حرموا علينا ان نقول علي صلوات الله وسلامه عليه وصلوا على أبي بكر وعمر وعلى الجواري

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

من الغريب ان نرى المخالفين والمانعين من صلاة الشيعة الإمامية أعزهم الله على أئمتهم، وبعد ان وصفوهم كما عرفنا فيما سبق بأهل الأهواء واهل البدع، وألزموا على أتباعهم مخالفتهم، نراهم في كثير من كتبهم يصلون على أبي بكر وعمر ابن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر، وفيما يأتي جملة من تلك الموارد:

فمنها ما في كنز العمال قال: (من أهل حمص ذي ظليم الالهاني قدم على أبي بكر وقد كان النبي نعته له فعرف أبو بكر صلى الله عليه وسلم...)[1].

وقال الضحاك: (حدثنا محمد بن المثنى نا مسلم بن إبراهيم نا أشعث بن جابر عن الحسن قال ولي أبو بكر صلى الله عليه عشرين شهرا)[2].

قال الثعلبي في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[3]: (أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[4].

وقال محمد بن سعد: (أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب أسلم يوم فتح مكة ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم)[5].

وقال المزي: (العلاء بن عرار الخارفي الكوفي. روى عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب صلى الله عليه)[6].

وقال المزي أيضا: (وقال الحسين بن محمد بن فهم: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده حسن الجواري. قال: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها. فقلت يا أبا زكريا مثلك يقول هذا ؟ قال: نعم. صلى الله عليها وعلى كل مليح)[7].

فسبحان الله العظيم! كيف يمنعون الصلاة على علي وبقية أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع ان الرواية صريحة في دخولهم ضمن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصلون على الجواري وعلى كل مليح!!!.

ــــــــــــــ
[1] كنز العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 330 ــ 331.
[2] الآحاد والمثاني للضحاك ج 1 ص 85.
[3] الجاثية الآية رقم 14.
[4] تفسير الثعلبي ج 8 ص 359.
[5] الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج 5 ص 450 ــ 451.
[6] تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 528.
[7] تهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 561.

مناقشة ابن القيم في أفضلية عائشة على فاطمة عليها السلام وبيان فساد منهجه في التفضيل

بقلم: السيد نبيل الحسني

قال ابن القيم: (إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وان أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها)[1].

أقول: إن هذا التفريع في الواقع لا يقدم للقارئ شيئاً يعتد به، سوى الخروج بنتيجة يميل إليها الرافعي ويعتقد بها وهو ان عائشة أفضل من فاطمة صلوات الله وسلامه عليها معتمداً في ذاك على المراوغة والتضليل وهو يعلم علم اليقين ان لا فضيلة لامرأة في الأمة على فاطمة صلوات الله وسلامه عليها؛ فقد ثبت في القرآن والسنة ان فاطمة أفضل وأخير وأسيد نساء العالمين.

أما قوله: (إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه.... الخ) ــ ظناً منه ــ انه استطاع ان ينسب الفضل لعائشة على نساء الأمة فأضغاث أحلام لا تصمد أمام الأدلة الآتية:

ألف: قوله: «ان أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذاك أمر لا يطلع عليه أحد» فهو كذب وذلك:

1. إنّ التفضيل المستند إلى كثرة الثواب قد اطلع عليه الوحي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيانه لمناقب المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأنبياء والأولياء. كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي بن أبي طالب عليه السلام:

«لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله عليه».

وغيرها من الأحاديث الكاشفة عن منزلة بعض المهاجرين والأنصار.

2. إذا كان المناط عند ابن القيم في التفضيل بين عائشة وفاطمة صلوات الله عليها كثرة الثواب وهو أمر لا يطلع عليه أحد، فهذا جارٍ كذاك في جميع الصحابة من السابقين الأولين والمهاجرين والأنصار وأصحاب بدر وأحد وحنين وأصحاب بيعة الرضوان وغيرها.

فضلاً عن انه يكون قد رد على قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ...}[2].

فهذه المقامات التي يؤمن بها السلف والخلف كلها بحسب قاعدة ابن القيم لا أساس لها ولا فضل لمهاجري أو أنصاري أو بدري وذلك ــ وبحسب منهاج ابن القيم ــ ان الثواب لا يطلع عليه أحد؛ وان عمل هؤلاء غير مجزٍ لأنه عمل صدر عن الجوارح فهم لا يجازون عليه وإنما سيجازون على عمل القلوب!! فهذا بحسب منهج ابن القيم في التفضيل بين أصحاب الفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

باء. قوله: (وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة).

أقول: إن نظرة ولو سريعة إلى سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولاسيما المرحلة المدنية أي من السنة الأولى للهجرة إلى السنة الحادية عشرة ليدرك الناظر ان المدّة الزمنية التي  عاشتها عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي قصيرة جداً فيما لو أرجعنا الأمر إلى الأعداد وحساب الأيام التي كانت لها من بين تسع نساء لاسيما في السنوات الأخيرة.

بمعنى: لو أردنا أن نحسب عدد الأيام التي كانت لها من بين تسع أزواج لكان نصيبها يوماً واحداً من كل تسعة أيام فيكون لها ثلاثة أيام في الشهر وبضع ساعات ولو ضربناها في اثني عشر شهراً لكان نصيبها في السنة ستة وثلاثين يوماً، وهذا فضلاً عن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسفر أو للجهاد وانشغاله بالتهجد وشؤون الأمة والرعية ومواجهة المشركين والمنافقين وأهل الكتاب وغير ذلك.

ومن ثم من أين كان لها العلم وحالها في الحصول على الحديث النبوي كحال غيرها من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاسيما وان الإنسان يلقى زوجه في الليل وغالب الليل يخلد للراحة كي يستطيع ان يواصل عمله في النهار؛ فضلاً عن ذلك فقد عرف عنها انها كانت تتهم الصحابي أبا هريرة بالكذب على رسول الله وتحديث الناس بأحاديث لم يسمعها منه أزواجه لاسيما هي فقالت له:

(إنك لتحدث بشيء ما سمعته؟! فقال: يا أمه طلبتها وشغلك عنها المكحلة والمرآة، فقالت: لعله)[3].

إذن: قد فات عن عائشة كثير من الأحاديث التي شغلتها عن طلبها المكحلة والمرآة؛ ومن ثم فان قول ابن القيم في كثرة علمها تدفعه مكحلة عائشة ومرآتها؛ فضلاً عن ذلك فقد شغلتها أمور كثيرة أخرى غير المرآة والمكحلة كاللعب بالبنات، أي: العرائس التي تتخذها البنات غرضاً للعب فيما بينها.

ولعل ابن القيم وغيره ممن يرى الفضل لعائشة على نساء الأمة في علمها هو لكثرة لعبها بالدمى إلى وقت قريب من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ريب ان هذه الحالة السلوكية التي كانت ترافقها هي مما جبل عليه الإنسان وذلك لاحتياجه السايكولوجي إلى اللعب لاسيما وأن روايات أهل السنة والجماعة تقول: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبها في سبع سنوات وتزوج بها في تسع ومن ثم ان احتياجها للعب بالدمى هو حالة سلوكية فطرية يحركها الدافع النفسي لسد فراغ الطفولة؛ ولذا نجدها تحدثنا عن هذه الأفعال الطفولية فتقول:

1. (كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل يتقمَّعْن منه، فيُسرِّ بُهُنّ إليّ فيلعبْنَ معي)[4].

2. وفي حديث آخر أخرجه الحافظ البغوي، عن عائشة انها قالت:

(رجع رسول الله من غزوة تبوك أو حنين ومعها بنات لُعب)[5].

ولا يخفى على القارئ الكريم أن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة أي قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين.

3. وجاء في السيرة الحلبية، عنها انها قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك أو حنين فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما هذا يا عائشة؟!».

قلت: بناتي! ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع، قال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟!».

قلت: فرس، قال: «ما هذا الذي عليه؟!».

قلت: جناحان، قال: جناحان!!

قلت: أما سمعت إن لسليمان خيلاً لها أجنحة.

فضحك صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه)[6].

ولم يقتصر الأمر على لعب عائشة بالدمى إلى حد قريب من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كانت تتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسلوب يكشف عن طبيعة هذه المرحلة العمرية التي يحتاج فيها الإنسان إلى التقويم لا ان يكون هو مقوماً لغيره أو ان يوصف بالعلم، وأي علم هذا الذي كان يدفع عائشة إلى أن تضع رجلها في موضع سجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بين يدي ربه يصلي كلما يريد أن يسجد.

أو انها تقوم بضرب يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يتناول صحناً فيه طعام بعثت به أم سلمة فتقوم بكسر الإناء، ولا يخفى ما لهذه الأفعال من أذى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}[7].

وإليك أيها القارئ الكريم هذه النصوص التي تكشف عن طبيعة (العلم) الذي كانت تحمله عائشة ففضلت به على نساء الأمة كما يعتقد ابن القيم الذي أراد توجيه المسلمين إلى هذه العقيدة ولنضِفْها إلى ما مرّ ذكره سابقاً في الفقرة ألف وباء:

جيم: روى البخاري، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم انها قالت:

«كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فلما قام بسطتهما»[8].

قالت: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)[9].

ولاشك ان الجملة الأخيرة هي دسيسة في الرواية، بدليل عدم احتياج الحديث إلى لفظ (قالت) مجدداً لاسيما وان أحداً لم يقطع عليها حديثها أو لم تأتي بجملة اعتراضية كي يحتاج الراوي إلى بيان كلامها إلا أن الرواة حينما وجدوا أن هذا الفعل يشان به صاحبه ولا يليق بمحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوردوها تقولا على عائشة بلفظ: «قالت: والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح».

ولقد التفت السندي في حاشيته على سنن النسائي فقال: (قوله: والبيوت يومئذ الخ.. اعتذار عنها بأنها ما كانت تدري وقت سجوده لعدم المصباح، وإلا لما احتاج صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغمز).

أقول: على الرغم من أن السندي التفت إلى أن هذه العبارة هي دخيلة على الرواية وانها من تقولات البخاري أو شيوخه الا أنه رجع إلى منهج التضليل كغيره معلّلاً هذا الفعل بعدم وجود المصباح مستنداً باحتياج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغمز رجل عائشة.
في حين أن احتياج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غمز رجل عائشة لأنها لم تكف عن وضع رجلها في موضع سجوده فاضطر صلى الله عليه وآله وسلم إلى دفع رجلها كي يستطيع أن يسجد في صلاته.

وأما قوله لعدم وجود المصباح في البيوت يومئذ، فهو كذب بدليل:

1. لو لم يكن هناك مصباح في البيت لما تمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يبصر موضع سجوده ولما شاهد عائشة تضع رجلها في موضع سجوده، بل لو لم يكن هناك مصباح لما استطاعت عائشة أن تضع رجلها في موضع سجوده تحديداً ولوضعتها في موضع آخر لكنها كانت تبصر موضع سجوده فتضع رجلها فيه ولذا نجدها تعاود الفعل في نفس الموضع، بمعنى لو لم يكن هناك مصباح لما علمت ان النبي رفع رأسه من السجود لتعود مرة أخرى لوضع رجلها فيه.

2. ما يدل على وجود المصابيح في البيوت ما أخرجه الترمذي في السنن، عن جابر قال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«أغلقوا الباب، وأوكئوا السقاء[10]، واكفئوا الإناء[11]، أو خمروا الإناء[12]، واطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف آنية، فإن الفويسقة[13] تضرم على الناس بيتهم»[14].

3. روى الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان رجل يطوف بالبيت وهو يقول في دعائه أوه أوه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنه لأواه».

قال أبو ذر:فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه المصباح[15].

والحديثان يدلان على أن المصابيح كانت آنذاك موجودة ومستخدمة في البيوت وان ادعاء البخاري أو شيوخه بعدم وجودها في البيوت آنذاك لا يحمل أي وجه من الصدق.

فضلاً عن هذا التصرف المشين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي لا يكشف الا عن علم خاص بعائشة لا يعلمه الا ابن القيم وأشياعه فان هناك أفعالاً أخرى كانت تقوم بها عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا نعلم كيف فضلت بعلمها على نساء الأمة.

دال: روى النسائي عن عائشة قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته فسألت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن كفارته فقال: «إناء كإناء وطعام كطعام»[16].

هاء: عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام فضربت يد الرسول!! فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: «غارت أمكم كلوا فأكلوا».

فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وترك المسكورة في بيت التي كسرتها)[17].

ولعل هذه الرواية رواها أنس بن مالك والتي لم يشأ أن يصرح فيها عن هوية المرأة التي ضربت يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتسببت بألمه وكسر قصعة زوجته؛ هي عائشة لكنه غفل عن ان عائشة ستحدث هي بنفسها عن هذه الأفعال التي كانت تقوم بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي تكشف عن حجم علمها الذي فضلت به على نساء الأمة!!

ويكفيك أيها القارئ الكريم من علمها هذا ما روته عن فعلها مع حفصة ونزول الوحي في آية من الذكر الحكيم تظهر حقيقة ما توصلت إليه عائشة من علوم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي رجحت به عند ابن القيم على نساء الأمة فتقول:

«إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فتواصيت انا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير ــ أي رائحة كريهة في فمك ــ أكلت مغافير.

فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}[18].

فهذا العلم الذي كانت به عائشة قد فضلت على نساء الأمة والذي به رجحت عند ابن القيم وابن تيمية الذي توقف بين خديجة (صلوات الله وسلامه عليها وبين عائشة).

على الرغم من ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاش مع خديجة خمساً وعشرين سنة الا انه لم ير منها قط انها خالفت له امراً أو أدخلت عليه أذى أو تخالفت وتواطأت مع غيرها كما ينص البخاري على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينزل به قرآن يهددهما بأن لو لم تتوبا فان الله هو وجبرائيل وصالح المؤمنين ناصرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لكننا هنا نورد ما وفقنا الله إليه في أن خديجة فاقت مريم بنت عمران في مواضع عديدة.

ــــــــــــــــ
[1] فتح الباري لابن حجر: ج7، ص85؛ تحفة الأحوذي للمباركفوري: ج10، ص265.
[2] سورة الفتح، الآية: 29.
[3] أخرجه الحاكم في المستدرك: ج3، ص509. الاصابة لابن حجر: ج7، ص440. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج2، ص604.
[4] صحيح البخاري كتاب الآداب، باب: الإنبساط إلى الناس: ج7، ص102. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب13، باب في فضل عائشة حديث 81؛ مصابيح السنة للبغوي، كتاب النكاح: باب 10، عشرة النساء حديث 2420. فتح الباري لابن حجر: ج10، ص437.
[5] مصابيح السنة للبغوي، كتاب النكاح، باب: عشرة النساء، حديث 2442، ج2، ص452.
[6] السيرة الحلبية: ج2، ص341.
[7] سورة الأحزاب، الآية: 75.
[8] صحيح البخاري، باب: ما يذكر في الفخذ: ج1، ص101.
[9] المصدر السابق.
[10] أي سد فم السقاء.
[11] أي قلب الإناء.
[12] أي تغطيته بقطعة من القماش.
[13] أي الفأرة.
[14] سنن الترمذي: ج33، ص171. باب: ما جاء في استحباب التمر.
[15] مستدرك الحاكم: ج1، ص368.
[16] سنن النسائي: ج7، ص71. وصححه الألباني في صحيح الجامع وزيادته: ج2، ص13، برقم 1462 من كتاب المظالم.
[17] السنن الكبرى للنسائي: ج5، ص286. مسند أحمد: ج3، ص263؛ من مسند أنس بن مالك. صحيح البخاري: ج3، ص108، من كتاب المظالم.
[18] سورة التحريم، الآية 1 و4.

مناقشة وتكذيب حديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)

يقلم: الشيخ وسام البلداوي
 

الكيل بمكيالين في التعامل مع موضوع الفضائل


من يقيس تعامل محدثي أهل السنة مع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفضائلهم من جهة، ومع باقي الصحابة وبالخصوص الثلاثة منهم وعائشة من جهة أخرى، يرى العجب العجاب، فحينما يتعاملون مع فضائل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يتعصبون في تطبيق قواعد الجرح والتعديل ويتزمتون في التقييم، حتى يصل بهم الحال إلى استعمال الكذب والتدليس واتباع الهوى والعصبية كما مر علينا في الفصل السابق كل ذلك في سبيل ردها ودحضها، لكنهم يبدون في غاية التسامح والتساهل حينما يتعلق الأمر في الصحابة الثلاثة وعائشة ومن هم بمستواهم من الأهمية عندهم.

وحينما يتعاملون مع أشخاص أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفضائلهم فإنهم يحاولون الوقوف وقفة رجل واحد في تسفيهها تارة وتحريف معانيها ومداليلها تارة ثانية، أو المجيء بما يناقضها تارة ثالثة، أو قلب مفرداتها ونسبتها إلى صحابة آخرين، أو غير ذلك مما فصلناه وذكرناه في الفصل السابق، لكنهم وحينما يتعلق الأمر بفضائل غيرهم، يقفون وقفة رجل واحد محاولين بجهدهم وغاية طاقتهم تصحيحها وإيجاد شواهد لها ومتابعات وتأويل ما فيها من تضارب وتناقض بوجوه تخفف وتحسن ما فيها من الاختلاف والتهافت، بل وإيجاد مخارج ووجوه حكمة حتى للأحاديث المكذوبة منها.

مثال لتناقض مواقفهم تجاه فضائل أهل البيت وغيرهم


 فمن باب المثال انظر بعين الإنصاف إلى قول المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير) عند حديثه عن رواية (عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة)، قال المناوي: (أي يزهو ويضيء لأهلها كما يضيء السراج لأهل الدنيا وأنهم ينتفعون بهديه فيها كما ينتفع أهل الدنيا بضوء المصباح لما سبق أن العلماء يحتاج الناس إليهم في الجنة... قال الهيثمي: فيه عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمر الغفاري وهو ضعيف...ثم قال: غريب من حديث مالك تفرد به عنه الواقدي)[1].

 فانظر كيف ان المناوي مع اعترافه بضعف هذا الحديث وكذبه شرحه بما لا مزيد عليه واوجد له وجهاً يحببه إلى النفوس والأسماع، بينما رأينا كيف تعاملوا مع حديث الطائر المشوي أو حديث الثقلين وكيف القوا عليهما شبهات لا تخطر على قلب بشر، وكيف كرهوا القارئ والسامع فيهما وفي مضامينهما.

والحاصل أنّ تعداد الفرق بين موقفهم من فضائل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبين موقفهم من فضائل غيرهم، مما يطول شرحه، وتكثر شواهده، فتبقى الإشارة إليه أبلغ، والاختصار أوفق، وقد سقنا في هذا الفصل عدة شواهد على هذه الحقيقة، واكتفينا ببعض فضائل أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، إنموذجاً لهذه الازدواجية في التقييم، والتناقض في الموقف، وعليها فليقس القارئ الكريم ما عداها.

من الراوي لحديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)


روي هذا الحديث في مصادر أهل السنة بسندين أحدهما ينتهي سنده إلى عمر بن الخطاب، والآخر ينتهي سنده إلى عبد الله بن عمر، فأما سند عمر فهو كما رواه إسحاق بن راهويه عن ابن المبارك قال حدثنا: (عبد الله بن شوذب، عن محمد ابن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هزيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم)[2] وهؤلاء كلهم ثقات عند أهل السنة فالحديث عندهم صحيح.

وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) حيث قال: (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ثنا أبو القاسم بن مسعدة أنا حمزة بن يوسف أنا أبو أحمد بن عدي ثنا محمد بن أحمد بن بخيت نا أحمد بن عبد الخالق الضبعي نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله «صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم» لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح)[3].

ولنا على حديث عمر بن الخطاب عدة ملاحظات منها:


1: ان حديث عمر ليس حديثا نبويا وإنما هو من أقوال عمر وآرائه الشخصية


والحديث الأول وان كان صحيح السند عندهم على حسب موازينهم في الجرح والتعديل، إلا انه موقوف على عمر، أي انه من كلام عمر بن الخطاب وليس من كلام النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اعترفوا بالإجماع بان حديث عمر الصحيح السند عندهم هو من قبيل الموقوف أي الذي لم يقله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو من آراء عمر بن الخطاب وأقواله، قال الفتني في (تذكرة الموضوعات): (في المقاصد «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر» عن عمر موقوفا بسند صحيح وعن ابن عمر مرفوعا بسند ضعيف)[4].

وقال العجلوني في (كشف الخفاء): (رواه إسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله)[5]وعبارة (من قوله) تصريح بان هذا الحديث ليس من الأحاديث النبوية بل هو من الأحاديث العمرية والآراء الشخصية.

2: ان حديث عمر وان صح سنده إلا انه لا قيمة علمية له ولا تثبت به فضيلة


لان إخباره برجحان إيمان أبي بكر على إيمان الناس هو إخبار عن المغيبات، والإخبار عن المغيبات لا يصح إلا أن يكون للمخبر اتصال بالغيب كالنبي والملك وأمثالهم، وعمر ليس كذلك قطعا.

وأما أن يكون الإخبار نقلا عمن له اتصال بالغيب كنقل المخبر عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر هنا لم يقل اخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله لما أخفاه عمر بن الخطاب، ولما خفي عن الصحابة ولتناقلته الرواة ولشاع وذاع أمره.

 إذن فإذا لم يكن لعمر اتصال بالغيب، ولم يأخذه عمن له اتصال بالغيب، فهذا يعني ان تقييم عمر لإيمان أبي بكر هو تقييم شخصي لا يرجع إلى جهة موثوقة لها اطلاع على الغيب، وهو من كيس عمر، وآرائه الشخصية التي لا إلزامية لها ولا حجة فيها على غير عمر بن الخطاب.

 3: ان في هذا الحديث منقصة وظلماً لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم


ان في قول عمر وتقييمه لإيمان أبي بكر، وانه لو وزن مع إيمان الناس لرجح، ظلماً وتعسفاً في حق أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أوضح الشيخ عبد الله الحسن في كتابه (المناظرات في الإمامة) هذه الحقيقة بقوله: (أما الحديث الذي يقول: لو وزن إيمان أمتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، فهو باطل وغير معقول، ولا يمكن أن يكون رجل قضى أربعين سنة من عمره يشرك بالله ويعبد الأصنام أرجح إيمانا من أمة محمد بأسرها، وفيها أولياء الله الصالحين والشهداء والأئمة الذين قضوا أعمارهم كلها جهادا في سبيل الله، ثم أين أبو بكر من هذا الحديث؟ لو كان صحيحا لما كان في آخر حياته يتمنى أن لا يكون بشرا. ولو كان إيمانه يفوق إيمان الأمة ما كانت سيدة النساء فاطمة بنت الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ، تغضب عليه وتدعو الله عليه في كل صلاة تصليها)[6].

4: لا تكفي صحة السند وحدها لقبول متن الحديث ومضمونه


الثابت عند أهل السنة بحسب قواعدهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها: ان الحديث الصحيح لا يؤخذ به مطلقا، فكثير من الأحاديث عندهم قد صحت أسانيدها إلا أنهم أعرضوا عنها ولم يقبلوها، لوجود علة في المتن مخالفة للقرآن أو غيره من الثوابت الإسلامية، قال ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح): (صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة)[7]، والعلة موجودة كما أوضحنا، فلا مجال لقبول حديث عمر وتقييمه حتى وان صح سنده.

5: هذا الحديث من ضمن الأحاديث المسروقة من أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه


ان حديث عمر بن الخطاب في حق أبي بكر هو من الأحاديث المقلوبة، قد منح له بعد أن كان لغيره، وفقا للسياسة التي بيناها في غير موضع من هذا الكتاب، والتي أسميناها بسياسة روى قلب الأحاديث من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى غيرهم، فقد روى كثير من كتب أهل السنة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (إن السماوات والأرض لو وضعتا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي).

قال ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق): (أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال أنا الشريف أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن الحسين بن طاهر بن يحيى الحسيني نا أبو عبد الله الكاتب النعماني نا أحمد بن محمد بن سعيد نا علي بن الحسن التيمي أنا جعفر بن محمد بن حكيم وجعفر بن أبي الصباح قالا نا إبراهيم بن عبد الحميد عن رقبة بن مصقلة العبدي عن أبيه عن جده قال أتى رجلان عمر بن الخطاب في ولايته يسألانه عن طلاق الأمة فقام معتمدا بشيء بينهما حتى أتى حلقة في المسجد وفيها رجل أصلع فوقف عليه فقال يا أصلع ما قولك في طلاق الأمة فرفع رأسه إليه ثم أومأ إليه بإصبعيه فقال عمر للرجلين تطليقتان فقال أحدهما سبحان الله جئنا لنسألك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه بأن أومأ إليك فقال أو تدريان من هذا قالا لا قال هذا علي بن أبي طالب أشهد على رسول الله (صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم) سمعته وهو يقول لو أن السماوات السبع وضعن في كفة ميزان ووضع إيمان علي في كفة ميزان لرجح بها إيمان علي)[8] وروى ابن عساكر حديثا آخر فيه الفضيلة نفسها لكن بسند آخر، وقد أخرج السيد المرعشي النجفي في (شرح إحقاق الحق) كثيراً ممن روى هذا الحديث في كتبهم ومصنفاتهم فراجع[9].

ولكن القوم كعادتهم طعنوا في كل ما يرفع من شأن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة محمد بن تسنيم الوراق: (محمد بن تسنيم الوراق. ما أعرف حاله، لكن روى حديثا باطلا رواه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن قاضي المرستان، عن الجوهري، عن الدارقطني، عن محمد بن القاسم المحاربي، حدثنا محمد بن تسنيم، حدثنا جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن رقبة بن مصقلة، عن عبد الله بن ضبيعة، عن أبيه، عن جده أن عمر بن الخطاب قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم يقول: إن السماوات والأرض لو وضعتا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي)[10].

أقول: ولا اعتقد إلا ان الذهبي قد كذب في زعمه عدم معرفته بـ(محمد بن تسنيم الوراق) لان محمد بن تسنيم هو من رجال ابن خزيمة الذين روى عنهم في صحيحه[11]، وكذلك هو من رجال الطبراني في معجمه[12]، وهو ممن ذكره ابن حبان في كتابه (الثقات) قائلا: (محمد بن تسنيم الحضرمي أبو الطاهر من أهل الكوفة يروي عن أبي نعيم وعبيد الله روى عنه يعقوب بن سفيان وأهل الكوفة)[13]، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب): (محمد بن تسنيم الحضرمي أبو الطاهر الوراق الكوفي صدوق من الحادية عشرة)[14]، فكيف يعقل بعد كل هذا أن لا يدري الذهبي حال محمد بن تسنيم؟! لكنها العصبية وعدم الإنصاف الذي ليس له دواء.

وأما حديث ابن عمر فيرد عليه عدة ملاحظات منها


وحديث ابن عمر الذي أخرجه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) حيث قال: (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ثنا أبو القاسم بن مسعدة أنا حمزة بن يوسف أنا أبو أحمد بن عدي ثنا محمد بن أحمد بن بخيت نا أحمد بن عبد الخالق الضبعي نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله «صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم» لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح)[15] يرد عليه اغلب ما ورد على حديث أبيه عمر بن الخطاب فلا نعيد، ويرد عليه إضافة إلى ذلك عدة أمور منها:

1: في احد طرقه عبد الله بن عبد العزيز وهو كذاب وأحاديثه عن أبيه لا يتابع عليها


لحديث ابن عمر طريقان في أحدهما (عبد الله بن عبد العزيز) المطعون في وثاقته وصدقه، وحديثه عن أبيه منكر، كما قال ابن عدي في (الكامل): (عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد يحدث عن أبيه عن نافع عن ابن عمر بأحاديث لا يتابعه أحد عليه ثنا محمد بن أحمد بن بخيت ثنا أحمد بن عبد الخالق الضبعي ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح... قال الشيخ: وعبد الله بن عبد العزيز له غير ما ذكرت أحاديث لم يتابعه أحد عليه ولم أر للمتقدمين فيه كلاما والمتقدمون قد تكلموا فيمن هو أصدق من عبد الله بن عبد العزيز وإنما ذكرته لما شرطت في أول كتابي هذا)[16] وهذا كما لا يخفى إقرار بنكارة حديث ابن عمر وعدم اعتباره.

ولكن كيف سوغ لنفسه (الشيخ) الذي ادعى بان عبد الله بن عبد العزيز لم يأتِ في حقه كلام من المتقدمين، وقد نقل ابن حجر في (لسان الميزان) قدح عدة من أعلامهم القدماء فيه حيث قال: («عبد الله» بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، قال أبو حاتم وغيره أحاديثه منكرة، وقال ابن الجنيد لا يساوي شيئا، وقال ابن عدي روى أحاديث عن أبيه لا يتابع عليها، «حدثنا» محمد بن أحمد بن عبد الخالق الضبعي ثنا عبد الله بن عبد العزيز حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح انتهى، وبقية كلام ابن الجنيد يحدث بأحاديث كذب وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يعتبر حديثه إذا روى عن غير أبيه وفي روايته عن إبراهيم بن طهمان مناكير، وقال العقيلي له أحاديث مناكير ليس ممن يقيم الحديث)[17].

2: في الطريق الثاني عيسى بن عبد الله ضعيف يسرق الحديث


وهذا الطريق رواه ابن عدي في (الكامل) فقال: (حدثنا زيد بن عبد العزيز ابن حبان قال: ثنا عيسى بن عبد الله بن سليمان القرشي قال: ثنا رواه بن الجراح قال: ثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم: لو وضع إيمان أبي بكر على إيمان هذه الأمة لرجح بها)[18].

وهو ضعيف يسرق الحديث قال ابن عدي في المصدر نفسه: (عيسى بن عبد الله بن سليمان القرشي العسقلاني ضعيف يسرق الحديث)[19].

3: حديث ابن عمر مضطرب الإسناد كما في علل الدارقطني


قال الدارقطني في (علل الدارقطني): (وسئل عن حديث هزيل بن شرحبيل عن عمر لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم فقال يرويه عبد الله ابن شوذب واختلف عنه فرواه ابن المبارك وأيوب بن سويد الرملي عن ابن شؤذب عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن هزيل بن شرحبيل عن عمر وخالفهم رواد بن الجراح فرواه عن ابن شؤذب عن محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن هزيل عن عمر وخالفهم ضمرة بن ربيعة رواه عن ابن شؤذب عن بن جحادة عن سلمة عن عمرو بن شرحبيل ولم يقل عن هزيل ووهم وأصحها قول ابن المبارك ومن تابعه)[20].
أقول: قوله (وأصحها قول ابن المبارك) إشارة منه إلى حديث عمر بن الخطاب الذي أثبتنا انه موقوف ومن آرائه الشخصية، وانه ليس من قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. فالحديث بكلا سنديه ضعيف لا يعتد به، ولا تصح نسبته بجميع طرقه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

ــــــــــــــــــــ
[1] فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي  ج 4 ص 474.

[2] مسند ابن راهويه: ج3، ص671.

[3] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 30 ص 126.

[4] تذكرة الموضوعات للفتني ص93.

[5] كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص.165

[6] المناظرات في الإمامة للشيخ عبد الله الحسن ص 572 ــ 573.

[7] النكت على ابن الصلاح لابن حجر ج1 ص404.

[8] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر  ج 42 ص 340 ــ 341.

[9] شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج 5 ص 614.

[10] ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 494.

[11] راجع صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 216.

[12] راجع مثلا المعجم الكبير للطبراني  ج 4 ص 211.

[13] الثقات لابن حبان ج 9 ص 96.

[14] تقريب التهذيب لابن حجر ج 2 ص 66.

[15] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 30 ص 126.

[16] الكامل لعبد الله بن عدي ج 4 ص 201.

[17] لسان الميزان لابن حجر ج 3 ص 310.

[18] الكامل لعبد الله بن عدي ج 5 ص 259 ــ 260.

[19] المصدر نفسه ص258.

[20] علل الدارقطني ج2 ص223 ــ 224.

يزيد بن معاوية والعهد المظلم


بقلم: الشيخ حسن الشمري

لو لم تكن موبقة لمعاوية إلا يزيد لكفاه ذلك، فإنّ هذه السيّئة تظلّ نقطة سوداء لا تنمحي من سجلّ معاوية، وقد تولى يزيد بن معاوية الولاية، وكانت نقطة عطف خطيرة في مسيرة الإسلام، وشكلت بداية العدّ التنازلي للحضارة الإسلامية، وما كان ينبغي أن تكون الولاية ليزيد، لأنّ الإسلام لا زال طرياً لم يشتدّ عوده بسبب السياسات الخاطئة التي انتهجها معاوية بن أبي سفيان، بالذات على صعيد إدارة الحكم.

فقد انتهج طريقة ميكافيلية جعلت المجتمع بعيداً عن الإسلام، وعن قيمه الفذة، والأنكى من ذلك جعل المجتمع يئنّ من الضربات المتلاحقة التي شنّها ولاة معاوية، فقد أوغلوا في غيّهم ممّا جعلوا الواقع الإسلامي غائماً تماماً.

جاء في كتاب (الدولة العربية):


((وعرف زياد كيف يخضع القبائل بأن يضرب إحداها بالأخرى، وكيف يجعلها تعمل من أجله، وأفلح في ذلك))[1].

لقد كانت بداية الاستنارة في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم تبشّر بألف خير، وأضحى الإسلام يفتح الآفاق أمام الأمم، فقد تردّد صداه في أكثر من دولة، وأخذ مساحة واسعة، فأخذ مساحة في أفريقيا، وفي بلاد الروم، والصين، وغيرها من الدول.

وقد تنبّه الروم لانتشاره السريع فتهيأ حكامه لكسر شوكة الإسلام، ولكن خسأت محاولاتهم فارتدوا منكوسين في ((معركة تبوك))، حيث انسحبوا وألغوا فكرة الهجوم، إنّ ظهور الإسلام شكّل أهمية استثنائية، فهو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأديان، ولكن وفي نظري بدأت الانتكاسة عندما تولى أبو بكر الخلافة، إذ لم يستوعب الخطوات الإستراتيجية التي أقدم عليها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فجرّد سيفاً لم يكن في محله، وذهناً لم يستوعب الأحداث الجسام، فجاءت الحلول قاصرة، والعلاج أهوجاً.

يقول الأستاذ سليمان كتاني:


((لقد تجمّدت الزعامات التقليدية في الجزيرة على أمل أن تنام دون أن يعود فيلمّها وعي، مع انتقال النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى هبّت تعلن أنها لم تصدق أن الرسول أسند مهمة الاهتمام بصيانة الرسالة الطرية العود إلى أمتن رجل صدقها وشارك في تمتينها حفراً في النفوس، فليكن اجتماع السقيفة ــ تململاً من هجعة ــ أبعِدَ الرجل المحسوب ركناً من الأركان المعتمدة لمتابعة الخط وترسيخه، إلا أنّ واقع التاريخ، وواقع الرسالة التي لا تزال حتى الآن تنمو وينمو بها عالم الإسلام، يشهد بأنّ لعلي مكانة مجيدة القيمة في ضلوع الرسالة، لا يجهلها الحق، ولا يقدر أن ينكرها المنطق، وما من أحد على الإطلاق تمكن من فصل بيت علي عن بيت الرسول، لا في الحقيقة ولا في المجاز))[2].

لقد تقمّصها أبو بكر وهو يعلم أنّ علياً عليه السلام من الخلافة محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير.

وما عساني أقول بعد كلّ الذي حدث في العالم الإسلامي من ويلات ومحن ظلّت تفتك به لحد الآن، وتولى أبو بكر فجرّ الويل والثبور على الأمة الإسلامية، مما اضطرّ عمر بن الخطاب أن يوصمها ((بالفلتة)): ((كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها))[3]، راجع مصادر الحديث في الهامش.

تقول القوانين الاجتماعية:


((إنّ بداية أيّ حضارة مرهون بالعقول، فكلما كبرت واتسع حجم استيعابها تستطيع أن تفهم أبعادها الحقيقية، ومتطلبات المرحلة، وتستمر في العطاء، فالحضارة الإسلامية كانت تحتاج إلى عقول كبيرة.

ولكن مما يؤسف له أنّ العقول التي استلمت زمام الخلافة بعد الرسول الأعظمصلى الله عليه وآله وسلم كانت ضيّقة إن لم تكن عديمة الفهم لأبعادها الأساسية، فخلفت تراكمات سيئة أتعبت من جاء بعدها كثيراً، فجاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن صار المجتمع الإسلامي يئنّ من الترسبات السلبية، فطفق يرتق ما فتقه الآخرون، فشحت نفوس، وطفحت القلوب حقداً على سيد الوصيين عليه السلام، فعرقلت مساعيه ممّا أدّى إلى تأخّر المشروع الحضاري الذي كان يرمي إليه الإمام عليه السلام، فجاءت الانتكاسة التي تمثّلت بمعاوية ويزيد.

فيزيد صاحب العقل الصغير كما يصفه المسعودي في (مروج الذهب) لم يملك المؤهلات الكافية لإدارة الحكم، وقد نشأ في بيئة ((صحراوية))، وفي ظلّ التعاليم المسيحية المنحرفة.

يقول الأستاذ العلايلي في كتابه (حياة الإمام الحسين عليه السلام):


((الأمر الذي جعل من يزيد شخصية حقيرة وفاقدة تماماً للمقوّمات نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الإسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين، فتأثّر بسلوكهم إلى حد بعيد فكان يشرب معهم الخمر، ويلعب معهم بالكلاب))[4].

ويقول الشيخ العلايلي:



((إذا كان يقيناً أو يشبه اليقين أنّ تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة أو بعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستهتراً مستخفاً بما عليه الجماعة الإسلامية لا يحسب لتقاليدها واعتقاداتها أيّ حساب، ولا يقيم لها وزناً، بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك))[5].

إن نشأة الإنسان في السنوات الأولى لها أثر عميق في مسيرة الإنسان، فأجواء البيت تعدّ ((حجر الزاوية)) في بناء الإنسان، فإذا كانت إيجابية ومفعمة بالآداب والأخلاق، فإنها تجعل الإنسان كبيراً في أخلاقه وعقله.

أما إذا كانت خاوية وقفراء من القيم المثلى فإنها تهدم الإنسان، وتجعله صغيراً، لذلك يعدّ البيت تربوياً من أهم المحطات في حياة الإنسان، فهو المدرسة الأولى في إعداده.

فعليه فإنّ يزيد عاش بعيداً عن الأجواء الإيجابية، وحتى لو عاش في كنف أبيه فإنّ الأمر لا يختلف، فبيت معاوية أضحى بؤرة يفوح منها العهر والمجون.

جاء في كتاب (روح الإسلام):


((كان يزيد قاسياً غدّاراً كأبيه، ولكنه ليس داهية مثله، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة، وكانت طبيعته المنحلّة، وخلقه المنحطّ لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل، كان يقتل ويعذّب نشداناً للمتعة واللذة التي يشعر بها، وهو ينظر إلى آلام الآخرين، وكان بؤرة لأبشع الرذائل، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك، لقد كانوا من حثالة المجتمع))[6].

وقد ذكرت في كتاب (قبس من نور الإسلام)، وكتاب (قبس من نور الإمام الجواد عليه السلام) أنّ تصرفات الأب تغوص عميقاً في ولده، وتستقر في قعر كيانه، فإذا كانت طيّبة فإنها تطيب الابن، ومنها يستل الطيب، والعكس هو الصحيح، وقد تمثّل في معاوية، فإنّ تصرفاته شقّت طريقها إلى نفس يزيد واستقرت فيها، الأمر الذي انعكس سلباً على سلوكه، فكان نسخة ثانية، فهو يحمل وجه معاوية لكن بدون الأقنعة المزيّفة، فأماطها يزيد فظهر وجه معاوية وهذا ما كان يترقبه الكثير، لأن الولد يكشف أسراراً كثيرة عن أبيه، فعدّها النقّاد دهاءً على الدهماء وليس على الأذكياء.

ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد، فكان يقضي أغلب أوقاته فيه، وكان مغرماً بالكلاب.

((كان يزيد بن معاوية كلفاً بالصيد لاهياً به، وكان يُلبسُ كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبداً يخدمه))[7].

وهنا ملاحظات:

أولاً: وقد شبّ يزيد بن معاوية على اللهو والمجون، فتشرّب قلبه وأترعت نفسه مما أدّى إلى ولعه وذوبانه في حب اللهو والمجون، والمثل يقول: ((من شبَّ على شيء شاب عليه))، فمن يشبّ مع الطيبين يصبح طيباً، ومع العاصين يصبح عاصياً.

ثانياً: لقد نشأ في بيئة صحراوية وبين الكلاب، وهذا مما ساهم كثيراً في انحرافه.

ثالثاً: إنّ من ينشأ في بيئة مفسدة لا يجنح إلى الخير، ولا يميل إلى المثل السامية بسبب جفاف العقل، وضمور المقوّمات النفسية الخلاقة، ومنها الإرادة والشهامة والإقدام.

رابعاً: يعدّ اللعب مع الكلاب في عرف العرب نشازاً وخارجاً عن المألوف والأعراف العريقة، فمن عادة العرب أن يربّوا أولادهم الركوب على الجواد، وعلى الرمي، والمبارزة، وهذه كلها من أسباب الشجاعة، ومن دواعي الفخر. فمن المستهجن والقبيح عندهم تربية الأولاد على الكلاب لاسيّما وأنّ العرب كانوا يمتازون بالفخر والاعتزاز والاعتداد بالنفس، وهذه تأتي من ممارسة الرمي، وركوب الجواد، والمبارزة.

خامساً: إنّ ولع يزيد بالكلاب والقرود يدلّ على حقارة الآباء والأجداد، وقد أُثبتَ ذلك في كتاب (قبس من نور الإمام الجواد عليه السلام) فليراجع، فإنّ أمية كان لصيقاً بعبد شمس حيث جاشت به البحر وألقته على مائدة ((عبد شمس))، ومن ثم تبناه.

سادساً: إنّ ولع يزيد بن معاوية بالكلاب والقرود إنما كان يستهدف تحقير الأمة، فالذي يعيش بين الصغار لا يكبر، وهذه من البديهيات.

فمن الطبيعي أن لا تكبر عند يزيد الهمّة، والنظرة السامية للإنسان، لذا يحسب كل من يلتقيه صغيراً وبحجمه، فالإنسان ينظر إلى الناس ((بحجمه))، فإذا كان كبيراً وعظيماً ينظر بإكبار، أمّا إذا كان صغيراً ينظر إليهم بحقارة.

وصدق المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام الكرائمُ

وتصغر في عين الكبير كبيرها *** وتعظم في عين الصغير العظائمُ


يقول العلامة القرشي:


((وكان يزيد ــ فيما أجمع عليه المؤرخون ــ ولعاً بالقرود، فكان له قرد يجعله بين يديه، ويكنّيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمسخ)).

وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقّبوه بها، ويقول رجل من تنوخ هاجياً له:



يزيد صديق القرد ملّ جوارنا *** فحنّ إلى الأرض القرود يزيدُ

فتباً لمن أمسى علينا خليفة *** صحابته الأدنون منه قرودُ[8]



تقول القوانين التربوية: إنّ من يصاحب الصغير لا يكبر، ومن ثَمّ لا يقيم اعتباراً لأحد، وهكذا هو يزيد.

يقول فيه بولس سلامة:




رافع الصوت داعياً للفلاح *** اخفض الصوت في أذان الصباحِ

وترفق بصاحب العرش مشغولاً *** عن الله بالقيان الملاحِ

ألف ((الله أكبر)) لا يساوي *** بين كفّي يزيد نهلة راحِ

تتلظى في الدنان بكراً فلم *** تدنس بلثم ولا بماء قراحِ[9]



وقد صغرت القيم عند يزيد فراح يعبث بها، ويستغلّها طريقاً لشهواته، وصغرت حتى أصبحت لديه مادةً للتندر، وتبقى القيم عند الصغار صغيرة، ولكن عند الكبار عظيمة، لذا فإنهم يجودون بأنفس ما يملكون.

وهكذا ضحّى من أجلها المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام لأنه كان يحمل عقلاً كبيراً، ونفساً عظيمةً، ترعرعت في حجر الإسلام، وفطمت من ثدي الإيمان.

قال أبو عبد الله الحسين عليه السلام رداً على رسالة ((الصغير)) عبيد الله بن زياد:

((ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين الذلة والسلة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌ أبيّـةٌ، مـن أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام))[10].

إنّ من يتربّى في حجر النبيين والصدّيقين يأبى الخضوع والاستسلام لأنه يعرف معناهما، ثم هو يعرف حجم السيئات والحسنات، فيعطي كلاً حسب حجمه وقيمته.

لقد علمتنا كربلاء الحسين عليه السلام.

أنّ الإسلام والقيم الإلهية أكبر من كل كبير، وأجلّ من كلّ جليل، فهي تستحق التضحيات مهما بلغت.

وعلمتنا كربلاء الحسين عليه السلام..

أنّ التضحيات تزداد قيمتها، إذا كانت على طريق الحق، ويزداد الحق قيمة إذا كانت التضحيات بحجم الإمام الحسين عليه السلام.

معاوية يدلي إلى يزيد


ومثلما أسلفت يكفي معاوية موبقةً حين أدلى بالخلافة إلى يزيد، وبذلك فهو:

أولاً: خرق الاتفاق مع الإمام الحسن عليه السلام لأنّ من بنود الاتفاق إرجاع الخلافة إلى الإمام الحسين عليه السلام.

وبهذا الخرق فإنّ بيعة يزيد باطلة، ولا تملك الشرعية إطلاقاً، فضلاً عن أنّها محرّمة على بني أمية بنص من رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرّمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة))[11].

ومعاوية بن أبي سفيان آذى الإمام علياً عليه السلام بسبّه على منابر المسلمين ولمدة سبعين سنة.

ثانياً: لا يحقّ لمعاوية أن يدلي بالخلافة إلى يزيد، فهو خطر على الإسلام وولايته ثلمة في الإسلام.

جاء في (البداية والنهاية) لابن كثير:


قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد))[12].

يقول الأستاذ محمد نعمة السماوي:


((فلو لم يكن لمعاوية من مثلبة إلا استخلافه يزيد لكفاه بذلك إثماً إلى الأبد، كيف ينصبه خليفة رغم علمه بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف اجتهد أمام النص الصريح؟ وكيف برّر ذلك؟ لنستمع إليه نفسه، وهو يقول: ((ولولا هواي في يزيد أبصرت قصدي.

لم يتوقع معاوية أن تستجيب الأمة لمسعاه في تنصيب يزيد خليفة من بعده لو لم تدغدغ أمانيه بعض همسات المنتفعين والمنافقين، أمثال المغيرة ابن شعبة الذي طمأنه بالعراق، وذلك هو مركز المعارضة الأول الذي كان يخشاه معاوية، وكان عمله الدؤوب المنتظم طيلة حوالي عشر سنين وإخراجه لمسرحيات ضخمة مهّد فيها الجوّ لقبول يزيد رغم علمه بوجود من هو أكثر كفاءة منه يدلّل على تعمّده إسقاط الأمة وحزنها إلى الأبد))[13].

ثالثاً: إنّ تولية يزيد انتهاك صارخ لإرادة الأمة، وتجاوز وقح على كل حقوقها، ومنها حق الإرادة والاحترام، فقد سحق معاوية كلّ الحقوق والقوانين تحت قدميه، فقد ولّى على الأمة من يُصغّر شأنها، ويستحقر مكانتها، ولست أشكّ في أنّ معاوية كان يقصد ذلك حتى يستمر خطّه المنحرف إزاء الإسلام، وسنته السيئة التي طالت سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

إنّ من القوانين الثّابتة في علم الاجتماع قانون التابع والمتبوع، وقد حاول معاوية إخضاع المجتمع بقتل شخصيته حتى يمكنه إتباع أرذل من يزيد، أنا لا أؤمن بمقولة جوّع كلبك يتبعك، بقدر إيماني أقتل شخصية صاحبك يتبعك، وهذا ما حصل إبان حكم معاوية، فقد اغتال معاوية شخصية المجتمع، فصار يدور في فلك الصعاليك بالرغم من مرارة الاتباع وقساوة النتائج.

وقد نحمّل وعّاظ السلاطين قسطاً كبيراً من مسؤولية الاتباع للظلمة من أمثال سمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وعروة بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، فهؤلاء ساهموا في قتل شخصية المجتمع، ونسف كل مقوّماته الحضارية بما فيها الأخلاق.

فالمجتمع الإسلامي بات لا يملك أخلاقاً، وصار بعيداً عن القيم المحمّدية التي كانت تساهم بشكل فعّال في إذكاء الروح الإيمانية، وتقويم الشخصية.

إنّ الانحدار الذي وصل إليه المجتمع في زمن معاوية يعدّ نقطة ضعف خطيرة، فشاع الفساد في كلّ حواضر الدولة الإسلامية، وانتشر العهر والمجون في ربوع أقدس المدن مكة والمدينة ممّا شكّل خطراً حقيقياً على القيم، وعلى كيان المجتمع، إذ بات يتنفّس المجون فأثّر سلباً على أخلاقه، فأخذ ينسلخ عنها تباعاً.



وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مآتماً وعويلا



وبعد تولي يزيد أصبح المجتمع الإسلامي سهل الانقياد إلى درجة لم يكن يزيد نفسهُ يتصوّر ذلك، فأمعن في الفجور، وأوغل في التهتك، الأمر الذي أدّى بيزيد إلى التمادي بشكل لا يوصف، فأقدم على نسف كلّ ما يمتّ إلى الإسلام.
جاء في كتاب (مقتطفات سيكولوجية) في أهمية الشخصية:

((هذا من جهة تأثير شخصية الإنسان على المستقبل، فما هو تأثيرها في الحاضر؟.

الناس في هذا نوعان: نوع وجد ليكون تابعاً وآخر ليكون متبوعاً، واحد يرضى بأن يكون جندياً بسيطاً وآخر لا يرضى إلا بأن يكون قائداً عظيماً، شخصيته باردة ولو رفعتها إلى أعلى مقام، وشخصيته بارزة ولو حجبتها في الظلام، ضع الأولى على أعظم عرش وأحطها بكلّ أنواع العظمة تجدها عبدة متوجبة، ثم ضع في يد الشخصية الثانية قصبة مرضوضة تجدها قد تحوّلت إلى صولجان من العاج ألبسها قميصاً إرجوانياً تجده عليها حلّة ملكية، ضع على رأسها إكليلاً من الشوك تجده قد استحال إلى تاج مرصّع باللآلئ، ارفعها على صليب العار تراها جالسة على أعظم عرش تحيطها المهابة والوقار، فالشخصية منفصلة عمّا يحيط بالإنسان من جلال القوة ومظاهر الضعف.

كان بولس في روما في أعماق السجون، وكان نيرون مرتفعاً على عرش روما العظيم، وبعد قليل ماتا كلاهما، فاحتقر الرومان اسم نيرون لشخصيته الحيوانية التي تسرّ وتبتهج برؤية تمزيق الأجسام، وبولس لشخصيته المحبة التي كانت تسعى لخلاص البشرية من كبوتها وعجرفتها.

كذلك في عالم السياسة نقرأ عن بسمارك، ونعجب مما كان عليه من قيادة وسيادة وحنكة واختبار في الأمور السياسية، ولكن كم منا يذهب إلى أبعد من هذا الحد، وكم من الناس يدركون أنّ شخصية بسمارك كانت تستمد من شخصية ((زوجته)) التي كانت له تعزية في وقت الحزن، ورجاء في اليأس، وقوة في الضعف، ونوراً في الظلام))[14].

من هنا فإنّ معاوية أراد للأمة أن تصغر بتولية يزيد حتى تتبع الصغار، وهذا ما كان، فالأمة أخذت تتبع الصغار وتترك الكبار، وبذلك اتجهت إلى الهاوية، وتحمّلت نتائج مرة ظلّت تعاني منها قروناً طويلة.

وفي قوانين الأمم: ((إنّ السلطان الجائر يكلّف الأمة كثيراً قد يمتدّ أثره لأجيال ما لم يأتِ سلطان صالح يمحو سيئات ما قبله.

وإذا تسلط عليها من يحيف بها وهي خانعة فلا يرجى منها الخير، ومن العوامل المهمة في سقوط الحضارات يكمن في السلطان الجائر، وتقاعس الأمم، والأمة التي تستكين وتغفو في ظلّ حاكم جائر قد تكون هي الضحية الأولى، وهذا ما كان في عهد يزيد، وما بعد يزيد.

فقد استكانت الأمة، وتركت الحبل على الغارب، وكأنها اطمأنّت تماماً على حياتها، فأجهز عليها الحكام فأخذوا ((يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع))[15].

((فاتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، والظالمين عوناً، والصالحين حرباً)).

قال تعالى: ((وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ))[16].

إنّ من يطمئن إلى الحاكم الجائر لا يحصد إلا الذلّ، وسيم الخسف، وشمل الصغار.

وكم كان بودي لو تكون صورة يزيد ماثلة في أذهان الخانعين والمتخاذلين، ومنهم وعّاظ السلاطين، فليتهم تصفحوا تاريخ من سبقهم، واستقرؤا ما آلت إليهم حياتهم، لقد شملهم الذلّ والصغار، وظلّت تتلاحقهم اللعنات، فيا لها من ذلّة وخسارة.

لقد عاشوا أياماً معدودات مع الظلمة، فأورثوا عاراً أبدياً وخزياً سرمدياً، ناهيك عن النّار الأبدية، يا لها من خسارة لا يمكن أن تستوعبها الكلمات.
قد تكون هناك خسارة يمكن تعويضها وتدارك آثارها، فتارك الصلاة والصيام والخمس وغيرها من العبادات يمكن للإنسان تداركها بالتوبة والإنابة والقضاء، طالما هو في الدنيا، ولكن ماذا لو مات وهو تارك للعبادة فحسابه يختلف تماماً، فلا يمكن إجبار ما ترك في الدنيا، إلا في حالة واحدة إذا أدركه ولد صالح كما في الروايات، ولكنَّ هذا أهون بكثير من يترك سنّة سيّئة تحفر في قلوب الأجيال بؤر الرذيلة والفساد.

ــــــــــــــــــــــ
[1] الدولة العربية: فلهاوزن، ص207.

[2] الإمام الحسين عليه السلام: الأستاذ سليمان كتاني، ص19.

[3] الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي، ج2/ص302. كتاب الأربعين: محمد طاهر القمي الشيرازي، ص201. بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج30/ص444. صحيح البخاري: البخاري، ج8/ ص26. المعيار والموازنة: أبو جعفر الإسكافي، ص38. المصنف: ابن أبي شيبة الكوفي، ج7/ص615. الاستذكار: ابن عبد البر، ج7/ص258. التمهيد: ابن عبد البر، ج22/ص154. الثقات: ابن حبان، ج2/ ص156. العثمانية: الجاحظ، ص286. تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي، ج2/ص158.

[4] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص180.

[5] حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص180. سمو المعنى في سمو الذات: الشيخ العلايلي، ص59.

[6] روح الإسلام: السيد مير علي الهندي، ص296.

[7] الفخري: ص45.

[8] معالم المدرستين: السيد مرتضى العسكري، ج3/ص22. حياة الإمام الحسين عليه السلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ج2/ص183.

[9] الغدير: الشيخ الأميني، ج10/ص32.

[10] تحف العقول: ابن شعبة الحراني، ص58. الاحتجاج: الشيخ الطبرسي، ج2/ص24. مثير الأحزان: ابن نما الحلي، ص40.

[11] تخريج الأحاديث والآثار: الزيلعي، ج3/ص336. الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل: الزمخشري، ج3/ص467. تفسير الثّعلبي: الثّعلبي، ج8/ص312. تفسير ابن عربي: ابن العربي، ج2/ ص219. تفسير القرطبي: القرطبي، ج16/ص22. تفسير أبي السعود: أبي السعود، ج8/ص30. ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، ج3/ص139.

[12] العمدة: ابن البطريق، ص457. مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ج2/ص176. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، ج63/ص336. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج4/ص39. البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي، ج8/ص253. إمتاع الأسماع: المقريزي، ج12/ص233. السيرة الحلبية: الحلبي، ج1/ ص269.

[13] موسوعة الثورة الحسينية عليه السلام: الأستاذ محمد نعمة السماوي، ج3/ص76.

[14] مقتطفات سيكلوجية: محمد سليم باقي، ص26 ــ 27.

[15] شرج نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج1/ص197.

[16] هود: ١١٣.

معلومات مهمة عن بني أمية واستمرار وجودهم إلى قيام الإمام المهدي عليه السلام

بقلم: الشيخ وسام البلداوي

نستطيع ومن خلال الروايات الشريفة ومن خلال أقوال العلماء الأعلام رضوان الله تعالى عليهم ان نحصد جملة من المعلومات المفيدة والقيمة التي تخص بني أمية، وهي لا تندرج تحت مبحث موحد لذلك أدرجناها تحت عنوان معلومات إضافية، وهي على اختصار كالآتي:


أولا: أبغض الأحياء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف


قال الحاكم النيسابوري:(عن أبي حمزة قال سمعت حميد بن هلال يحدث عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)[1].

ثانيا: اهلك الله بني أمية بعد إحراقهم زيد بن علي بسبعة أيام


قال الشيخ الكليني قدس الله روحه عن: (عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام)[2].

ثالثا: لم يعط الله الملك لبني أمية وإنما اغتصبوه


روى الشيخ الكليني قدس الله روحه: (عن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك، عن داود بن فرقد، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: قلت له: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ))[3] أليس قد آتى الله عز وجل بني أمية الملك؟ قال: ليس حيث تذهب إليه إن الله عز وجل آتانا الملك وأخذته بنو أمية بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه)[4].

رابعا: بقاء وجودهم بالشام إلى حين خروج القائم صلوات الله وسلامه عليه


روى الشيخ الكليني قدس الله روحه عن: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الأسدي قال: سمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول في قول الله عز وجل: ((فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ))[5] قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: ((لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)) قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال: فيقولون ((قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ))[6] بالسيف)[7].

خامسا: ان في كثرة لعن بني أمية سببا من أسباب التقرب للإمام المهدي عليه السلام



قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (إكثار اللعن على بني أمية سرا وعلانية في المجالس وعلى المنابر، ما لم يكن خوف وتقية، ويدل على كون ذلك مما يتقرب به إلى مولانا «عليه السلام» مضافا إلى أنه من أفضل الأعمال، وأحبها، وأهمها ما رواه الشيخ الصدوق «رضي الله عنه» في الخصال عن أمير المؤمنين «عليه السلام» في ذكر مناقبه السبعين، قال «عليه السلام»: وأما الرابعة والخمسون، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «يا علي سيلعنك بنو أمية، ويرد عليهم ملك بكل لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم «عليه السلام» لعنهم أربعين سنة» الخبر.

 أقول[8]: لا يخفى عليك أن المراد باللعن أربعين سنة أمره «عليه السلام» شيعته وأتباعه بلعن بني أمية في جميع البلاد، والقرى، والأمصار على المنابر، وفي المجامع، وشيوع ذلك بين الناس في تلك المدة كما فعل ذلك بنو أمية لعنهم الله تعالى في زمن استيلائهم معاندة لأمير المؤمنين «عليه السلام».

ففعل القائم جزاء بما كسبوا في هذه الدنيا ولو كان المراد لعنه بني أمية بنفسه فقط لما كان محدودا بالمدة المعينة، وما اختص بزمان ظهوره «عليه السلام» لأنه يلعنهم في جميع عمره. والحاصل أن هذا الحديث الشريف يدل على فضل كثير في الاهتمام بلعن بني أمية، وإكثاره، وأنه مما يتقرب به إلى صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه وظهوره فينبغي للمؤمن الاهتمام والمواظبة عليه في سائر أوقاته وحالاته، خصوصا في صباحه ومسائه، وأعقاب صلواته. ويشهد لما ذكرناه ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» قال: إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة، فلا تنحرف إلا بانصراف لعن بني أمية.

ومما يدل[9] على أن اللعن عليهم وعلى سائر أعداء الأئمة من أقسام نصرة الإمام باللسان ما في تفسير الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام، أنه قال رجل للصادق «عليه السلام»: يا بن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إني عاجز ببدني عن نصرتكم، ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن عليهم، فكيف حالي: فقال له الصادق «عليه السلام» حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه، فلعنوا من يلعنه، ثم ثنوه، فقالوا اللهم صل على عبدك هذا، الذي قد بذل ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى: قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم وصليت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار» انتهى.

 هذا كله مضافا إلى أن موالاة الأئمة لا تتم إلا بالبراءة من أعدائهم، واللعن عليهم، ولا ريب أن بني أمية من أعدائهم، وقد فعلوا بالأئمة وأوليائهم ما فعلوا من الظلم والقتل، وأنواع الإيذاء فلعنة الله عليهم ما دامت الأرض والسماء)[10].

ــــــــــــــــــ
[1] المستدرك للحاكم النيسابوري ج 4 ص 480 ــ 481.
[2] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 161.
[3] سورة آل عمران الآية رقم 26.
[4] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 266.
[5] سورة الأنبياء الآية رقم 12 ــ 13.
[6] سورة الأنبياء الآية رقم 14 ــ 15.
[7] الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 51 ــ 52.
[8] الكلام ما زال للميرزا محمد تقي الأصفهاني قدس الله روحه.
[9] ما زال الكلام للميرزا الأصفهاني قدس الله روحه.
[10] مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني ج 2 ص 390 ــ 392.

بحث مفصل عن نسب الدعيّ (عبيد الله بن زياد)

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

قال الإمام الحسين عليه السلام: (ألا وإنَّ الدَّعيَّ ابنَ الدَّعيْ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيَنِ: بَيْنَ السَلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَهَيْهاتَ مِنّا الذِّلَّةُ[1]، يأبَى اللهُ ذلِكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنوُنَ وحُجُورٌ طابَتْ وَأنُوفٌ حَميَّةٌ ونُفُوسٌ أبيَّةٌ، أنْ نُؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ عَلى مَصارِعِ الكِرامِ).


تنفطر القلوب وتقترح العيون وتتصدع الأصلاب عندما يضطر الكريم إلى مخاطبة اللئام، وتخرج الزفرات حسرة عندما يخاطب العالم جاهلاً لبيان قيمة العلم والعلماء، وتكاد السموات أن تقع على الأرض عندما ينزل العالي بالحق لبيان حقه عند الداني المتسافل، أليس من الظلم أن يحكم ابن العاهرة على ابن سيدة نساء العالمين؟ أليس من الجريمة أن يخيّر ابن القذارة ابن الطهارة بين الاستسلام أو القتل؟ أليس من العار على الأمة أن يكون الدعيّ وابن الدعيّ إماماً لها وتترك ابن الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة؟ أليس من السوء أن تلتف الشجرة الخبيثة على الشجرة الطيبة؟ ألم يقل المفسرون أن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية؟ فكيف هي منزلة اللصيق بهذه الشجرة؟ ولكي نوقف القارئ الكريم على حقيقة قول الإمام الحسين عليه السلام في بيان نسب ابن زياد لابد من معرفة ما ذكره التاريخ وسطره أصحاب التراجم.

ــ صورة عن أبيه زياد


عند الوقوف على جانب من جوانب حياة زياد تجد مسخاً قذراً لا يهمه إلا الدنيا والحكم فيها والتسلط والظهور بمظهر أهل الشرف والرفعة، وما ذلك إلاّ لنقص في شخصه وخسة في باطنه وذلّ يعيشه في نفسه لمعرفته بنفسه الوضيعة التي ولدت من صلب قذر ورحم نجس، ولكي يتضح للقارئ الكريم ما قلناه فليتأمل ما جاء في التاريخ، كتب الرجال، وخير ما يدل على ذلك ما ورد في نهج البلاغة من كتب وجهها أمير المؤمنين عليه السلام إلى زياد يظهر منها قباحة زياد وخروجه على تعليمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهي كما يلي:

نهج البلاغة ــ خطب الإمام علي عليه السلام ــ ج3 ــ ص19 إلى 20


(ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه) وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان: (وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من في المسلمين شيئا صغيراً أو كبيراً لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر ضئيل الأمر).

(ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا) (فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين، وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين، وإنما المرء مجزي بما أسلف، وقادم على ما قدم، والسلام).

مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ــ الميرجهاني ــ ج4 ــ ص111 إلى 112


قال في المعادن أيضا ص197 فلما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام ما عرج (أي زياد بن أبيه) عليه من القسوة والجفوة أخرج إليه سعدا مولاه يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة فكانت بينه وبين سعد منازعة في ذلك فرجع سعد وشكاه من شنيع ما أتى به هنالك فكتب أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ما كتب إليه يلومه على ما جرى لعله يذكر أو يخشى أما بعد فإن سعدا ذكر أنك شتمته ظلما وتهددته (هددته) وجبهته تجبرا وتكبرا فما دعاك إلى التكبر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبر رداء الله فمن نازع الله رداءه قصمه وقد أخبرني أنك تكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد وتدهن كل يوم فما عليك لو صمت لله أياما وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا وأكلت طعامك مرارا قفارا، فإن ذلك شعار الصالحين أتطمع وأنت متمرغ في النعيم تستأثر به على الجار والمسكين والضعيف والفقير والأرملة واليتيم أن يحسب لك أجر المتصدقين؟! وأخبرني أنك تتكلم بكلام الأبرار وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت وعملك أحبطت فتب إلى ربك يصلح لك عملك واقتصد في أمرك وقدم الفضل ليوم حاجتك وأدهن غبا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أدهنوا غبا ولا تدهنوا دفقا.

الغارات ــ إبراهيم بن محمد الثقفي ــ ج2 ــ ص925 إلى 933


قصة استلحاق معاوية زيادا قال الرضي ــ رضوان الله عليه ــ في نهج البلاغة في باب المختار من كتبه عليه السلام ما نصه: (ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: (وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل بك، ويستفل غربك، فاحذره فإنما هو الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرته، وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس، ونزعة من نزعات الشيطان لا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها إرث والمتعلق بها كالواغل المدفع والنوط المذبذب).

فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها ورب الكعبة، ولم تزل في نفسه حتى ادعاه معاوية).

وقال ابن أبي الحديد في شرحه بعد تفسير جملاته ما لفظه: (فأما زياد فهو زياد بن عبيد فمن الناس من يقول عبيد بن فلان وينسبه إلى ثقيف، والأكثرون يقولون: إن عبيدا كان عبدا وإنه بقي إلى أيام زياد فابتاعه وأعتقه، وسنذكر ما ورد في ذلك، ونسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه والدعوة التي استلحق بها، فقيل تارة: زياد بن سمية وهي أمه، وكانت أمة للحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العرب وكانت تحت عبيد، وقيل تارة، زياد بن أبيه، وقيل تارة: زياد بن أمه، ولما استلحق قال له أكثر الناس: زياد بن أبي سفيان، لأن الناس مع الملوك الذين هم مظنة الرهبة والرغبة، وليس أتباع الدين بالنسبة إلى أتباع الملوك إلا كالقطرة في البحر المحيط، فأما ما كان يدعى به قبل الاستلحاق فزياد بن عبيد ولا يشك في ذلك أحد.

وروى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس: أن عمر بعث زياداً في إصلاح فساد واقع باليمن فلما رجع من وجهه خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها وأبو سفيان حاضر وعلي عليه السلام وعمرو بن العاص، فقال عمرو بن العاص: لله أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: إنه لقرشي وإني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه.

فقال علي عليه السلام: «ومن هو»؟

قال: أنا.

فقال عليه السلام: «مهلا يا أبا سفيان».

فقال أبو سفيان:

أما والله لولا خوف شخص*** يراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حرب*** ولم يخف المقالة في زياد
وقد طالت مجاملتي ثقيفا*** وتركي فيهم ثمر الفؤاد

عنى بقوله: (لولا خوف شخص) عمر بن الخطاب.

وروى أحمد بن يحيى البلاذري قال: تكلم زياد وهو غلام حدث بحضرة عمر كلاما أعجب الحاضرين فقال عمرو بن العاص: لله أبوه لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: أما والله إنه لقرشي ولو عرفته لعرفت أنه خير من أهلك، فقال: ومن أبوه؟، قال: أنا والله وضعته في رحم أمه، فقال: فهلا تستلحقه؟ قال: أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي.

وروى محمد بن عمر الواقدي قال: قال أبو سفيان وهو جالس عند عمر وعلي هناك وقد تكلم زياد فأحسن: أبت المناقب إلا أن تظهر في شمائل زياد فقال علي عليه السلام: من أي بني عبد مناف هو؟ قال: ابني.

قال: كيف؟ قال: أتيت أمه في الجاهلية سفاحا، فقال علي عليه السلام: «مه يا أبا سفيان فإن عمر إلى المساءة سريع».

قال: فعرف زياد ما دار بينهما فكانت في نفسه.

وروى علي بن محمد المدائني قال: لما كان زمن علي عليه السلام ولى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا، وجبا خراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية فكتب إليه: أما بعد فإنه غرتك قلاع تأوي إليها ليلا كما تأوي الطير إلى وكرها، وأيم الله لولا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك مني ما قال العبد الصالح: فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم (الآية) وكتب في أسفل الكتاب شعراً من جملته:

تنسى أباك وقد شالت نعامته*** إذ يخطب الناس والوالي لهم عمر

فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال: العجب من ابن آكلة ــ الأكباد ورأس النفاق يهددني وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج سيدة نساء العالمين، وأبو السبطين، وصاحب الولاية والمنزلة والإخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.

أما والله لو تخطى هؤلاء أجمعين إلي لوجدني أحمر محبا ضرابا بالسيف، ثم كتب إلى علي عليه السلام، وبعث بكتاب ــ معاوية في كتابه، فكتب إليه علي عليه السلام وبعث بكتابه: (أما بعد، فإني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلا، وإنه كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكذب النفس لم تستوجب بها ميراثا ولم تستحق بها نسبا، وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذره، ثم احذره، ثم احذره والسلام).

وروى أبو جعفر محمد بن حبيب قال: كان علي عليه السلام قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس واصطنعه لنفسه، فلما قتل علي عليه السلام بقي زياد في عمله، وخاف معاوية جانبه وعلم صعوبة ناحيته وأشفق من ممالاته الحسن بن علي عليه السلام، فكتب إليه: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد أما بعد فإنك عبد قد كفرت النعمة واستدعيت النقمة، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر، وإن الشجرة لتضرب بعرقها وتتفرع من أصلها، إنك لا أم لك بل لا أب لك قد هلكت وأهلكت، وظننت أنك تخرج من قبضتي، ولا ينالك سلطاني؟ هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه، ولا كل ذي رأي ينصح في مشورته، أمس عبد واليوم أمير؟..! خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية، وإذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسرع الإجابة فإنك إن تفعل فدمك حقنت ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش، ونلتك بأهون سعي، وأقسم قسما مبرورا أن لا أوتي بك إلا في زمارة، تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق وأبيعك عبدا وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه، والسلام.

فلما ورد الكتاب على زياد غضب غضبا شديدا، وجمع الناس وصعد المنبر فحمد الله ثم قال: ابن آكلة الأكباد، وقاتلة أسد الله، ومظهر الخلاف، ومسر النفاق، ورئيس ــ الأحزاب، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب إلي يرعد ويبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها، وعما قليل تصيرها الرياح قزعا، والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة أفمن إشفاق علي تنذر وتعذر كلا ولكن ذهب إلى غير مذهب، وقعقع لمن روى بين صواعق تهامة، كيف أرهبه؟ وبيني وبينه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار، والله لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهارا ولأسعطنه ماء الخردل دونه، الكلام اليوم والجمع إذا، والمشورة بعد ذلك إن شاء الله.

ثم نزل، وكتب إلى معاوية: أما بعد فقد وصل إلي كتابك يا معاوية وفهمت ما فيه فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب، ويتعلق بأرجل الضفادع طمعا في الحياة، إنما يكفر النعم ويستدعي النقم من حاد الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فأما سبك لي فلولا حلم ينهاني عنك وخوفي أن أدعى سفيها لاثرت لك مخازي لا يغسلها الماء، وأما تعبيرك لي بسمية فإن كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة، وأما زعمك أنك تختطفني بأضعف ريش وتتناولني بأهون سعي فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر؟! أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟! فامض الآن لطيتك واجتهد جهدك فلست أنزل إلا بحيث تكره، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه: الطالع إليه، والسلام.

فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمه وأحزنه، وبعث إلى المغيرة بن شعبة فخلا به وقال: يا مغيرة إني أريد مشاورتك في أمر أهمني فانصحني فيه وأشر علي برأي المجتهد، وكن لي أكن لك، فقد خصصتك بسري وآثرتك على ولدي، قال المغيرة: فما ذاك؟ والله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدود من ذي الرونق في كف البطل الشجاع.

قال: يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي، وهو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى، وقد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا، وأخشى ممالاته حسنا فكيف السبيل إليه؟ وما الحيلة في إصلاح رأيه؟ ــ قال المغيرة: أنا له إن لم أمت، إن زيادا رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر فلو لاطفته المسألة وألنت له الكتاب لكان لك أميل وبك أوثق، فاكتب إليه وأنا الرسول.

فكتب معاوية إليه: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان: أما بعد فإن المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب وإنك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم وواصل العدو، وحملك سوء ظنك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي وقطعت رحمي وبتت نسبي وحرمتي حتى كأنك لست أخي وليس صخر بن حرب أباك وأبي، وشتان ما بيني وبينك أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء.

فكنت كتاركة بيضها بالعراء*** وملحفة بيض أخرى جناحا

وقد رأيت أن أعطف عليك ولا أؤاخذك بسوء سعيك وأن أصل رحمك، وأبتغي الثواب من أمرك.

فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا فإن بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح، فأرجع رحمك الله إلى أصلك واتصل بقومك ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج، فدعه عنك فقد أصبحت على بينة من أمرك ووضوح من حجتك، فإن أحببت جانبي ووثقت بي فإمرة بإمرة، وإن كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل لا علي ولا لي والسلام.

فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس فلما رآه زياد قربه وأدناه ولطف به فدفع إليه الكتاب فجعل يتأمله ويضحك، فلما فرغ من قراءته وضعه تحت قدمه، ثم قال: حسبك يا مغيرة فإني أطلع على ما في ضميرك وقد قدمت من سفرة بعيدة فقم وأرح ركابك، قال: أجل فدع عنك اللجاج يرحمك الله وارجع إلى قومك وصلْ أخاك وانظر لنفسك ولا تقطع رحمك، قال زياد: إني رجل صاحب أناة ولي في أمري روية فلا تعجل علي ولا تبدأني بشيء حتى أبدأك، ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، وارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان وفكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كل عيد يذبحون، ولقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائة ألف كلهم يزعم أنه طالب حق وتابع إمام وعلى بصيرة من أمره، فإن كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة، كلا ليس كذلك ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ فكيف لا مرئ بسلامة دينه...! وقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته، فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله ثم نزل.

وكتب جواب الكتاب: أما بعد فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه، فالحمد لله الذي عرفك الحق وردك إلى الصلة، ولست ممن يجهل معروفا ولا يغفل حسبا، ولو أردت أن أجيبك بما أوجبته الحجة واحتمله الجواب لطال الكتاب وكثر الخطاب ولكنك إن كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح ونية حسنة وأردت بذلك برا فستزرع في قلبي مودة وقبولا، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرا وفساد نية فإن النفس تأبى ما فيه العطب، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعبأ به الخطيب المدره، فتركت من حضر لا أهل ورد ولا صدر كالمتحيرين بمهمه ضل بهم الدليل وأنا على أمثال ذلك قدير، وكتب في أسفل الكتاب:

إذا معشري لم ينصفوني وجدتني*** أدافع عني الضيم ما دمت باقيا
وكم معشر أعيت قناتي عليهم*** فلاموا وألفوني لدى العزم ماضيا
وهمّ به ضاقت صدور فرجته*** وكنت بطبي للرجال مداويا
أدافع بالحلم الجهول مكيدة*** وأخفي له تحت العضاه الدواهيا
فإن تدن مني أدن منك وإن تبن*** تجدني إذا لم تدن مني نائيا

فأعطاه معاوية جميع ما سأله وكتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشام فقربه وأدناه، وأقره على ولايته ثم استعمله على العراق.

وروى علي بن محمد المدائني قال: لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر وأصعد زيادا معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد فمن كان عنده شهادة فليقم بها، فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان وأنهم سمعوا ما أقرّبه قبل موته، فقام أبو مريم السلولي فكان خمارا في الجاهلية فقال: أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف فأتاني فاشتريت له لحما وخمرا وطعاما، فلما أكل قال: يا أبا مريم أصب لي بغيا فخرجت فأتيت بسمية فقلت لها: إن أبا سفيان ممن قد عرفت شرفه وجوده وقد أمرني أن أصيب له بغيا فهل لك؟ فقالت: نعم يجيء الآن عبيد بغنمه وكان راعيا فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته، فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته فلم تلبث أن جاءت تجر ذيلها فدخلت معه فلم تزل عنده حتى أصبحت فقلت له لما انصرفت: كيف رأيت صاحبتك؟ قال: خير صاحبة لولا ذفر في إبطيها، فقال زياد من فوق المنبر: يا أبا مريم لا تشتم أمهات الرجال، فتشتم أمك، فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد وأنصت الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن معاوية والشهود قد قالوا ما سمعتم، ولست أدري حق هذا من باطله وهو والشهود أعلم بما قالوا وإنما عبيد أب مبرور ووال مشكور، ثم نزل.

وروى شيخنا أبو عثمان: أن زيادا مر وهو والي البصرة بأبي العريان العدوي وكان شيخا مكفوفا ذا لسن وعارضة شديدة، فقال أبو العريان: ما هذه الجلبة؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان، قال: والله ما ترك أبو سفيان إلا يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمدا فمن أين جاء زياد؟! فبلغ الكلام زيادا وقال له قائل: لو سددت عنك فهم هذا الكلب، فأرسل إليه بمائتي دينار، فقال له رسول زياد: إن ابن ــ عمك زيادا الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها، فقال: وصلته رحم إي والله ابن عمي حقا، ثم مر به زياد من الغد في موكبه فوقف عليه فسلم وبكى أبو العريان فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد فبلغ ذلك معاوية فكتب إلى أبي العريان:

ما البثتك الدنانير التي بعثت*** أن لونتك أبا العريان ألوانا
أمسى إليك زياد في أرومته*** نكرا فأصبح ما أنكرت عرفانا
لله در زياد لو تعجلها*** كانت له دون ما يخشاه قربانا

فلما قرأ كتاب معاوية على أبي العريان قال: اكتب جوابه يا غلام:

أحدث لنا صلة تحيا النفوس بها*** قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا
أما زياد فقد صحت مناسبه*** عندي فلا أبتغي في الحق بهتانا
من يسد خيرا يصبه حين يفعله*** أو يسد شرا يصبه حيثما كانا

وروى أبو عثمان أيضا قال: كتب زياد إلى معاوية ليستأذنه في الحج فكتب إليه أني قد أذنت لك واستعملتك على الموسم وأجزتك بألف ألف درهم، فبينا هو يتجهز إذ بلغ ذلك أبا بكرة أخاه وكان مصارما له منذ لجلج في الشهادة على المغيرة بن شعبة أيام عمر لا يكلمه، قد لزمته أيمان عظيمة أن لا يكمله أبدا، فأقبل أبو بكرة يدخل القصر يريد زيادا فبصر به الحاجب فأسرع إلى زياد قائلا:

أيها الأمير هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر قال: ويحك أنت رأيته؟ ــ قال: ها هوذا قد طلع وفي حجر زياد بني يلاعبه وجاء أبو بكرة حتى وقف عليه فقال للغلام: كيف أنت يا غلام؟ إن أباك ركب في الإسلام عظيما زنى أمه وانتفى من أبيه ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك يوافي الموسم غدا ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي من أمهات المؤمنين فإن جاء أن يستأذن عليها فأذنت له فأعظم بها فرية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصيبة، وإن هي منعته فأعظم بها على أبيك فضيحة، ثم انصرف.

فقال: جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيرا ساخطا كنت أو راضيا، ثم كتب إلى معاوية: إني قد اعتللت عن الموسم فليوجه إليه أمير المؤمنين من أحب، فوجه عتبة بن أبي سفيان، وأما أبو عمر بن عبد البر فإنه قال في كتاب الاستيعاب: لما أدعي معاوية زيادا في سنة أربع وأربعين وألحقه به أخا زوج ابنته من ابنه محمد بن زياد ليؤكد بذلك صحة الاستلحاق، وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه، أمهما جميعا سمية فحلف أن لا يكلم زيادا أبدا، وقال: هذا زنى أمه وانتفى من أبيه ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ويله ما يصنع بأم حبيبة أيريد أن يراها؟ فإن حجبته فضحته، وإن رآها فيا لها مصيبة تهتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرمة عظيمة.

وحج زياد مع معاوية ودخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك، وقيل: إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها، وقيل: إنه حج ولم يرد المدينة من أجل قول أبي بكرة، وأنه قال: جزى الله أبا بكرة خيرا فما يدع النصيحة في حال علي).

الأمالي ــ الشيخ الطوسي ــ ص620 إلى 621


أبو المنذر، قال: حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقوم الأنصاري، عن أمه عائشة بنت عبد الرحمن بن السائب، عن أبيها، قال: جمع زياد بن أبيه شيوخ أهل الكوفة وأشرافهم في مسجد الرحبة ليحملهم على سب أمير المؤمنين عليه السلام والبراءة منه، وكنت فيهم، فكان الناس من ذلك في أمر عظيم، فغلبتني عيناي فنمت، فرأيت في النوم شيئا طويلا، طويل العنق، أهدل، أهدب فقلت: من أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، قلت: وما النقاد؟ قال: طاعون بعثت إلى صاحب هذا القصر لاجتثه من جديد الأرض، كما عتا وحاول ما ليس له بحق.


قال: فانتبهت فزعا، وأنا في جماعة من قومي، فقلت: هل رأيتم ما رأيت؟ فقال رجلان منهم، رأينا كيت وكيت بالصفة، وقال الباقون: ما رأينا شيئا، فما كان بأسرع من أن خرج خارج من دار زياد، فقال: يا هؤلاء انصرفوا، فإن الأمير عنكم مشغول، فسألناه عن خبره، فخبرنا أنه طعن في ذلك الوقت، فما تفرقنا حتى سمعنا الواعية عليه، فأنشأت أقول في ذلك:

قد جشم الناس أمرا ضاق ذرعهم*** بحملهم حين ناداهم إلى الرحبة
يدعو على ناصر الاسلام حين يرى*** له على المشركين الطول والغلبة
ما كان منتهيا عما أراد بنا*** حتى تناوله النقاد ذو الرقبة
فأسقط الشق منه ضربة عجبا*** كماتناول ظلما صاحب الرحبة

مناقب آل أبي طالب ــ ابن شهر آشوب ــ ج3 ــ ص174


استغاث الناس من زياد إلى الحسن بن علي عليهما السلام فرفع يده وقال:

«أللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه وأرنا فيه نكالا عاجلا إنك على كل شيء قدير».
قال: فخرج خراج في إبهام يمينه، يقال لها السلعة، وورم إلى عنقه فمات.

كتاب المحبر ــ محمد بن حبيب البغدادي ــ ص479


وصلب زياد بن أبيه (مسلم) بن زيمر، و(عبد الله) بن نجى الحضرميين على أبوابهما أياما بالكوفة وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية وقد عدهما الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية في كتابه إليه، ألست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية أنهما على دين علي ورأيه فكتبت إليه من كان على دين علي ورأيه فاقتله ومثّل به فقتلهما ومثل بأمرك بهما؟ ودين علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه أباك ــ يضربه عليه أبوك ــ أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليك بوضعهما عنكم...، في كتاب طويل يوبخه فيه وبادعائه زيادا وتوليته إياه العراقين.

السرائر ــ ابن إدريس الحلي ــ ج3 ــ ص435


كان أبو بكرة رجلا صالحا من خيار الصحابة، ويعد في موالي رسول الله عليه السلام واسمه نفيع، وأخوه نافع بن الحرث بن كلدة الثقفي، طبيب العرب، وأخوهما زياد، كلهم من سمية، وكل منهم ينسب إلى رجل.

وقال يزيد بن مفرغ الحميري، جد السيد الحميري يهجو زيادا:

إن زيادا ونافعا وأبا*** بكرة عندي من أعجب العجب

إن رجالا ثلاثة خلقوا*** في رحم أنثى وكلهم لأب
ذا قرشي كما يقول وذا*** مولى وهذا بزعمه عربي


إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنى، فردت شهادة واحد منهم، فإن ردت بأمر ظاهر لا يخفى على أحد، فإنه يجب على الأربعة حد القذف، وإن ردت بأمر خفي لا يقف عليه إلا الآحاد، فإنه يقام على المردود الشهادة الحد، والثلاثة لا يقام عليهم الحد، لأن الأصل براءة الذمة، وأيضا فإنهم غير مفرطين في إقامتها، فإن أحدا لا يقف على بواطن النّاس، فكان عذرا في إقامتها فلهذا لا حد، ويفارق إذا كان الرد بأمر الظاهر، لأن التفريط كان منهم، فلهذا حدوا.

الإيضاح ــ الفضل بن شاذان الأزدي ــ ص549 إلى 552


كان سعيد بن سرح مولى كريز بن حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما قدم زياد بن أبيه الكوفة واليا عليها أضافه وطلبه فأتى المدينة فنزل على الحسن بن علي رضي الله عنه فقال له الحسن: ما السبب الذي أشخصك وأزعجك؟ فذكر له قصته وصنيع زياد به فكتب إليه الحسن:

(أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فهدمت عليه داره وأخذت ماله وعياله فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره واردد عليه ماله وعياله فإني قد أجرته فشفعني فيه).

فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب للحاجة وأنا سلطان وأنت سوقة وكتابك إلي في فاسق لا يأويه إلا فاسق مثله وشر من ذلك توليه أباك وقد آويته إقامة منك على سوء الرأي ورضى بذلك وأيم الله لا يسبقني إليه ولو كان بين جلدك ولحمك فإن أحب لحم إلي أن آكله للحم أنت منه فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه أباك، فلما قرأ الحسن رضي الله عنه الكتاب كتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ولف كتابه في كتابه وبعث به إليه وكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف الولد للفراش وللعاهر الحجر، فلما قرأ معاوية كتاب الحسن رضي الله عنه ضاقت به الشام وكتب إلى زياد:

أما بعد فإن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بعث إلي بكتابك جواب كتابه إليك في ابن سرح فأكثرت التعجب منه وعلمت أن لك رأيين أحدهما من أبي سفيان وآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها ومن ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه، فإن كان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا عنك فإن ذلك لم يضعك وأما تشفيعه فيما شفع إليك فيه فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، فإذا قدم عليك كتابي هذا فخل ما في يدك لسعيد بن سرح وابن له داره ولا تغدر به وأردد عليه ماله فقد كتبت إلى الحسن أن يخبر صاحبه بذلك فإن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده، فليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان، وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم أمه ولا تنسبه إلى أبيه فإن الحسين ويلك ممن لا يرمى به الرجوان أفاستصغرت أباه وهو علي بن أبي طالب أم إلى أمه وكلته لا أم لك فهي فاطمة بنت رسول الله ــ صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم فتلك أفخر له إن كنت تعقل والسلام.

وقال قتادة: قال زياد لبنيه وقد احتضر ليت أباكم كان راعيا في أدناها وأقصاها ولم يقع بالذي وقع فيه، قلت: فبهذا الطريق كان ينظم ابن مفرغ هذه الأشعار في زياد وبنيه ويقول: إنهم أدعياء حتى قال في زياد وأبي بكرة ونافع أولاد سمية:

إن زيادا ونافعا وأبا*** بكرة عندي من أعجب العجب

إن رجالا ثلاثة خلقوا*** في رحم أنثى وكلهم لأب
ذا قرشي كما يقول وذا*** مولى وهذا بزعمه عربي


وهذه الأبيات تحتاج إلى زيادة إيضاح فأقول: قال أهل العلم بالأخبار: إن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي وهو ثقيف هكذا ساق النسب ابن الكلبي في كتاب الجمهرة وهو طبيب العرب المشهور ومات في أول الإسلام وليس يصح إسلامه.

وروى أن رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن كلدة يستوصفه في مرض نزل به فدل ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله وكان ولده الحارث بن الحارث من المؤلفة قلوبهم وهو معدود في جملة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ويقال: إن الحارث بن كلدة كان رجلا عقيما لا يولد له وإنه مات في خلافة عمر ولما حاصر رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم الطائف قال:

أيما عبد تدلى إلي فهو حر فنزل أبو بكرة عنه من الحصن في بكرة (قلت: وهي فتح الباء الموحدة وسكون الكاف وبعدها راء ثم هاء وهي التي تكون على البئر وفيها الحبل يستقى به والناس يسمونها بكرة بفتح الكاف وهو غلط إلا أن صاحب كتاب العين حكاها بالفتح أيضا وهي لغة ضعيفة لم يحكها غيره) قال: فكناه رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم أبا بكرة لذلك وكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه في البكرة أيضا فقال له الحارث بن كلدة: أنت ابني فأقم، فأقام ونسب إلى الحارث، وكان أبو بكرة قبل أن يحسن إسلامه ينسب إلى الحارث أيضا فلما حسن إسلامه ترك الانتساب إليه ولما هلك الحارث بن كلدة لم يقبض أبو بكرة من ميراثه شيئا تورعا، هذا عند من يقول:

إن الحارث أسلم وإلا فهو محروم من الميراث لاختلاف الدين فلهذا قال ابن مفرغ الأبيات الثلاثة البائية لأن زيادا ادعى أنه قرشي باستلحاق معاوية له، وأبو بكرة اعترف بولاء رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم، ونافع كان يقول: إنه ابن الحارث بن كلدة الثقفي وأمهم واحدة وهي سمية المذكورة وهذا سبب نظم البيتين في آل أبي بكرة كما تقدم ذكره، وعلاج جد الحارث بن كلدة كما ذكرته، هذه قصة زياد وأولاده ذكرته مختصرة.

قلت: إلا أن قول ابن مفرغ في البيت الثاني وكلهم لأب ليس بجيد فإن زيادا ما نسبه أحدا إلى الحارث بن كلدة بل هو ولد عبيد لأنه ولد على فراشه، أما أبو بكرة ونافع فقد نسبا إلى الحارث فكيف يقول: وكلهم لأب فتأمله، وذكر ابن النديم في كتابه الذي سماه الفهرست: إن أول من ألّف كتابا في المثالب زياد بن أبيه فإنه لما طعن عليه وعلى نسبه عمل ذلك لولده وقال لهم: استظهروا به على العرب فإنه يكفون عنكم.

شرح نهج البلاغة ــ ابن أبي الحديد ــ ج16 ــ ص189 إلى 193


دخل بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية أيام ما استلحق زيادا، فقال له عبد الرحمن: يا معاوية لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة يعني ــ على بني أبي العاص، فأقبل معاوية على مروان وقال: أخرج عنا هذا الخليع فقال مروان: أي والله إنه لخليع ما يطاق: فقال معاوية والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق، ألم يبلغني شعره في وفى زياد!

ثم قال مروان: أسمعنيه، فأنشد:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*** لقد ضاقت بما يأتي اليدان

أتغضب أن يقال أبوك عف*** وترضى أن يقال أبوك زان!
فأشهد أن رحمك من زياد*** كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها حملت زيادا*** وصخر من سمية غير دان


ثم قال: والله لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضاه ويعتذر إليه، فجاء عبد الرحمن إلى زياد معتذرا يستأذن عليه، فلم يأذن له فأقبلت قريش إلى زياد تكلمه في أمر عبد الرحمن، فلما دخل سلم، فتشاوس له زياد بعينه ــ وكان يكسر عينه ــ فقال له زياد: أنت القائل ما قلت؟ قال عبد الرحمن: ما الذي قلت؟ قال: قلت ما لا يقال قال، أصلح الله الأمير! إنه لا ذنب لمن أعتب، وإنما الصفح عمن أذنب فاسمع مني ما أقول، قال: هات، فأنشده:

إليك أبا المغيرة تبت مما*** جرى بالشام من خطل اللسان
وأغضبت الخليفة فيك حتى*** دعاه فرط غيظ أن هجاني
وقلت لمن لحاني في اعتذاري*** إليك اذهب فشأنك غير شاني
عرفت الحق بعد ضلال رأيي*** وبعد الغي من زيغ الجنان
زياد من أبي سفيان غصن*** تهادى ناضرا بين الجنان
أراك أخا وعما وابن عم*** فما أدري بعيب ما تراني
وإن زيادة في آل حرب*** أحب إليّ من وسطى بناني
ألا أبلغ معاوية بن حرب*** فقد ظفرت بما تأتي اليدان

فقال زياد: أراك أحمق صرفا شاعرا صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطا ومسخوطا، ولكنا قد سمعنا شعرك، وقبلنا عذرك، فهات حاجتك؟ قال: تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عني، قال: نعم، ثم دعا كاتبه فكتب له بالرضا عنه، فأخذ كتابه ومضى حتى دخل على معاوية، فلما قرأه قال:

لحا الله زيادا لم يتنبه لقوله*** وإن زيادة في آل حرب

ثم رضى عن عبد الرحمن ورده إلى حالته، وأما أشعار يزيد بن مفرغ الحميري وهجاؤه عبيد الله وعبادا، ابني زياد بالدعوة فكثيرة مشهورة، نحو قوله:

أعباد ما للؤم عنك تحول*** ولا لك أم من قريش ولا أبُ
وقل لعبيد الله ما لك والد*** بحق ولا يدري امرؤ كيف تنسبُ

ونحو قوله:

شهدت بأن أمك لم تباشر*** أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس*** على حذر شديد وارتياع
إذا أودى معاوية بن حرب*** فبشر شعب قعبك بانصداع

ونحو قوله:

إن زيادا ونافعا وأبا بكرة*** عندي من أعجب العجب
هم رجال ثلاثة خلقوا*** في رحم أنثى وكلهم لأب
ذا قرشي كما تقول وذا*** مولى وهذا بزعمه عربي

كان عبيد الله بن زياد يقول:

بما شجيت بشيء أشد علي من قول ابن مفرغ:

فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر*** هل نلت مكرمة إلا بتأمير!
عاشت سمية ما عاشت وما علمتْ*** أن ابنها من قريش في الجماهير

ويقال: إن الأبيات النونية المنسوبة إلى عبد الرحمن بن أم الحكم ليزيد بن مفرغ وأن أولها:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*** مغلغلة من الرجل اليماني

ونحو قوله: وقد باع برد غلامه لما حبسه عباد بن زياد بسجستان:

يا برد ما مسنا دهر أضرّ بنا*** من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
لامتني النفس في برد فقلت لها*** لا تهلكي إثر برد هكذا كمدا
لولا الدعي ولولا ما تعرض بي*** من الحوادث ما فارقته أبدا

ونحو قوله:

أبلغ لديك بني قحطان مالكة*** عضت بأير أبيها سادة اليمن
أضحى دعي زياد فقع قرقرة*** يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن!

وروى ابن الكلبي أن عبادا استلحقه زياد كما استلحق معاوية زيادا، كلاهما لدعوة، قال: لما أذن لزياد في الحج تجهز، فبينا هو يتجهز وأصحاب القرب يعرضون عليه قربهم، إذ تقدم عباد ــ وكان خرازا ــ فصار يعرض عليه ويحاوره ويجيبه، فقال زياد: ويحك، من أنت؟ قال: أنا ابنك، قال: ويحك: وأي بني؟ قال: قد وقعت على أمي فلانة، وكانت من بني كذا، فولدتني، وكنت في بني قيس بن ثعلبة وأنا مملوك لهم، فقال: صدقت والله، إني لأعرف ما تقول، فبعث فاشتراه، وادعاه وألحقه، وكان يتعهد بني قيس بن ثعلبة بسببه ويصلهم وعظم أمر عباد حتى ولاه معاوية سجستان بعد موت زياد، وولى أخاه عبيد الله البصرة، فتزوج عباد الستيرة ابنه أنيف بن زياد الكلبي، فقال الشاعر يخاطب أنيفا ــ وكان سيد كلب في زمانه:

أبلغ لديك أباتر كان مألكة*** أنائما كنت أم بالسمع من صمم!
أنكحت عبد بني قيس مهذبة*** آباؤها من عليم معدن الكرم
أكنت تجهل عبادا ومحتده*** لا در درك أم أنكحت من عدم
أبعد آل أبي سفيان تجعله*** صهرا وبعد بني مروان والحكم!
أعظم عليك بذا عارا ومنقصة*** ما دمت حيا وبعد الموت في الرحم

الغارات ــ إبراهيم بن محمد الثقفي ــ ج2 ــ ص809 إلى 810


لما قدم زياد بن أبي سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي فقال: تعلم أني أعرفك، وقد كنت أنا وإياك على ما قد علمت، يعني من حب علي بن أبي طالب، وأنه قد جاء غير ذلك وأني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله أملك عليك لسانك وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك وحوائجك مقضية لدي فاكفني نفسك فإني أعرف عجلتك فأنشدك الله يا أبا عبد الرحمن في نفسك، وإياك وهذه السفلة هؤلاء أن يستزلوك عن رأيك فإنك لو هنت علي أو استخففت بحقك لم أخصك بهذا من نفسي.

فقال حجر: قد فهمت ثم انصرف إلى منزله فأتاه إخوانه من الشيعة فقالوا: ما قال لك الأمير؟ قال: قال لي: كذا وكذا، قالوا: ما نصح لك، فأقام وفيه بعض الاعتراض، وكانت الشيعة يختلفون إليه ويقولون: إنك شيخنا وأحق الناس بإنكار هذا الأمر، وكان إذا جاء إلى المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث وهو يومئذ خليفة زياد على الكوفة وزياد بالبصرة: أبا عبد الرحمن ما هذه الجماعة وقد أعطيت الأمير من نفسك ما قد علمت؟ فقال للرسول: تنكرون ما أنتم فيه؟! إليك، وراءك أوسع لك، فكتب عمرو بن حريث بذلك إلى زياد وكتب إليه: إن كانت لك حاجة بالكوفة فالعجل، فأغذ زياد السير حتى قدم الكوفة، فأرسل إلى عدي بن حاتم وجرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن عرفطة العذري حليف بني زهرة، وإلى عدة من أشراف أهل الكوفة فأرسلهم إلى حجر بن عدي ليعذر إليه وينهاه عن هذه الجماعة وأن يكف لسانه عما يتكلم به، فأتوه فلم يجبهم إلى شيء ولم يكلم أحداً منهم.

وجعل يقول: يا غلام أعلف البكر، قال وبكر في ناحية الدار فقال له عدي بن حاتم: أمجنون أنت؟ أكلمك بما أكلمك به وأنت تقول: يا غلام اعلف البكر؟، فقال عدي لأصحابه: ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى، فنهض القوم عنه وأتوا زيادا فأخبروه ببعض وخزنوا بعضا وحسنوا أمره، وسألوا زيادا الرفق به، فقال: لست إذا لأبي سفيان، فأرسل إليه الشرط والبخارية فقاتلهم بمن معه ثم انفضوا عنه وأتي به زياد وبأصحابه فقال له: ويلك مالك؟ فقال: إني على بيعتي لمعاوية لا أقيلها ولا أستقيلها، فجمع زياد سبعين من وجوه أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه، ففعلوا، ثم وفدهم على معاوية وبعث بحجر وأصحابه إليه، وبلغ عائشة الخبر فبعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم، فقال عبد الرحمن بن عثمان الثقفي: يا أمير المؤمنين جدادها ألا تعن بعد العام أبرا. فقال معاوية: لا أحب أن أراهم ولكن أعرضوا علي كتاب زياد فقرئ عليه الكتاب وجاء الشهود فشهدوا، فقال معاوية بن أبي سفيان: أخرجوهم إلى عذرى فاقتلوهم هنالك.

مستدركات علم رجال الحديث ــ الشيخ علي النمازي الشاهرودي ــ ج3 ــ ص447 إلى 448


قال العلامة المامقاني: زياد بن أبي سفيان هو زياد بن أبيه، ويقال له: زياد بن سمية، وزياد بن عبيد الثقفي وكل ذلك قبل الاستلحاق بأبي سفيان، ولإلحاق نسبه بأبي سفيان حكاية مشهورة، ولد بالطائف عام الفتح، وقيل عام الهجرة وقيل يوم بدر كنيته أبو المغيرة وليس له صحبة ولا رؤية، كان مع أمير المؤمنين عليه السلام في جميع مشاهده ومع الحسن عليه السلام إلى زمان صلحه مع معاوية، ولحق معاوية، ومثالبه أشهر من أن يذكر، وقد هلك بالكوفة في شهر رمضان سنة 53، وهو ابن ست وخمسين، وقيل غير ذلك.

الكنى والألقاب ــ الشيخ عباس القمي ــ ج1 ــ ص304


قال ابن شحنة الحنفي في الروضة: في سنة 44 استلحق معاوية زيادا وأثبت نسبه من أبي سفيان بشهادة أبي مريم الحمار إنه زنى بسمية البغي وحملت منه وكان زياد ثابت النسب من عبيد الرومي وشق ذلك على بني أمية، ثم ولاه معاوية البصرة والكوفة وخراسان وسمنان والهند والبحرين وعمان، وظلم وفجر وقويت به شوكة معاوية وكان معاوية وعماله يسبون عليا عليه السلام على المنابر، وكان من عادة حجر بن عدي إذا سبوا عليا عارضهم وأثنى عليه ففعل كذلك في إمرة زياد بالكوفة فأمسكه وأرسل به مع جماعة من أصحابه إلى معاوية فأمر بقتله وثمانية من جماعته فقتلوا بقرية عذراء وعظم ذلك على المسلمين انتهى.

الكنى والألقاب ــ الشيخ عباس القمي ــ ج1 ــ ص419


وله (ابن مفرغ) أيضا في هجاء زياد:

فاشهد أن أمك لم تباشر*** أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس*** على وجل شديد وامتناع

وله في هجاء عبيد الله بن زياد:

وق لعبيد الله ما لك والد*** بحق ولا يدري امرؤ كيف ينسب

إلزام النواصب ــ مفلح بن راشد ــ ص170 إلى 171


فقد قتل الدعي وعبد كلب*** بأرض الطف أولاد النبي

أراد بـ: الدعي: عبيد الله بن زياد، فإن أباه زياد بن سمية، كانت أمه سمية مشهورة بالزنى، وولد على فراش أبي عبيد عبد بني علاج من ثقيف، فادعى معاوية أن أبا سفيان زنى بأم زياد فأولدها زيادا، وأنه أخوه، فصار اسمه: الدعي، فكانت عائشة تسميه: زياد بن أبيه، أو ابن أمهِ، لأنه ليس له أب معروف.

عبيد الله

التقية ــ الشيخ الأنصاري ــ ص69


قال علي بن أبي طالب عليه السلام: «يا ميثم كيف أنت إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة مني؟».

فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك، قال عليه السلام: «إذا والله يقتلك ويصلبك».

العقد المنير ــ السيد موسى الحسيني المازندراني ــ ص66


ويقال إن أول من غش الدراهم وضربها زيوفا عبيد الله بن زياد حين فر من البصرة في سنة 64 من الهجرة.

واقع التقية عند المذاهب والفرق الإسلامية من غير الشيعة الإمامية ــ ثامر هاشم حبيب العميدي ــ ص127


عندما أدخل هانئ بن عروة رحمه الله على عبيد الله بن زياد والي الكوفة سنة 60هـ طالبه بمسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام، وكان في داره ثم انتهى الأمر إلى أن هشم ابن زياد وجه هانئ رحمه الله بعمود من حديد وأودعه السجن.

سبل السلام ــ محمد بن إسماعيل الكحلاني ــ ج4 ــ ص190


إن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، وكان عبيد الله عاملا على البصرة في إمارة معاوية وولده يزيد أخرجه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال: قدم إلينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفيها معقل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك ثم خرج إلى المسجد فقال له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال:

إنّه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم مرض فدخل عليه عبيد الله يعوده فقال له معقل بن يسار: إني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحظها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة ولفظ رواية المصنف وأخرج مسلم ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجتهد معهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة ورواه الطبراني وزاد: كنصحه لنفسه.

نيل الأوطار ــ الشوكاني ــ ج8 ــ ص47


إنّ عبيد الله بن زياد لما أفرط في سفك الدماء وكان معقل بن يسار حينئذ مريضا مرضه الذي مات فيه، فأتى عبيد الله يعوده فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره.

وفي مسلم أنه لما حدثه بذلك قال: ألا كنت حدثتني قبل هذا اليوم؟ قال: لم أكن لأحدثك قبل سبب ذلك، والمراد بهذا السبب هو ما كان يقع منه من سفك الدماء، ووقع في رواية الاسماعيلي من الوجه الذي أخرجه مسلم: لولا أني ميت ما حدثتك، فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بعض شره عن المسلمين.

مستدركات علم رجال الحديث ــ الشيخ علي النمازي الشاهرودي ــ ج8 ــ ص581


سمية: أم زياد بن أبيه، هي أول بغية، وحفيدها عبيد الله بن زياد.

تاريخ ابن معين، الدوري ــ يحيى بن معين ــ ج2 ــ ص369


يقول ابن مرجانة هو عبيد الله بن زياد.

سير أعلام النبلاء ــ الذهبي ــ ج3 ــ ص543 إلى 549


روى السري بن يحيى عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله، أمره معاوية، غلاما سفيها، سفك الدماء سفكا شديدا، فدخل عليه عبد الله بن مغفل فقال: انته (عما أراك تصنع) فإن شر الرعاء الحطمة.

قال: ما أنت وذاك؟ إنما أنت من حثالة أصحاب محمد صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم، قال: وهل كان فيهم حثالة لا أم لك، قال: فمرض ابن مغفل، فجاءه الأمير عبيد الله عائدا فقال: أتعهد إلينا شيئا؟ قال: لا تصل عليّ، ولا تقم على قبري.

قال الحسن: وكان عبيد الله جبانا، فرأى الناس في السكك، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: مات عبد الله بن مغفل، وقيل: الذي خاطبه هو عائذ بن عمرو المزني كما في صحيح مسلم، فلعلّها واقعتان، وقد جرت لعبيد الله خطوب، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين رضي الله عنه، فلما جاء نعي يزيد، هرب بعد أن كاد يؤسر، واخترق البرية إلى الشام، وانضم إلى مروان، ثم سار في جيش كثيف، وعمل المصاف برأس عين.

قال أبو اليقظان: قتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قال يزيد بن أبي زياد: عن أبي الطفيل، قال: عزلنا سبعة أرؤس، وغطينا منها رأس حصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، فجئت، فكشفتها فإذا حية في رأس عبيد الله تأكل، وصح من حديث عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هنية ثم خرجت، وغابت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا، قلت: الشيعي لا يطيب عيشه حتى بلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله.

شيخ المضيرة أبو هريرة ــ محمود أبو رية ــ ص179


وقال الدكتور طه حسين بعد تفصيل رائع مؤثر لما حدث: والرواة يزعمون أن يزيد تبرأ من قتل الحسين على هذا النحو! وألقى عبء هذا الاثم على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد، ولكنا لا نراه لام ابن زياد، ولا عاقبه، ولا عزله عن عمله كله أو بعضه ــ ومن قبله قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه ثم ألقى عبء قتلهم على زياد وقال: حملني ابن سمية فاحتملت...، وفي مقاتل الطالبيين للأصفهاني: وحمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد الله بن زياد، وأمر ابن زياد أن يوطأ صدر الحسين وظهره وجنبه ووجهه فأجريت الخيل عليه، وبقتل هؤلاء الاقطاب الثلاثة الكبار، خلا الجو لبني أمية وامتد سلطانهم على البلاد الإسلامية كلها يستمتعون بحكمها، ويتوارثون هذا الحكم فيما بينهم، بلا منازع ولا معارض، يحكمون حكما استبداديا أمويا قبليا، أساسه الرهبة والضغط والقهر، مستبدلين إياه بحكم الشورى الإسلامي العادل متبعين في ذلك سنن من كان قبلهم من الأكاسرة والقياصرة.

المعارف ــ ابن قتيبة ــ ص347 إلى 348


فأما عبيد الله بن زياد فكان يكنى أبا حفص وكان أرقط وكان زياد زوج أمه مرجانة من شيرويه الأسواري ودفع إليها عبيد الله فنشأ بالأساورة فكانت فيه لكنة فولي لمعاوية خراسان ثم ولي العراقَين بعد أبيه ثماني سنين خمسا منها على البصرة وحدها وثلاثا على العراقَين فلما مات يزيد خرج عليه أهل البصرة فأخرجوه عن داره فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي فلما قتل مسعود سار إلى الشام فكان مع مروان بن الحكم وكان يوم المرج على إحدى مجنبتيه فلما ظفر مروان رده على العراق فلما قرب من الكوفة وجه إليه المختار إبراهيم بن الأشتر النخعي فالتقوا بقرب الزاب فقتل عبيد الله ولا عقب له وكان قتله يوم عاشوراء سنة سبع وستين.

معجم البلدان ــ الحمودي ــ ج1 ــ ص530


إنه لما بنى البيضاء أمر أصحابه أن يستمعوا ما يقول الناس، فجاؤوه برجل فقيل له إن هذا قرأ وهو ينظر إليها: أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون؟ فقال له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: آية من كتاب الله عرضت لي، فقال: والله لأعملن بك بالآية الثالثة: وإذا بطشتم بطشتم جبارين، ثم أمر فبني عليه ركن من أركان القصر.

بلاغات النساء ــ ابن طيفور ــ ص140


قال المدائني: أتى عبيد الله بن زياد بامرأة من الخوارج فقطع رجلها وقال لها كيف ترين فقالت إن في الفكر في هول المطلع لشغلا عن حديدتكم هذه ثم قطع رجلها الأخرى وجذبها فوضعت يدها على فرجها فقال لتسترينه فقالت لكن سمية أمك لم تكن تستره.

تاريخ الكوفة ــ السيد البراقي ــ ص73 إلى 74


فمن الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل فيها زياد، وقد جمع الناس في المسجد ليلعن عليا صلوات الله عليه فخرج الحاجب وقال: انصرفوا فإن الأمير مشغول، وقد أصابه الفالج في هذه الساعة، وابنه عبيد الله بن زياد وقد أصابه الجذام، والحجاج بن يوسف وقد تولدت الحيات في بطنه حتى هلك، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص.

مستدركات أعيان الشيعة ــ حسن الأمين ــ ج1 ــ ص286


عرفوه عليهم واليا مستبدا طاغيا ظالما يقيم الحكم فيهم بالارهاب والسعاية والوشاية وبالسجن والقتل والتعذيب، ذلك هو عبيد الله بن زياد، كان ذلك ولآل زياد في الأمصار كلها، صيت يثير في نفوس الجماهير صورا شتى يقترن بكل واحدة منها معنى أقل شأنه إنه يبعث السخر والابتسام، أو يبعث الحقد والسخط، أو يبعث الذعر والهلع، وكان آل زياد يعرفون هذا كله في الجماهير، فيخشون نقمتها أو انفجار نقمتها، إذ يكبتونها بالارهاب من كل نوع وكل أسلوب، وكان أخشى ما يخشونه، ألسنة الشعراء، ولاسيما الهجائين منهم وذوي الخلاعة والمجانة، فان مثل هؤلاء يكشفون للناس من العيوب والمساوئ ما كان آل زياد يتحامون أن ينكشف، أو أن تتحدث به الجماهير في حين يعلمون أن عند هذه الجماهير أنباء يتناقلونها عن آل زياد، سواء أصدقت هذه الأنباء أم كانت من الأكاذيب والأراجيف.

أعيان الشيعة ــ السيد محسن الأمين ــ ج1 ــ ص585


ومع التفاوت الذي بلغ أقصى ما يتصور بين فئته القليلة وجيش ابن زياد في العدد والمدد قد كان ثباته ورباطة جأشه وشجاعته تحير الألباب ولا عهد للبشر بمثلها كما كانت دناءة أخصامه لا شبيه لها، وما سمع منذ خلق العالم ولن يسمع حتى يفنى أفظع من ضرب ابن مرجانة من ابن سمية بقضيب ثغر ابن بنت رسول الله ورأسه بين يديه بعد أن كان سيد الخلق عليه السلام يلثمه، ومن آثار العدل الإلهي قتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء كما قتل الحسين يوم عاشوراء وأن يبعث برأسه إلى علي بن الحسين كما بعث برأس الحسين إلى ابن زياد.

الكنى والألقاب ــ الشيخ عباس القمي ــ ج1 ــ ص301 إلى 303


ابن زياد: هو عبيد الله بن مرجانة الزانية التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله لميثم التمار: ليأخذنك العتل الزنيم ابن الأمة الفاجرة عبيد الله بن زياد، وأبوه زياد يقال له زياد بن أمة وتارة زياد بن سمية ومرة زياد بن أبيه ولما استلحقه معاوية يقال له زياد بن أبي سفيان.

الغارات ــ إبراهيم بن محمد الثقفي ــ ج2 ــ ص558 إلى 561


قال أبو غسان: بنى عبيد الله بن زياد ــ لعنه الله ــ مساجد بالبصرة تقوم على بغض علي عليه السلام والوقيعة فيه، مسجد بني عدي، ومسجد بني مجاشع، ومسجد كان في العلافين على فرضة البصرة، ومسجد في الأزد.

قال: وكان بالكوفة من فقهائها أهل  عداوة له وبغض قد خذلوا عنه وخرجوا من طاعته مع غلبة التشيع على الكوفة فمنهم مرة الهمداني، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وشريح بن الحارث القاضي، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، وعبد الله بن قيس قد هرب إلى مكة يخذل الناس عنه، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن عكيم، وقيس بن أبي حازم وسهم بن طريف، والزهري والشعبي بعد هؤلاء.

ولكي يتضح للقارئ الكريم مدى بغض عبيد الله بن زياد لأمير المؤمنين ومقدار جرأته على الصحابة نورد قوله الآتي:

عن فطر بن خليفة قال: سمعت مرة يقول: لأن يكون علي جملا يستقي عليه أهله خير له مما كان عليه.

وكان مرة يقول: أما علي فسبقنا بحسناته، وابتلينا نحن بسيئاته.

ــــــــــــــ
[1] السَّلَّةُ: المرّة من السَّلِّ، يقال: أتيناهم عند السَّلَّة: أي عند استلال السيوف، والمراد الحرب. والذّلّةُ: الانقياد والخضوع، والمراد البيعة ليزيد.