معاني خروج حرائر آل البيت مع الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء

بقلم الدكتور المستبصر: أحمد راسم النفيس

تاريخ النشر: 3 ــ 4 ــ 2014
لقد قتل الحسين عليه السلام ولم يشهد أحد من المؤمنين هذه الجريمة إلاَّ حرائر أهل بيت النبوّة، من ينعاك إذن يا أبا عبد الله إلاَّ بنات علي وفاطمة؟ ها هي زينب عليها السلام حتَّى تمرُّ بالحسين عليه السلام صريعاً فتبكيه، وتقول: (يا محمّداه يا محمّداه صلّى عليك ملائكة السماء هذا الحسين بالعرا مرمَّل بالدما مقطع الأعضا، يا محمّداه وبناتك سبايا وذرّيتك مقتلة تسفي عليها الصبا). فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق([1]).

ثمّ ها هي أسيرة في مجلس ابن زياد، فيسأل: من هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه، فقال ذلك ثلاثاً كلّ ذلك لا تكلّمه، فقال بعضُ إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة. فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: (الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وطهَّرنا تطهيراً لا كما تقول أنت، إنَّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر). 

قال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: (كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتخاصمون عنده). 

قال: فغضب ابن زياد واستشاط. قال له عمر بن حريث: أصلح الله الأمير إنَّما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة والمردة من أهل بيتك. فبكت ثمّ قالت: (لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت)([2]).


محاولات إخفاء الحقيقة، ابن كثير  يناقض نفسه

كلمات واضحة يفهمها من يقرأها، تستعصي على التزوير، لكن يد الغشّ والخيانة أخفت كلّ شيء وزوَّرت كلّ شيء، ونشأت أجيال وأجيال لا تعرف من ذكرى الحسين إلاَّ أنَّه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّه خرج يطلب الملك والإمارة فخذله المسلمون الشيعة، وقتله بنو أميّة وهم أصحاب الدولة الشرعية، وأمَّا الشيعة فهم يضربون أنفسهم ويسيلون دماءهم لأنَّهم قتلوه، قليل أولئك الذين يعرفون الحقيقة بتفصيلاتها حتَّى (ابن كثير) يكتب فصلاً، في البداية والنهاية، بعنوان: (صفة مقتل الحسين بن علي عليه السلام مأخوذة من كلام أئمّة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيّع من الكذب الصريح والبهتان).

ولا يلام ابن كثير الدمشقي على حبّ قومه من بني أميّة، ولا على سبابه للمسلمين الشيعة واتّهامه لهم بالكذب الصريح والبهتان.

ولكن العجب كلّ العجب أنَّه لم يخالف حرفاً واحداً ممَّا رواه أئمّة التشيّع في كتبهم عن مقتل الحسين عليه السلام، ويكذّب عدَّة روايات وردت في هذا الشأن ليست محورية ولا أساسية في القضيّة وهو يتناقض مع نفسه فيقول: (ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً، من كون الشمس كسفت يومئذٍ حتَّى بدت النجوم...)([3]).

ثمّ يقول ناقضاً ما ذهب إليه: (وأمَّا ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح! فإنَّه قلَّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة أو عاهة في الدنيا فلم يخرج منها حتَّى أصيب بمرض وأكثرهم أصابهم الجنون)([4]).

ثمّ يناقض نفسه، ويتخبَّط ويواصل الشتم والسبّ، ويقول: (للشيعة والروافض في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة وفي ما ذكرناه كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أنَّ ابن جرير وغيره من الحفّاظ ذكروا ما سقته وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعياً وهو ضعيف الحديث عند الأئمّة، ولكنَّه إخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره...)، ثمّ يقول: (وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه... فكانت الدبادب تضرب بغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء...) الخ.

(وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا يوم عاشوراء يطبخون ويغتسلون ويتطيَّبون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتَّخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة ويظهرون السرور والفرح يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم)([5]).

إذن الشيخ ابن كثير يقرُّ ويعترف أنَّ أجهزة الدعاية الأموية قلبت الحقائق وحوَّلت يوم الكارثة إلى عيد وسرور، وهو الذي ما زال متداولاً إلى يومنا هذا. ويمضي الرجل يكشف على استحياء دخيلة نفسه فيقول: (وقد تأوَّل عليه من قتله أنَّه جاء ليفرّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، فقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك والتحذير منه والتوعيد عليه)([6]).

عفواً، أيّها الشيخ، يبدو أنَّ (خطأ) الإمام الحسين عليه السلام أنَّه ولد واستشهد قبل مجيء (مسلم) وكتابه، فلم يدر بالحديث المزعوم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعلم أنَّ الأمّة بعد قرنين ستعرف (صحيح مسلم) وتجعل (صحيح الحسين).

عفواً، أيّها الشيخ، فقد جهلت الأمّة (حديث الثقلين): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به بعدي لن تضلّوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»([7])، وهو حديث رواه (مسلم) في صحيحه بعد الحسين بقرنين، لقد جهلت الأمّة هذا الحديث يوم كان عليها أن تذكره ثمّ روته بعد ذلك ولم تفهمه هذه الأمّة التي نسيت وتناست ما صحَّ نصّاً وما جسَّده الإمام الحسين، مارست الدين على الطريقة الأموية ومن حاول المقاومة كان مصيره القتل كما أسلفنا من قبل.

ثمّ يمضي الشيخ في منطقه ويقول بعدما عدَّد القتلى ممَّن عدَّهم أفضل من الحسين وأبيه: (ولم يتَّخذ أحدٌ يومَ موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين)([8]).

ثمّ يناقض نفسه كعادته: (وأحسن ما يقال، عند ذكر هذه المصائب وأمثالها، ما رواه علي بن الحسين، عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكَّرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلاَّ أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها»)([9]).

إنَّنا نستعرض كلمات (ابن كثير) لأنَّها أنموذج لحالة التناقض والارتباك التي وقع فيه الكثيرون ممَّن أذهلهم الحدث وعجزوا عن متابعته وقول كلمة الحقّ فيه، ومن أولئك الذين أرادوا استتباب الأمر لبني أميّة وظنّوا أنَّ قضيّة آل البيت قد طويت وانتهت فلمَّا أعلن الحسين ثورته وخطَّ كلمة الحقّ بدمائه على الأرض، وفي السماء بل وفي الكون كلّه، لجأوا مرَّة أخرى إلى الكتمان والتزييف لعلَّ الناس ينسون، ولكن هيهاتَ هيهاتَ.


من يُقيل عثرة الأمّة المنكوبة؟

وهكذا انقضت هذه الجولة ونال كلّ طرف ما يستحقّه، نال الحسين وآل بيته الشهادة التي أرادوها واستحقّوها، فيما نال بنو أميّة ومن والاهم اللعنة الدائمة، والخسران المبين.
أمَّا هذه الأمّة المنكوبة فلا نجد من يصف حالها ومآلها إلاَّ هذه الرواية التي يذكرها الطبري في (تاريخ الأمم والملوك) فيقول ما نصّه: لمَّا وضع رأس الحسين عليه السلام بين يدي ابن زياد أخذ ينكت بين ثنيتيه ساعة، فلمَّا رآه زيد بن أرقم لا ينجِمُ عن نكته بالقضيب قال له: أعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فهو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هاتين الشفتين يقبّلهما. ثمّ انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوَالله لولا أنَّك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج. فلمَّا خرج سمعت الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، فقلت: ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبد عبداً، فاتَّخذهم تُلداً. أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمَّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذلّ فبُعداً لمن رضي بالذلّ([10]).

أي والله، أيّها الشيخ، إنَّها لشهادة حقّ ولكن بعد فوات الأوان، ولكنَّها تحكي الواقع الذي احتار الناس في تفسيره، لماذا وكيف صرنا لما نحن عليه الآن عبيد في ديارنا لا نملك من الظالمين دفعاً ولا نفعاً، هذا يحكي لنا عن الحرّية في أوروبا! وذاك يحكي لنا عن طبيعة هذا الشعب أو ذاك الذي يحبّ العبودية ولم يحاول أحد أن يصل إلى الحقيقة.

إنَّ ما جرى علينا هو استجابة لدعوة دعاها أبو عبد الله على من قتله أو رضي بذلك أو سمع فلم ينكر. فها هو أبو عبد الله الحسين يدعو عليهم وقد أثخنته الجراح: «اللّهمّ أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللّهمّ فإن متعتَّهم إلى حين ففرّقهم فِرَقاً واجعلهم طرائقَ قِدداً ولا تُرْض عنهم الولاة أبداً فإنَّهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا»([11]).

ثمّ هو عليه السلام يقول قبل قتله مباشرة - وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع يتَّقي الرمية ويفترص العورة ويشدّ على الخيل -: «أعلى قتلي تحاثون؟ أمَا والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله منّي، وأيم الله إنّي لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أمَا والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثمّ لا يرضى لكم حتَّى يضاعف لكم العذاب الأليم»([12]).

وهكذا ضاعت الفرصة تلو الفرصة من هذه الأمّة من دون أن تستفيد منها وكان أمر الله قدراً مقدوراً. والفرص لا تمنح للأمم مائة مرَّة، ولا عشرين مرَّة، ولا عشر مرَّات، إنَّ الفرص التاريخية لإصلاح الأحوال والسير على نهج مستقيم لا تأتي إلاَّ قليلاً.

وهكذا ضاعت من هذه الأمّة فرصة السير على نهج نبيّها ثلاث مرَّات، فرصة الإمام علي، ثمّ فرصة الإمام الحسن، ثمّ كانت فرصة الإمام الحسين هي القاصمة التي ما بعدها قاصمة، وكان لا بدَّ من انتظار طويل. وأسدل ستار الليل في سماء هذه الأمّة وهو ليل لن يجلوه إلاَّ ظهور قائم أهل البيت عليهم السلام، الإمام الثاني عشر محمّد المهدي المنتظر عليه السلام.

وهكذا قُدِّر لنا أن ننتظر ذلك الانتظار الطويل وأن نعيش ذلك الصراع المرير بين قوى الحقّ والباطل داخل هذه الأمّة، وأن نرى كلّ هذه المصاعب والويلات من سفك دماء وطاقات تهدر في صراعات داخلية ورؤوس تطير وسجون تملأ وغزوات خارجية تترية وصليبية وأخيراً صهيونية وقبلها أوروبية وحكومات من الأنواع والأشكال كافّة مملوكية وعبّاسية وأموية وعثمانية، وهل هناك أسوأ من أن يحكم المماليك العبيدُ أمّة وهم لا يملكون حقّ التصرّف في ذواتهم؟ كلّ هذه الحكومات أكثرت من الظلم، وقلَّلت من العدل وادّعى الجميع أنَّهم يطبّقون الإسلام، والكلّ يقتل بالظنّة، والكلّ يستبيح الخمور، وانتهاك الأعراض. وأخيراً جاءت إلينا الحكومات العلمانية والقومية والاشتراكية والملكية والشيوعية، جرَّبوا فينا كلّ شيء إلاَّ العدل، ذلك الممنوع علينا من يوم جاء بنو أميّة.
وهكذا قُدّر لنا أن نعيش الصراع والانتظار.



([1]) تاريخ الطبري 4: 348 و349.
([2]) تاريخ الطبري 4: 349 و350.
([3]) البداية والنهاية 8 : 219.
([4]) البداية والنهاية 8 : 220.
([5]) المصدر السابق.
([6]) المصدر السابق.
([7]) حديث متواتر روته الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، راجع: بصائر الدرجات: 432/ باب في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين...»؛ أمالي الصدوق: 500/ ح (686/15)؛ دلائل الإمامة: 124/ ح (36/36)؛ مسند أحمد 3: 14؛ سنن الدارمي 2: 432؛ مستدرك الحاكم 3: 109.
([8]) البداية والنهاية 8 : 221.
([9]) المصدر السابق.
([10]) تاريخ الطبري 4: 349.
([11]) تاريخ الطبري 4: 344 و345.
([12]) مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف: 197 - 200؛ تاريخ الطبري 4: 346 و347.

كلّهم أرادوها أموية وكرهوها إسلاميّة خالصة لله

بقلم الدكتور المستبصر: أحمد راسم النفيس

تاريخ النشر: 3 ــ 4 ــ 2014 

شريعة ملوك السوء

لا بأس بأن نورد نماذج من تطبيق الشريعة الإسلاميّة، على الطريقة الأموية، وهو ما يتمنّاه بعض المخدوعين في هذا الزمان:

أوّلاً: النهج الأموي يبيح شرب الخمور

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش، ثمّ أتينا بالطعام، فأكلنا. ثمّ أتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثمّ ناول أبي، ثمّ قال: ما شربته منذ حرَّمه رسول الله([1]).


ثانياً: النهج الأموي يبيح الربا

أخرج مالك والنسائي وغيرهما، من طريق عطاء بن يسار أنَّ معاويةَ باعَ سِقايَة من ذهب، أو ورق، بأكثر من وزنـِها، فقال له أبو الدرداء : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَنْهى عن مِثْل هذا إلاَّ مثلاً بـِمِثْل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأساً([2]).


ثالثاً: استلحاق زياد

وصّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّ الولد للفراش وللعاهر الحجر([3]). متَّفق عليه.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من ادّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنَّه غير أبيه، فالجنّة عليه حرام». رواه البخاري ومسلم وأبو داود([4]).

أمَّا ابن آكلة الأكباد فجاء بزياد، وكان يدعى زياد ابن أبيه، وتارة زياد ابن أُمّه، وتارة زياد بن سمية، وأقام الشهادة أنَّ أباه أبا سفيان قد وضعه في رحم سمية، وكانت بغيّاً، وسمّاه زياد بن أبي سفيان ليستخدمه في قمع المسلمين الشيعة وقتلهم.


رابعاً: قتل الأحرار من أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم

قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَْرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: 32).

روى الطبري في تاريخه: استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة وأوصاه: لا تحجم عن شتم علي وذمّه والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والاقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان... والإدناء لهم والاستماع منهم. وأقام المغيرة على الكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً، وهو من أحسن شيء سيرة، وأشدّه حبّاً للعافية غير أنَّه لا يدع ذمّ علي والوقوع فيه والعيب لقَتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي، إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمَّم الله ولعن. ثمّ قام فقال: إنَّ الله عز وجل يقول: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ) (النساء: 135).

وأنا أشهد أنَّ من تذمّون وتعيّرون لأحقّ بالفضل، وإنَّ من تزكّون وتطرون أولى بالذمّ.
واستمرَّت هذه الحالة حتَّى ولّي زياد الكوفة فقال مثلما كان يقول المغيرة، وردَّ عليه حجر رضوان الله عليه بمثل ما كان يردّ على المغيرة، فأرسل زياد إلى أميره معاوية فأمر باعتقاله (على وفق قانون طوارئ بني أميّة) وأُرسل إلى ابن آكلة الأكباد مشدوداً في الحديد فأمر بقتله، فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتَّى أُصلّي ركعتين، فقالوا: صلّ، فصلّى ركعتين خفَّف فيهما ثمّ قال: لولا أن تظنّوا بي غير الذي أنا عليه، لأحببت أن تكونا أطول ممَّا كانتا، ثمّ قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عنّي حديداً ولا تغسّلوا عنّي دماً فإنّي ألاقي معاوية غداً على الجادّة، ثمّ قدّم فضربت عنقه([5]).

لم يكن حجر بن عدي الأنموذج الوحيد الدالّ على ظلم هذه الدولة الجائرة التي يزعم جاهلو أمرها، وحدهم، أنَّها كانت تُحكم أو تَحكم بشريعة الإسلام. لقد كان بنو أميّة يدأبون ليل نهار لإطفاء نور الله، وفي الوقت نفسه كان خطّ الأئمّة عليهم السلام قد تحوَّل إلى مشروع تأسيس لإقامة دولة المهدي المنتظر وإن تأخَّر ذلك قروناً وقروناً. أمَّا بنو أميّة فيجهدون لإحداث أكبر قدر من الدمار بالأمّة الإسلاميّة وبرجالاتها وبقيمها. وفي الوقت نفسه كان خطّ آل بيت محمّد حريصاً على إبقاء قيم الإسلام الرسالي الأصيل حيّة ومتوهّجة، والتأكيد على أنَّ مرحلة التمهيد وتأسيس دولة الإمام المهدي ليست مرحلة هدنة سلبية، وليست إيثاراً للإبقاء على حياة مجموعة من البشر وإنَّما إبقاءً للقيم وإمدادها بكلّ ما يبقيها متألّقة وحيّة حتَّى زمن الظهور.


محاولة تحويل النهج الأموي إلى قدر أبدي

نفَّذ معاوية سياسة واضحة المعالم، من أبرز معالمها:

أ - لعن آل البيت عليهم السلام، ولاسيّما إمام الأئمّة علي بن أبي طالب عليه السلام على منابر الأمّة، صباح مساء.


ب - العمل على رفع مكانة مناوئي أهل البيت ومنافسيهم باختلاق الروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ج - القضاء على خطوط الدفاع بقتل رجال الشيعة واغتيالهم، مثل حجر وعمرو ابن الحمق كما أسلفنا، بل وحتَّى قتل أيّ معارض آخر له وزن وإن لم يكن من شيعة أهل البيت، ومثال ذلك سعد بن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد.


د - استعمال سياسة الرشوة وإفساد الذمم لاستمالة من تبقّى.


وهذه السياسات نفسها هي التي بدأ بها تمدّده السرطاني في جسد الأمّة.


امتداد الملك، يزيد وليّ عهد

أراد ابن آكلة الأكباد أن يمهِّد الأمر ليزيد ابنه ليمتدّ الملك في عقبه حتَّى قيام الساعة. ومن يتتبَّع أخبار الرواة، في هذا الصدد، يجد تبايناً، فمن قائل يقول: إنَّ هذا الأمر كان بمبادرة من المغيرة بن شعبة ليمدّ له معاوية في ولايته على الكوفة، ومن قائل يقول: إنَّ هذا كان بأمر من معاوية، واتّفاق مع الضحّاك بن قيس، وما اعتقده أنَّ هذه أمور واحدة... كلّ المنافقين يعلمون رغبة سيّدهم والكلّ يتبارى في اختيار الأسلوب الملائم للتنفيذ، ولا بأس بإيراد بعض النماذج التي توضّح طبيعة الملك الأموي وسياسته:


أوفد المغيرة بن شعبة عشرة من شيعة بني أميّة إلى معاوية، ليطالبوا ببيعة يزيد، وعليهم موسى بن المغيرة، فقال معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا، وكونوا على رأيكم، ثمّ قال لموسى: بكم اشترى أبوك هؤلاء من دينهم، قال: بثلاثين ألفاً، قال: لقد هان عليهم دينهم([6]).

 لمَّا اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق، بإحضار منه، دعا الضحّاك بن قيس، فقال له: إذا جلستُ على المنبر، وفرغتُ من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فأحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحقّ له عليك، من حسن الثناء عليه، ثمّ اُدعني إلى توليته من بعدي، فإنّي قد رأيتُ وأجمعتُ على توليته، فاسأل الله في ذلك، وفي غيره الخيرة وحسن القضاء. ثمّ دعا عدّة رجال فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحّاك، وأن يصدّقوا قوله، ويدعو إلى يزيد.
 
ثمّ خطب معاوية فتكلَّم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد فقال معاوية: أين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلَّم؟ فقام الأحنف، فحمد الله وأثنى عليه وقال بعد مقدّمة: إنَّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّاً.

فغضب الضحّاك وردَّ غاضباً: ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهاتَ ولا تورث الخلافة عن كلالة ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطّنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، وكاتب نبيّكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل.

ثمّ قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه فقال: قد علمت أنَّك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قصعاً، ولكنَّك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر بعدك([7]).

أمَّا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من خواصّ أصحاب معاوية فقد لقي حتفه مسموماً حيث حدَّثته نفسه بالسلطة والإمارة بدلاً من يزيد.

جاء في تاريخ الطبري: أنَّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، أو مال إليه أهلها كما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتَّى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه فأمر ابن آثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يولّيه جباية خراج حمص. فلمَّا قدم عبد الرحمن بن خالد لحمص منصرفاً من بلاد الروم دسَّ إليه ابن آثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص([8]).

ويحكي لنا التاريخ صورة أخرى من مشاورات معاوية في خلافة يزيد، ومن بينها كلمات ذلك الأحمق الذي قام فقال: هذا أمير المؤمنين - وأشار إلى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا - وأشار إلى سيفه -. قال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء([9]).
لم يكن عبد الرحمن بن خالد وحده هو الذي طمع في الخلافة بعد معاوية، فهناك سعيد بن عثمان بن عفّان الذي وجد له أنصاراً من أهل المدينة يقولون: والله لا ينالها يزيد حتَّى يعض هامه الحديد، إن الأمير بعده سعيد، ولكن كان أمره هيّناً، حيث خرج من حلبة المنافسة راضياً بولاية خراسان([10]).

من الواضح أنَّ الصراع السياسي كان دائراً على أشدّه حول قضيّة خلافة معاوية، وقد هدَّدت هذه القضيّة الصفّ الأموي بالتفكّك والانهيار، وأنَّ الخلافة اليزيدية لم تكن أمراً مستقرّاً حتَّى في داخل البيت الأموي نفسه، حتَّى أنَّ معاوية اضطرَّ لتأجيل إعلان هذا الأمر إلى ما بعد هلاك زياد، وأنَّ مروان بن الحكم، والي معاوية على المدينة، عارض هذا الأمر بشدّة ما اضطرَّ معاوية إلى اعفائه من منصبه، ويمكننا أن نُرجع هذه المعارضة الداخلية لعدَّة أسباب منها:


أ - إنَّ انتقال السلطة إلى يزيد، من طريق ولاية العهد، كان اقتباساً من النظام السياسي البيزنطي الذي لم يعرفه العرب في سابق تاريخهم، ولعلَّ قرب موقع معاوية من دولة الروم كان مصدر معرفته بهذا النظام الملكي الامبراطوري الذي صار هو النظام السياسي في الأمّة الإسلاميّة في ما بعد.


ب - إنَّ هذا الأسلوب كان إهداراً لنظام الشورى الذي توهَّم المسلمون أنَّه القانون الأساسي للمسلمين. والواقع أنَّ الشورى لم تكن قد مورست بصورة جيّدة في الحِقَب السابقة ممَّا يسمح باستقرار معالمها وأساليب ممارستها. فأن يأتي معاوية لينقل المداراة إلى ديكتاتورية صريحة كان هذا أمراً ثقيلاً على كثيرين، وخاصّة على أولئك الذين توهَّموا أنَّهم أهل الحلّ والعقد، ولم يكن معاوية ليبقي على نفوذهم ولا على وجودهم نفسه، إذا تعارض ذلك مع رغباته السلطوية الجامحة.


ج - صفات يزيد الشخصية وافتقاده الحدّ الأدنى من المقوّمات جعلت زياداً، وهو من هو في بغيه وعدوانه ونسبه، كارهاً لبيعته وإمارته قائلاً: (ويزيد صاحب رَسْلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد)([11]) وكتب إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألاَّ يعجل.


لم تستعص الأغلبية على معاوية ولا على أساليبه، فهناك المتطوّعون السابقون إلى مرضاة الطواغيت، مثل الضحّاك بن قيس والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب، ولا بأس هنا بأن نورد بعضاً من منجزات سمرة، هذا (الصحابي) الذي استخلفه زياد على الكوفة ثمّ عاد إليه فوجده قد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت - أو كما قال -، وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً كلّهم قد جمع القرآن([12]). ثمّ عزله - معاوية - فقال سمرة: لعن الله معاوية، والله لو أطعتُ الله كما أطعتُ معاوية ما عذَّبني أبداً([13]).

لقد أجاد معاوية سياسة (فرَّق تسد)، فلمَّا أحسَّ أنَّ رجالات المدينة يمتنعون من بيعة يزيد، راسلهم أوّلاً ثمّ ذهب إليهم نفسه، في عام خمسين للهجرة، مستعملاً سياسة المخادعة عازفاً على أوتار النفوس ومكامن الأهواء، عالماً أنَّ الأمّة التي أسلمت علياً والحسن لن تجتمع كلمتها خلف الحسين عليه السلام، ومن ثَمَّ فإنَّ المطلوب هو كسب الوقت وتفتيت المعارضة وضرب الناس بعضهم ببعض حتَّى يصل الملك إلى يزيد غنيمة باردة.


نهج الثورة الحسينية

ما أحوج الأمّة، وسط هذا الظلام الأموي وهذه الفتنة العمياء إلى موقف حسيني يبدّد الظلمات، موقف حسيني لا يتحدَّث عن الحقّ وإنَّما يفعله، ولا يفعله فعلاً يراه بعض الناس ويغفل عنه بعضهم الآخر، وإنَّما يفعله فعلاً يبقى مسطوراً ومحفوراً في عمق الأرض وفي عمق الوجدان البشري. ما أحوج الأمّة الإسلاميّة والبشرية كلّها إلى هذا النور المتوهّج لتبقى شمس الحسين تهدي الحائرين وتدلّ السائلين على الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل، بين مرضاة الله وسخطه.

هكذا كانت ثورة الحسين. لم تكن حالة انفعالية نشأت عن حالة الحصار التي تعرَّض لها أبو عبد الله الحسين ولا كانت حركة إلى المجهول أملتها أجواء رسائل البيعة المشكوك في صدقها، منذ البدء كانت فعلاً مدروساً وخططاً منذ لحظة ولادته وبدأت خطوات تنفيذها في اللحظة التي تخيَّل فيها ابن آكلة الأكباد أنَّه لا إسلام حقيقياً بعد اليوم، وليبقَ الدين لعقٌ على ألسنة بعض القادة يصعدون به على أعناق الناس يطلبون الدنيا بادّعاء النسك والزهادة على أن يدعوا ما لقيصر لقيصر، وما تبقّى إن تبقّى شيء فهو لله.


اكتمال عناصر التحرّك

كتب أهل الكوفة إلى الحسين عليه السلام يقولون: ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ([14]). وتوالت الكتب تحمل التوقيعات تدعوه إلى المجيء لاستلام البيعة وقيادة الأمّة في حركتها في مواجهة طواغيت بني أميّة، وهكذا اكتملت العناصر الأساسية للحركة الحسينية، وهي:


أ - وجود قيادة شرعية تمثّل التصوّر الحقيقي للإسلام، وهي قيادة أبي عبد الله الحسين.

ب - وجود الظروف الداعية إلى حمل لواء التغيير، وتتمثَّل في تمادي الفساد الأموي ورغبته في مصادرة إرادة الأمّة مرَّة واحدة وإلى الأبد في شكل مبايعة يزيد (القرود).

ج - وجود إرادة جماهيرية تطلب التغيير وتستحثّ الإمام الحسين للمبادرة إلى قيادة الحركة وكان موقع هذه الإرادة في الكوفة، تمثَّلت في رسائل البيعة القادمة من أهلها.

وهكذا لم يكن بوسع أبي عبد الله الحسين أن يقف من هذه الأمور كلّها موقف المتفرّج الهارب بنفسه من ساحة الوغى أو (الفار بدينه) إلى ساحات الاعتزال والانعزال، وهي جميعها أشكال مختلفة من الهروب والتهرّب من تحمّل المسؤولية، وهو مسلكٌ فضلاً عن ضرره البليغ على الواقع الراهن في تلك اللحظة يعطي المسوّغ لكلّ من تعرَّض لهذه الظروف أو ما شابهها أن يهرب بنفسه وينجو بشحمه ولحمه حتَّى يستوفي الأجل المحتوم، ويبقى في وجدان الأمّة رمزاً من رموز الكهنوت الهارب من مواجهة الشيطان في أرض الواقع واللائذ بالنصوص والمسوّغات.

كان بوسع الحسين عليه السلام أن يفعل مثلما فعل ابن عمر فيبايع بيعة المضطر ليزيد، ونضيف إلى لائحة الروايات التسويغة التي رواها الرجل على لسانه أو على لسان النبيّ الأكرم عدَّة نصوص أخرى ربَّما كانت تحتلّ مكاناً أبرز من نصوص ابن عمرو كان البخاري ومسلم سيحتفلان بها، فها هو ابن الرسول وعلي وفاطمة يوجب السمع والطاعة ليزيد القرود ويدعو إلى توحيد الجماعة صفّاً واحداً خلف حفيد آكلة الأكباد وحفيد أبي سفيان عدوّ الله ورسوله حتَّى آخر نفس.

ولو كان فعل هذا - وحاشاه - لاستشهد به الأفاكون والمنافقون والمخادعون في كلّ موقف يرون فيه ضرورة إسناد حزب الشيطان ومنعه من الانهيار، ولما قال أحد: ثار الحسين رافضاً الظلم واستشهد في سبيل الله، ولماتت هذه الأمّة إلى نهاية الدهر.


إقامة الحجّة وبيان الحقيقة

ثمّ جاء صباح عاشوراء، ووقف الحسين عليه السلام يدعو ربّه:
«اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ورجائي في كلّ شدَّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدَّة، كم من همًّ يضعف فيه الفؤاد وتقلُّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك وشكوته إليك رغبةً منّي إليك عمَّن سواك ففرَّجته وكشفته فأنت وليّ كلّ نعمة وصاحب كلّ حسنة ومنتهى كلّ رغبة»([15]).


ثمّ إنَّ الحسين أضرم ناراً وراء البيوت لئلاَّ يأتيه أعداء الله من الخلف، فجاءه شمر بن ذي الجوشن وقال: يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين: «من هذا؟ كأنَّه شمر بن ذي الجوشن»، فقالوا: نعم أصلحك الله، هو هو. فقال: «يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صلياً». فقال مسلم بن عَوْسَجَة: يا ابن رسول الله جُعلتُ فداك ألا أرميه بسهم. فإنَّه قد أمكنني وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين. فقال له الحسين: «لا ترمِه فإنّي أكره أن أبدأهم»([16]).

سلام الله عليك يا أبا عبد الله، ها أنت، وأنت في قمَّة المواجهة مع أعداء الله من بني أميّة محافظاً على موقف فقهي، وأخلاقي، وعقائدي راسخ.

سلام الله عليك يا من أنت من نور أبيك وأُمّك، ومن نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالإمام علي عليه السلام لم يبدأ أعداءه، أعداء الله يوماً بقتال لا أصحاب الجمل، ولا الخوارج، ولا بني أميّة يوم صفّين، فالقوم أدعياء إسلام دخلوا هذا الدين من بوّابة النبوّة، ولسنا بصدد تكفيرهم ولا استباحة دمائهم.

(فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194)، (فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: 193).

هذا هو المبدأ الراسخ في العلاقة بين أبناء الأمّة المنتمين إليها حتَّى ولو كان ذلك بمجرَّد الاسم والادّعاء. وإن فتح باب التكفير وقتل المسلمين، حتَّى الأدعياء منهم، فإنَّ ذلك يعني فتح باب فتنة لا يُغلَق.




([1]) مسند أحمد 5: 347.
([2]) الموطأ 2: 634/ ح 33؛ سنن البيهقي 5: 280؛ الاستذكار لابن عبد البرّ 6: 347/ ح 1280؛ سنن النسائي 4: 30/ ح 6164، وقد حذف المقطع الأخير منه.
([3]) أنظر: الكافي 5: 492/ باب الرجل يكون له جارية.../ ح 3؛ من لا يحضره الفقيه 4: 380/ ح 5812؛ الاستبصار 3: 368/ ح (1316/2)؛ تهذيب الأحكام 8 : 169/ ح (588/12)؛ مسند أحمد 1: 59؛ صحيح البخاري 3: 5؛ صحيح مسلم 4: 171؛ سنن ابن ماجة 1: 647/ ح 2006؛ سنن أبي داود 1: 507/ ح 2273؛ سنن الترمذي 2: 313/ ح 1167؛ وغيرها من المصادر.
([4]) صحيح البخاري 8 : 12؛ صحيح مسلم 1: 57؛ سنن أبي داود 2: 501/ ح 5113.
([5]) أنظر: تاريخ الطبري 4: 188 - 190.
([6]) أنظر: الكامل في التاريخ 3: 504.
([7]) أنظر: الإمامة والسياسة 1: 143 - 147.
([8]) تاريخ الطبري 4: 171.
([9]) الكامل في التاريخ 3: 508.
([10]) أنظر: تاريخ مدينة دمشق 21: 224.
([11]) تاريخ الطبري 4: 224 و225.
([12]) تاريخ الطبري 4: 176.
([13]) تاريخ الطبري 4: 217.
([14]) مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف: 16؛ تاريخ الطبري 4: 262.
([15]) تاريخ الطبري 4: 321.
([16]) تاريخ الطبري 4: 322.