حرموا علينا ان نقول علي صلوات الله وسلامه عليه وصلوا على أبي بكر وعمر وعلى الجواري

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

من الغريب ان نرى المخالفين والمانعين من صلاة الشيعة الإمامية أعزهم الله على أئمتهم، وبعد ان وصفوهم كما عرفنا فيما سبق بأهل الأهواء واهل البدع، وألزموا على أتباعهم مخالفتهم، نراهم في كثير من كتبهم يصلون على أبي بكر وعمر ابن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر، وفيما يأتي جملة من تلك الموارد:

فمنها ما في كنز العمال قال: (من أهل حمص ذي ظليم الالهاني قدم على أبي بكر وقد كان النبي نعته له فعرف أبو بكر صلى الله عليه وسلم...)[1].

وقال الضحاك: (حدثنا محمد بن المثنى نا مسلم بن إبراهيم نا أشعث بن جابر عن الحسن قال ولي أبو بكر صلى الله عليه عشرين شهرا)[2].

قال الثعلبي في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[3]: (أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[4].

وقال محمد بن سعد: (أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب أسلم يوم فتح مكة ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[5].

وقال المزي: (العلاء بن عرار الخارفي الكوفي. روى عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب صلى الله عليه)[6].

وقال المزي أيضا: (وقال الحسين بن محمد بن فهم: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده حسن الجواري. قال: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها. فقلت يا أبا زكريا مثلك يقول هذا ؟ قال: نعم. صلى الله عليها وعلى كل مليح)[7].

فسبحان الله العظيم! كيف يمنعون الصلاة على علي وبقية أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع ان الرواية صريحة في دخولهم ضمن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصلون على الجواري وعلى كل مليح!!!.

ــــــــــــــ
[1] كنز العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 330 ــ 331.
[2] الآحاد والمثاني للضحاك ج 1 ص 85.
[3] الجاثية الآية رقم 14.
[4] تفسير الثعلبي ج 8 ص 359.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 5 ص 450 ــ 451.
[6] تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 528.
[7] تهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 561.

ليس لمحدثي أهل السنة القدماء منهج واضح في الجرح والتعديل

بقلم الشيخ وسام برهان البلداوي

قد وقع كل المتأخرين الذين انتصروا لمنهج المتقدمين في الجرح والتعديل في ورطة كبيرة، ومعضلة عظيمة، إذ وجدوا أنفسهم أمام إشكال كبير جدا، وهو ان المتقدمين من المحدثين وأهل الجرح والتعديل، لم يكن لديهم منهج محدد وواضح في التعامل مع الأحاديث النبوية.

ووجد المتأخرون أيضا أنفسهم أمام عدة مناهج متناقضة ومتضاربة للمتقدمين، فأحمد بن حنبل يقوي حديثا، ومسلم النيسابوري يضعفه، ومالك يصححه، والبخاري يرفضه، والترمذي يحسنه، وغيره يكذبه، ومن دون أن يبينوا في كثير من الأحيان سبب ردهم وتضعيفهم أو علة تأييدهم وتقويتهم.

فضلاً عن الاختلاف والتناقض في منهج المحدث الواحد، فنراه يرفض التدليس لكنه يخرج لمئات من المدلسين، ويضعف مجهول العدالة ويخرج لعشرات منهم، وهكذا، وقد مر في الفصل السابق كثير من الشواهد الدالة على هذا التناقض في المناهج.

 ولهذه الأسباب وغيرها وقع المتأخرون في حيص وبيص كما يقول المثل الشائع، وحاولوا تفسير هذا التناقض والتضارب في المناهج بكلمات لا تصمد أمام النقاش العلمي، ولما عجزوا عن تفسير الأمر حاولوا سد باب النقد والاعتراض بوجه كل من يريد معرفة العلل والأسباب التي كان القدماء يبنون عليها أحكامهم في التصحيح والتضعيف وفي الجرح والتعديل، وفسروا المسألة بأنها حالة قلبية وأمر نفسي يمر على المحدثين فيستشعرون معها بصحة الحديث أو عدم صحته.

قال السخاوي في (فتح المغيث): (وقال ابن مهدي هي إلهام لو قلت للقيم بالعلل من أين لك هذا لم تكن له حجة)[1].

ونقل السخاوي عن آخر: (ونحن نعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلاما يصلح أن يكون كلام النبوة ونعرف سقمه ونكارته بتفرد من لم تصح عدالته وهو كما قال غيره أمر يهجم على قلبهم لا يمكنهم رده وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها)[2].

وهو أمر مضحك وخطير في الوقت نفسه، لأنه يجعل السنة النبوية خاضعة لميول المحدثين ورغباتهم واعتقاداتهم ونوازعهم، ويصيرها متأثرة بالعقد النفسية والمتبنيات المذهبية لذلك المحدث، فما وافق تلك الرغبات والمتبنيات والاعتقادات يكون صحيحا وما خالفها يكون مكذوبا ويحكم عليه بالضعف وعدم الاعتبار.

وقد زادوا الطين بلة حينما لم يكتفوا بالاعتراف بعدم وجود قواعد وأسس منطقية لعملية التقييم، فأوجب كثير منهم اتباع المتأخرين لحكم المتقدمين وتقليدهم في جرحهم وتوثيقهم وتصحيحهم وتضعيفهم من دون السؤال عن أسباب قدحهم ودواعي جرحهم، وفي هذا الصدد يقول إسماعيل بن كثير الشافعي: (أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفته، واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح)[3].

فيتضح من ذلك ان القدماء في حكمهم على الأحاديث ليس لهم قواعد محددة ومتفق عليها، فهم كما صرح بعضهم يتبعون حالة نفسية تهجم عليهم فيحكمون على الأحاديث بما يتلاءم وتلك الحالة، ولو سلمنا جدلا بوجود قواعد لهم فانهم لا يلتزمون بها من الناحية العملية التطبيقية، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الزركشي في (النكت على مقدمة ابن الصلاح) إذ قال وهو يتحدث عن مسألة زيادة الثقة ومدى قبولها: (الذي يظهر من كلامهم خصوصا المتقدمين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهما كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وهذه الطبقة ومن بعدهم كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ومسلم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارقطني والخليلي كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولا وردا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث وهذا هو الحق)[4].

ــــــــــــ
[1] فتح المغيث شرح ألفية الحديث للشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي ج1 ص235.
[2] المصدر السابق ص236.
[3] الباحث الحثيث في اختصار علوم الحديث لإسماعيل بن كثير الشافعي ص11.
[4] النكت على مقدمة ابن الصلاح لبدر الدين الزركشي ج2 ص175 ــ 176.

مناقشة ابن تيمية والحلبي في رد فضيلة الفداء والمبيت في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله

بقلم: السيد نبيل الحسني

المسألة الأولى: عرض الشبهة وبيانها وتعيين مرتكزاتها الواهية

إن مما يستوقف الباحث في السيرة النبوية هو مروره بآراء كثيرة لمن كتبوا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لا تنسجم مع جوهر القرآن الكريم فضلاً عن أنها مخالفة للمنهج العلمي والموضوعي.

بل: ليجد الباحث ان كثيراً من هذه الآراء ليس فقط انها تخالف المنهج العلمي والموضوعي وإنما فيها تعمد الكذب فيكون صاحب هذا الرأي قد جمع الجهل في المنهج الأخلاقي والعلمي والموضوعي.

ومن هذه الأمثلة التي حوت بين جنباتها هذا النموذج من الآراء، هو قول الحلبي ــ صاحب السيرة النبوية ــ في رده لفضيلة الفداء التي اختص بها علي بن أبي طالب عليه السلام ليلة المبيت في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار خديجة فيقول بعد استشهاده بقول إمامه ابن تيمية: (وأما ما روي أن الله تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبات على فراشه ليفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه فقال: جبرائيل بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب باهى الله بك الملائكة وأنزل الله عز وجل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)([1]). قال فيه الإمام ابن تيمية: إنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير).

وأيضاً ــ والقول للحلبي ــ: (قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم فلم يكن فيه فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة، والآية المذكورة في سورة البقرة هي مدنية باتفاق، وقد قيل إنها نزلت في صهيب لما هاجر، أي كما تقدم؛ لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ما ذكر، وعليه: فيكون فداؤه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه واضحاً ولا مانع من تكرر نزول الآية في حق علي وفي حق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق صهيب بمعنى اشترى نفسه بماله هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية لأن الحكم يكون للغالب)([2]).

وهذه الشبهة التي أطلقها الحلبي والتي تضمنت رأي إمامه ابن تيمية وتبنيه لهذا الرأي فهي مخالفة للمنهج الأخلاقي والقرآني والعلمي كما سيمر بيانه خلال المباحث والمسائل في هذا الفصل، ولكن قبل المضي في ذلك نحدد مرتكزات هذه الشبهة الواهية، وهي كالآتي:

1 ــ إن حديث نزول جبرائيل وميكائيل لحفظ الإمام علي عليه السلام قال فيه ابن تيمية كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير.

2 ــ قد حصل له الطمأنينة بقول الصادق له لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم فلم يكن فيه فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة.

3 ــ إن الآية المذكورة: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)([3]). في سورة البقرة هي مدنية باتفاق.

4 ــ أنها نزلت في صهيب لما هاجر فيكون فداؤه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه واضحاً.

5 ــ لا مانع من تكرار نزول الآية في حق علي وفي حق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق صهيب بمعنى اشترى نفسه بماله.

6 ــ هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية لأن الحكم يكون للغالب.

المسألة الثانية: اتفاق أهل العلم بالحديث والسير على صدور حديث نزول الملائكة لحفظ الإمام علي عليه السلام في ليلة المبيت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه يتضح كذب ابن تيمية

إن ما أطلقه ابن تيمية وتبناه الحلبي إتماماً بإمامته فهو كذب صراح ومخالف للأخلاق؛ لأن الكذب من أسوأ صفات الإنسان على أي دين كان وذلك لما يأتي:

ألف: كيف حصل ابن تيمية على العلم باتفاق أهل العلم بالحديث والسير

فابن تيمية لم يوضح للقارئ كيف حصل له العلم بأن (أهل العلم بالحديث والسير قد اتفقوا على ان هذا الحديث كذب).

فهل سافر إلى جميع أقطار المسلمين وسأل أهلها عن العلماء فالتقى بهم وسألهم عن هذا الحديث فقالوا له انه كذب؟ فإن قيل: نعم، فهذا هو الكذب لأن ابن تيمية سيقضي عمره كله بالسفر إلى أقطار المسلمين يبحث عن أهل العلم بالحديث وعندها لن يستطيع ان يجمع لنا أقوالهم ولن ولم يحصل على اتفاقهم وان قيل: لا فهذا إقرار بأنه كاذب في قوله: بأن أهل العلم قد اتفقوا.

باء: لم يقدم ابن تيمية القاعدة في تحديد أهل العلم

ما هو الميزان الذي اعتمده ابن تيمية في تحديد أهل العلم كي نتعرف عليهم ونصدّق قول ابن تيمية في انهم من أهل العلم؛ فإبليس من أهل العلم، ولذا قال لله رب العالمين: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)([4]).

فعلم إبليس بالصراط المستقيم يمكنه من تضليل الناس عنه، بل إن إبليس أعلم من ابن تيمية بالصراط المستقيم ولذا فهو سبب ضلال البشرية منذ ان أدخل آدم وحواء الجنة.

كما ان كعب الأحبار من أهل العلم بالحديث، بل ان كل فرقة من المسلمين تعتقد بأن أئمتها وزعماءها هم من أهل العلم بالحديث ولذا فهم يعتقدون بأنهم الفرقة الناجية من هذه الأمة فعلى سبيل المثال: «يعتقد الخوارج أنهم من الناحية الدينية يمثلون الفئة القليلة التي لا تقبل في الحق مساومة، وأن زعماءهم من جماعة القراء والفقهاء وهم الحريصون على الالتزام بالكتاب والسنة دون مواربة أو تأويل»([5]) ولا أدري أي كتاب أو سنة تجيز قتل علي بن أبي طالب عليه السلام؟!

ولذلك: لم يصرح ابن تيمية بالقاعدة أو الضوابط التي لديه في معرفة أهل العلم كي نعتقد بأنه ينطبق عليهم هذا الوصف وكي نأخذ بكلامه.

جيم: أين مواضع هذا الاتفاق الذي ادعاه ابن تيمية عند أهل العلم؟

ثم لماذا لم يرشدنا إلى مواضع اتفاق أهل العلم ويدلنا على أقوالهم أكان مدوناً في مصنفاتهم أم تحديثا في حلقاتهم فسمعه ابن تيمية من تلامذتهم؟ فعلم أنه كذب؟
دال: أي قسم من أهل العلم في هذه الأمة بتعدد فرقها علم بقولهم ابن تيمية

أما أهل العلم بالحديث الذين أقرت لهم الأمة الإسلامية فهم قسمان:

القسم الأول: فهم علماء الشيعة الذين لا يرى فيهم ابن تيمية ومن اتخذه إماماً له بأنهم من أهل العلم إلا إننا نؤمن بأنهم من أهل العلم على رغم أنف ابن تيمية ومن تولاه إذ يكفي ثبوت صدقهم عندنا كثبوت كذب ابن تيمية.

وأما القسم الثاني: فهم علماء السنة والجماعة وهؤلاء اتفقوا على كذب ابن تيمية الذي نسب إليهم ما لم ينطقوا به وتقوّل عليهم ما لم يقولوا، وكي نثبت للقارئ كذب ابن تيمية في قوله حول حديث نزول جبرائيل وميكائيل عليهما السلام لحفظ علي بن أبي طالب حينما فدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه.

الذي قال عنه ابن تيمية: (إنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير) فهؤلاء أهل العلم بالحديث والسير ندرجهم بأسمائهم كي يتضح كذب ابن تيمية.

وقبل ان نورد أسماء أهل العلم نذكّر القارئ الكريم بأنّنا في صدد الحديث القائل بنزول الملائكة في ليلة مبيت الإمام علي عليه السلام، وليس في اختصاص الآية في علي عليه السلام وحصرها فيه فهذا سيرد بيانه.

أولا: رواية أهل العلم بالحديث والسير في مدرسة العترة النبوية لنزول جبرائيل وميكائيل لحفظ علي عليه السلام ليلة المبيت

1. الحافظ ابن عقدة الكوفي رحمه الله (المتوفى سنة 333هـ) وقد رواه بإسناده، عن ابن عباس، وأبي رافع ــ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ وهند بن أبي هالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل إني آخيت بينكما...»([6]).

2. أخرجه الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه (المتوفى سنة 460 هـ) في الأمالي بإسناده فقال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، قال: حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي سنة خمسين ومائتين، قال حدثني الحسن بن حمزة أبو العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن الزبير بن سعيد الهاشمي، قال: حدّثنيه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه بين القبر والروضة، عن أبيه وعبيد الله بن أبي رافع جميعاً عن عمار بن ياسر (رضي الله عنه) وأبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قال أبو عبيدة: وحدثنيه سنان بن أبي سنان: أن هند بن هند بن أبي هالة الأسدي حدثه عن أبيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخته لأمه فاطمة صلوات الله عليها.

قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة هند بن هالة وأبو رافع وعمار بن ياسر جميعاً يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة وبيته قبل ذلك على فراشه([7]).

أقول: أما حديث نزول الملائكة لحراسة علي بن أبي طالب عليه السلام ليلة المبيت فقد حدّث به الصحابي المنتجب أبو اليقظان عمار بن ياسر كما صرح به الشيخ الطوسي في الصفحة 469 من أماليه.

وأما ما قاله أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: «وحدثنيه سنان بن أبي سنان: أن هند بن هند بن أبي هالة الأسدي حدثه عن ابيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخته لأمه فاطمة صلوات الله عليها.

فقد أثبتنا في الفصل الأول من كتابنا: (خديجة بنت خويلد أمّة جمعت في امرأة) عدم صحة زواج أم المؤمنين خديجة عليها السلام قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان هند هذا هو ابن اختها احتضنته أم المؤمنين خديجة وتكفلت برعايته فنشأ في دارها حاله كحال زينب وأم كلثوم ورقية، فعرف بابنها كما عرفت هؤلاء النسوة ببناتها ــ وقد مرّ بيانه مفصلاً فليراجع ــ([8]).

3. الحافظ ابن شهر آشوب المازندراني (المتوفى سنة 588 هـ)

قال: الثعلبي في تفسيره، وابن عقب في ملحمته، وأبو السعادات في فضايل العترة، والغزالي في الأحياء وفي كيمياء السعادة أيضاً برواياتهم عن أبي اليقظان، وجماعة من أصحابنا ومن ينتمي إلينا نحو: ابن بابويه، وابن شاذان، والكليني، والطوسي، وابن عقدة، والبرقي، وابن فياض، والعبدلي، والصفواني، والثقفي بأسانيدهم عن أبن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة... وساق الحديث»([9]).

أقول: الظاهر في كلام ابن شهر رحمه الله أمور منها:

1. أنه قد جمع في قوله هذا اختصاص آية الفداء والشراء في علي بن أبي طالب عليه السلام بشكل عام وبين إيرادها مع ذكر نزول الملائكة عليهم السلام، إذ إن اختصاص الآية بعلي عليه السلام رواها العلماء عن ابن عباس كما سيمر، واختصاص نزول الملائكة رواه العلماء عن أبي اليقظان عمار بن ياسر (رضي الله تعالى عنه).

2. قد يكون الحافظ ابن شهر آشوب قد وجد هذا الحديث في مصنفات أولئك العلماء في زمانه وان هذه المصنفات لم تنشر بعد فهي مازالت في أروقة حصائن المخطوطات المنتشرة في البلاد الإسلامية، وفي الواقع لم أعثر على الحديث فيما توفر من نشر لبعض مصنفات ابن بابويه رحمه الله وغيره.

3. وقد يكون الحافظ قد وجد هذا الحديث في ضمن مصنفات علماء العامة الذين ذكرهم الا ان هذه المصنفات قد تعرضت للحذف والتزوير بعد مرور أكثر من ثمانمائة عام كما حدث لصحيح مسلم من التزوير كما أشرنا في مبحث منزلة خديجة في السنة وانها من رواة الحديث الشريف.

وعليه: فغرضنا إيراد أسماء أهل العلم بالحديث والسير من علماء الشيعة رحمهم الله تعالى.

4. السيد ابن طاووس رحمه الله تعالى (المتوفى سنة 664هـ).

قال رحمه الله: «قال الثعلبي بعد كلام ذكره: ففعل ذلك علي عليه السلام فأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل عليهما السلام...»([10]).

5. الشيخ الطبرسي رحمه الله (المتوفى 548 هـ) وقد أورد الرواية في المجمع([11]).

6. الحافظ ابن كرامة رحمه الله (المتوفى 494هـ) وقد رواه في التنبيه([12]).

7. الحافظ ابن البطريق رحمه الله (المتوفى سنة 600 هـ)([13]).

8. الحافظ ابن أبي حاتم رحمه الله (المتوفى سنة 664 هـ)([14]).

9. الحافظ ابن جبر رحمه الله (من أعلام القرن السابع للهجرة)([15]).

10. الشيخ الحر العاملي رحمه الله تعالى صاحب الوسائل المتوفى سنة 1104 رواه في جواهره([16]).

11. السيد هاشم البحراني رحمه الله (المتوفى سنة 1107 هـ)([17]).

12. العلامة المجلسي رحمه الله (المتوفى 1111هـ)([18]).

وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى.

ثانياً: رواية أهل العلم بالحديث والسير من مدرسة الخلافة لنزول جبرائيل وميكائيل لحفظ الإمام علي عليه السلام ليلة مبيته على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم


1. الثعلبي (المتوفى سنة 427 هـ) قائلاً: «ورأيت في الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده... إلى أن يقول: فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل عليهما السلام وساق الحديث»([19]).

أقول: وقول الثعلبي: (ورأيت في الكتب).

دليل قوي على انتشار هذا الحديث في مصنفات علماء المسلمين إلا ان يد السياسة الجائرة والمتزلفة لحكام بني أمية ومن سار على نهجهم منعت وصول هذا الحديث إلى اسماع كثير من الناس وفضلاً عن هذا الحديث وغيره مما يتعلق بفضائل أهل البيت عليهم السلام ما زال محجوباً عن الناس ومخزوناً في المخطوطات التي يتعمد أرباب المكاتب العامة والمشرفون عليها عدم إخراجها للنور ناظرين في ذلك إلى الجانب المادي وما غلا سعره دون النظر إلى ما ينفع الناس والذي فيه رضا الله تعالى.

2. الحاكم الحسكاني (من أعلام القرن الخامس للهجرة) أخرجه في الشواهد مسندا، فقال: أخبرنا أبو سعد السعدي بقراءتي عليه من أصل سماعه بخط السلمي قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن زكريا الطحان ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن احمد البذوري قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن أحمد الملطي قال: حدثنا سعيد بن عبد الله الرفاء قال: حدثنا علي بن حكام الرازي عن شعبة عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد الغار، بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل: إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأوحى الله إليهما فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟

فكلاهما اختارها وأحبا الحياة، فأوحى الله إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يابن أبي طالب، الله عز وجل يباهي بك الملائكة فأنزل الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)([20]))([21]).

أقول: لقد أوردت الحديث بتمامه كي يطلع القارئ على تطابق المتن مع ما أورده أهل العلم بالحديث والسير في مصنفاتهم، وان هذا الحديث له إسناد آخر أورده الحاكم الحسكاني عن أبي سعيد الخدري في حين كان للحديث إسناد آخر إلى أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

3. أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505هـ) أورد الحديث بدون ذكر السند وهو طابعه في إيراد الأحاديث في الأحياء غالباً([22]).

4. الفخر الرازي، إمام المفسرين عند أهل السنة والجماعة (المتوفى سنة 606 هـ) وقد أورد الحديث بحذف السند مع اختصار في المتن([23]).

5. الحافظ ابن الأثير (المتوفى سنة 630 هـ) وقد اسند الحديث إلى الثعلبي المفسر([24]).

6. الحافظ محمد بن أحمد بن الشهاب الدمشقي (المتوفى سنة 871 هـ) وقد أورده في جواهره نقلاً عن الغزالي([25]).

7. المؤرخ اليعقوبي (المتوفى سنة 292 هـ)([26])، رواه في تاريخه.

8. إبن حجة الحموي (المتوفى سنة 767 هـ)([27])، وقد أورده في الثمرات.

9. العاصمي([28]) المكي الشافعي (المتوفى سنة 1111هـ) وقد أورده في تاريخه سمط النجوم.

10. الدياربكري (المتوفى 966 هـ)([29])، وقد أورده في تاريخه.

11. الزبيدي الحنفي([30])، وأورده في الإتحاف.

12. القاضي التنوخي (المتوفى سنة 327 هـ)([31])، وقد أورده في المستجاد.

13. الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي (المتوفى سنة 806 هـ) شيخ ابن حجر والهيثمي، قال في تخريجه لأحاديث الاحياء حينما تناول الحديث المذكور أعلاه: (رواه احمد مختصراً عن ابن عباس).

ولم يقم الحافظ العراقي بتكذيب الحديث كما كذب ابن تيمية على المسلمين فقال: كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير([32]).

14. ابن الصباغ المالكي (المتوفى سنة 855)([33])، وقد رواه في الفصول.

15. القندوزي (المتوفى سنة 1294 هـ)([34])، وقد رواه في الينابيع.

فهؤلاء جميعاً قد رووا الحديث في كتبهم فإما انهم ليسوا من أهل العلم وإما ان ابن تيمية كذب عليهم؛ وإما ان أهل العلم لم يتفقوا أصلاً في هذا الحديث ومن ثم يكون ابن تيمية كاذباً أيضاً.

فضلاً عن ذلك فقد اعتمد ابن تيمية طريقة شيطانية ماكرة، فقد مكر في الجمع بين سبب نزول الآية المباركة في علي بن أبي طالب عليه السلام، مع هذا الحديث الذي ينص على نزول الملائكة لنصرته ليرد الآية عن علي عليه السلام حينما جعل سبب النزول محصوراً في نزول جبرائيل وميكائيل ليلة المبيت على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس في قيام علي عليه السلام في فداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه كي ينصرف ذهن القارئ أو السامع إلى أن هذه الآية ليست من الآيات التي تتحدث عن فداء علي للنبي بنفسه، فضلاً عن نفي الحادثة من الأصل، لكن فات على ابن تيمية أن هذا المكر لا يصمد أمام مكر الله تعالى بالذين كذبوا بآيات الله والذين يصدون عن سبيله فسرعان ما يفضحهم ويخزيهم في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.


..........................................................
الهامش:

([1]) سورة البقرة، الآية: 207.

([2]) السيرة الحلبية: ج2، ص192.

([3]) سورة البقرة، الآية: 207.

([4]) سورة الأعراف، الآيتان: 16 ــ 17.

([5]) المسوعة العربية العالمية، الخوارج: ص1.

([6]) فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة الكوفي: ص181.

([7]) الأمالي للشيخ الطوسي: ص463.

([8]) خديجة بنت خويلد أمّة جُمعت في امرأة: ج1، ص88 ــ 89.

([9]) مناقب آل أبي طالب للمازندراني: ج1، ص340.

([10]) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف للسيد ابن طاووس: ص37؛ وذكره أيضاً في تفسير سعد السعود: ص216.

([11]) مجمع البيان في تفسير الميزان للشيخ الطبرسي: ج2، ص57.

([12]) تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين للمحسن ابن كرامة: ص24.

([13]) خصائص الوحي المبين للحافظ ابن البطريق: ص120.

([14]) الدر النظيم لابن أبي حاتم: ص321.

([15]) نهج الإيمان لابن جبر: ص305.

([16]) الجواهر السنية للحر العاملي: ص308.

([17]) حلية الأبرار: ج1، ص129.

([18]) بحار الأنوار: ج19، ص87.

([19]) تفسير الثعلبي: ج2، ص126.

([20]) سورة البقرة، الآية: 207.

([21]) شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج1، ص125، حديث رقم 133.

([22]) إحياء علوم الدين حامد الغزالي: ج3، ص258.

([23]) تفسير الرازي: ج5، ص224.

([24]) اُسد الغابة: ج4، ص25.

([25]) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لابن الدمشقي: ج1، ص219.

([26]) تاريخ اليعقوبي: ص119.

([27]) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي: ج1، ص219.

([28]) سمط النجوم العوالي للعاصمي: ص146.

([29]) تاريخ الخميس: ج1، ص325، ط المطبعة ا لوهبية بمصر سنة 1283.

([30]) اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ج8، ص202، ط الميمنية بمصر.

([31]) المستجاد للقاضي التنوخي: ص1.

([32]) تخريج أحاديث الاحياء للعراقي: ج7، ص399؛ الابتلاء سنة الهية لعلي سباط: ج6، ص10؛ سبيل المستبصرين للدكتور صلاح: ج16، ص9.

([33]) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ج1، ص294.

([34]) ينابيع المودة للقندوزي: ج1، ص275، الباب الحادي والعشرون.

قصة استبصار السيد إدريس الحسيني المغربي

الولادة والمدينة

ولد عام (1967م) بمدينة (مولاي إدريس) المغربية، وترعرع في مدن المغرب: القصر الكبير، مكناس، الرباط، وذلك نتيجة الظروف التي كانت تحدّدها وظيفة والده في وزارة الفلاحة.


الأجواء التي ترعرع فيها

نشأ السيّد إدريس في أوساط عائلية وبيئة اجتماعية منحته منذ البداية الثقة بالنفس والعقلية المنفتحة والواعية نتيجة هيمنة قانون حرّية الرأي وحرّية الفكر فيها، فكان متحرّراً من كلّ فكر عقائدي في بيئته ولم يواجه أيّ لون من ألوان الأزمة في الحرّية.

فيقول السيّد إدريس في هذا المجال: (إنَّني لم أنشأ في أسرة تضرب أبناءها إطلاقاً، لأنَّ المغاربة لا يعرفون كيف يضربون أبناءهم. وهذه الحرّية العقائدية في بيتي ساعدتني على أن أدخل في معترك الاختيارات الفكرية من دون مسبقات).

كما أنَّ دولة المغرب بنحو عامّ كما يصفها السيّد إدريس بلد يتمتَّع بمجتمع مدني، وفيه أن تختار فكراً لا يعني أنَّ المسألة أصبح لها مدلولاً طائفياً، كما هو الوضع في بلدان أخرى، بل الكلّ حرّ في أن يختار طريقته من دون أن يذهب به ذلك إلى الإخلال بالأمن العامّ.

وفي هكذا أجواء ترعرع السيّد إدريس متَّسماً بالعقلية المتفتّحة والناقدة، فنما لديه طموح البحث في الفكر الإنساني على نحو عام والفكر الإسلامي على نحو خاص، وهذا هو الطموح الذي ظلَّ يراوده منذ الصبا والذي دفعه ليجتاز العقبات كلّها التي اعترته من أجل تحقّقه.

بداية الرحلة الجادّة في البحث

أدرك السيّد إدريس في بداية توجّهه للبحث أن ليس ثمَّة شيء في الدين إلاَّ وله علاقة بالتاريخ، وأنَّ ما تملكه اليوم الأمّة الإسلاميّة من عقائد وأحكام وثقافات كلّها جاءت عن طريق الرواية، فلهذا ينبغي أن يكون التاريخ هو أحد المصادر العلمية المهمّة. فتوجَّه السيّد إدريس إلى الأبحاث التاريخية بصورة موضوعية ومن دون تحيّز أو تعصّب لاتّجاه معيَّن.

مرحلة اجتياز العقبات

أوّل عقبة واجهها السيّد إدريس في مسيرته تحذير بعض العلماء له من البحث في القضايا التاريخية القديمة، محتجّين لذلك بأنَّ هذا الأمر باعث على الفتنة وأنَّه يورث الباحث شبهات توجب تزلزل بنيته العقائدية.

لكن السيّد إدريس سرعان ما تمكَّن من اجتياز هذه العقبة، فلم يتقبَّل هذه الفكرة، فيقول في هذا المجال: (لقد تحوَّل البحث عن الحقيقة، فتنة في قاموس هذا الصنف من الناس، وكأنَّهم يرون البقاء على التمزّق الباطني، حيث تتشوَّش الحقيقة وتغيب، أفضل من الافصاح عن الحقّ الذي من أجله أنزل الوحي، وكأنَّ مهمّة الدين هو أن يأتي بالغموض، وكأنَّ الله عز وجل أراد أن يبلبل الحقائق).

وكانت العقبة التالية أمامه هي قداسة بعض الشخصيات، لكن بعد عزمه على معرفة الحقّ أدرك أنَّ الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال من دون استثناء، وأنَّه لا بدَّ أن يوطّن نفسه ويهيّئها للطوارئ في معترك التنقيب عن الحقائق الضائعة. فلهذا لم يفسح المجال لأيّ قداسة مزعومة أن تجمّد فكره في مجال البحث عن الحقيقة.

وبهذه العقلية خاض السيّد إدريس غمار البحث، واستغرقت رحلة بحثه مدّة طويلة عاشها بين أنقاض التاريخ المدفون.

ويقول السيّد إدريس: (لقد قمت بكلّ ما يمكن أن يفعله باحث عن الحقيقة، ومصرّ على المضي في دربها المضني والوعر).

بداية تعرّفه على التشيّع

يقول السيّد إدريس: (وقع في يدي كتابان يتحدَّثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكنت لأوّل مرَّة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاصّ مناقضة تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها، لم أكن أعرف أنَّ صاحب الكتاب رجل شيعي، لأنَّني ما كنت أتصوَّر أنَّ الشيعة مسلمون! فكانت تختلط عندي المسألة الشيعية بالمسألة البوذية أو السيخية!).

ومن هنا تفتَّحت ذهنية السيّد إدريس فتعرَّف على بعض ورؤى التشيّع أفكاره فتبادر إلى ذهنه: لماذا هؤلاء شيعة ونحن سُنّة؟

ويقول السيّد إدريس: (تحوَّل هذا السؤال في ذهني إلى شبح، يطاردني في كلّ مكان، فتجاهلت الأمر في البداية وتناسيته حتَّى أخفّف عن نفسي مضاضة البحث، بيد أنَّ ثقل البحث كان أخفّ عليَّ من ثقل السؤال وأقلُّ ضغطاً من الحيرة والشكّ المريب).

ومن هذا المنطلق قرَّر السيّد إدريس ولأجل التخلّص من هذا الضغط النفسي أن يزوّد فكره بالجديد حتَّى يحسم مسلّماته الموروثة، لأنَّه أدرك عدم قيمة أفكار تتراكم في ذهنه من دون أن تبلور عنده أساس عقائدي متين.

فلهذا قرَّر السيّد إدريس أن يتوجَّه إلى معرفة الفكر الشيعي من أجل الإلمام بالفوارق بينه وبين الفكر السُنّي.

ثمار الانغماس في التراث الشيعي

لم تمض مدة قصيرة من دراسة السيّد إدريس للتراث الشيعي إلاَّ وأدرك أموراً خطيرة قلبت عنده الموازين، وكان منها وعيه بأنَّ الوضع السُنّي لا يجد حرجاً في أن يملي على أتباعه صورة مشوّهة عن معارضيه وأنَّه لا يستحي من الله ولا من التاريخ في تغذيته نزعة التجهيل والتمويه لمنتميه.

ويقول السيّد إدريس: (وفجأة وجدت نفسي مخدوعاً).


وانتفض ضميره قائلاً: (لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس كما هي في الواقع؟ لماذا يتعمَّدون إبقاءنا على وعينا السخيف؟).

فقرَّر السيّد إدريس أن يبحث عن الحقّ الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي، وكان من أكبر الأحداث التاريخية التي تركت الأثر العميق في وجدانه هي فاجعة الطفّ الدامية، ومنها عرف أنَّ هذا الظلم الذي يشكو منه اليوم ليس جديداً على الأمّة، وأنَّ الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسَّسه أفراد كانوا يشكّلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمّة من آل البيت عليهم السلام.


عقبة أحقّية الأكثرية

يقول السيّد إدريس: (كنت كلَّما طرحت سؤالاً على نفسي، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول لي: دع عنك هذا السؤال، فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك، وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتَّى تحسم في هذه المسألة؟).

ويضيف: (كنت أعلم أنَّ هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوَّة والإلحاح).

وعلى كلّ حال لم تكن هذه الاعتراضات بذلك المستوى الذي تردع السيّد إدريس عن اندفاعه إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المستورة.

ولقد حزَّ في نفسه هذه الكثرة الغالبة، حيث إنَّها كبرت في عينه وصعب عليه مخالفتها، بيد أنَّ شيئاً واحداً جعله ينتصر عليها وذلك بإيمانه بأنَّ الأكثرية فقط لا يمكنها أن تمثّل الحقيقة، ولا يسع في البحث الموضوعي عدّ الأكثرية ملاكاً لمعرفة الحقّ، وهذا ما جعله يتمكَّن من الصمود أمام الأمواج البشرية الهائلة التي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها.

ويقول السيّد إدريس: (كنت أطرح دائماً على أصدقائي قضيّة الحسين عليه السلام المظلوم، وآل البيت عليهم السلام... فأنا ظمآن إلى تفسير شافٍ لهذه المآسي... كيف يستطيع هؤلاء السلف (الصالح) أن يقتلوا آل البيت عليهم السلام تقتيلاً!؟ لكن أصحابي، ضاقوا منّي وعزَّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة).

ويضيف السيّد إدريس: (من هنا بدأت قصَّة - الحركة نحو الاستبصار - وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقادية صلبة. أنَّني لست من أولئك الذين يحبّون أن يخدعوا أو أن ينوّموا، لا، أبداً، لا أرتاح حتَّى أجدّد منطلقاتي، وأعالج مسلّماتي، فلتقف حركتي في المواقف، ما دامت حركتي في الفكر صائبة).

ومن هنا شدَّ السيّد إدريس عزمه لمواصلة طريق البحث مهما كانت النتائج، كما أنَّه أدرك بأنَّ هذا الطريق وعر، تتجلّى فيه أقوى معاني التضحية، وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعاً. لأنَّ أئمّة هذا الطريق ما ارتاح لهم بال ولا قرَّ لهم جنان، حتَّى يُتّموا، وذُبحوا، وحُوربوا عبر الأجيال!

فأدرك السيّد إدريس مدى قيمة الحقيقة في حسبان الباحثين عنها، وأدرك مدى الجهد الذي ينبغي بذله لخلع جبّة التقليد عن نفسه، واختراق الجدار السميك من الضلالات والأعراف والتقاليد.

فعدَّ لنفسه العدّة المطلوبة لهذه الرحلة الفكرية، فكانت نتيجة هذا الجهد الذي بذله في البحث هو انجلاء تلك الصورة التي ورثها عن الشيعة، وحلَّ محلّها المفهوم الموضوعي الذي يتأسَّس على العمق العلمي المتوفّر في الكتابات التأريخية. كما تبيَّن له أنَّ مذهب أهل البيت عليهم السلام هو أوّل مذهب في الإسلام، وهذا لا يعني أنَّ الشيعة انفردوا عن غيرهم بطريقة ابتدعوها، ولكنَّهم احتفظوا بموقعهم الأصيل الذي عُرفوا به، هذا في الوقت الذي شردت فيه جميع الملل والنحل، وتفرَّقت تبتغي الحقّ عند غير أهله.
اتّخاذ الموقف النهائي

يقول السيّد إدريس: (في اللحظات التي ظهرت لي الأحداث على حقيقتها، قامت - فوراً - حرب بين عقلي ونفسي، فالنفس عزَّ عليها اقتلاع (ضرس) العقيدة السابقة، والعقل عزَّ عليه أن يتغاضى عن الحقائق الواضحة القطعية، فإمَّا أن أتَّبع طريقاً موروثاً، وإمَّا أن أسلك سبيل القناعة ونور العقل).

ويضيف: (كان هذا أخطر قرار اتَّخذته في حياتي، لكي أنتقل بعدها إلى رحاب التحدّيات الفكرية والاجتماعية).

ومن هنا استقرَّ المقام بالسيّد إدريس في هدى الأئمّة الأطهار، فأعلن تشيّعه في المغرب ثمّ هاجر إلى سوريا من أجل الالتحاق بالحوزة العلمية في دمشق. فتلقّى دراسته الحوزوية على يد جملة من المشايخ والعلماء، وما يزال متابعاً لدراسته إلى جانب مزاولة التدريس بالحوزة العلمية، إضافة إلى عمل الصحافة والكتابة الأخرى.

وقد تبلور عند الأستاذ اتّجاهين في رحاب العلم والمعرفة:

الأوّل: الاهتمام بالمباحث المعاصرة والجديدة والحديثة التي تطرح بكثافة في ساحة المغرب.

الثاني: هو الاهتمام بالمباحث الدينية والمذهبية التي بدأ يتلقّاها على أيدي أساتذة الحوزة العلمية التي انتسب إليها.

وقد أبدع الأستاذ في نتاجاته في كلا الاتّجاهين، فألَّف بعض الكتب فيما يخصّ المباحث الدينية مثل كتاب (لقد شيَّعني الحسين)، وكتاب (الخلافة المغتصبة)، وألَّف جملة من الكتب تدور حول الأفكار والرؤى المعاصرة ككتاب (محنة التراث الآخر).

مؤلّفاته

1 - لقد شيَّعني الحسين عليه السلام (الانتقال الصعب في رحاب المعتقد والمذهب)، صدرت الطبعة الأولى عام (1414هـ/ 1994م) عن دار النخيل للطباعة والنشر/ بيروت، ترجمه مالك محمودي إلى اللغة الفارسية تحت عنوان (راه دشوار از مذهب به مذهب) وصدرت الترجمة عام (1416هـ) عن دار القرآن الكريم/ قم.

2 - الخلافة المغتصبة (أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ)، صدرت الطبعة الأولى عن دار الخليج، والطبعة الثانية عام (1416هـ) عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر/ بيروت.

3 - هكذا عرفت الشيعة (توضيحات وردود)، صدر عام (1418هـ) عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر/ بيروت.

4 - محنة التراث الآخر (النزعات العقلانية في الموروث الإمامي)، صدر عن دار الغدير/ بيروت سنة (1419هـ).

5 - حوار الحضارات، صدر عن المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ المغرب/ الطبعة الأولى/ عام (2000م).

6 - المفارقة والمعانقة (سؤال المقابسة في قرن جديد، رؤية نقدية في مسارات العولمة وحوار الحضارات)، صدر عن المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ المغرب/ الطبعة الأولى/ عام (2001م).

المقالات

1 - في نقد الأسطورة السبئية، نشرتها مجلَّة المنهاج التي تصدر عن مركز الغدير/ بيروت/ العدد الثالث/ خريف (1417هـ/ 1996م).

2 - الجابري.. واللامعقول الشيعي، نشرته مجلَّة المنهاج/ العدد الثامن/ شتاء 1418هـ/ 1997م.

3 - الأنطولوجيا المشّائية في أفق انفتاحها، ومقاربة لنظرية الوجود عند صدر المتألّهين الشيرازي، نشرته مجلَّة المنهاج/ العدد التاسع/ ربيع 1418هـ/ 1998م.

4 - مع ابن تيمية في ردوده على المنطقيين، نشرتها مجلَّة المنهاج/ العدد الرابع عشر/ صيف (1420هـ/ 1996م).

5 - آفاق النهضة في الفكر العربي المعاصر وجدلية العلاقة مع الغرب من منظار نقدي، نشرتها مجلَّة البصائر/ بيروت/ العدد 10/ ربيع (1413هـ/ 1993م).

6 - المقبول واللامقبول في (أصوليات) روجيه غارودي، نشرته مجلَّة البصائر/ العدد 10/ ربيع (1413هـ/ 1993م).





من هو الرجل الذي أتى المشركين ليلة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرهم أنه قد خرج فأخفاه الرواة وتكتموا عليه؟

بقلم: السيد نبيل الحسني

إن مما يستوقف الباحث في حديث الهجرة ويجعله يطيل الفكرة هو وجود حلقات فارغة تضاربت فيها أحاديث الرواة، فمنها:

1ــ ما أخرجه ابن اسحاق المطلبي عن محمد بن كعب القرظي ــ في قوله ــ: (فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا محمدا، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟

فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: والله إنّ هذا لمحمدٌ نائماً عليه برده)([1]).

والسؤال الذي يستوقف الباحث هو: (من هذا الشخص الذي أتى فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولماذا لم يصرح الراوي به؟! ولم يعرّف بشخصه؟!).




ثم نعت الراوي لهذا الآتي بقوله: (ممن لم يكن معهم) يثير في الذهن العديد من الأسئلة؟!

لأن الكلام الذي نطق به هذا الرجل، المتمثل:

1. بالوصف الدقيق لما جرى لهم.

2 . اعطائهم الدليل على صدق ما يقول لهم من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

3 . قيامهم هم أنفسهم بالتحقق مما يقول فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا التراب وتبين لهم صدق قوله: (إن النبي قد وضع على رؤوسهم التراب).

كل هذا يدفع الباحث والمحقق في السعي بين أسطر المصادر ليجد الإجابة على هذه الأسئلة ولكي تكتمل له الصورة الحقيقية التي عمد البعض على إخفائها وتغييرها.

ثم ما هي مصلحة هذا المتكلم؟ ولماذا يعطيهم دليلا على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ولولا رؤيتهم الإمام علياً عليه السلام نائما في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وظنهم أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكانوا قد لحقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ساعتهم.

وعليه: فإن هذا القول لا يصدر إلا من ثلاثة:

أولا: إما أنه طرف محايد لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أي لا مع المسلمين ولا مع المشركين، وكأن هذا الرجل يراقب الوضع عن كثب ودقة متناهية، فرأى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نثر على رؤوسهم التراب، من غير أن يحسوا به فلما ابتعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فأخبرهم الخبر!!

وهذا القول لا دليل عليه، بل إنه يتعارض مع السرية الكبيرة التي أحاطت بهذه المهمة التي عزمت عليها بعض رجالات قريش، والطرف المحايد لا يطلعه أحد على مقرراته وأسراره، فلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أطلعه لأن ذلك فيه حياته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قريش أطلعته على ما نوته لأن في ذلك إفشالاً لمخططها ووصول الخبر إلى بني عبد مناف وإلى المسلمين.

ثانيا: وإما أن هذا الرجل كان في السر مع قريش، وفي العلن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعرف ما هم عازمون عليه، بل إنهم أطلعوه على ما هم عازمون القيام به، ولكنه وقف جانبا ينظر لمن الغلبة ليميل مع الذين غلبوا.

لاسيما وان قول الراوي: (فاتاهم آت ممن لم يكن معهم) ينص على انه من ضمن هذه المجموعة التي عزمت على قتل النبي صلى الله عليه وآله، وخططت لذلك في دار الندوة.

وهذا متعذر علينا معرفته لأن الرواة لم يذكروا اسمه، أو أنهم ذكروه لكن ابن إسحاق لم يصرح به، أو أنه صرح به ولكن ابن هشام حذفه من السيرة، رعاية للمشاعر لأن ذكره يسوء الناس، وبهذه الحال يكون تشخيصه مجهولا.

وأما ثالثا: إن هذا الرجل كان يخفي إيمانه تقية ففي السر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي العلن مع قريش؛ لكن هذا الأمر يمنعه من إخبارهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه مؤمن به فكيف يريد له الهلاك؟!

وعليه: من يكون هذا الآتي الذي أتى لطغاة قريش وسألهم عن وقوفهم فأخبروه بما يريدون ثم أخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

وإلاّ ما معنى: كلامه معهم قائلاً: (ما تنتظرون هنا؟ قالوا: محمداً، فقال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه التراب).

والغريب أن هذا الرجل لم يكتف بإخبارهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أعطاهم الدليل على خروجه صلى الله عليه وآله وسلم فمن هو؟!!

سنتعرف عليه من خلال المسائل القادمة:

المسألة الأولى: من علم بخروج النبي في هذه الليلة؟

قبل أن نبحث عن هوية هذا الرجل الذي أتى المشركين وقد تجمعوا حول بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يريدون قتله، فأخبرهم أنه قد خرج وقد ألقى على رؤوسهم التراب؛ ينبغي بنا أولاً أن نحدد الأشخاص الذين علموا بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد يكون أحدهم هو الذي تكلم مع المشركين.

قال ابن إسحاق: (ولم يعلم فيما بلغني، بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر)([2]).

أما علي، (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ فيما بلغني ــ أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس)([3]).

ثم لم يكمل ابن إسحاق ولم يمضِ في بيان الأسباب التي جعلت أبا بكر يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا أولاً.

وثانيا: انحصار الأمر بعلي بن أبي طالب عليه السلام وأبي بكر فيه مشكلة كبيرة لأبي بكر؟ لأن الذين علموا بخروج رسول الله كانوا ثلاثة، علي عليه السلام وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أطلعه على خروجه وطلب منه أن ينام في مكانه، و الرجل الثاني ــ الذي علم ــ فهو الآتي الذي أتاهم فكلمهم بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من داره والذي لم تعرّف الرواية باسمه، والثالث الذي علم بخروج النبي هو أبو بكر.

فإذن: قول ابن إسحاق وغيره من المؤرخين وكتّاب السيرة النبوية: (ولم يعلم بخروج النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم إلا علي وأبو بكر وآل أبي بكر)، يدل على أن الأمر قد انحصر في الإمام علي عليه السلام وفي أبي بكر وفي هذا الرجل الذي أتى المشركين ولم يكن معهم وفي آل أبي بكر، فأيهم كان قد أتى المشركين فأخبرهم؟! جوابه في المسألة الثانية.

المسألة الثانية: أنّ المتكلم خرج عليهم من الدار

إن من القرائن التي جرّتنا إلى التعرف على هوية الرجل الذي أتى المشركين هو المكان الذي قدم منه، فكان هذا المكان واحداً من ثلاثة، وهي كالآتي:

1ــ إما أنه خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

2ــ وإما من مكان قريب فكان يراقب الجميع، وهو محال؛ لسرّية الأمر وانحصاره بين المشركين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام وأبي بكر وكل منهم كان يحرص على السرية.

3ــ وإما من خارج قريش وهو محال؛ إذ الأمر حدد في الليلة نفسها في دار الندوة ولم يخرج إلى الخارج.

وعليه: فهو الأمر الأول: أي خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومما يدل عليه ما أخرجه الحافظ أن حبان البستي (المتوفى سنة 354هـ) في حديثه عن الهجرة على صاحبها وآله آلاف الصلاة والسلام، أن الرجل الذي كلمهم وسألهم عن سبب وقوفهم بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو رجل خرج عليهم من الدار وهذا نص قوله: «فخرج عليهم من الدار خارج فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا. قال: قد خرج عليكم، فانصرفوا يائسين ينفض كل واحد منهم التراب عن رأسه([4]).

وهنا السؤال المهم: من هو هذا الرجل الذي خرج من دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

والإجابة هي: إما أن يكون الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا لا يمكن نقلا وعقلاً؛ فأما في النقل فقد أجمعت مصادر الأمة؛ على أن المشركين ظلوا واقفين بباب الدار حتى الصباح، وأنهم حاولوا أن يخرجوا الإمام علياً عليه السلام من الدار أو حتى أن يكشف لهم عن البردة الخضراء التي كان قد تغطى بها، فلم يستطيعوا رغم ضربهم إياه بالحجارة وهو عليه السلام يتلوى ويتألم ولكن لم يمكنهم من معرفته.

وأما من الناحية العقلية فلو كان الإمام هو الذي خرج إليهم لكانوا صدقوه من فورهم؛ لأنهم سيرون فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاليا وليس فيه أحد، وأن الذي كان نائما هو الإمام علي عليه السلام، وعندها لفشلت خطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج ولحقوا به وتمكنوا من قتله.

بل إنّ الذي منعهم عن التصديق بقول هذا الرجل الذي خرج عليهم من الدار هو رؤيتهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نائماً في فراشه فردوا عليه قائلين: (والله إنّ هذا لمحمد نائماً، عليه بردة( فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا([5])).

وأجمل ما قيل في هذا: ما أخرجه إمام الحنابلة بقوله: (وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([6]).

إذن:
لا يمكن، بل من المحال أن يكون هو الإمام علياً عليه السلام.

وأما أن يكون هذا الخارج هو أبا بكر كما ذكرت كثير من المصادر الإسلامية أنه دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة نفسها وبعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من داره وقد أحاطت قريش به تريد قتله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا فضلا عن انحصار معرفة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم به وبالإمام علي عليه السلام؛ ومما يدل عليه، نورده في المسألة الآتية.

المسألة الثالثة: أبو بكر جاء إلى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة خروجه

لقد أوردتْ كثير من المصادر الإسلامية أن أبا بكر جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة نفسها التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنه، فدخل الدار وعلي عليه السلام نائم فقال: يا نبي الله، وأبو بكر يحسبه أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار([7]).

وبهذه الحال لا يمكن أن يكون أبو بكر قد دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ير هذه الجموع التي ذكر بعضهم أنهم كانوا مائة رجل، وقد استدل به البيهقي في الدلائل([8]) وهو العدد الذي اعتمده الحافظ النووي وعده من معاجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم([9]).

وذكر بعضهم: أن عددهم كان اثني عشر رجلا، وقيل كانوا خمسة، وحتى في هذه الحال فلا يمكن لأبي بكر أن يدخل ويخرج من بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يراه هؤلاء المجتمعون أمام البيت وهم يتربصون متى يخرج عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

كما لا يمكن أن يكون أبو بكر قد خرج ولم ير أحدا واقفاً بباب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وعليه: فإنهم قد رأوه ورآهم وحدثهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاهم الدليل على ما يقول.
المسألة الرابعة: لم يخرج أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقت واحد

أخرج ابن جرير الطبري: في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن أبا بكر لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقت واحد، بل إنه لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك بعد أن دخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنه فأخبره الإمام علي عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج، وهذا نص قوله:

فخرج أبو بكر مسرعا لحق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جرس أبي بكر في ظلمة الليل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشي، فانقطع قِبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفع صوته وتكلم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه([10])، وأخرجه ابن كثير مختصرا جدا([11]).

وهذه الرواية تفند ما ذكره الرواة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى إلى منزل أبي بكر وأصطحبه معه وإنهما خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته([12]).

ومما يدل على بطلان هذه الرواية أيضا:

ألف: لماذا يشق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه الخروج من فتحة صغيرة في أعلى الحائط لدار أبي بكر ولم يكن أحد ينتظره خلف الباب مثلما حدث له عند باب داره.

باء: لماذا لم يخرج صلى الله عليه وآله وسلم وبالطريقة نفسها التي خرج بها من داره مستعينا بالقرآن وبتلاوته آياته من أول سورة يس ونثره التراب على كل من يعترضه أليس هذا أفضل من التسلق والخروج من خوخة في ظهر بيت أبي بكر!؟ أم أن الآيات لا تجدي نفعا برفقة أبي بكر لأن تأثيرها منحصر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر ليس نبيا.

جيم: وإذا كان صلى الله عليه وآله وسلم لم يخفه وقوف المشركين خلف باب داره وبأيديهم السيوف وهم عازمون على قتله، فيخرج إليهم من باب الدار ويكلمهم، فما الذي يدعوه للخروج من فتحة صغيرة في أعلى الجدار وهو لم ينتظره أحد؟!

إلا أن يقال: إن أبا بكر كان مذعورا وخائفا وأنه امتنع من الخروج من باب الدار فأجبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يتسلق الجدار ليخرج من خوخة دار أبي بكر، وعندها سجل التاريخ هذه المنقبة لخوف أبي بكر.

أو أن الصحيح هو ما ذكره ابن جرير الطبري وغيره من حفاظ المسلمين: من أن أبا بكر لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن جاء إلى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل الدار فأخبره الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه خرج إلى غار ثور، فخرج مسرعا وفي أثناء خروجه أخبر قريشاً بأن النبي قد خرج.

دال: أما قول الراوي: (فسمع رسول الله جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام حتى أتاه)([13]).

فهذه الفقرة في الرواية جاءت لتغطي حقيقة التحاق أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لم يصطحبه أثناء خروجه ولكي لا يلتفت القارئ إلى هذه الحقيقة أضيفت إلى مقدمة الرواية هذه الفقرة التي أراد فيها الراوي تسجيل موقف حسن لأبي بكر ولو على حساب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه ــ مشفقاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخائفاً عليه، فكانت النتيجة، بأنها قد أساءت إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأساءت إلى أبي بكر وعابته.

أما إساءتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلأن الرواية قد أعطت صورة عن شخص الرسول الأقدس بأنه كان خائفا مضطربا لا يعلم من القادم وكأنه شخص ملاحق من السلطة وليس بنبي متصل بالفيض الأعظم، وهو الذي ينظر من خلفه وينكشف بنوره الظلام وغيرها، ومع هذا كله فقد أخرج البخاري في صحيحه رواية تعطي الصورة الحقيقية لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحاله الناطق بكونه نبيا لا يذعره جرس أبي بكر.

قال البخاري: في روايته عن سراقة بن جعشم وهو الذي لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر يريد أن يقبض عليهما لينال دية كل واحد منهما، قائلا، أي سراقة «فركبت فرسي تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات»([14]).

فهنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يلتفت؛ لأن الله لا يخذل رسوله وهو ليس من شأنه الخوف من المشركين ولا من صفاته الالتفات الذي يدل على الخوف وكثرة الالتفات تدل على كثرة الخوف كما هو حال أبي بكر.

أما كونها تسيء إلى أبي بكر فلأنه لم يكن بالمشفق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو صح ذلك لكان قد بادر إلى الكلام لكي يعلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ الفطنة والشفقة منه تدعوه للمبادرة بالتعريف عن نفسه أولا كي لا يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أن يحدث العكس كما تفيد الرواية بأنه ظل ساكتا والنبي يجري سريعا فينقطع قبال نعله ويصيبه حجرا فينفلق ابهامه فيكثر دمها، وهو مع هذه الحالة والألم والنزف ينظر إليه أبو بكر ولا يتكلم ولم يعرف بنفسه، حتى إذا ما أسرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بهذه الجراح ونزف الدماء، تكلم أبو بكر، فأي شفقة هذه؟! بل أي ألم ومشقة وأذى سببه أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! وذلك حسب ما جاءت به الفقرة الأخيرة من الرواية، التي لا نؤمن بها أصلا، لأنها تسيء إلى شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أوردناها لكي نلزم بها من يصوّر للقارئ الكريم صورة غير واقعية، صورة كتبت بتأثير السياسة والحصول على المال.


...................................................
الهامش:

([1]) السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 127. السيرة النبوية لابن جرير الطبري: ص 91.

([2]) راجع في انحصار العلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وأبي بكر ما يأتي: السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 129، ط دار القلم ــ بيروت؛ تاريخ الطبري: ج2، ص103؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج2، ص104؛ المواهب اللدنية للقسطلاني: ج 1، ص 219؛ السيرة النبوية لابن كثير الدمشقي الأموي: ج2، ص 234؛ الاكتفاء للكلاعي الاندلسي: ج 1، ص 443، ط النجاشي؛ السيرة النبوية لمغلطاي: ص 156، ط دار القلم؛ السيرة النبوية لدحلان: ج 1، ص 1007، ط الأهلية؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج3، ص318؛ امتاع الأسماع للمقريزي: ج9، ص198.

([3]) السيرة النبوية لابن هشام: ج 2، ص 129. السيرة النبوية لدحلان: ج 1، ص 322. السيرة النبوية للطبري: ص 96.

([4]) السيرة النبوية للحافظ ابن حبان البستي: ص 94، ط المكتب الإسلامي؛ الثقات لابن حبان: ج1، ص117.

([5]) السيرة لابن هشام: ج 2، ص 127. السيرة لابن كثير: ج 2، ص 230.

([6]) مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص348؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج7، ص27؛ فتح الباري لابن حجر: ج7، ص184؛ المصنف للصنعاني: ج5، ص389؛ السيرة لابن كثير: ج 2، ص239. السيرة لدحلان: ج 1، ص 305.

([7]) مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص331، من حديث عبد الله بن عباس؛ فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر: ج7، ص8؛ عمدة القاري للعيني: ج16، ص173. السنة لعمرو بن أبي عاصم: ص589؛ السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص114؛ المعجم الكبير للطبراني: ج12، ص77؛ تفسير ابن أبي حاتم: ج6، ص1800؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج7، ص374؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج 3، ص 133 عن ابن عباس. المناقب للخوارزمي: ص 73. التلخيص للحافظ الذهبي مطبوع بهامش المستدرك: ج 2، ص 133؛ تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص 34، تاريخ الطبري: ج 2، ص 100. شواهد التنزيل للحسكاني: ج 1، ص 99 و100 و101. خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي: ص 63، ط ــ النجف، مجمع الزوائد للهيثمي: ج 9، ص 120. ذخائر القربى للمحب الطبري: ص 87. كفاية الطالب للكنجي: ص 242. الفصول المهمة لابن الصاغ المالكي: ص 30. ترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي: ج 1، ص 186 و190. الرياض النضرة: ج2، ص 203.

([8]) دلائل النبوة للبيهقي: ج 2، ص 470.

([9]) السيرة النبوية للنووي: ص 58، ط دار البصائر. سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحافظ المقدسي: ص 60، ط مؤسسة الكتب الثقافية.

([10]) تاريخ الطبري: ج2، ص101؛ السيرة لابن جرير: ص 92.

([11]) ابن كثير في سيرته: ج 2، ص 235.

([12]) السيرة لابن هشام: ج 2، ص 130. السيرة لابن جرير الطبري: ص 92. السيرة لابن كثير: ج2، ص 234.

([13]) السيرة النبوية لابن جرير: ص 92، ط الدار المصرية.

([14]) صحيح البخاري: كتاب الأنصار، باب 45، حديث 3906. فتح الباري لابن حجر: ج 7، ص 302، ط دار الكتب العلمية.

قصة استبصار المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب

نشرت مجلَّة المنبر في العدد العاشر/ ذي الحجّة (1421هـ) خطاباً لأحمد حسين يعقوب يبيّن فيه كيفية استبصاره وانتمائه لمذهب أهل البيت عليهم السلام، جاء فيما نشرته المجلَّة: موضوع مجلَّة المنبر

لم يكن مناظرة عقائدية، أو شخصية علمائية، أو تباحثاً شخصياً، أو كتاباً شيعياً.. ذلك الذي دفع المحامي الأردني الشهير (أحمد حسين يعقوب) إلى التشيّع واعتناق عقيدة أهل البيت عليهم السلام، بل كانت الومضة الأولى التي قادته إلى هذا المعين العذب، كتاباً أفجعه، لكاتب سُنّي هو (خالد محمّد خالد)، الأديب المعروف.

(أبناء الرسول في كربلاء)، كان اسم هذا الكتاب الذي وقعت عينا (أحمد حسين يعقوب) عليه، فقرأه بشغف، ليكتشف كيف أنَّ الظالمين وثبوا لتبديل شريعة الله تعالى، ومحو ذكر (محمّد وعلي) عليهما السلام، بما ارتكبوه من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، وإرهاب لم تعرف البشرية له مثيلاً، وبما رسَّخوه في أذهان العامّة من مضامين ثقافية جعلت الحلال حراماً والحرام حلالاً، وبدَّلت المعروف بالمنكر، وآل البيت بالصحابة!

إنَّه (الحسين).. سيّد الأحرار والشهداء عليه السلام، هو من فتح ذراعيه لـ (أحمد حسين يعقوب)، الذي ظلَّ يبكي ألماً ويئنُّ لوعةً، لما جرى على (أبي عبد الله عليه السلام)، فكان جرحه النازف ودمعه الهادر، طريقاً سلك به إلى برّ الأمان، حيث صاحب الزمان عليه السلام.

يتحدَّث المحامي الذي عاهد ربّه أن يدافع طوال حياته عن قضيّة أهل البيت عليهم السلام العادلة، عن قصَّته، وكيف تبيَّن له أنَّ شيعة آل محمّد عليهم السلام هم الفئة الناجية، كيف واجه المجتمع والناس، الذين اتَّهموه بالكفر والارتداد والرفض والمروق عن الملَّة والدين.

إنَّها كلمات يسردها (أحمد حسين يعقوب) صاحب كتاب (المواجهة) الذي حوكم بسببه، في خطاب خاصّ أرسله إلى (المنبر)، ها هو نصّه:

السيرة الشخصية للمحامي احمد حسين يعقوب

انتمي لعشيرة بني طه أبو عتمة إحدى بطون عشيرة العنوم، ولدت في كفرخل الواقعة شمال جرش عام (1939م)، متزوّج من امرأة واحدة ولي عشرة أولاد ذكور، وأربع بنات، حصلت على الثانوية العامّة من مصر، وأكملت دراسة الحقوق في جامعة دمشق، وسجَّلت للدراسات العالية / دبلوم القانون العامّ في الجامعة اللبنانية، وسجَّلت لدراسة الماجستير في جامعة الحكمة، كنت موظَّفاً ومعلّماً وخطيب جمعة ورئيس بلدية، وأنا أعمل في مهنة المحاماة منذ (17) عاماً.
كيف اهتديت؟

سافرت إلى بيروت لمناقشة بحث قدَّمته للجامعة اللبنانية عن رئاسة دولة الخلافة في الشريعة والتاريخ، وهو تقليدي من جميع الوجوه، ويحمل وجهة نظر العامّة ومعتقداتها في هذا المجال، وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) لخالد محمّد خالد، ومع أنَّ المؤلّف يتعاطف مع القتلة، ويلتمس لهم الأعذار، إلاَّ أنَّني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيت النبوّة وأصحابهم، وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحوّل في حياتي كلّها، وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب (الشيعة بين الحقائق والأوهام) لمحسن الأمين، وكتاب (المراجعات) للإمام العاملي، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوّة وأوليائهم، لقد تغيَّرت فكرتي عن التاريخ كلّه، وانهارت تباعاً القناعات الخاطئة كلّها التي كانت مستقرّة في ذهني، وتساءلت إن كانت هذه أفعال الظالمين بابن النبيّ وأهل بيته، فكيف تكون أفعالهم من الناس الاعتياديين؟

لقد أدركت بأنَّ الدولة التاريخية - وهي دولة عظمى - قد سخَّرت جميع مواردها ونفوذها من خلال برامجها التربوية والتعليمية لغايات قلب الحقائق الشرعية، وتسخير الدين الحنيف لخدمة وقائع التاريخ وإضفاء الشرعية على تلك الوقائع، وإظهار الدين والتاريخ بوصفهما وجهين لعملة واحدة.

وأنَّ الناس قد انطلت عليهم هذه الخطّة، فأُشربوا ثقافة التاريخ متصوّرين بحكم العادة والتكرار وتبنّي الدولة لهذه الثقافة، بأنَّ ثقافة التاريخ هي ثقافة الدين.

وبهذا المناخ الثقافي حملت الدولة التاريخية على أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وصوَّرتهم بصورة الخارجين على الجماعة، الشاقّين لعصا الطاعة، المنحرفين عن إسلام الدولة، وتقوَّلت عليهم ما لم يقولوه، ونسبت إليهم ما لا يؤمنون به، وصدَّقت العامّة دعايات الدولة ضدّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وتبنّى الأبناء والأحفاد ما آمنت به العامّة من دون تدقيق أو تمحيص، ولا دليل لا من كتاب الله ولا من سُنّة رسوله، لقد صارت كلمة الشيعة في أذهان العامّة مرادفة لكلمات الانحراف والكفر والخروج على الشرعية.

وتلك ثمرة من ثمرات الحملة التاريخية الظالمة التي شنَّتها الدولة على أهل البيت عليهم السلام عامّة، وعلى شيعتهم بشكل خاصّ. عندما أخذت الحقائق تنكشف رويداً رويداً خفَّفت الدولة من حملتها على أهل بيت النبوّة، ولكنَّها ضاعفت وكثَّفت حملتها على شيعة أهل البيت عليهم السلام.

الحقائق التي اكتشفتها

لقد تبيَّن لي أنَّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم موالاة حقيقية هم المؤمنون حقّاً، وهم الفئة الناجية، وهم شهود الحقّ طوال التاريخ، وأنَّ الإسلام النقي لا يفهم إلاَّ من خلالهم، فهم أحد الثقلين، وهم سفينة نوح وهم باب حِطّة، وهم نجوم الهدى، ولولاهم لضاع الإسلام الحقيقي ولما بقي للحقّ من شهود، لقد رفعوا لواء المعارضة طوال التاريخ، وتحمَّلوا في سبيل الله فوق ما يتحمّله البشر، حتَّى أوصلوا لنا هذا الدين الحنيف بصورته النقية الكاملة المباركة.

وباختصار شديد لقد اهتديت، وعرفت أنَّ لأهل بيت النبوّة قضيّة عالمية عادلة، وعاهدت ربّي أن أدافع عن هذه القضيّة ما حييت، فكانت كلّ مؤلّفاتي مرافعات ومدافعات عن عدالة هذه القضيّة، واستنهاضات للعقل المسلم خاصّة، وللعقل البشري عامّة، لينتقل من التقليد الأعمى إلى الإيمان المستنير المبدع.

أنا وأهلي والمجتمع

لقد اهتديت وأولادي والحمد لله، فصارت أفراح أهل البيت أفراحنا وأتراحهم أتراحنا، وأنا على بيّنة من ربّي، ولست معنيّاً بما يقوله المجتمع عنّي.

لقد وصفت الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمعات القديمة كلّها الرسل والأنبياء الكرام، بالمجانين، واتَّهمتّهم بالسحر والكهانة والشعر والكذب.. ولم يسلم خاتم النبيّين من هذه الأوصاف الظالمة! لقد بلغ العرب المدى عندما قالوا بأنَّ القرآن أساطير الأوّلين! ولكن بوقت طال أم قصر، سقطت أكاذيب الأكثرية من أبناء المجتمعات، وحصحص الحقّ، وبقيت الحقيقة الخالدة التي نادى بها النبيّون.

المطلوب أن أنجو بنفسي، ولا يضيرني عند الله إن ضلَّ ابني أو تنكَّر لي مجتمعي، ليقولوا: إنَّني كافر.. وإنَّني رافضي.. الخ، هم يعرفون أنَّني أُصلّي وأحجّ وأبكي من خشية الله، لقد كنت خطيبهم، وإمامهم في الصلاة، ورئيس بلديتهم، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاتّهامات وحقيقة الواقع!؟

تلك طبيعة المجتمع البشري

إنَّ فرعون كان يعتقد أنَّ حكمه وطريقته وعقيدته الفاسدة هي المثلى، وأنَّه كان يخشى أن يذهب موسى (بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى) (طه: 63)، كان يعتقد أنَّ دينه هو الصحيح، وهو يخاف من موسى أن ينجح بتبديل دين المجتمع، (أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) (غافر: 26)، كما يعتقد أنَّه مصلح، ويخشى أن يظهر موسى (فِي الأَْرْضِ الْفَسادَ) (غافر: 26)! لكن من يصدّق اليوم أنَّ فرعون مصلح، وأنَّ طريقته هي المثلى، وأنَّ موسى مفسد، حاشاه!؟ من يصدّق اليوم أكاذيب العرب بأنَّ القرآن أساطير الأوّلين!؟ بوقت يطول أو يقصر ستسقط الأكاذيب كلّها، وتزول الأصباغ الزائفة كلّها، وتظهر الحقائق الشرعية المجرَّدة، والخاسرون هم الذين يكذّبون على أنفسهم، ويسجنون أنفسهم وعقولهم في كهوف التاريخ ومغرة.

لقد أدمنت العامّة على ثقافة التاريخ، وبتعبير القرآن الكريم: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) (البقرة: 93)، واختلطت بدمهم ولحمهم، وهم يعتقدون بأنَّهم على الحقّ لأنَّهم الأكثرية، وأنَّ موالي أهل بيت النبوّة على الباطل لأنَّهم الأقلّية، ونادراً ما ينفع الجدل معهم، لأنَّهم قد اكتسبوا معتقداتهم بالوراثة والعادة، والعادة طبيعة ثانية، وإبطال مفعولها يحتاج عوناً من الله، ورغبة في التغيير، وجهداً عقلياً منظَّماً، وهم ليسوا على استعداد ليبذلوه، ولقد ساق القرآن الكريم نماذج رائعة من خلال جحد الأقوام لأنبيائهم ورسلهم، وفي هذه النماذج عبرة، قال تعالى: (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10).

التحريفات

لقد تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، وعمل أهل بيت النبّوة عليهم السلام وأوليائهم على حفظ بيان النبيّ لهذا القرآن، ومهما كانت قوّة الإعلام ومهما عظم المكر التاريخي فإنَّ دين الله الحنيف من الوضوح بحيث لا يخفى على عاقل، مع التمسّك بهذه المقدّمة، فقد جرت عدَّة محاولات للتحريف ولكنَّها كانت مكشوفة، من ذلك ما رواه الطبري في تاريخه عن حديث الدار وقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي: «إنَّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»([1]).

ثمّ اكتشف الطبري أو الناشرون في ما بعد خطورة هذا النصّ الشرعي على ثقافة التاريخ وبناها التحتية، فحذفوا كلمتي (وصيّي وخليفتي) ووضعوا بدلاً منهما: «إنَّ هذا أخي وكذا وكذا»([2])! هذا أنموذج للتحريف، وعندما ذكر ابن الأثير رسالة محمّد بن أبي بكر لمعاوية لم يذكر نصّ الرسالة، لأنَّها تكشف حقيقة معاوية وتاريخه، واكتفى بالقول بأنَّ فيها أموراً لا تحتمل العامّة سماعها([3])!

والثابت أنَّ البخاري لم يكن يكتب ما يسمعه من حديث الرسول مباشرة، إنَّما كان يسمع في بلد، ويصيغ ما يسمعه في بلد آخر، مراعياً في صياغته معتقدات الناس ونظرتهم للأمور، لقد صيغت الأخبار لتكون منسجمة مع الواقع التاريخي وغير متعارضة معه.

فالبخاري ومسلم وهما أصحّ كتب الحديث عند إخواننا أهل السُنّة يؤكّدان أنَّ اليهود قد سحروا الرسول بحيث يخيّل إليه أنَّه قد فعل الشيء وما فعله([4])، وأنَّ الرسول كان قد نسي آية من القرآن الكريم فذكّره بها فرد اعتيادي من الناس([5])، وأنّ الرسول كان يفقد السيطرة على أعصابه فيسبّ ويشتم ويلعن الناس بلا سبب([6])... الخ! وتلك تحريفات واضحة لتخدم وقائع التاريخ، لأنَّ القرآن الكريم يؤكّد أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، وأنَّ الرسول على خُلُق عظيم، وما رواه البخاري ومسلم يناقض القرآن الكريم، والسيرة النبوية المطهَّرة، وفي كتابي (المواجهة) تصدَّيت لهذه الترّهات، وبيَّنت الغاية الحقيقية من اختراعها.

وإن تعجب - لا أراك الدهر عجباً - فاعجب بربّك من أحد مشركي مكّة، دعاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتناول الطعام عنده، فرفض هذا المشرك أن يأكل من طعام الرسول بحجّة أنَّه لا يأكل إلاَّ ما ذكر اسم الله عليه! وإن كنت في شكّ من هذا فارجع إلى صحيح البخاري، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والأصنام([7])! وعلى أيّ حال فقد ناقشت أساس مثل هذه الأمور في كتابي (أين سُنّة الرسول وماذا فعلوا بها؟!).

عندما يكون المرء شيعياً

عندما يكون المرء شيعياً، يعني إنَّه مؤمن حقيقي، يسير على خطى الرسول وأهل بيته الطاهرين، قانونه النافذ عليه هو كتاب الله وبيان النبيّ لهذا الكتاب، وقيادته الشرعية الوحيدة هم أهل بيت النبوّة، يواليهم ويوالي من يواليهم، ويعادي من يعاديهم سواء أكان حيّاً أم ميّتاً.

كيف تعرف أنَّك شيعي؟

علاوة على التزامك الكامل بالإسلام اسأل نفسك، لو كنت موجوداً في زمن الإمام الحسين عليه السلام، هل كنت ستقف معه، وتقاتل دونه حتَّى تُقتل بين يديه؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فأنت من موالي أهل البيت حقّاً ومن شيعتهم، وإن تردَّدت فأنت بحاجة إلى تعمّق مفهوم الولاية في قلبك وذهنك.
الشيعة لا يوالون أهل البيت بطراً

الشيعة لا يوالون أهل بيت النبوّة بطراً ولا تشهّياً، لكنَّهم يوالون أهل البيت بناءً على أحكام شرعية وتنفيذاً لأوامر إلهيّة آخذة بالأعناق، لا مجال للفرار من تنفيذها، ويترتَّب على التنفيذ نتائج محورية ومنجية أو مدمّرة، فالهدى لا يُدرك إلاَّ بالتمسّك بالثقلين معاً، إنَّها أحكام شرعية يتوقَّف على تنفيذها اكتمال الإسلام والإيمان وبالتفصيل الوارد في أمكنته الشرعية.
مرتبة دينية وثقافية

الموالاة لأهل بيت النبوّة مرتبة ثقافية، وهي أعلى مراتب الوعي عند المسلم، إنَّها تمثّل النضج العقلي، بأرقى وأرفع صورة، إنَّها القدوة الصالحة، فأيُّ عاقل في الدنيا يترك آل محمّد ويقتدي بغيرهم؟ أصحاب المذاهب الأربعة من تلاميذ الإمام الصادق، ويتمنّون لو كانوا خدماً لعمداء أهل بيت النبوّة، والصحابة الكرام على مختلف طبقاتهم لا تصحّ صلاتهم إن لم يصلّوا فيها على محمّد وآل محمّد، إنَّ النصوص الشرعية آخذة بالأعناق، نحن لا نقلّل من أهمّية أصحاب المذاهب، ولا من أهمّية الشيخ حسن البنّا، أو ابن تيميّة، أو محمّد بن عبد الوهّاب أو غيرهم من قادة الفِرَق والأحزاب، لكن أيُّ أعمى قلب ذلك الذي يترك آل محمّد أعدال الكتاب ويتمسَّك بغيرهم من قادة الفِرَق والاتّجاهات والأحزاب!؟ بئس للظالمين بدلاً!
ضحايا التاريخ

طبعاً الجميع إخواننا، لنا ولهم كتاب، ونبيّ واحد، وقبلة واحدة، ودين واحد، ومن واجبنا أن نبذل كلّ ما بوسعنا وبالحكمة والموعظة الحسنة، لنضع تحت تصرّفهم الحقائق الشرعية والموضوعية المجرَّدة، وندلّهم على صراط الله المستقيم.

قصة استبصاره كما روتها مجلَّة العصر

نشرت مجلَّة العصر لقاءً مع أحمد حسين يعقوب في عددها (26) شهر رمضان (1424هـ)، وهذه مقتطفات ممَّا جاء في اللقاء:

سؤال: هل تسمح لنا بالحديث عن رحلتك مع أهل البيت عليهم السلام؟

جواب: أعتقد أنَّ الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام مرحلة من مراحل التكامل العقلي، وأعتقد أيضاً بأنَّ أيّ إنسان لو يترك نفسه على سجيّتها، ويبحث بحثاً علمياً مجرَّداً فإنَّه سيصل إلى نتيجة مفادها أنَّ الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام هو الحلّ، وهو الطريق السليم، ولو أنَّ الناس عرفوا حقيقة أهل بيت النبوّة عليهم السلام لدخلوا جميعاً في دائرة الولاء لهم عليهم السلام، ولو أنَّهم أحاطوا علماً بوجهة نظر أهل بيت النبوّة لتغيَّر مجرى التاريخ تماماً.

في الحقيقة أنا لم أصل إلى هذا الاعتقاد نتيجة نشاط عقلي، ولم يخطر في بالي هل أنّي على المذهب الحقّ؟ ولم أكن أُفكّر بالإجابة عن مثل هذا السؤال، لكن عندما ذهبت إلى بيروت لمناقشة رسالة بحث لدبلوم القانون العامّ، وبينما كنت أتجوَّل في الشارع رأيت رجلاً يبيع كتباً، فتناولت كتاباً اسمه (المراجعات) للسيّد عبد الحسين شرف الدين، وكتاباً آخر اسمه (الشيعة بين الحقائق والأوهام) حدث لي تحوّل، فعندما قرأت الكتابين أدركت أنَّ هنالك شيئاً مخفيّاً عن الناس، وهو أنَّ لأهل بيت النبوّة عليهم السلام فكراً كاملاً يغطّي ساحة الحياة، ولكن وسائل الإعلام طوال التاريخ طمسته وتجاهلته.

ومنذ ذلك التاريخ أخذت أقرأ وأقرأ وأقرأ، فتبيَّن لي تفاصيل مأساة كربلاء التي اكتشفت فظاعتها، إذ لو كان الإمام الحسين عليه السلام حبراً يهودياً أو عالماً مسيحياً لما فعل فيه ذلك الجيش الذي يدَّعي الإسلام ما فعله. ولما تصرَّفوا معه بهمجيّة بالغة. لقد أدركت عندما وقفت على كلّيات محنة الإمام الحسين عليه السلام وتفاصيلها في كربلاء أنَّ أهل بيت النبوّة عليهم السلام هم وحدهم القادرون على فهم الإسلام على حقيقته، ووحدهم المكلَّفون بقيادة العالم نحو الأفضل.. لقد صرت حينها أقرأ أو أكتب كلّ يوم ما بين العشر والاثنتي عشرة ساعة.. وأنا الآن ولله الحمد أقول - بغير ادّعاء-: بأنَّني على علم بالكثير من كلّيات قضيّة أهل البيت عليهم السلام العادلة وتفاصيلها.

سؤال: برأيك ما هي أهمّ الأسباب التي أدَّت إلى وقوع الاختلاف بين المسلمين؟

جواب: الاختلاف في المجتمعات يكون نتيجة أحد سببين: القيادة أو القانون، وقد حسم الله سبحانه وتعالى مسألة القيادة طوال عصر النبوّة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد، وهو المرجع، أمَّا مسألة القانون فإنَّ القرآن الكريم وبيان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتفسيره لهذا القرآن هما التشريع أو القانون النافذ.

وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنباء النبوّة والرسالة والكتاب، أعلن عن ولاية الإمام علي عليه السلام فقال أمام عشيرته الأقربين: «إنَّ هذا أخي وخليفتي ووصيّي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»([8]).

وشاءت العناية الإلهية أن لا يبقى لرسول الله ولد من صلبه، ويأمره الله سبحانه وتعالى أن يزوّج ابنته فاطمة عليها السلام المعروفة بسيّدة نساء العالمين مِن هذا الرجل الذي اختاره الله ليكون خليفة لنبيّه من بعده، فسيّدة نساء العالمين تتزوَّج سيّد المسلمين وسيّد العرب، الصدّيقة الطاهرة تتزوَّج وليّ الله الذي أعدَّه لقيادة مرحلة ما بعد النبوّة، ومن هذين الزوجين الطاهرين انبعثت القيادة للعالم أجمع.

لقد كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول للإمام علي عليه السلام أمام الصحابة: «أنت سيّد المسلمين»([9]).

ويقول أيضاً: «أنت راية الهدى ونور من أطاعني وإمام أوليائي»([10]).

أي كان يخلع على الإمام علي عليه السلام المصطلحات كافّة التي يخلعها الناس على الرئيس عادة، ويقدّمه بوصفه إماماً من بعده، ولم يفعل ذلك لأنَّه قريبه وابن عمّه، بل لأنَّ الله سبحانه وتعالى أمره بذلك، والذي أمره أيضاً بأن يعدّ هذا الإمام إعداداً تامّاً بحيث يكون هو الأفضل والأعلم والأتقى والأقرب، وهذا الأمر لا يجادل فيه أحد من المسلمين حتَّى الذين كرهوا الإمام علياً عليه السلام اعترفوا بأنَّه الأعلم، واعترفوا بأنَّه الأشجع والأقرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا حلَّت مسألة القيادة ومن قبلها مسألة القانون بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنَّ المسلمين لم يلتزموا بهما كاملاً، فوقع الاختلاف فيما بينهم.

سؤال: برأيك أين تكمن مواطن الضعف عند المسلمين على الرغم من الفكر الأصيل والتراث العظيم الذي يملكونه؟

جواب: موطن الضعف في المسلمين أنَّهم دائماً مع الغالب، فمن يغلب ينصاعون له، والمغلوب يتركونه. تلك السُنّة قد تعلَّموها من ثقافة التاريخ، فعندما تمكَّن يزيد بن معاوية من سحق المقاومة في المدينة المنوَّرة واستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سأل الناس أحد أقطابهم الروحية آنذاك: من يؤمُّ بنا؟ فقال: (نحن مع من غلب)([11])!

سؤال: كيف استطعت الجمع بين الأمور المختلفة التي مارستها في حياتك، مثل المحاماة والبلدية وإمامة المصلّين والخطابة والتأليف والتحقيق؟

جواب: أنا كنت إماماً وخطيباً معيَّناً من وزارة الأوقاف الأردنية وموظَّفاً، ثمّ أُحلت على التقاعد، وترشَّحت لرئاسة البلدية، ونجحت في الانتخابات، وبعد مدّة معيَّنة درست القانون وأصبحت محامياً وأستاذاً، واتَّخذت لنفسي مكتباً في جرش، وعندما تعرَّفت على معالم قضيّة أهل بيت النبوّة عليهم السلام توقَّفت عن ممارسة مهنة المحاماة، وتفرَّغت للبحث والدراسة والتحقيق، وكلّ هذا بفضل من الله ونعمه.

سؤال: في ضوء الإرهاصات العالمية والصحوة الإسلاميّة الشاملة للأمّة، ما هو الدور الذي يؤدّيه الولاء لأهل البيت عليهم السلام في مواجهة التحدّيات المعاصرة؟

جواب: الولاء لأهل بيت النبوّة عليهم السلام يؤهّل الإنسان لتحمّل المسؤوليّة، لأنَّ الولاء لهم قائم على الشرع الحنيف، وكلّ ما يقوله من رسول الله وهو من عند الله عز وجل، لذلك يفهم الناس من أهل بيت النبوّة عليهم السلام بقدر ما يستفيدون منهم، فهم كالنهر الصافي والجاري، يعرفه الذين يشربون منه أكثر من الذين يتفرَّجون عليه.. وعلى كلّ حال لن تكون هناك صحوة حقيقية إلاَّ باللجوء إلى أهل البيت عليهم السلام.

مؤلّفاته

1 - النظام السياسي في الإسلام (رأي الشيعة، رأي السُنّة، حكم الشرع)، صدر في طبعته الثانية عام (1412هـ) عن مؤسسة أنصاريان/ قم.

2 - نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام (رأي الشيعة، رأي السُنّة، حكم الشرع)، ترجمه إلى الفارسية محمّد قاضي زاده/ الناشر: اميد/ عام (1374هـ ش).

3 - مرتكزات الفكر السياسي (في الإسلام، في الرأسمالية، في الشيوعية)، صدر عن شركة شمس المشرق للخدمات الثقافية سنة (1413هـ).

4 - الخطط السياسية لتوحيد الأمّة الإسلاميّة، صدر عن دار الثقلين/ بيروت عام (1415هـ).

5 - طبيعة الأحزاب السياسية العربية (الأحزاب العلمانية، الأحزاب الدينية، معالم فكر أهل بيت النبوّة)، صدر عن الدار الإسلاميّة/ بيروت عام (1417هـ).

6 - الوجيز في الإمامة والولاية، صدر عن دار الغدير سنة (1417هـ).

7 - المواجهة مع رسول الله وآله (القصَّة الكاملة)، صدر عن دار الغدير في طبعته الثانية عام (1417هـ).

8 - مساحة للحوار، من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة، صدر عام (1418هـ) عن دار الغدير/ بيروت.

9 - كربلاء (الثورة والمأساة)، صدر عام (1418هـ) عن دار الغدير/ بيروت.

10 - الهاشميون في الشريعة والتاريخ، صدر في طبعته الثانية (1999م).

11 - حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، صدر عام (2000م) عن دار الملاك/ الأردن.

12 - أين سُنّة الرسول، وماذا فعلوا بها؟

13 - الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية، الطبعة الأولى/ 1421هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.

14 - المرجعية السياسية في الإسلام.

15 - مختصر المواجهة.

المقالات

1 - مفهوم الإمامة والولاية في الشريعة والتاريخ، نُشرت في مجلة المنهاج العدد الثالث/ خريف 1417هـ/ 1996م.

2 - الحزب الوحيد في القرآن الكريم، نُشرت في مجلة المنهاج/ العدد السادس/ صيف 1418هـ/ 1997م.

......................................
الهامش:

([1]) تاريخ الطبري 2: 63.

([2]) تفسير الطبري 19: 149/ ح 20374.

([3]) أنظر: الكامل في التاريخ 3: 273.

([4]) أنظر: صحيح البخاري 4: 91؛ صحيح مسلم 7: 14.

([5]) أنظر: صحيح البخاري 6: 110؛ صحيح مسلم 2: 190.

([6]) أنظر: صحيح البخاري 7: 157؛ صحيح مسلم 8 : 26.

([7]) أنظر: صحيح البخاري 6: 225.

([8]) تاريخ الطبري 2: 63.

([9]) المناقب للخوارزمي: 295/ ح 287.

([10]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 167؛ مطالب السؤول: 128.

([11]) أنظر: معالم المدرستين 1: 148، عن الأحكام السلطانية لأبي يعلى.