من هو الرجل الذي أتى المشركين ليلة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرهم أنه قد خرج فأخفاه الرواة وتكتموا عليه؟

بقلم: السيد نبيل الحسني

إن مما يستوقف الباحث في حديث الهجرة ويجعله يطيل الفكرة هو وجود حلقات فارغة تضاربت فيها أحاديث الرواة، فمنها:

1ــ ما أخرجه ابن اسحاق المطلبي عن محمد بن كعب القرظي ــ في قوله ــ: (فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا محمدا، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟

فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: والله إنّ هذا لمحمدٌ نائماً عليه برده)([1]).

والسؤال الذي يستوقف الباحث هو: (من هذا الشخص الذي أتى فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولماذا لم يصرح الراوي به؟! ولم يعرّف بشخصه؟!).




ثم نعت الراوي لهذا الآتي بقوله: (ممن لم يكن معهم) يثير في الذهن العديد من الأسئلة؟!

لأن الكلام الذي نطق به هذا الرجل، المتمثل:

1. بالوصف الدقيق لما جرى لهم.

2 . اعطائهم الدليل على صدق ما يقول لهم من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

3 . قيامهم هم أنفسهم بالتحقق مما يقول فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا التراب وتبين لهم صدق قوله: (إن النبي قد وضع على رؤوسهم التراب).

كل هذا يدفع الباحث والمحقق في السعي بين أسطر المصادر ليجد الإجابة على هذه الأسئلة ولكي تكتمل له الصورة الحقيقية التي عمد البعض على إخفائها وتغييرها.

ثم ما هي مصلحة هذا المتكلم؟ ولماذا يعطيهم دليلا على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ولولا رؤيتهم الإمام علياً عليه السلام نائما في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وظنهم أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكانوا قد لحقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ساعتهم.

وعليه: فإن هذا القول لا يصدر إلا من ثلاثة:

أولا: إما أنه طرف محايد لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أي لا مع المسلمين ولا مع المشركين، وكأن هذا الرجل يراقب الوضع عن كثب ودقة متناهية، فرأى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نثر على رؤوسهم التراب، من غير أن يحسوا به فلما ابتعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فأخبرهم الخبر!!

وهذا القول لا دليل عليه، بل إنه يتعارض مع السرية الكبيرة التي أحاطت بهذه المهمة التي عزمت عليها بعض رجالات قريش، والطرف المحايد لا يطلعه أحد على مقرراته وأسراره، فلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أطلعه لأن ذلك فيه حياته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قريش أطلعته على ما نوته لأن في ذلك إفشالاً لمخططها ووصول الخبر إلى بني عبد مناف وإلى المسلمين.

ثانيا: وإما أن هذا الرجل كان في السر مع قريش، وفي العلن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعرف ما هم عازمون عليه، بل إنهم أطلعوه على ما هم عازمون القيام به، ولكنه وقف جانبا ينظر لمن الغلبة ليميل مع الذين غلبوا.

لاسيما وان قول الراوي: (فاتاهم آت ممن لم يكن معهم) ينص على انه من ضمن هذه المجموعة التي عزمت على قتل النبي صلى الله عليه وآله، وخططت لذلك في دار الندوة.

وهذا متعذر علينا معرفته لأن الرواة لم يذكروا اسمه، أو أنهم ذكروه لكن ابن إسحاق لم يصرح به، أو أنه صرح به ولكن ابن هشام حذفه من السيرة، رعاية للمشاعر لأن ذكره يسوء الناس، وبهذه الحال يكون تشخيصه مجهولا.

وأما ثالثا: إن هذا الرجل كان يخفي إيمانه تقية ففي السر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي العلن مع قريش؛ لكن هذا الأمر يمنعه من إخبارهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه مؤمن به فكيف يريد له الهلاك؟!

وعليه: من يكون هذا الآتي الذي أتى لطغاة قريش وسألهم عن وقوفهم فأخبروه بما يريدون ثم أخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

وإلاّ ما معنى: كلامه معهم قائلاً: (ما تنتظرون هنا؟ قالوا: محمداً، فقال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه التراب).

والغريب أن هذا الرجل لم يكتف بإخبارهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أعطاهم الدليل على خروجه صلى الله عليه وآله وسلم فمن هو؟!!

سنتعرف عليه من خلال المسائل القادمة:

المسألة الأولى: من علم بخروج النبي في هذه الليلة؟

قبل أن نبحث عن هوية هذا الرجل الذي أتى المشركين وقد تجمعوا حول بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يريدون قتله، فأخبرهم أنه قد خرج وقد ألقى على رؤوسهم التراب؛ ينبغي بنا أولاً أن نحدد الأشخاص الذين علموا بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد يكون أحدهم هو الذي تكلم مع المشركين.

قال ابن إسحاق: (ولم يعلم فيما بلغني، بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر)([2]).

أما علي، (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ فيما بلغني ــ أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس)([3]).

ثم لم يكمل ابن إسحاق ولم يمضِ في بيان الأسباب التي جعلت أبا بكر يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا أولاً.

وثانيا: انحصار الأمر بعلي بن أبي طالب عليه السلام وأبي بكر فيه مشكلة كبيرة لأبي بكر؟ لأن الذين علموا بخروج رسول الله كانوا ثلاثة، علي عليه السلام وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أطلعه على خروجه وطلب منه أن ينام في مكانه، و الرجل الثاني ــ الذي علم ــ فهو الآتي الذي أتاهم فكلمهم بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من داره والذي لم تعرّف الرواية باسمه، والثالث الذي علم بخروج النبي هو أبو بكر.

فإذن: قول ابن إسحاق وغيره من المؤرخين وكتّاب السيرة النبوية: (ولم يعلم بخروج النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم إلا علي وأبو بكر وآل أبي بكر)، يدل على أن الأمر قد انحصر في الإمام علي عليه السلام وفي أبي بكر وفي هذا الرجل الذي أتى المشركين ولم يكن معهم وفي آل أبي بكر، فأيهم كان قد أتى المشركين فأخبرهم؟! جوابه في المسألة الثانية.

المسألة الثانية: أنّ المتكلم خرج عليهم من الدار

إن من القرائن التي جرّتنا إلى التعرف على هوية الرجل الذي أتى المشركين هو المكان الذي قدم منه، فكان هذا المكان واحداً من ثلاثة، وهي كالآتي:

1ــ إما أنه خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

2ــ وإما من مكان قريب فكان يراقب الجميع، وهو محال؛ لسرّية الأمر وانحصاره بين المشركين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام وأبي بكر وكل منهم كان يحرص على السرية.

3ــ وإما من خارج قريش وهو محال؛ إذ الأمر حدد في الليلة نفسها في دار الندوة ولم يخرج إلى الخارج.

وعليه: فهو الأمر الأول: أي خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومما يدل عليه ما أخرجه الحافظ أن حبان البستي (المتوفى سنة 354هـ) في حديثه عن الهجرة على صاحبها وآله آلاف الصلاة والسلام، أن الرجل الذي كلمهم وسألهم عن سبب وقوفهم بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو رجل خرج عليهم من الدار وهذا نص قوله: «فخرج عليهم من الدار خارج فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا. قال: قد خرج عليكم، فانصرفوا يائسين ينفض كل واحد منهم التراب عن رأسه([4]).

وهنا السؤال المهم: من هو هذا الرجل الذي خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

والإجابة هي: إما أن يكون الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا لا يمكن نقلا وعقلاً؛ فأما في النقل فقد أجمعت مصادر الأمة؛ على أن المشركين ظلوا واقفين بباب الدار حتى الصباح، وأنهم حاولوا أن يخرجوا الإمام علياً عليه السلام من الدار أو حتى أن يكشف لهم عن البردة الخضراء التي كان قد تغطى بها، فلم يستطيعوا رغم ضربهم إياه بالحجارة وهو عليه السلام يتلوى ويتألم ولكن لم يمكنهم من معرفته.

وأما من الناحية العقلية فلو كان الإمام هو الذي خرج إليهم لكانوا صدقوه من فورهم؛ لأنهم سيرون فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاليا وليس فيه أحد، وأن الذي كان نائما هو الإمام علي عليه السلام، وعندها لفشلت خطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج ولحقوا به وتمكنوا من قتله.

بل إنّ الذي منعهم عن التصديق بقول هذا الرجل الذي خرج عليهم من الدار هو رؤيتهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نائماً في فراشه فردوا عليه قائلين: (والله إنّ هذا لمحمد نائماً، عليه بردة( فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا([5])).

وأجمل ما قيل في هذا: ما أخرجه إمام الحنابلة بقوله: (وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([6]).

إذن:
لا يمكن، بل من المحال أن يكون هو الإمام علياً عليه السلام.

وأما أن يكون هذا الخارج هو أبا بكر كما ذكرت كثير من المصادر الإسلامية أنه دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة نفسها وبعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من داره وقد أحاطت قريش به تريد قتله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا فضلا عن انحصار معرفة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم به وبالإمام علي عليه السلام؛ ومما يدل عليه، نورده في المسألة الآتية.

المسألة الثالثة: أبو بكر جاء إلى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة خروجه

لقد أوردتْ كثير من المصادر الإسلامية أن أبا بكر جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة نفسها التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنه، فدخل الدار وعلي عليه السلام نائم فقال: يا نبي الله، وأبو بكر يحسبه أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار([7]).

وبهذه الحال لا يمكن أن يكون أبو بكر قد دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ير هذه الجموع التي ذكر بعضهم أنهم كانوا مائة رجل، وقد استدل به البيهقي في الدلائل([8]) وهو العدد الذي اعتمده الحافظ النووي وعده من معاجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم([9]).

وذكر بعضهم: أن عددهم كان اثني عشر رجلا، وقيل كانوا خمسة، وحتى في هذه الحال فلا يمكن لأبي بكر أن يدخل ويخرج من بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يراه هؤلاء المجتمعون أمام البيت وهم يتربصون متى يخرج عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

كما لا يمكن أن يكون أبو بكر قد خرج ولم ير أحدا واقفاً بباب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وعليه: فإنهم قد رأوه ورآهم وحدثهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاهم الدليل على ما يقول.
المسألة الرابعة: لم يخرج أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقت واحد

أخرج ابن جرير الطبري: في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن أبا بكر لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقت واحد، بل إنه لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك بعد أن دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنه فأخبره الإمام علي عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج، وهذا نص قوله:

فخرج أبو بكر مسرعا لحق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جرس أبي بكر في ظلمة الليل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشي، فانقطع قِبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفع صوته وتكلم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه([10])، وأخرجه ابن كثير مختصرا جدا([11]).

وهذه الرواية تفند ما ذكره الرواة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى إلى منزل أبي بكر وأصطحبه معه وإنهما خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته([12]).

ومما يدل على بطلان هذه الرواية أيضا:

ألف: لماذا يشق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه الخروج من فتحة صغيرة في أعلى الحائط لدار أبي بكر ولم يكن أحد ينتظره خلف الباب مثلما حدث له عند باب داره.

باء: لماذا لم يخرج صلى الله عليه وآله وسلم وبالطريقة نفسها التي خرج بها من داره مستعينا بالقرآن وبتلاوته آياته من أول سورة يس ونثره التراب على كل من يعترضه أليس هذا أفضل من التسلق والخروج من خوخة في ظهر بيت أبي بكر!؟ أم أن الآيات لا تجدي نفعا برفقة أبي بكر لأن تأثيرها منحصر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر ليس نبيا.

جيم: وإذا كان صلى الله عليه وآله وسلم لم يخفه وقوف المشركين خلف باب داره وبأيديهم السيوف وهم عازمون على قتله، فيخرج إليهم من باب الدار ويكلمهم، فما الذي يدعوه للخروج من فتحة صغيرة في أعلى الجدار وهو لم ينتظره أحد؟!

إلا أن يقال: إن أبا بكر كان مذعورا وخائفا وأنه امتنع من الخروج من باب الدار فأجبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يتسلق الجدار ليخرج من خوخة دار أبي بكر، وعندها سجل التاريخ هذه المنقبة لخوف أبي بكر.

أو أن الصحيح هو ما ذكره ابن جرير الطبري وغيره من حفاظ المسلمين: من أن أبا بكر لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن جاء إلى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل الدار فأخبره الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه خرج إلى غار ثور، فخرج مسرعا وفي أثناء خروجه أخبر قريشاً بأن النبي قد خرج.

دال: أما قول الراوي: (فسمع رسول الله جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام حتى أتاه)([13]).

فهذه الفقرة في الرواية جاءت لتغطي حقيقة التحاق أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لم يصطحبه أثناء خروجه ولكي لا يلتفت القارئ إلى هذه الحقيقة أضيفت إلى مقدمة الرواية هذه الفقرة التي أراد فيها الراوي تسجيل موقف حسن لأبي بكر ولو على حساب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه ــ مشفقاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخائفاً عليه، فكانت النتيجة، بأنها قد أساءت إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأساءت إلى أبي بكر وعابته.

أما إساءتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلأن الرواية قد أعطت صورة عن شخص الرسول الأقدس بأنه كان خائفا مضطربا لا يعلم من القادم وكأنه شخص ملاحق من السلطة وليس بنبي متصل بالفيض الأعظم، وهو الذي ينظر من خلفه وينكشف بنوره الظلام وغيرها، ومع هذا كله فقد أخرج البخاري في صحيحه رواية تعطي الصورة الحقيقية لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحاله الناطق بكونه نبيا لا يذعره جرس أبي بكر.

قال البخاري: في روايته عن سراقة بن جعشم وهو الذي لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر يريد أن يقبض عليهما لينال دية كل واحد منهما، قائلا، أي سراقة «فركبت فرسي تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات»([14]).

فهنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يلتفت؛ لأن الله لا يخذل رسوله وهو ليس من شأنه الخوف من المشركين ولا من صفاته الالتفات الذي يدل على الخوف وكثرة الالتفات تدل على كثرة الخوف كما هو حال أبي بكر.

أما كونها تسيء إلى أبي بكر فلأنه لم يكن بالمشفق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو صح ذلك لكان قد بادر إلى الكلام لكي يعلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ الفطنة والشفقة منه تدعوه للمبادرة بالتعريف عن نفسه أولا كي لا يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أن يحدث العكس كما تفيد الرواية بأنه ظل ساكتا والنبي يجري سريعا فينقطع قبال نعله ويصيبه حجرا فينفلق ابهامه فيكثر دمها، وهو مع هذه الحالة والألم والنزف ينظر إليه أبو بكر ولا يتكلم ولم يعرف بنفسه، حتى إذا ما أسرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بهذه الجراح ونزف الدماء، تكلم أبو بكر، فأي شفقة هذه؟! بل أي ألم ومشقة وأذى سببه أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! وذلك حسب ما جاءت به الفقرة الأخيرة من الرواية، التي لا نؤمن بها أصلا، لأنها تسيء إلى شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أوردناها لكي نلزم بها من يصوّر للقارئ الكريم صورة غير واقعية، صورة كتبت بتأثير السياسة والحصول على المال.


...................................................
الهامش:

([1]) السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 127. السيرة النبوية لابن جرير الطبري: ص 91.

([2]) راجع في انحصار العلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وأبي بكر ما يأتي: السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 129، ط دار القلم ــ بيروت؛ تاريخ الطبري: ج2، ص103؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج2، ص104؛ المواهب اللدنية للقسطلاني: ج 1، ص 219؛ السيرة النبوية لابن كثير الدمشقي الأموي: ج2، ص 234؛ الاكتفاء للكلاعي الاندلسي: ج 1، ص 443، ط النجاشي؛ السيرة النبوية لمغلطاي: ص 156، ط دار القلم؛ السيرة النبوية لدحلان: ج 1، ص 1007، ط الأهلية؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج3، ص318؛ امتاع الأسماع للمقريزي: ج9، ص198.

([3]) السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 129. السيرة النبوية لدحلان: ج 1، ص 322. السيرة النبوية للطبري: ص 96.

([4]) السيرة النبوية للحافظ ابن حبان البستي: ص 94، ط المكتب الإسلامي؛ الثقات لابن حبان: ج1، ص117.

([5]) السيرة لابن هشام: ج 2، ص 127. السيرة لابن كثير: ج 2، ص 230.

([6]) مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص348؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج7، ص27؛ فتح الباري لابن حجر: ج7، ص184؛ المصنف للصنعاني: ج5، ص389؛ السيرة لابن كثير: ج 2، ص239. السيرة لدحلان: ج 1، ص 305.

([7]) مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص331، من حديث عبد الله بن عباس؛ فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر: ج7، ص8؛ عمدة القاري للعيني: ج16، ص173. السنة لعمرو بن أبي عاصم: ص589؛ السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص114؛ المعجم الكبير للطبراني: ج12، ص77؛ تفسير ابن أبي حاتم: ج6، ص1800؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج7، ص374؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج 3، ص 133 عن ابن عباس. المناقب للخوارزمي: ص 73. التلخيص للحافظ الذهبي مطبوع بهامش المستدرك: ج 2، ص 133؛ تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص 34، تاريخ الطبري: ج 2، ص 100. شواهد التنزيل للحسكاني: ج 1، ص 99 و100 و101. خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي: ص 63، ط ــ النجف، مجمع الزوائد للهيثمي: ج 9، ص 120. ذخائر القربى للمحب الطبري: ص 87. كفاية الطالب للكنجي: ص 242. الفصول المهمة لابن الصاغ المالكي: ص 30. ترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي: ج 1، ص 186 و190. الرياض النضرة: ج2، ص 203.

([8]) دلائل النبوة للبيهقي: ج 2، ص 470.

([9]) السيرة النبوية للنووي: ص 58، ط دار البصائر. سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحافظ المقدسي: ص 60، ط مؤسسة الكتب الثقافية.

([10]) تاريخ الطبري: ج2، ص101؛ السيرة لابن جرير: ص 92.

([11]) ابن كثير في سيرته: ج 2، ص 235.

([12]) السيرة لابن هشام: ج 2، ص 130. السيرة لابن جرير الطبري: ص 92. السيرة لابن كثير: ج2، ص 234.

([13]) السيرة النبوية لابن جرير: ص 92، ط الدار المصرية.

([14]) صحيح البخاري: كتاب الأنصار، باب 45، حديث 3906. فتح الباري لابن حجر: ج 7، ص 302، ط دار الكتب العلمية.

إرسال تعليق