومع أنصار الحسين عليه السلام ولزوجته المؤمنة الموالية الأثر الكبير في ذلك فهي التي كانت تحثه على لقاء الإمام الحسين عليه السلام وهي التي كانت تعاتبه حينما كان معرضا عنه في المسير. فالمرأة الصالحة هي التي تدفع زوجها لتحصيل الجنان رغم ان الأمر ليس بالهين أبداً. فأواصر الحب الزوجي تبقى قوية يشوبها حرص أقوى على الشريك وخوف من الفقدان والفراق لكن كل العلاقات تذوب وتتسامى أمام نصرة الدين والعقيدة، فكيف تسامت هذه المرأة لتجعل إرادة الله فوق إرادة قلبها ولتعود إلى قومها بمفردها تاركة الزوج الحبيب يحث الخطى نحو مذبح الشهادة. ولما ودعته قالت له: كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام.

وبهذه الكلمات القصار تكشف عن إيمانها العميق بالله وعن ولائها لأهل البيت عليهم السلام.. انه قلبها الذي قال لها انه الفراق الأبدي والموعد الدار الآخرة ورغم ذلك زفت زوجها إلى ميدان الحرب فاستحقت الأجر العظيم والخلود في ذمة التاريخ.

دور المرأة في معركة صفين وقتال علي عليه السلام القاسطين

بقلم: السيد نبيل الحسني

لقد شكل وجود المرأة في معركة صفين تحولاً جديداً في تاريخ الحروب عند العرب خاصة والمسلمين عامة؛ وذلك لما شكله وجود المرأة من تعبئة عسكرية وعقيدة قتالية انعكست على المسلمين بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بعقود على الرغم من تمكن معاوية بن أبي سفيان من الجلوس على الحكم، بل لم يتمكن سلطان معاوية ونشوة العرش من إزالة صور تلك النساء اللاتي وقفن يزرعن في نفوس الرجال الهمم والروح القتالية التي ظلت مرارتها في حلق معاوية وأشياعه إلى يوم هلاكه.

ولعل الاكتفاء ببعض الشواهد من أولئك النسوة يغني اللبيب عن البحث عن دور المرأة في تغير مستوى الحرب بما يشكله وجودها من عقيدة قتالية مرتكزة على ما فطر عليه الإنسان العربي من صون للحرم.

فكيف إذا كانت هذه الحرم تنادي بالتوحيد وتصرخ بالموالاة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

1: سودة بنت عمارة (رحمها الله تعالى)


يمكن الوقوف على أدوار هذه النساء في معركة صفين من خلال دخولهنً على معاوية بعد مضي سنين عديدة من جلوسه على كرسي الحكم في الشام وكشفه لتلك الآثار من خلال حديثه معهنّ.
روى ابن طيفور عن محمد بن عبيد الله قال: (استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها فلما دخلت عليه قال:
هيه يا بنت الأسك ألست القائلة يوم صفين:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة
يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه
واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد
علم الهدى ومنارة الإيمان
فقه الحتوف وسر أمام لوائه
قدما بأبيض صارم وسنان


قالت: أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي عليه السلام وإتباع الحق.

قال: فوالله ما أرى عليك من اثر علي شيئا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى وتذكار ما قد نسى، قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك، قالت: صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء:
إن صخرا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار

قال: صدقت لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبتر الذنب وبالله اسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، فما حاجتك؟

قالت: انك أصبحت للناس سيداً ولأمرهم متقلدا والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي واخذ مالي يقول لي فوهي بما استعصم الله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته عنا فشكرناك وأما لا فعرفناك.

فقال معاوية: أتهددينني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم تقول:
صلى الإله على جسم تضمنه
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال لها: ومن ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا قدم علينا من قبله فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين فاتيت عليا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائما يصلي فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: «ألك حاجة؟».

فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: «اللهم انك أنت الشاهد عليّ وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك».

ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيأة طرف الجواب فكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم  قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين. وما أنا عليكم بحفيظ إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام».

فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فقراته، فقال لها معاوية: لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيأ ما تفطمون، ثم قال: اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها، قالت: إليّ خاص أم لقومي عام، قال: ما أنت وقومك؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللوم إن لم يكن عدلا شاملا وإلاّ فأنا كسائر قومي، قال: اكتبوا لها ولقومها.

2: الزرقاء بنت عدي رحمها الله تعالى

وقال عيسى بن مهران، حدثني العباس بن بكار، قال: حدثني محمد بن عبيد الله عن الشعبي، قال: وحدثني أبو كر الهذلي عن الزهري، قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية، وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد ربه بن القاسم بن يحيى مقدم، قال: اخبرني محمد بن فضل المكي الضبي، قال: أخبرنا محمد الشافعي صاحب الرأي، عن أبيه محمد بن إبراهيم، عن خالد بن الوليد المخزومي، عن سعد بن حذافة الجمحي قال: سمر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس امرأة كانت من أهل الكوفة وكانت ممن يعين عليا عليه السلام يوم صفين.

 فقال لأصحابه: أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال: القوم كلنا نحفظه يا أمير المؤمنين.
قال: فما تشيرون عليّ فيها؟
 قالوا: نشير عليك بقتلها، قال: بئس ما أشرتم عليّ به، أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت وصار الأمر لي.

ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إليّ الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهدها وطاء لينا واسترها بستر حصيف، فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فاقرأها الكتاب.

 فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إليّ لم ارم بلدي هذا وان كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي، فحملها في هودج وجعل غشاءه حبرا مبطنا بعصب اليمن ثم أحسن صحبتها وفي حديث المقدمي فحملها في عمارية جعل غشاءها خزا أدكن مبطنا بقوهى.

فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك؟.

 قالت: خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا ممهدا، قال: بذلك أمرتهم فهل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: سبحان الله إنى لي بعلم ما لم اعلم، وهل يعلم ما في القلوب إلاّ الله! قال: بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحضين على القتال فما حملك على ذلك؟

قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأم.

قال لها: صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟

قالت: ما أحفظه.

 قال: ولكني والله أحفظه، لله أبوك لقد سمعتك تقولين: (أيها الناس انكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء يسمع لقائلها ولا ينظر لسائقها أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وان الكوكب لا يقد في القمر وان البغل لا يسبق الفرس وإن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلاّ الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنى ليقضي الله أمرا كان مفعولا ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير في الأمور عواقبا أيها إلى الحرب قدما غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده).

ثم قال معاوية: والله يا زرقاء لقد شركت عليا عليه السلام في كل دم سفكه.

فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه.

قال لها: وقد سرك ذلك؟.

قالت: نعم، والله لقد سرني قولك فأنى بتصديق الفعل، فقال معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أحب من حبكم له في حياته، أذكري حاجتك.

قالت: يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد عن غير طلب.

قال: صدقت فاقطعها ضيعة غلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم وأحسن صفدها وردها والذين معها مكرمين.

3 ــ بكارة الهلالية

حدثني عبد الله بن عمرو: ... دخلت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان بعد أن كبرت سنها ودق عظمها ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن عليها الرد وأذن لها في الجلوس وكان عنده مروان بن الحكم وعمرو بن العاص.

فابتدأ مروان فقال: أتعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هي؟ قال: هي التي كانت تعين علينا يوم صفين وهي القائلة:
يا زيد دونك فاستثر من دارنا
سيفا حساما في التراب دفينا
قد كان مذخورا لكل عظيمة
فاليوم أبرزه الزمان مصونا

فقال عمرو بن العاص: وهي القائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكا
هيهات ذاك وما أراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة
أغراك عمرو للشقا وسعيد
فارجع بأنكد طائر بنحوسها
لاقت عليها أسعد وسعود

فقال سعيد: يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
قد كنت آمل أن أموت ولا أرى
فوق المنابر من أمية خاطبا
فالله أخر مدتي فتطاولت
حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيبهم
وسط الجموع لآل أحمد عائبا

ثم سكت القوم، فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني فقصر محجني وكثر عجبي وعشى بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا لا ادفع ذلك بتكذيب فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين.

فقال معاوية: انه لا يضعك شيء فاذكري حاجتك تقضَ، فقضى حوائجها وردها إلى بلدها.

وحدثني عيسى بن مروان، قال: ... استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها فدخلت وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها وضعفت قوتها فهي ترعش بين خادمين لها فسلمت ثم جلست، فقال معاوية: كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين.  قال: غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر.

حدثني عبد الله بن سعد، قال: ... كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية رحلة محمودة الصحبة غير مذمومة العاقبة واعلم أني مجازيك بقولها فيك بالخير خيرا وبالشر شرا فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها إياه.

فقالت أم الخير: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري تجري مجرى النفس يغلي بها غلي المرجل بحب البلسن يوقد بجزل السمر.

فلما حملها وأراد مفارقتها قال: يا أم الخير إن معاوية قد ضمن لي عليه أن يقبل بقولك في بالخير خيرا وبالشر شرا فانظري كيف تكونين.

 قالت: يا هذا لا يطمعك والله برك بي في تزويقي الباطل ولا يؤنسنك معرفتك إياي أن أقول فيك غير الحق، فسارت خير مسير فلما قدمت على معاوية أنزلها مع الحرم ثلاثا ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع لها الناس فدخلت عليه.

 فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك السلام، وبالرغم والله منك دعوتني بهذا الاسم.

فقالت: مه يا هذا فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه.

 قال: صدقت يا خالة وكيف رأيت مسيرك؟

قالت: لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت إلى ملك جزل وعطاء بذل فأنا في عيش أنيق عند ملك رفيق.

فقال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم.

 قالت: مه يا هذا لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته.

قال: ليس لهذا أردناك.

قالت: إنما أجري في ميدانك إذا أجريت شيئا أجريته فاسأل عما بدا لك.

قال: كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر.

 قالت: لم أكن والله رويته قبل ولا زورته بعد وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت.

قال: لا أشاء ذلك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم حفظ كلام أم الخير؟ قال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد، قال: هاته.

قال: نعم، كأني بها يا أمير المؤمنين وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك، وقد أحيط حولها حواء، وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، تقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح الحق وأبان الدليل ونور السبيل ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله، أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق، أما سمعتم الله عزّ وجل يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) سورة محمد، الآية: 31.

ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع إليه الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.


ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون صبرا، معشر الأنصار والمهاجرين قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، وكأني بكم غدا لقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، عما قليل ليصبحن نادمين حتى تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة، إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار

أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطأوا مدة الآخرة فسعوا لها، والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش، وطيبه فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيده عزّ وجل بمعونته، ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحة الدأب، ها هو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا وردة شقاقا، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته).

فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك.

قالت: والله ما يسوؤني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه.

قال: هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان.

 قالت: وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم له كارهون، وقتلوه وهم راضون.

فقال معاوية: إيها يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه.

قالت: لكن الله يشهد بما انزل إليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا، ما أردت لعثمان نقصا ولكن كان سباقا إلى الخيرات وانه لرفيع الدرجة.

قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟.

قالت: وما عسى أن أقول في طلحة اغتيل من مأمنه وأوتي من حيث لم يحذر وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجنة.

قال: فما تقولين في الزبير؟.

قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن.

قال: حقا لتقولن ذلك وقد عزمت عليك.

قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، ولقد كان سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام، وأني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدث انك أحلمها فأنا أسألك بان تسعني بفضل حلمك وأن تعفيني من هذه المسائل وأمض لما شئت من غيرها.

قال: نعم، وكرامة قد أعفيتك وردها مكرمة إلى بلدها)( بلاغات النساء لابن طيفور: ص30 ــ 39).

وعليه: فيمكن إيجاز الملاحظة في وجود النساء في حروب الإمام علي عليه السلام بما يأتي:

1 ــ لم يكن هناك ــ بحسب الرواية التاريخية المتوفرة لدينا ــ وجود للأطفال؛ بمعنى لم يتم إخراج الأطفال إلى دار الحرب لا في حروب الإمام علي عليه السلام ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى ما كان من أمر مالك بن عوف في حربه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة حنين.

2 ــ إنّ رتبة القرابة لهؤلاء النسوة مع المقاتلين كانت تنحصر في الأخت والأم، أو من لم يكن لها قرابة مع أحد سوى القرابة الولائية لعلي بن أبي طالب عليه السلام ورابط المودة للعترة المحمّدية صلوات الله عليهم أجمعين.

بمعنى: أن المقاتلين حرصوا على إبعاد حلائلهم وأطفالهم عن دار الحرب ما استطاعوا كي يكونوا في مأمن تام فضلاً عن صون حرمة الزوجة بما تفرضه العلاقة الزوجية على الرجل العربي من خصوصية.

من هنا نجد أن أمير المؤمنين عليه السلام قد أشار إلى هذا المعنى في حديثه مع عائشة بعد أن انتهت معركة الجمل قائلاً: «يا حميراء! هل رسول الله أمرك بهذا الخروج عليّ؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك عن بيتك، إذ صانوا حلائلهم وأبرزوك!!»( كتاب الجمل لضامن بن شدقم المدني: ص146).


3 ــ انحصار خروج الزوجة وأولادها إلى دار الحرب في عاشوراء، وهذه خصوصية لم تلحظ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي أمير المؤمنين عليه السلام، بل لعلها الوحيدة في تاريخ الأمم سواء على المستوى الرسالي المرتبط بالسماء أو المستوى السياسي المرتبط بالملوك والحكام والقادة.

دور المرأة في معركة الجمل

بقلم السيد نبيل الحسني
اختزن التراث الإسلامي في مواضع كثيرة منه سواء ما كتب في الحديث أو التفسير أو التاريخ أو التراجم أو سواء ما كتب في العقيدة وعلم الكلام أمر خروج عائشة إلى البصرة للمطالبة بدم عثمان بن عفان ويمكن أن نوجز هذه الحادثة بما اختصره الحافظ العيني في شرحه لصحيح البخاري، ثم نتوقف في دور المرأة في ساحة المعركة وآثار ذلك على المستوى النفسي والعسكري والعقائدي لما تحتله عائشة من موقعية في الإسلام بكينونة ارتباطها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلقة الزوجية التي فرضت عليها حدوداً خاصة جاء بها القرآن الكريم في سورة الأحزاب، قال تعالى:

(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا). (سورة الأحزاب، الآيات: 32 و 33 و 34).

وعليه:
كان خروجها إلى قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد شكل مفصلاً من مفاصل الحركة الفكرية للمسلمين تجاذبت فيها الأقلام والأعناق آثار هذا الخروج وانعكاساته على عقيدة المسلم.

قال الحافظ العيني:
(كانت وقعة الجمل عام ستة وثلاثين من الهجرة وكان قتل عثمان بن عفان سنة خمس وثلاثين وكانت عائشة بمكة وكذلك أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في سنة خمس وثلاثين فرارا من الفتنة ولما بلغ أهل مكة أن عثمان قد قتل أقمن بمكة.

ثم لما بويع علي ــ عليه السلام ــ كان أحظى الناس عنده بحكم الحال لا عن اختيار علي لذلك رؤوس أولئك الذين قتلوا عثمان وفر جماعة من بني أمية وغيرهم إلى مكة وخرج طلحة والزبير في الاعتمار وتبعهم خلق كثير وجم غفير وقدم إلى مكة أيضا في هذه الأيام يعلى بن أمية ومعه ستمائة ألف ألف درهم وستمائة بعير فأناخ بالأبطح وقيل كان معه ستمائة ألف دينار وقدم ابن عامر من البصرة بأكثر من ذلك.

فاجتمع بنو أمية بالأبطح وقامت عائشة في الناس تحضهم على القيام بطلب دم عثمان وطاوعوها في ذلك وخرجوا وتوجهوا نحو البصرة وكانت عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار وكان هذا هو الذي يدلهم على الطريق وكانوا لا يمرون على ماء ولا واد إلا سألوه عنه حتى وصلوا إلى موضع يسمى حوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة وفي آخره باء موحدة وهو ماء قريب من البصرة فنبحت كلابه فقالوا:

أي ماء هذا قال الدليل هذا ماء الحوأب فحين سمعت عائشة بذلك صرخت بأعلى صوتها وضربت عضد بعيرها فأناخته فقالت أنا والله صاحبة الحوأب ردوني ردوني تقول ذلك فأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى المسير حتى إذا كانت الساعة التي أناخت فيها من الغد جاءها عبد الله بن الزبير فقال النجاء النجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب فعند ذلك رحلوا.

وأما حديث الحوأب:
فأخرجه أحمد في مسنده عن عائشة قالت إن رسول الله قال لي ذات يوم: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب». فعرفت الحال عند ذلك فأرادت الرجوع، وأما علي ــ عليه السلام ــ فإنه خرج في آخر شهر ربيع الآخر في سنة ست وثلاثين من المدينة في تسعمائة مقاتل وقيل لما بلغ عليا مسير عائشة وطلحة وزبير إلى البصرة سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار ورايته مع ابنه محمد بن الحنفية وعلى ميمنته الحسن بن علي وعلى ميسرته الحسين بن علي وعلى الخيل عمار بن ياسر وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر وعلى مقدمته عبد الله بن عباس ثم اجتمعوا كلهم عند قصر عبيد الله بن زياد ونزل الناس في كل ناحية وقد اجتمع مع علي ــ عليه السلام ــ عشرون ألفا والتفت على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفا وقامت الحرب على ساقها فتصافوا وتصاولوا وتجاولوا وكان من جملة من يبارز الزبير وعمار فحمل عمار نحوه بالرمح والزبير كاف عنه لقول رسول الله: «تقتلك الفئة الباغية». وقتل ناس كثير ورجع الزبير عن القتال.

 وقال الواقدي: كان زمام الجمل بيد كعب بن سور وما كان يأخذ زمام الجمل إلا من هو معروف بالشجاعة ما أخذه أحد إلا قتل وحمل عليه عدي بن حاتم ولم يبق إلا عقره ففقئت عين عدي واجتمع بنو ضبة عند الجمل وقاتلوا دونه قتالا لم يسمع مثله فقطعت عنده ألف يد وقتل عليه ألف رجل منهم وقال ابن الزبير جرحت على زمام الجمل سبعاً وثلاثين جراحة وما أحد أخذ برأسه إلا قتل أخذه عبد الرحمن بن عتاب فقتل ثم أخذه الأسود بن البحتري فقتل وعد جماعة وغلب ابن الزبير من الجراحات فألقى نفسه بين القتلى ثم وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك القوم من قتلة عثمان فضج الناس معها بالدعاء وأولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ فجعلت الحرب تأخذ وتعطي فتارة لأهل البصرة وتارة لأهل الكوفة وقتل خلق كثير ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة.

ثم حملت عليه السائبة والأشتر يقدمها وحمل بجير بن ولجة الضبي الكوفي وقطع بطانه وعقره وقطع ثلاث قوائم من قوائمه فبرك ووقع الهودج على الأرض ووقف عليها علي ــ عليه السلام ــ فقال السلام عليك يا أماه فقالت وعليك السلام يا بني فقال يغفر الله لك فقالت ولك وانهزم من كان حوله من الناس وأمر علي ــ عليه السلام ــ أن يحملوا الهودج من بين القتلى وأمر محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أن يضربا عليه قبة.

ولما كان آخر الليل خرج محمد بعائشة فأدخلها البصرة وأنزلها في دار عبد الله ابن خلف الخزاعي وبكت عائشة بكاء شديدا وقالت: وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون عليها ثم أن عليا ــ عليه السلام ــ أقام بظاهر الكوفة ثلاثة أيام وصلى على القتلى من الفريقين.

وقال ابن الكلبي:
قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي ألف وقيل قتل من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة خمسة آلاف وكان في جملة القتلى طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة ثم دخل على البصرة يوم الاثنين ثم جهز عائشة أحسن الجهاز بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وأخرج معها كل من نجا من الوقعة ممن خرج معها واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ووقف علي معها حتى ودعها وكان خروجها يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين وشيعها علي أميالا وسرح بنيه معها يوما.

وقال الواقدي:
أمر علي النساء اللاتي خرجن مع عائشة بلبس العمائم وتقليد السيوف ثم قال لهن لا تعلمنها أنكن نسوة وتلثمن مثل الرجال وكن حولها من بعيد ولا تقربنها وسارت عائشة على تلك الحالة حتى دخلت مكة وأقامت حتى حجت واجتمع إليها نساء أهل مكة يبكين وهي تبكي وسئلت عن مسيرها فقالت لقد أعطى علي فأكثر وبعث معي رجالا وبلغ النساء فأتينها وكشفن عن وجوههن وعرفنها الحال فسجدت وقالت والله ما يزداد ابن أبي طالب إلا كرما)( عمدة القاري للعيني: ج15، ص49 ــ 50).

أقول:
إن هذا الظهور للسيدة عائشة في ساحة المعركة وهي تحتل منها محل القطب من الرحى وبهذه العدة الممثلة بنوع المركب (الجمل الأدبب)( فتح الباري لابن حجر: ج13، ص45) ، وفي داخل الهودج اكسبها تحكما بسير المعركة وشحذ المقاتلين الذين استماتوا من حول الجمل الذي قتل من حوله (خلق كثير ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة)( عمدة القاري: ج15، ص50).

ويمكن ملاحظة بعض الآثار لوجود عائشة في المعركة.
1 ــ كونها زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أكسبها مقام تحريم الرجال عليها حرمة أبدية فلا يحق لرجل من المسلمين الزواج بأي امرأة من أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم إذ جعلهن القرآن بمنزلة الأم لقوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ). (سورة الأحزاب، الآية: 6).

ولذا: نجدها تنادي في الناس: (الله الله، يا بني أذكروا يوم الحساب)، حينما وصلت النبال إلى هودجها، بمعنى: أن وجودها في المعركة أكسب الحرب سمة عقائدية فضلاً عن كونها خصماً في هذه الحرب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

2 ــ فضلاً عن كونها في المنزلة السابقة فإن وجودها على رأس الهرم في هذه الحرب وهي امرأة جالسة في الهودج يدفع بالرجال من الناحية النفسية إلى الدفاع عنها وإظهار مظاهر الشجاعة التي أظهرها بنو ضبة فوقعت فيهم مقتلة عظيمة.

إلا أن وجود أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في الجهة المقابلة وتحت أمرته أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار أحدث اختلالا في ميزان القوى لما يشكله هذا النسيج العقائدي الممثل بشخص الإمام علي عليه السلم والمهاجرين والأنصار وسبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجعل نهاية هذه الحرب لصالح أمير المؤمنين عليه السلام على الرغم من أن عدد المقاتلين من أهل البصرة الذين التفوا حولها كانوا ثلاثين ألفاً، أي بما يفوق أهل الكوفة والمدينة ومكة بعشرة آلاف مقاتل.

إذن:
تعطي وقعة الجمل مفهوماً جديداً لدى العسكريين والاجتماعيين يرتكز على معطيات جديدة في الحروب، وهي كالآتي:

1 ــ إن حضور المرأة في المعركة في المجتمع العربي يعطي زخماً قتالياً للمقاتل لما تفرضه التنشئة العربية على الإنسان العربي من قيم الرجولة والحمية وصون الحرم؛ إذ يشكل وجود المرأة في المعركة بما تحمله من ضعف في بنيتها الجسدية والعاطفية شعاراً بالانتقاص من ذكوريته ورجولته، ولذا يجد نفسه ملزماً بالدفاع عنها ومواجهة أقرانه.

2ــ إن المرأة حينما تحتل مركزاً عقائدياً وتكون على دفة القيادة فإن ذلك يدفع بالمقاتلين إلى التضحية والاستبسال بين يديها، ولعل التاريخ العربي غير غريب عليه هذه الحقيقة فقد مثل وجود زنوبيا ملكة تدمر، وبنات النعمان بن المنذر بعداً استتراتيجيا في المعركة.

الغيبة الصغرى أسبابها ونتائجها

بقلم الشيخ وسام البلداوي


خلافة الأئمة المعصومين عليهم السلام

كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو الحجة على الخلق الى أن أنقضت أيامه المباركة والتحق بالرفيق الأعلى، وباب الحجة لم يغلق واستمر بوجود الأئمة الخلفاء من بعده الذين نصت أحاديث كثيرة على إمامتهم وهي متواترة عند الفريقين منها:

أولا: عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «اثنا عشر إماما من آل محمد عليهم السلام كلهم محدثون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام منهم» (الخصال للشيخ الصدوق: ص480).

ثانيا: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم» (الخصال للشيخ الصدوق: ص480).

ثالثا: وعن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن وصيي والخليفة من بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة من صلب الحسين، أئمة أبرار. قال: يا محمد فسمهم لي؟ قال: نعم إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد، فإذا مضى فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فبعده ابنه الحجة بن الحسن بن علي. فهذه اثنا عشر إماما على عدد نقباء بني إسرائيل» (كفاية الأثر للخزاز القمي: ص 13 ـ 14).

رابعا: وفي مصادر المخالفين، عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، لا تضرهم عداوة من عاداهم» (فتح الباري لابن حجر: ج 13/ ص 182).

خامسا: وفي مصادر المخالفين ايضا عن جابر بن سمرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (المعجم الكبير ـ الطبراني: ج 2 / ص 208).

وظل هؤلاء الحجج يتلو بعضهم بعضاً، ويحذو بعضهم حذو من كان قبله ويحذو كلهم حذو الرسول، لا يموت منهم حجة أو يقتل أو يغيب إلا ونصب من بعده من يخلفه في مقامه وينوبه في منزلته، إلى أن انتهى الأمر وأوكلت هذه المنزلة ـ منزلة الحجة ـ إلى الإمام الثاني عشر سلام الله عليه وعليهم أجمعين، فقام بأعباء الرسالة وثقل المسؤولية على رغم تكالب الظالمين واستماتتهم على إطفاء نور الله سبحانه وتعالى وإسكات صوت السماء المذكر بالله والحافظ لشرائعه وأحكامه.

ويوم بعد يوم صارت المحنة تشتد على حجة الله الثاني عشر أرواحنا له الفداء والخناق عليه يضيق من قبل فراعنة عصره وطواغيت زمانه حتى خيف عليه القتل على أيديهم، وهوا ما سيؤدي إلى فقدان الحجة من على الأرض، والذي سيؤدي بدوره إلى أن تصاب الشريعة الإلهية بخلل يجعلها لا تستكمل أهدافها بالكامل.
بـدء الـغـيـبـة الـصـغـرى وأسـبـابـهـا

فكان وبناءً على هذه الظروف التي عاشها الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي أرواحنا فداه، لابد أن تطرح السماء مخططاً جديداً يحفظ سلامة الحجة المهدي عليه السلام من أي اعتداء محتمل فكان القرار الإلهي الحاسم ببدأ الغيبة والاحتجاب عن الناس.

وفي رسالته سلام الله عليه للشيخ المفيد خير شاهد على أن مخطط الغيبة والاحتجاب إنما وقع نتيجة تهديد دول الظالمين والمارقين لشخص الإمام عليه السلام فقد جاء في بعض فقرات تلك الرسالة ما يلي: «... نحن وإن كنا ناوين ــ ثاوين ــ بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين...» (تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي: ج1/ ص38 . الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج2/ ص323).

كما روي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابد للغلام من غيبة فقيل له ولم يا رسول الله قال: يخاف القتل» (علل الشرائع ـ الشيخ الصدوق: ج1/ ص 243).

وعن زرارة قـال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن للقائم غيبة قبل ظهوره، قلـت: ولـم؟ قـال: يخاف وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعني القتل» (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص 481).

ولكن الظروف يومئذ كانت تستدعي أن تكون الغيبة جزئية غير تامة لاعتبارين:

الأول: هو تهيئة الذهنية الشيعية لتلك الغيبة التي ستطول وتمتد الى وقت ظهوره، وسبب هذه التهيئة هو أن القاعدة الشيعية يومئذ لم تكن قد اعتادت على فقد المعصوم من بين أظهرهم بشكل تام وكامل فمن أجل ترويضهم على غيبة أطول وأشد كان لابد من الاحتجاب الجزئي مع وضع خطوط ارتباط وقنوات يمكن من خلالها الوصول الى الإمام المعصوم، وحول الحكمة الأساسية من إيجاد الغيبة الصغرى يقول السيد محمد الصدر: «هو التمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس. إذ لو بدأ المهدي عليه السلام بالغيبة المطلقة فجأة وبدون إنذار وإرهاص لما أمكن إثبات وجوده في التاريخ، فتنقطع حجة اللّه‏ على عباده» (تاريخ الغيبة الكبرى: ج2، ص32، ط: دار التعارف).

ويلتقي معه السيد محمد باقر الصدر بقوله: «إن القواعد الشعبية للإمامة الشيعية كانت على إتصال بالإمام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حل المشاكل المتنوعة. فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة، وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية سببت هذه الغيبة المفاجأة الإحساس بفراغ دفعي هائل، قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله. فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة، لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها» (بحث حول المهدي للسيد محمد باقر الصدر).

الاعتبار الثاني: علم الله سبحانه وكذلك المعصوم عليهم السلام بأن دولة الظالمين في تلك المرحلة لم تكن لتشكل خطراً عظيما وكبيرا بحيث يستدعي الغيبة التامة والاحتجاب الكامل.

سبب تنصيب السفراء والنواب الأربعة عليهم الرحمة

وكان مقتضى تلك المرحلة يستدعي من الإمام الحجة عليه السلام أن يضع لشيعته وأوليائه خلال فترة غيبته الصغرى حجة ظاهرة للعيان ليستطيعوا من خلالها الارتباط بالإمام المعصوم عليه السلام، وليتسنى من خلال تلك الحجج تبليغ الأوامر العليا للقيادة المعصومة، وتوجيه من يحتاج منهم للتوجيه لما فيه خيره وصلاحه، وإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل والمعضلات الاجتماعية والفكرية، وبمعنى أخر ممارسة كل مهام الإمامة أو أغلبها بواسطة السفراء.

فكان السفراء الأربعة في عصر الغيبة الصغرى هم الواسطة والحجة على الناس والامتداد الذي استطاع المعصوم من خلاله ممارسة دوره القيادي والتوجيهي، فكانوا حبل الوصل ما بين الإمام عليه السلام وقاعدته وأتباعه من المؤمنين، والمرآة التي تعكس صورة المعصوم وصوته وتفاعله مع واقع الحياة.

وقد استمرت هذه الفترة المسماة بالغيبة الصغرى مدة سبعون عاما تقريبا تولى فيها أربعة من السفراء هم كل من:

أولا: عثمان بن سعيد العمري الأسدي

كان وكيلا لثلاثة من الأئمة عليهم السلام وهم كل من الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، والإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام، والإمام المهدي أرواحنا فداه، وهو جليل القدر، ثقة له منزلة عظيمة عند الطائفة، وربما لقب بالعسكري لأنه من عسكر سر من رأى (بحار الأنوار: ج51، ص344 )،وربما قيل له السمان لأنه كان يتجر بالسمن تغطية على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا الأئمة عليهم السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال، أنفذوا إلى أبى عمرو ليجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى إليهم تقية وخوفا (راجع امصدر السابق)، توفى بعد خمس سنوات من استلامه السـفـارة، ودفن في بغداد ومكانه مشهور عند الشيعة.

ثانيا: محمد بن عثمان بن سعيد العمري

وهو ابن السفير الأول، ويكنى أبا جعفر، له منزلة جليلة بعد أبيه عند الإمام صاحب الزمان عليه السلام . حيث استلم الشيخ محمد بن عثمان العمري السفارة بعد وفاة أبيه، وقام مقامه بناء على كتاب التعزية والتولية الصادر عن الإمام المهدي عليه السلام والذي جاء فيه:

«إنا لله وإنا إليه راجعون تسليما لأمره ورضا بقضائه عاش أبوك سعيدا ومات حميدا فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام، فلم يزل مجتهدا في أمرهم ساعيا فيما يقربه إلى الله عز وجل وإليهم، نضر الله وجهه وأقـاله عـثرتـه... أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء رزئت ورزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا فسره الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله ولدا مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه، وأقول الحمد لله فان الأنفس طيبة بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك وكان لك وليا وحـافظا وراعـيـا» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي:ص361. الاحتجاج للشيخ الطبرسي:ج2/ص301).

كما خرج من الإمام عليه السلام توقيعا لأحد شيعته وخـواصـه جـاء فـيـه: «والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضر وجهه، يجري عندنا مجراه، ويسد مسده وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل تولاه الله فانته إلى قوله» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص 362. بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج51/ ص349).

مات في آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمائة، وقيل سنة أربع و ثلاثمائة، وقد تولى السفارة نحوا من خمسين سنة يحمل الناس إليه أموالهم ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن العسكري عليه السلام.

ثالثا: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي

فلما حضرت الوفاة للسفير الثاني رحمه الله جمع وجوه الشيعة في داره وقال لهم: «إن حدث علي حدث الموت، فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص371 . بحار الأنوار: ج51/ص355).

توفي الحسين بن روح في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة للهجرة،‍ وله قبر يزار في منطقة سوق الشورجة بجانب الرصافة ببغداد.

رابعا: علي بن محمد السمري

المكنى بأبي الحسن، تولى السفارة من حين وفاة أبى القاسم بن روح عام 326 إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 329 في النصف من شعبان، فتكون مدة سفارته ثلاثة أعوام وعلى يديه خرج التوقيع من الإمام المهدي عليه السلام بوقف السفارة الخاصة وبدء الغيبة الكبرى.



البواعث النفسية لتخلي أهل الكوفة عن أهل البيت عليهم السلام

بقلم السيد نبيل الحسني
لقد دلت مجموعة من البواعث النفسية إلى ظهور بعض الأنماط السلوكية لمجتمع الكوفة دفعتهم للتخلي عن أهل البيت عليهم السلام، وهذه الدوافع والبواعث النفسية قد أوضحها الإمام الحسين عليه السلام في دعائه المعروف يوم عاشوراء حيث قال:

«تبا لكم أيتها الجماعة وترحا وبؤسا لكم! حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيدينا، وحمشتم علينا نارا أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم، ويدا على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم، فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحصف ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها وضلة، فبعدا وسحقا لطواغيت هذه الأمة! وبقية الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون.

أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون!! أجل والله، خذل فيكم معروف، نبتت عليه أصولكم، واتزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب» (الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 2، ص 24).

وقد أظهر الدعاء مجموعة البواعث والمكونات التي شكلت ثقافة مجتمع الكوفة والتي أدت به إلى التصدع والانهيار ، وهي كالآتي:


الباعث النفسي الأول: الإسراع إلى الدنيا

حينما يستعرض الإمام الحسين عليه السلام العوامل التي أدت بهؤلاء إلى ترك أهل البيت عليهم السلام؛ فإنه يبدأ أولا برفع الأعذار قبل أن يعتذر معتذر في سلوكه هذا السلوك فيقول عليه السلام: «تركتمونا والسيف مشيم».

أي لم يكن السبب في ترككم لنا هو السيف والقتل، «والجأش طامن»، أي: القلب أو الفؤاد آمن، بمعنى لم تتعرضوا لموارد الخوف التي أجبرتكم على تركنا؛ «والرأي لما يستحصف»، أي: لم تتبدل عقولكم.

«ولكن» يستدرك عليه السلام هذه العوامل فيتبعها ببيان للعوامل الحقيقية التي كانت وراء تركهم لأهل البيت عليهم السلام فيقول: «ولكن، أسرعتم إليها كطيرة الدبا».

وهنا بيان غاية في الجمال والروعة، فقد وصف عليه السلام الحالة السلوكية للمجتمع في التوجه إلى السلطة فشبهها بالجراد وهو (الدبا) (والدبا: الجَرَاد قبل أن يطير، وقيل: هو نوع يشبه الجراد. لسان العرب لابن منظور: ج14، ص 248).

فقرن بين سلوك هؤلاء وبين سلوك الجراد في الوصول إلى المقصود ببيان وصفي جميل يظهر صفاتٍ مشتركة بين القاصدين مع وحدة الهدف لكل منهما.

فهؤلاء يسرعون مشيا لغرض قضم ما يمكن قضمه من حواشي السلطة، والجراد يسرع في مشيه لقضم ما يراه من فتات العفن أو الورق.

والجامع المشترك في هذا المشي هو النفاق والاختلاس؛ بمعنى لو أسرعوا وتطايروا لانتبه الناس إليهم ولشخصوا هدفهم ولربما مع افتضاحهم وجدوا منافسا لهم فيجري إلى مقصدهم ومبتغاهم آخرون، فينحصر ما يريدون ويقل ما يطلبون.

وهو من جانب آخر يكشف عن احتفاظهم بمقدار من التحسب والحذر من الوقوع من أعين الناس بمعنى توفر مقدار من الحصانة السلوكية في الإجهار بالآثام، أي ما زال في النفوس مقدار ولو ضئيل من الحياء، وهو المانع من التجاهر بالآثام.

أما في الحالة الثانية، أي العامل الثاني فيدل الوصف البياني لسيد الشهداء عليه السلام انعدام الحياء من هذه النفوس فأدى إلى المغايرة في السلوك.

فقال عليه السلام: «وتداعيتم عليها كتهافت الفراش».


الباعث النفسي الثاني: التهافت على السلطة

في بيانه عليه السلام للعامل الثاني في ترك هؤلاء لأهل البيت عليهم السلام يشير إلى مستوى متطور في الحالة النفسية والسلوكية لهؤلاء؛ إلا أنه عليه السلام لم يخرج من الأسلوب الوصفي في التماثل فيما بين الحشرات وهؤلاء، فحينما يفقد الإنسان الإحساس بإنسانيته، ويخضع لشهواته وغرائزه الحيوانية، يتحول في السلوكيات إلى تلك الأنواع المختلفة من الدواب، فهو بين تماثل في الثدييات أو التسافل إلى الحشرات فيصل إلى أخسها طبعا وأرذلها مزاجا.

وهنا: يماثل عليه السلام في أسلوبه الوصفي للدوافع السلوكية بين الفراش؛ وهو كناية عن الحشرات الطائرة ولاسيما الجراد في تهافتها بأعداد كبيرة على الزرع؛ وبين أولئك الذين أصبحوا حالة سلوكية واحدة، أي تحول المجتمع في المرحلة الثانية في التدني إلى مستوى ثقافي واحد.

ولذا قال عليه السلام: «فتداعيتم» أي أصبحوا من حيث البنيوية العقلية والأسس الأنثروبولوجية على ثقافة واحدة وهي أن يدعو بعضهم بعضا بالطبائع لا بالقول أو الإشارة؛ أي: أصبحوا على طبيعة واحدة كطبيعة الفراش حينما يتهافت على شجرة مخضرة، فكل هذه المجاميع من الفراش لم تنادِ أحداها الأخرى وإنما طبيعتها الواحدة هي الكفيلة في هذا التهافت؛ وكذلك أصبح هؤلاء.

ولذلك: هم في هذه المرحلة النفسية والسلوكية لم يراعوا الانتباه لهم كما في الحالة الأولى؛ لأنهم فقدوا الإحساس بالحياة فتحولوا إلى دواب؛ بل تجروا على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأفعالهم وسلوكياتهم.


الباعث النفسي الثالث: نقض ما حملوا

هذه الكلمة استوقفتني كثيرا وكررت السؤال على نفسي قائلا: ما الأمر الذي نقضوه، أهي الدنيا أم السلطة أم البيعة؟.

إذا كانت الدنيا فهذه غايتهم، وإذا كانت السلطة فهذه وسيلتهم وكلتاهما تحولان دون تحقق النقض، وإذا كانت البيعة لأهل البيت عليهم السلام فإن السياق البلاغي والمعنى الدلالي لا يتسق مع حركة الدبا وتطاير الفراش.

على الرغم من وجود لفظ آخر للخطبة جاء فيها: «ولكن أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا» (الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 2، ص 24).

ثم وجدت من خلال الوصف التماثلي بين سلوكيات هذه المجاميع البشرية وبين الحشرات الذي ورد في خطبته عليه السلام: أن الوصف الأول والثاني دار مدار الحشرة بين كونها جرادة في الحالة الأولى، وبين كونها فراشة في الحالة الثانية أي: أن هذه الحشرات مما جبلت عليه طبائعها هو أن تنقض ما جاءت من أجله، بمعنى أنها تسبب تلف الورقة النباتية فتأكل بعضاً منها وتنتقل إلى ورقة أخرى فتعيث في الأرض الفساد وتنشر الدمار.

بمعنى أدق: أصبحوا في المرحلة الثالثة من سلوكياتهم ومكونهم الثقافي مفسدين في الأرض، قد نقضوا ما سعوا من أجله وهو الدنيا التي لا تعمر إلا بالإصلاح.

فإصلاح الأرض يكون بالزرع وفساد الزرع يكون بالجراد، ولو يدرك الجراد فساد فعله لما قدم على إتلاف الزرع لكن الطباع قد جبلت على الفساد.

وكذلك هؤلاء فقد تحولوا بفعل تركهم لأهل البيت عليهم السلام ونقضهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيعته التي أخذها منهم لعلي بن أبي طالب في غدير خم، قد تحولوا من الطبيعة الإنسانية التي مبتغاها وطبعها الإصلاح إلى الطبيعة الحيوانية الرذيلة التي مبتغاها الفساد والدمار.

ولذلك: نقضوا هذه الطباع الإنسانية التي تبتغي الإصلاح وتحولوا إلى أولئك الطواغيت ليعيثوا في الأرض الفساد، لأن المكون الطبائعي لكليهما أصبح واحدا.


المكونات النشوئية لثقافة محاربة أهل البيت عليهم السلام وقتالهم

بعد بيانه عليه السلام للبواعث النفسية والأنماط السلوكية التي أدت إلى ترك مقاتلة الكوفة لأهل البيت عليهم السلام والتوجه إلى الحكام الظلمة والطواغيت المتجبرة، ينعطف الإمام الحسين عليه السلام في بيانه للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية لمجتمع الكوفة إلى بيان المكونات النشوئية لثقافة محاربة أهل البيت عليهم السلام وقتالهم، وانتشارها في مجتمع الكوفة.

فيقول عليه السلام في هذه المكونات النشوئية التي أدت إلى قتال أهل البيت عليهم السلام:

«فسحقا لكم، يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرفي الكلم، وعصبة الأثم، ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون!! أجل والله، خذل فيكم معروف، نبتت عليه أصولكم، واتذرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب» (مقتل الإمام الحسين عليه السلام للمقرم: ص 243، 244).

يشتمل هذا المقطع على بيان للمكونات النشوئية لثقافة هؤلاء الذين تجمعوا على مقصد واحد وهو قتله مع أسرته عليهم السلام.

فيرجعها عليه السلام إلى فترات زمنية متعاقبة، بمعنى: أن هذه المكونات النشوئية تكونت في فترات زمنية متعاقبة حتى وصلت إلى هذا المنحى الذي يظهره النص التاريخي.

تأملات في الكتاب الذي أرسله الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة

بقلم الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

الأهمية الاستراتيجية للكوفة

الكوفة موطن شيعة أهل البيت، وقد أصبحت حاضرة الدولة الإسلامية بعد أن اتخذها الإمام علي بن ابي طالب عاصمة للدولة في خلافته، وقد أصبحت من أهم المدن الإسلامية آنذاك وشهد أهلها مع الإمام أشهر المعارك التي حدثت في خلافته مثل معركة الجمل وصفين والنهروان، وقد اصبحت الكوفة بعد استشهاد الإمام في محرابها معقل شيعة أهل البيت وأنصارهم.

عرض النصرة على الامام الحسين بعد هلاك معاوية بن ابي سفيان

وحين هلك معاوية وامتنع الإمام الحسين من بيعة يزيد بادر وجوه أهل الكوفة وأنصار الإمام فيها إلى عقد الاجتماعات والدعوة لبيعة الإمام الحسين، واتفق رأيهم على إرسال الوفود والكتب إلى الإمام الحسين وهو في مكة يطلبون منه القدوم إلى بلادهم ويعلنون ولاءهم واستعدادهم لنصرته، والوقوف معه ضد الباطل وهم يناشدونه القدوم إلى العراق ليعقدوا له البيعة بولاية أمر المسلمين: «أقدم علينا يا ابن بنت نبينا، أقدم علينا يا ابن بنت رسول الله، نحن لك جنود مجندة، وسيوف مشرعة، معكم معكم أهل البيت لا مع عدوكم، أقدم علينا يا ابن أمير المؤمنين فإن الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل والسلام عليك» (الأسرار الحسينية / 281).

جواب الإمام الحسين عليه السلام لأهل الكوفة

هذه العبارات وغيرها تمثل ما تضمنته كتبهم، وما حملته رسلهم إلى الإمام الحسين، وكان لا بد للإمام الحسين من إجابة هؤلاء القوم الذين ازدحمت لديه كتبهم حتى بلغت المئات وكلها تعلن البيعة والولاء، وقد قرر الإمام الحسين إجابة هؤلاء القوم مع آخر رسولين وردا عليه منهم فأرسل إليهم كتاباً أخبرهم فيه بعزمه على القدوم إلى بلدهم قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد فإنِ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم انه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب لي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ انه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل منكم على مثل ما قدمت به عليَّ رسلكم وقرأت في كتبكم اقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام الا العامل بالكتـاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه في ذات الله والسلام» (الكامل في التاريخ 2 ص534).

الامام الحسين لم يكن له ثقة تامة بنوايا القوم

يبدو من خلال ما ورد في هذا الكتاب أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن على ثقة تامة من نوايا هؤلاء القوم الذين كاتبوه وأرسلوا إليه وفودهم ذلك أن التجارب التي مرّ بها أبوه وأخوه توحي بظلال من الشك في صدق النوايا، وقد أثبتت الأيام صحة ما توقعه الإمام الحسين (عليه السلام)، لقد أدرك الإمام الحسين المعاني الدلالية التي وردت في كتبهم وفهم ما حملته رسلهم ووفودهم وما أجمع عليه رأيهم، وقد تلبث الإمام طويلاً قبل أن يرد عليهم.

التراكيب البلاغية في كتاب الامام الحسين عليه السلام

لقد استعمل الإمام في كتابه اللغة البسيطة والتراكيب الواضحة ليكون في متناول فهم الجميع ممن يصل إليهم، ولم يرد في هذا الكتاب من الظواهر اللغوية ما يستعصي على الإدراك أو يحتاج إلى إعمال الفكر لفهمه، لأن مقام الكتاب يتطلب هذه اللغة الواضحة، غير أن هناك ما يمكن التوقف عنده، لأن الإمام استعمله بقصد محدد، لقد وجه الإمام خطابه إلى الملأ من المؤمنين أولاً ومن المسلمين ثانياً، ولفظة الملأ لها أكثر من دلالة ولكنها في هذا السياق تعني رؤوس القوم وأشرافهم واستعمل الإمام لفظتي «المؤمنين والمسلمين» والفرق الدلالي واضح بين المفردتين، فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص فكل مؤمن مسلم ولا عكس، وغرض الإمام من هذا الاستعمال أن يكون خطابه شاملاً فليس كل المخاطبين مؤمنين.


ثم أخبرهم بأنه قرأ كتبهم وفهم ما ورد فيها من إجماع وقد قرر أن يرسل إليهم ثقته من أهل بيته وابن عمه مسلم بن عقيل، وطلب منه أن يوافيه بأخبارهم وأحوالهم، وما يجمع عليه أصحاب الرأي منهم، فإن كان الواقع مطابقاً لما ورد في الكتب فإنه قادم بمشيئة الله سبحانه.

ثم ختم الإمام كتابه إلى أهل الكوفة بما يجب أن يتصف به من يتولى إمامة المسلمين وقيادتهم وهذه الصفات هي، العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وبسط العدل والاعتراف بالحق وإطاعة الله في أوامره ونواهيه، ويبدو من بنية الخطاب أن هذه الصفات تكون ثابتة وملازمة لمن يتولى هذه المهمة لذا استعمل الإمام التراكيب الاسمية للتعبير عنها «العامل بكتاب، الآخذ بالقسط، الدائن بالحق، الحابس نفسه في ذات الله» ويمكن أن تلمح في هذا إشارة إلى أن من يتولى قيادة الأمة الآن بعيد عن كل هذه الصفات ومن هنا يتوجب على المؤمنين رفض بيعته، وأن يرتضوا الإمام الذي تؤلف هذه الصفات جزءاً من كيانه، وتكون فيه طبيعة ثابتة، ولأن هذه الصفات لا ينطوي الحاكمون على شيء منها، فإنهم غير صالحين لقيادة الأمة الإسلامية وتولي أمورها، وفي الكتاب إشارة إلى أن هناك من هو أصلح منهم لتولي هذا الأمر وهم أهل بيت النبوة وفي مقدمتهم الإمام الحسين (عليه السلام).