تأملات في آخر خطبة للإمام في أثناء القتال

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري





أعلن الإمام الحسين في آخر خطاب له استعداده وأصحابه للقتال، وآثروا مصارع الكرام على طاعة اللئام وانتهت لغة الحوار الذي لم يجدِ نفعاً مع قوم استحوذ عليهم الشيطان لتحل محلها لغة السيوف والرماح، ويزحف آلاف الرجال والفرسان وهم بكامل عدة القتال نحو معسكر الحسين وأصحابه، ولم يرغب الإمام أن يبدأهم بقتال حتى كانت البداية منهم، وبدأت المعركة ويصمد أصحاب الحسين وأهل بيته أمام هذا السيل الجارف من الخيل والرجال، يشد ازرهم الإيمان بالقضية التي يدافعون عنها والعقيدة التي آمنوا بها ويريدون التضحية من أجلها، وكانوا صادقين مع أنفسهم ومع سيدهم يدل على ذلك ثباتهم مع الحسين في هذا الطريق من غير تردد... إلى أن لقوا الله تعالى[1] وقد شهد لهم أعداؤهم قبل أصحابهم بالشجاعة.

ومناقب شهد العدو بفضلها*** والفضل ما شهدت به الأعداء

يقول أحد الذين شهدوا المعركة مع ابن سعد: (ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها كالأُسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا تقبل المال...) [2]، وقد أبدع أحد الشعراء في وصفهم بقوله.

قوم إذا نودوا لدفع ملمة*** والخيل بين مدعس ومكردس
لبسوا الدروع على القلوب وأقبلوا*** يتها فتون على ذهاب الانفس

لقد واجه أصحاب الحسين وأهل بيته الموت بصدورهم العارية وحملوا أرواحهم على أكفهم، ولم يتهيّبوا من تلك الجموع الزاحفة نحوهم، لقد أخافوا الموت ولم يخفهم، فهم ماضون في طريق نصر الحسين ابن بنت نبيهم، ويقاتلون من أجل إحياء الدين، ولا يرون الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما، وهو ما عبر عنه إمامهم وقائدهم الحسين، وهكذا أُسقطوا في أرض المعركة واحداً بعد الآخر واحتسبهم الإمام الحسين عند رب رحيم، ولم يبق مع الإمام الحسين سوى أهل بيته الذين تقدموا للقتال بين يدي سيدهم، ودافعوا عن إمامهم ودينهم وعقيدتهم دفاع المستميت، وأَذاقوا العدى الموت الزؤام، وكلما سقط واحد منهم شهيداً بكاه الحسين واحتسبه عند الله، وسقطوا في أرض المعركة واحداً بعد الآخر، وكان آخرَ من استشهد منهم أخوه وحامل لوائه ابو الفضل العباس، قدموا أرواحهم جميعاً في سبيل الله ورسوله وحماية دين الإسلام، اختاروا الموت العزيز على الحياة الذليلة يقول احد الشعراء[3]:

ولما رأوا بعض الحياة مذلة*** عليهم وعز الموت غير محرمِ
أبوا أن يذوقوا العيش والذل واقع*** عليه وماتوا ميتة لم تذممِ
ولا عجب للأُسْدِ إن ظفرت بها*** كلاب الاعادي من فصيح وأعجمِ
فحربة وحشي سقت حمزة الردى*** وحتف علي من حسام ابن ملجمِ

ويجد الإمام الحسين نفسه وحيداً بين الاعداء وهو ينظر إلى أصحابه وأهل بيته مجزرين على أرض كربلاء، فعزم على مواجهة القوم بصدره الشريف، وأطلق صرخته التي دوت في أركان السموات والأرض، ورددها كل حجر ومدر «أما من مغيث يغيثنا، أما من ناصر ينصرنا، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله»، ثم يتقدم الإمام نحو القوم بعد أن ودّع أطفاله وعياله وأوصاهم وصيته الأخيرة، وتفر زمر الاعداء أمامه فقتل من قتل وجرح من جرح حتى وصل إلى شاطئ الفرات وأحاط به القوم من كل جانب وحالوا بينه وبين رحله وخيامه فصاح فيهم:

«ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعراباً كما تزعمون، فقال له الشمر ماذا تقول يا حسين؟ قال الإمام أقول أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس لكم عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجهالكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً...»[4].
       
كانت هذه آخر كلمات الإمام الحسين مع القوم قبل استشهاده، بدأها بلفظة «ويحكم»، وهي اسم فعل فيه دلالة على شدة اللوم والتقريع لمن يناديه، ثم استعمل أسلوب الشرط بعد نداء القوم الذين أضافهم إلى أبي سفيان مستفيداً من دلالة هذا التركيب على الربط بين قضيتين «ان لم يكن لكم دين... فكونوا احراراً» لقد استعمل الإمام اداة الشرط «إن» لما فيها من دلالة على الشك وهو يعرف أن هؤلاء القوم ليس لهم دين يردعهم عن ارتكاب المحرمات ولا يخافون عقاب الآخرة، لذا دعاهم إلى أن يكونوا أحراراً في هذه الدنيا ويعودوا إلى أنسابهم إن كانوا عرباً كما يزعمون، قال الإمام هذا لأن العربي يأنف بطبيعته من الإساءة إلى النساء والأطفال ولو كانوا من أعدائه، هكذا هي أخلاق العرب قبل الإسلام وبعده، وقد عمل الدين الإسلامي على ترسيخ هذا المبدأ ــ وبموجبه دعاهم الإمام إلى منع جهالهم من التعرض لحرمه ما دام حياً ــ طلب منهم أن يقصدوه بنفسه لأنه هو الذي يقاتلهم.

وتستمر المعركة ويتكاثر الأعداء حول الإمام وهم يضربونه بالسيوف ويطعنونه بالرماح ويرمونه بالنبال، وهو يقاتلهم بكل قوة وشجاعة ويفرون من أمامه فهو الحسين بن علي بن ابي طالب ــ بطل توّرث من أبيه شجاعة ــ ويمضي الإمام في قتال القوم، ويحاط به من كل جانب ويقع المقدور ويصاب الإمام بسهم في صدره ويضربه رجل بالسيف على رأسه فيهوي من ظهر جواده ويخر على الأرض صريعاً، وتنعاه ملائكة السماء ويغبر وجه الأرض وتمطر السماء دماً، ويهدم ركن الإسلام وتذل بقتله رقاب المسلمين.

أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم*** وقد نكأت أعداءهم حين سلتِ
وإنّ قتيل الطف من آل هاشم*** أذل رقاب المسلمين فذلتِ

 ويسقط الإمام متردّياً ثياب الموت الملطخة بالدماء من أجل إحياء الدين وعزة المسلمين.

تردى ثياب الموت حمراً فما دجا*** لها الليل الا وهي من سندس خضر

وهكذا تنتهي معركة الطف التي قدّم فيها الإمام الحسين نفسه وأهل بيته وأصحابه قرباناً من أجل دين الإسلام دين جده وأبيه، فاصبح رمزاً خالداً في الدفاع عن العقيدة ومبادئ الدين ورفض الظلم، لقد كان في قتله منتصراً في دينه، في عقيدته، وقد تعلَّمت منه الأجيال في مختلف أنحاء الدنيا كيف أن النصر لا يعني كسب المعركة بمعناه المادي المحسوس، انما النصر في ثبات العقيدة ورسوخ المبدأ وخلود القضية وهذا ما حصل في معركة الطف؛ فقد خرج الإمام الحسين منها منتصراً بالرغم من استشهاده هو ومن معه، انتصر الإمام الحسين لأنه يمثل انتصار الحق على الباطل والدين على البدعة والمظلوم على الظالم انتصر الحسين وكان مناراً خالداً يهتدي به الثائرون وأصحاب الحق والمظلومون في الأرض، وقد أصبح انتصار الحسين مدرسة تعلمت منها الأجيال معاني التضحية والشجاعة والصبر والدفاع عن العقيدة، لقد جسد الإمام الحسين في هذه المرحلة من خطابه قوة العزم والتصميم والارادة في الثبات على المبادئ والدفاع عنها مهما كان الثمن غالياً، وقد استنفد في بنية هذا الخطاب كل مسالك الحوار مع الأعداء، وأخلص في نصحهم وإرشادهم ولكنهم لم يسمعوا ما يقول، وكأنهم قدروا من حجر لا حياة فيه.

لقد أسمعت لو ناديت حياً *** ولكنْ لا حياةَ لمن تنادي

ــــــــــــــ
[1] مختارات من المحاضرات الحسينية 2 / 675.
[2] شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد 1 / 307.
[3] مختارات من المحاضرات الحسنية / 244.
[4] الكامل في التاريخ 3 / 294.

تأملات في خطاب الإمام الحسين في يوم عاشوراء

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

تذكر الروايات التي تحدثت عن واقعة كربلاء في مصادرها المختلفة أن الإمام الحسين بعدما رأى عزم القوم على قتاله، وإصرارهم على تنفيذ أوامر الطغاة، وعدم استماعهم إلى نداء الحق والعقل، ركب جواده وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه ووقف بإزاء القوم وقال: «يا قوم إن بيني وبينكم كتاب الله وسنة جدي رسول الله ثم سألهم عما أقدمهم على قتله، قالوا: طاعة للأمير عبيد الله بن زياد».

فقال[1]: «تباً لكم ايتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلا لكم الويلات، تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثم نفضتموها فسحقاً لكم يا عبيد الامة وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصبة الآثام ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن، ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنا تخاذلون؟ اجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه اصولكم وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم اخبث ثمر، وشجى للناظر، وآكلة للغاضب، الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجـور طابت وطهرت، وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، الا واني زاحف بهذه الاسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر». ثم أنشد أبيات فروة بن مسيك:

فان نهزم فهزامون قدماً*** وان نهزم فغير مهزمينا
وما ان طبنا جبن ولكن*** منايانا ودولة آخرينا
اذا ما الموت رفع عن أناس*** كلا كله أناخ بآخرينا
فلو خلد الملوك اذن خلدنا*** ولو بقي الملوك اذن بقينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا*** سيلقى الشامتون كما لقينا

اما والله لا تلبثون بعدها الا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليّ أبي عن جدي.

((فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ)) يونس/71، ((مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ)) هود/55.

«اني توكلت على الله ربي وربكم وما من دابة الا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم، اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنيناً كسني يوسف، فإنهم غرونا وكذبونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير»[2].

الناظر في بنية هذا الخطاب وتراكيبه وأساليب التعبير فيه يجده يختلف بصور تامة عما تقدم من خطابات الإمام من خلال مسيرته، ذلك أن هذا الخطاب جاء في مقام استنفذ قبله الإمام الحسين كل الوسائل الممكنة لإقناع القوم بما هو مطلوب منهم، ومن هنا جاء هذا الخطاب ليمثل إعلان القتال الذي لا مناص منه وبيان استعداده لمواجهة القوم الظالمين، ومن هنا أراد الإمام الحسين لهذا الخطاب، وهو الأخير قبل بدء القتال، أن يكون مختلفاً في أسلوبه وتراكيبه اللغوية أولاً، وأراد الإمام الحسين لنفسه أن يظهر أمام القوم بمظهر يختلف عما ظهر به في خطاباته السابقة، وقصد الإمام من هذا أن تكون هيأته حجة أخرى على هؤلاء القوم الذي يعقدون العزم على قتل ابن بنت نبيهم وابن وصيه، تقول الرواية: «إن الإمام الحسين ركب جواده وأخذ مصحفاً ونشره فوق رأسه ثم حمل سيف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولبس درعه واعتم بعمامته السحاب»[3].

لقد أظهر الإمام من خلال هذه الهيأة انه الوارث الشرعي لجده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه يحمل من ميراث جده أهمّ ما يعتز به العربي في حياته سلاحه ودرعه وعمامته، لقد جسد الإمام من خلال هذه الهيأة صورة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليتعظ بها من لم يتعظ بالكلام، انها صورة تعود بذاكرة القوم إلى أيام الرسالة والدعوة المحمدية وتذكرهم بشخص الرسول وكأنه ماثل امامهم الآن، وهم يرون في شخص الحسين وهو يتقلد سيف الرسول ويعتم بعمامته شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا تجاوزنا الهيأة التي برز فيها الإمام الحسين لمخاطبة القوم إلى بنية الخطاب الذي تحدث به أمامهم بهذه الهيأة نجد فيه اختلافاً كبيراً في أسلوبه وبناء تراكيبه والهدف منه، واذا كان الطابع المهيمن في خطاباته السابقة هو الوعظ والإرشاد فإن طابع هذا الخطاب هو اللوم والتقريع والدعاء على القوم، لقد جاءت تراكيب هذا الخطاب محملة بشحنات دلالية مكثفة لترسم صورة الغضب الحسيني على القوم الذين استحوذ عليهم الشيطان، وتنهي لغة الحوار والخطاب التي بدأها الإمام مع هؤلاء القوم من أول لقاء مع الحر وأصحابه، وتحل محلها لغة السلاح والقتال، ذلك ان كل ما وعظ به الإمام وما ذكرهم به لم يجد نفعاً معهم ولم يغير شيئاً من أفكارهم.

ويمكن أن نلمح في بنية هذا الخطاب ثلاثة اتجاهات: الاتجـاه الأول: توبيخ القوم وتـأنيبهم بقسـوة علـى عـدم استجـابتهم لنـداء العقـل وما ارتكبـوه من ظـلم بحق أهل البيت، ويبدو واضحـاً أن المقام اقتضى هذا النوع من الخطـاب القاسي، لأنه يخاطب قوماً عقدوا العزم على قتله ومن معه، ولم يتّعظوا بكل ما قاله لهم ولم يحفظوا قرابته من رسول الله.

الاتجاه الثاني: يمثل القرار النهائي الذي اتخذه الإمام نظراً لإصرار القوم على القتال وعدم الاستجابة لكل ما بيّنه لهم الإمام، فلم يبق أمام الحسين من خيار سوى المركب الصعب وهو القتال حتى النصر أو الشهادة.

الاتجاه الثالث: بيان النهاية الحتمية لهؤلاء القوم وما ينتظرهم من مصير مظلم بعد قتلهم الإمام الحسين، ولا يكون ذلك بعيداً انما هو قريب جداً، وقد وصفه الإمام بقوله «ريثما يركب الفرس» كناية عن سرعة نهايتهم.

بدأ الإمام خطابه بالدعاء وقد هيمن الأسلوب الإنشائي على بنية المقطع الأول من الخطاب (دعاء، نداء، دعاء، استفهام، تحضيض...)، وهذا ما يلائم المقام الذي ألقى فيه الإمام خطابه فقد قصد منه تأنيب القوم وتقريعهم بعد استنفاد وسائل الإقناع معهم لردعهم عما يريدون الإقدام عليه من عمل فيه إغضاب لله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «تباً لكم أيها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم».

حين ننظر في الكلمات والتراكيب التي تألف منها هذا المقطع نجد انها تندفع بقوة من نفس يحز الالم في جوانبها لتقرع أسماع هؤلاء القوم وتقض مضاجعهم، وهي تحمل في طياتها شحنات من العتاب المر الذي خرج إلى دلالة اللوم الشديد والتقريع.

بدأ الإمام خطابه بالدعاء على هؤلاء القوم مستعملاً صيغتين من صيغ المصادر بحالة النصب «تباً وترحاً» وهذا يعني انه بنى هذا الأسلوب من الدعاء على التركيب الفعلي الذي يدل على الحدوث والتجدد، وكأنه يريد لهذا الدعاء أن يظل مستمراً ومتجدداً على هؤلاء القوم في حياتهم وبعد مماتهم، وكأن الله قد استجاب هذا الدعاء من الإمام الحسين، فظلت اللعنة تلاحقهم إلى يومنا هذا، وبعد الدعاء وجه الإمام استفهاماً كبيراً للقوم عن مقابلة الإحسان بالإساءة، وقد جعل الاستفهام مسلطاً على الظرف لتأكيد الزمن الذي استجاب فيه الإمام لدعوة القوم، لقد كان هذا الاستفهام يلاحق القوم ويقرع أسماعهم باحثاً عن جواب لا يملكونه، ويبدو من خلال النص أن الإمام ناسب بين نهايات التراكيب بألفاظ متماثلة في الإيقاع الصوتي «والهين، موجفين، أيمانكم، عدوكم»، لتضفي على الخطاب جواً من الموسيقى المتناغمة، وقد منح صوت النون الذي تكرر ست مرات في هذا المقطع نوعاً من التنغيم الهادئ المؤثر، وكأنه يوحي بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وحين نركز في البنية الصوتية لألفاظ هذا المقطع نجد ان الإمام قصد إدخالها في مواضعها قصداً لما في دلالة أصواتها ومن إيحاءات بالتعبير عن ظلال من المعاني الهامشية تؤلف الصورة النهائية للمقطع، فالألفاظ «تباً وترحاً، استصرختمونا، حششتم» ازدحمت فيها طائفة من الأصوات الشديدة والأصوات التي فيها تكرار لتوحي بجو من الغضب والألم يقول أحد الباحثين: «كشفت الأصوات الشديدة (الباء، والتاء) وصوت المد الالف وسعته وارتداد صوت الراء في الألفاظ (تباً وترحاً) عن الغضب الشديد والألم»[4].

أما لفظة «استصرختمونا» بأصواتها الأحد عشر ومقاطعها الستة فقد استعملها الإمام بدلاً من دعوتمونا، لأنها تؤدي دلالة لا يمكن أن تؤديها «دعوتمونا»، ذلك أن الاستصراخ يكون في الحالات القاسية والصعبة، وقد أضفى تقارب المخارج في أصوات هذه المفردة والصفير الذي يبدو واضحاً من خلال صوتي الصاد والسين وطول هذه المفردة وتعدد أصواتها كل ذلك يوحي بدلالة القلق والاضطراب وهي مذكورة صفة تلازم من يستصرخ غيره وتتطلب من المتلقي سرعة الاستجابة، وهذا ما يمثل طبيعة أهل العراق حين دعوا الإمام وطلبوا منه القدوم إلى بلدهم، فقد كان حالهم يسودها الاضطراب والقلق والخوف، وقد اتضح ذلك من كثرة الرسائل والوفود التي أرسلوها إلى الإمام وفيها إلحاح شديد على طلب القدوم منه ــ ولهذا عبر الإمام عن سرعة استجابته لهذا الاستصراخ بقوله «فأصرخناكم مو جفين» وهذا التركيب فيه ايحاء بالدلالة على سرعة الاستجابة وقوتها، لأن الايجاف في اللغة يدل على قوة الاستعداد وسرعة الاستجابة، لقد كان استعمال الإمام دقيقاً في التعبير عن وضع أهل العراق واستجابته لدعوتهم، فقد كانوا في وضع يسوده الاضطراب والقلق والحيرة وقد وجدوا في شخص الإمام الحسين منقذاً لهم من هذا الوضع فانهالت عليه كتبهم ورسلهم بإلحاح، وحين استجاب الإمام لما طلبوه وقدم إلى بلدهم وجدهم بوجه آخر وهو ما عبر عنه في المقطع الثاني من خطابه وأوضح لهم فيه الخطأ الكبير الذي انزلقوا إليه والمأزق الكبير الذي أوقعوا فيه أنفسهم فهم بدلاً من الوقوف مع الإمام الذي أسرع إلى إجابة دعوتهم واستصراخهم له وقفوا في صف أعدائه وحملوا أسلحتهم لقتاله وسلوا سيوفهم لقتله وهو موقف يثير الاستغراب والتساؤل عما غير أفكارهم وجعلهم يختارون الوقوف مع الظالم ضد المظلوم ومع الباطل ضد الحق ويختارون الدنيا الفانية على الآخرة الخالدة. يقول:

«سـللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً لاعدائكم على اوليائكم بغير عدل افشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم».

لقد كان الإمام الحسين واضحاً في هذه الفقرة من خطابه فقد كشف عن هذا التغير العجيب في مواقفهم والانقلاب السريع في أفكارهم ونواياهم مستعملاً صيغة الفعل الماضي للدلالة على انتهاء الحدث ووقوعه «سللتم ــ حششتم ــ أصبحتم». قال الإمام هذا لأن من دعاه إلى القدوم ونذر نفسه لنصره يقف الآن في صف أعدائه، والسيف الذي ادخره الإمام في أيمانهم لقتال عدوه وعدوهم يرفعونه اليوم في وجهه ويسلونه لقتله وقتل أصحابه، والنار التي اقتدحها الإمام فيهم لتحرق الأعداء توجهت ألسِنة لهبها إلى نحر الحسين وأصحابه.

لقد حملت هذه القطعة من الخطاب عتاباً مراً لهؤلاء القوم على ما فعلوه بأنفسهم وما يريدون فعله، وقد حملت الألفاظ التي تألفت منها تراكيب هذه القطعة دلالات تعبر عن شدة الألم الذي سببه هؤلاء القوم للإمام الحسين.

فألفاظ مثل «اقتدحناها وحششتم وإلباً» تحمل في طياتها وتأليف أصواتها دلالة على التكثير وقوة الاتقاد والكثافة والتغير والانقلاب[5].

لقد كان الإمام صريحاً في حديثه مع القوم عن واقعهم وزيف حياتهم، حدثهم عن استجابته السريعة لاستصراخهم ثم انكفأوا عليه وأصبحوا مع أعدائه، على الرغم من أن هؤلاء الاعداء لم يسيروا معهم بعدل ولم يكن لهم أمل فيهم سوى العيش الخسيس[6] وحياة الذل والهوان.

لقد وجه الإمام اللوم لهؤلاء القوم لأنهم ارتضوا هذا الواقع لأنفسهم وأصبحوا يداً لأعدائهم على اوليائهم، ولم يسلكوا طريق الحق في التعامل مع الإمام الحسين حين قدم إلى بلدهم بدعوة منهم فخذلوه ولم يكتفوا بالخذلان انما وقفوا في صف أعدائه وحملوا سيوفهم لقتله يقول:

«فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ثم نفضتموها، فسحقاً لكم ياعبيد الامة ونبدة الكتاب ومحرفي الكلم وعصابة الاثم ونفثة الشيطان ومطفئي السنن».
لقد بنى الإمام هذه القطعة من خطابه بتراكيب تنبعث منها رياح التأنيب والعقاب المر لهؤلاء القوم على ما ارتكبوه من أخطاء بحق أوليائهم من أهل البيت، وقد بدأت القطعة بالتحضيض وهو أسلوب يدل على اللوم الشديد والتوبيخ، ثم أتبعه بالدعاء عليهم لانهم تخلوا عن أهل البيت وتركوهم في وقت لم تتضح فيه الامور ولم تستقر الآراء باتجاه ثابت فما أسرعهم في الانقلاب والتخلي عن العهود والمواثيق وعن البيعة التي أسرعوا إليها وتهافتوا عليها، وقد استعمل الإمام تشبيهاً جميلاً لوصف هذه الحالة، وهو وصف مستوحى مما ورد في نهج البلاغة عن هذا الأمر[7] يقول:

«أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش».

لقد عبر الإمام بهذا الوصف عن صورة تحمل طائفة من المعاني الحسية «السرعة الكثرة الضعف».


يقول أحد الباحثين: «وقد تجلى من خلالها عمق المعنى القائم على أن العهود والمواثيق في الكتب قد جاءت لضعف هؤلاء القوم وعدم قدرتهم على مقاومة الظالم، فأسرعوا وتدافعوا للاستنجاد بإمامهم ولكن هذا الاسراع والتزاحم لم يأت عن بصيرة، وانما جاء رغبة وطمعاً في الدنيا فحالهم كحال طيرة الدبا التي تتسابق نحو النور، وتزدحم فتمتاز بسرعتها الناجمة عن خفة وزنها وضعفها وهي بذلك تشابه هؤلاء القوم في الكثرة والسرعة والضعف»[8].

لقد كانت هذه الصورة دقيقة جداً في وصف هؤلاء القوم، وكان اختيار الإمام لهذا النوع من الكائنات «الدبا والفراش» موفقاً في تصوير حالة القوم ذلك «أن هذا الكائن لما كان بهذا الحجم من الصغر، فهذا دليل على ضعفه وهوانه، فكذلك حال أهل الكوفة فهم بهذه الدرجة من الضعف والهوان والمسكنة حينما أرسلوا كتبهم ورسلهم التي تطلب المنقذ والمخلص لهم من ضنك التعسف والجور»[9].

ويبدو واضحاً من خلال ما تقدم أن هذه الصورة رسمت لوحة الموقف رسماً يقترب من الماديات. وقد سبق للإمام علي (عليه السلام) أن رسم مثل هذه الصورة لبيعته في نهج البلاغة.

وبعد هذه الصورة التي تكاد تنطق بحال هؤلاء القوم انتقل الإمام إلى الدعاء عليهم بقوله «سحقاً لكم» ويبدو واضحاً أن استعمال الدعاء بهذا الأسلوب فيه دلالة على إرادة الاستمرار والتجدد، لأنه مبني على التركيب الفعلي، ثم يضع الإمام طائفة من التراكيب التي تصف هؤلاء القوم وتجسد الصورة الحقيقية التي تتمثل فيهم، والناظر في هذه التراكيب يجد في كل تركيب منها صورة جديدة تختلف عنها في التركيب الآخر وحين تأتلف هذه الصور مع بعضها ترسم لنا لوحة متكاملة الأبعاد وتمثل الوجه الأسود الكالح لهم فهم «عبيد الامة، شذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصابة الاثم ونفثة الشيطان ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الانبياء...». كل هذه الصفات السيئة تمثل الصورة الحقيقية التي عليها هؤلاء القوم. ولا يمكن لشخص فيه هذه الصفات أن يكون مستقيماً في حياته وتصرفاته، ولاشك ان كل واحدة من هذه الصفات كفيلة ان تهد مجتمعاً بأكمله فكيف بها حين تجتمع كلها.

وبعد هذا الوصف المتتابع لهؤلاء القوم خاطبهم بقوله:

«ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون، أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر، شجى للناظر، واكلة للغاصب...».

بدأ الإمام بلفظة «ويحكم» وهي توحي بشدة اللوم والتأنيب الممزوج بالتعجب وقد عزز هذا وجود همزة الاستفهام في هذا السياق وهي تحمل دلالة واضحة على العجب من موقف هؤلاء القوم وقد جعل الإمام الاستفهام مسلطاً على الاسم دون الفعل، لأنه لايريد التعجب من فعلهم انما أراد التعجب من نصرهم هؤلاء القوم الظالمين، ولهذا قدم هؤلاء على الفعل تعضدون، لأن الحدث قد وقع وأصبح حقيقة فهم تخاذلوا عن الإمام ووقفوا مع أعدائه وشهروا سيوفهم ضده، وهذا هو الواقع الذي هم عليه الآن، فلا يستغرب الإمام من هذا الحدث، لأن الغدر صفة ملازمة لهم وقد سبق لهم ان غدروا بأبيه وأخيه وابن عمه، فليس بمستغرب منهم أن يغدروا به، وقد بنى الإمام تراكيب  كلامه على البنية الاسمية التي تدل على ثبات هذا الوصف ودوامه، وقد قدم الإمام لفظة الغدر بصيغة التنكير لتكون شاملة ويكون الاهتمام موجهاً إليها، وقد وصف غدرهم بأنه قديم فيهم يقول: «وشجت عليه أصولكم وتآزرت عليه فروعكم». ويمكن أن نلمح تأثير البناء الصوتي للفعل «وشجت» بأصواته التي تفاوتت بين الشدة والرخاوة[10]. في الدلالة على شدة الترابط والتلاحم، يقول أحد الباحثين:

«فيها إيحاء يفضي إلى شدة التلاحم والتشابك في الفروع والاصول لهؤلاء القوم قد لايصوره لفظ آخر، فمنح الفعل (وشج) دلالة إيحائية سرحت بذهن المتلقي إلى صورة تلك الجذور المتشابكة وتقاسم الحياة البشرية في جزأين (الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة»[11].

وفي ضوء هذه الصفة التي وشجت عليها الأصول، وتآزرت عليها الفروع فقد أصبحوا يمثلون أخبث الثمر الذي يشجي عين الناظر إليه ويؤذيها، وصاروا من ذلهم وهوانهم أكلة للغاصبين فلا يستطيعون رداً ولا يمتلكون القدرة على مواجهة الظلم.

وبعد هذا الوصف الدقيق الذي قدمه الإمام ورسم من خلاله صورة لحقيقة هؤلاء القوم وواقعهم انتقل في خطابه إلى أمر في غاية الأهمية حدد من خلاله القرار النهائي الذي أراده هو وأصحابه يقول:

«ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من ان نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، الا واني زاحف بهذه الاسرة مع قلة العدد، وخذلان الناصر». ثم تمثل بأبيات فروة بن مسيك:

فإن نهزم فهزامون قدماً*** وإن نهزم فغير مهزمينا

... وقد تقدم ذكرها.)[12].

بدأ الإمام هذه الفقرة من خطابه بأداة التنبيه (ألا) ليلفت نظر القوم إلى المسألة التي يريد الإشارة إليها وبيانها وتتمثل بتحديد نسب هذا الأمير الذي يسيرون بأمره وينفذون إرادته، وقد وصفه الإمام بصفة هي الحقيقة التي يعرفها أهل العراق، فعبيد الله بن زياد أبوه من ادعياء العرب وقد ادعاه أبو سفيان وألحقه بنسبه وكان قبلها يسمى زياد بن أبيه فهو دعي في النسب ولذا جاء وصف الإمام بأنه دعي ابن دعي، لقد أراد الإمام من خلال هذا أن يذكر القوم بحقيقة قد تكون غائبة عن الأذهان هي أن هذا الرجل الذي يأتمرون بأمره وينفذون رغبته ويتابعونه ويخذلون ابن بنت نبيهم وولي أمرهم هو من أدعياء العرب المطعون في نسبهم.

وبعد تذكير الإمام هؤلاء القوم بواقع هذا الأمير أخبرهم انه ركز بين اثنتين بين السلة والذلة. ويقصد الإمام بهذا القول الخيارات التي يريدها ابن زياد وهي الخضوع لأسياده من بني أُمية أو القتل. وحينما يطلق الإمام كلمته المشهورة التي أصبحت فيما بعد شعاراً خالداً للمسلمين عامة وشيعة أهل البيت خاصة «هيهات منا الذلة»، والناظر في بنية هذا التركيب يلمح فيه دلالة على الرفض القاطع للنزول على حكم يزيد، لأن اسم الفعل هيهات الذي بدأ به التركيب فيه دلالة على معنى البعد الذي لا حدود له، حتى يصل إلى معنى الاستحالة لحدوث ما بعده.

وتقديم شبه الجملة «منا» على الذلة فيه دلالة كبيرة على تأصيل الرفض عن الإمام وأصحابه وتأكيده، وفيه تخصيص لهذا المبدأ فيهم. ومن هنا «فإن شيئاً من ذلك لم يحصل لأن الذلة الحقيقية إنما تحصل لو حصلت المبايعة للحكم الاموي والخضوع له، تلك هي الذلة التي تجنبها الحسين (عليه السلام) بكل جهده وضحى ضدها بنفسه»[13].

وفي هذا السياق يبين المرتكزات الأساسية لرفضه الذلة والخضوع لإرادة الظالمين، ومن أهم هذه المرتكزات ان الله ورسوله والمؤمنين لايرتضون منه ذلك، وتأبى ذلك أيضاً حجور طابت وطهرت ونفوس أبيه وأنوف حمية. وهذه هي صفات الحسين وأصحابه التي لا يمكن لها بأي حال من الأحوال تقبّل الذل والهوان مثلما يفعل غيرهم من البشر، ومن هنا كان الاختيار الصعب والقرار الشجاع الذي اتخذه الإمام وأصحابه، انه خيار الحرب والقتال بالرغم من عدم التكافؤ بين الفريقين في العدد والعدة والإيمان بالقضية. وقد عبر الإمام عن هذا القرار بقوله: «الا واني زاحف بهذه الاسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر». إن هذه التراكيب تمثل إعلان القتال ودخول الحرب بالرغم من كل الصعوبات التي تحيط بالإمام وأصحابه من قلة العدد والعدة وتخلي الناس عن نصرهم، نعم قرر الإمام خوض المعركة مهما كانت النتيجة التي تصل إليها؛ لذا نراه يحدد نتيجة القتال من خلال تمثله بأبيات فروة بن مسيك المرادي التي وظفها الإمام في سياق خطابه توظيفاً رائعاً فجاءت دلالاتها منسجمة مع سياق الخطاب ومعبرة عن رأي الإمام في هذه المعركة. ذلك أن واقع الحال في كل معركة ان تنتهي بانتصار أحد الفريقين وخسران الآخر على الأرض، وهذا الواقع هو الذي جسدته هذه الأبيات بدقة. فالإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه فرسان العرب وشجعانها، وقد شهدت لهم ميادين القتال ومعارك المسلمين، وهم ينطلقون من عقيدة راسخة في نفوسهم وهم أصحاب حق مغتصب، دعوتهم شهادة في سبيل الله ورسوله، وقتالهم جهاد في سبيل العقيدة ونصرة أهل البيت، ومن هذه المبادئ يستمدون القوة والصمود في قتالهم مع الأعداء الظالمين، فإذا هزموا أعداءهم فهذه هي عادتهم في قتالهم مع الأعداء، وإن كانت الأخرى وهمزمهم أعداؤهم وكسبوا المعركة فلم يحدث هذا عن جبن وتقصير أو خوف أو تردد في القتال، انما هو أمر مقدر وهو وقت مناياهم وحياة الآخرين ودولتهم، وان تحقق هذا فهو نصر مادي لا قيمة له في الواقع وسوف تكون نهاية الظالمين الخزي وخسران الدنيا والآخرة. وهذا ما صورته الابيات التي تمثل بها الإمام في خطابه وتقدم ذكرها.

فإن نهزم فهزامون قدمـاً*** وإن نهزم فغيـر مهزمينـا
ومــا إن طبنـا جبن ولكن*** منـايانا ودولـــة آخـرينـــا
فقـل للشامتيـن بنا أفيقـوا*** سيلقى الشامتون كما لقينا

وقبل أن يقع السيف بين الفريقين فيكون كل منهما أُمة كما عبر عن ذلك أحد أصحاب الحسين، بيّن الإمام الحسين لهؤلاء القوم النهاية التي تنتظرهم بعد قتله، وأخبرهم أن الدنيا التي باعوا كل شيء من أجلها لن تدوم لهم ولن يطول بقاؤهم فيها وسوف يخسرون دنياهم كما خسروا آخرتهم يقول:

«أما والله لاتلبثون بعدها الا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور عهد عهده إليّ أبي عن جدي...».

لقد كان وعداً صادقاً وسريعاً كما وصفه الإمام فلم يلبثوا بعد قتله الا قليلاً وسلط الله عليهم من يقتلهم ويمزقهم شر تمزيق وباءوا بغضب الله وسخطه، وكان مصيرهم النار فخسروا الدنيا والآخرة. بدأ الإمام هذه الكلمة بأداة الاستفتاح «أما» ثم أعقبها بالقسم لكي يؤكد لهم صدق مايقول، وهو أنهم لايتمتعون بهذه الدنيا التي قتلوه من أجلها ولن يلبثوا فيها إلا قليلاً من الوقت، وقد استعمل الإمام الكناية للدلالة على سرعة خروجهم من هذه الدنيا بقوله «الا كريث ما يركب الفرس» ونلمح في هذا التركيب دلالة على قرب نهايتهم وسرعتها، ذلك أن هذه الدنيا لا يمكن أن تدوم لأحد ولايثبت فيها سلطان فهي متصرفة بأهلها من حال إلى حال وقد وصف الإمام حركة الدنيا بدوران الرحى على محورها، لقد كان الإمام دقيقاً في وضع هذه الصورة المحسوسة لحركة الدنيا وعدم ثباتها أمام هؤلاء القوم، ولكي يؤكد الإمام ما وعد به القوم من قرب نهايتهم أخبرهم أن هذا عهد عهده إليه أبوه عن جده، وهذا يمثل صدق قوله، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ثم ختم الإمام كلامه مع هؤلاء القوم بآيتين من القرآن الكريم لهما دلالة واضحة على استعداد الإمام وأصحابه للقتال وخوض المعركة مع هؤلاء القوم الذين استحوذ عليهم الشيطان. وحين ننظر في الأحداث التاريخية بعد مقتل الإمام الحسين نجدها تحدثنا عن نهاية الذين اشتركوا في قتال الحسين، فلم يمر وقت طويل على قتلهم الحسين حتى دارت بهم الدنيا سريعاً كما وعدهم الإمام وسلط الله عليهم من قتلهم شر قتلة وترامى الأطفال رؤوسـهم في أزقة الكوفة، وكأنه سبحانه وتعالى قد استجاب دعاء الإمام عليهم في آخر كلمته.

«اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنيناً كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف فإنهم غرونا وكذبونا وانت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير».

لقد دعوه لينصروه ثم تخلوا عنه وخذلوه، ووقف كثير منهم في صف أعدائه، فكان هذا الدعاء الذي أنهى به الإمام خطابه لتنتهي معه لغة الحوار وتبدأ بعدها لغة السيف والقتال بعد أن عجزت تلك اللغة من تحقيق أهدافها، وقد أعلن الإمام ومن معه توكله على الله الذي هو ولي كل شيء وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وبدأت المعركة بين الإمام وأصحابه وبين أعداء الله ورسوله معركة الحق ضد الباطل والعدل ضد الظلم، معركة خاضها الإمام الحسين وأصحابه من أجل الدين والعقيدة وقدموا فيها أرواحهم لحماية مبادئ الدين الإسلامي من الانحراف.

ـــــــــــــــــــ
[1] ينظر مقتل الإمام الحسين / المقدم 1 / 289، الخوارزمي / 120.
[2] الفتوح 5 / 213، الاحتجاج 2 / 12، مناقب أبي طالب 4 / 119.
[3] تأملات في زيارة وارث / 169.
[4] التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية/59 وينظر سر الفصاحة/23 والأصوات اللغوية/24.
[5] ينظر التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية /60 وكتاب العين / حش 3/153.
[6] ثورة الإمام الحسين /145.
[7] ينظر نهج البلاغة 2/55.
[8] التصوير الفني في خطب المسيرة الحسنية /71، وينظر حياة الحيوان 2/136.
[9] نثر الإمام الحسين / دراسة بلاغية /26.
[10] ينظر الاصوات اللغوية /25.
[11] التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية /59.
[12] ينظر مقتل الإمام الحسين الخوارزمي 2/9، والاجتياح الطبرسي 2/22.
[13] اضواء على ثورة الإمام الحسين /99.

هل تأثر الخطاب الحسيني بعوامل المكان والزمان

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

لم يكن المقام الذي قيل فيه الخطاب الحسيني متماثلاً ولا مقاماً اعتيادياً، لم يكن المقام متماثلاً لانه قيل في أماكن مختلفة وعبر فيه الإمام عن أهداف متنوعة، لقد بدأت مسيرة هذا الخطاب في المدينة وحين انتقل الإمام منها إلى مكة وأقام فيها اتخذ خطابه مساراً محدداً، وحين عزم على مغادرة مكة والمسير إلى العراق حدث تغير في المسار العام لهذا الخطاب وأصبح مرتبطاً بالأحداث التي قيل فيها، ويمكن ان نجد مثل هذا حين وصل الإمام إلى كربلاء وأمر أصحابه بالنزول فيها، ويمكن القول: إن اختلاف الاماكن التي مر بها الإمام الحسين والأحداث التي واجهت مسيرته أسهمت بشكل كبير في اختلاف المقام بين خطاب وآخر، أمّا كون المقام غير اعتيادي فلأنه مقام اعداد لثورة ودفاع عن عقيدة وتغيير مجتمع بدأ ينسلخ من دين الإسلام ويتجه اتجاهاً مغايراً، ومن هنا تأتي إشارة الإمام الحسين في واحد من خطاباته إلى انه يدعو إلى إحياء السنة وإماتة البدعة التي بدأت تسود في أوساط المجتمع الإسلامي في ظل الحكم الاموي.


وبصرف النظر عن تعدد المقامات في أجزاء الخطاب الحسيني وارتباط كل خطاب بالمكان والظرف الذي قيل فيه؛ فان الخطاب الحسيني في معركة الطف بمختلف أجزائه يرتبط بمقام عام هو الثورة ضد الظلم والفساد والانحراف والباطل، ومن هنا نجد الإمام الحسين يركز في مجمل خطابه وبمختلف الأبعاد التي يمثلها على أمور من أهمها.

1 - الوعظ والارشاد من أجل العمل بمبادئ الدين الإسلامي والحفاظ عليها.

2 - التزهيـد في الدنيا و الدعوة إلى عدم الاغترار بها لانها لا تدوم على حال، والدعوة إلى العمل من أجل الآخرة.

3 - كشف الحقيقة التي يمثلها الحكام الامويون، وبيان أعمالهم السيئة أمام المسلمين.

4 - الترغيب في الجهاد والثورة ضد الظلم والظالمين ونصرة الحق وأهله.

5 - الدعوة إلى نصرة الدين الإسلامي وإحياء مبادئ الرسالة المحمدية بعد أنْ بدأ الناس بالانحراف عنها وإحياء البدع وإماتة السنن.

6 - كشف الأهداف التي ثار من أجلها وامتنع عن إعطاء البيعة ليزيد مركزاً على أنّ الهدف الأساس من خروجه ودعوته هو طلب الإصلاح في امة جده، ومن هنا فهو لا يبالي بما يحصل من نتائج في سبيل تحقيق هذا الإصلاح وان كانت حياته ومن معه هي الثمن وهذا ما حصل فعلاً.

وفي هذه المقامات التي يجمعها مقام عام صاغ الإمام تراكيب خطابه في مراحله المختلفة، وقد اتضحت في أسلوب هذا الخطاب ودلالاته أبعاد مختلفة مثلت البناء العام لهذا الخطاب والمنطلقات التأسيسية لأفكاره العامة بوصفه مدرسة يفيد منها المتلقي في مختلف ميادين الحياة، ويمكن تحديد أهم هذه الأبعاد بما يأتي.

1- البعد التوحيدي


الإمام الحسين حامل رسالة وإمام معصوم، وهو مؤمن بإرادة الله راض بما يقدره عليه، يلتجئ إليه في كل الامور ويستمد منه العون، وقد مثل هذا الاتجاه مساحة كبيرة من بنية الخطاب الحسيني، وتضمنت بنية خطابه كثيراً من التراكيب التي تعبر عن الإيمان بوحدة الله والرضا بقضائه وتسليم الأمر إليه، ويمكن أن نجد ظلالاً من معاني الوعظ والإرشاد في هذا الاتجاه، يقول:

«رضا الله رضانا أهل البيت رضىً بقضائك وتسليماً لامرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين».

وتبدو نزعة التوحيد واضحة في هذا النص، وفي كثير من النصوص نجده يشير إلى اعتصامه بحبل الله وتوكله عليه وهو يحتسب كل شيء عنده، ويمكن أن نجد كثيراً من الصور التي تمثل هذا البعد في خطاب الإمام الحسين[1]، ويمكن القول: إن هذا هو الذي يمثل الاتجاه الغالب في بنية الخطاب الحسيني.

2- البعد الحماسي


الخطاب الحسيني خطاب ثورة، وخطاب معركة فلا غرابة ان يمثل البعد الحماسي جانباً كبيراً من بنية هذا الخطاب سواء أكان ذلك فيما قاله أم فيما تمثل به، ذلك أن خطاب الحرب والقتال وما ينصرف إليه من دلالات تمثل الدفاع عن الهدف وإقناع السامع بما يقوله المنشئ، كل ذلك يتطلب توافر الخطاب على جانب حماسي، ويبدو ذلك واضحاً في مختلف مراحل خطابه ويزداد بروز هذا البعد خلال المعركة، وغلبة هذا الجانب هو ما يتطلبه المقام العام الذي قيل فيه الخطاب، لأن مثل هذا المقام لا يجوز فيه إظهار الضعف والاستسلام في مخاطبة العدو فيجعله طامعاً في المزيد، ومن هنا كان من الواجب إظهار الحماس والقوة والشجاعة في الخطاب والابتعاد عن مبدأ الخضوع، لذا نجد التراكيب التي تمثل هذا البعد تسيطر على كثير من فقرات الخطاب الحسيني، أو ما تمثل به من كلام العرب، وقد وصف الإمام الحسين بانه «سيد أهل الإباء»[2]، لقد كان هذا الوصف دقيقاً في بيان موقف الإمام في معركة الطف، فقد وقف شامخاً أبياً صامداً في أرض كربلاء ورياح الحرب تعصف حوله من كل جانب، وظل كذلك حتى آخر لحظة من حياته، قال في المعركة مرتجزاً.

الموت اولى من ركوب العار *** والعار أولى من دخول النار

وصرخته الخالدة «هيهات منا الذلة» تجسد أعظم صورة للإباء ورفض الخضوع مهما كانت النتيجة، وموته بعز أفضل من حياة بذل، «لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما».

ويمكن أن نلمح صورة رائعة من صور الحماس التي تمثل أعظم رمز للعزم والصمود في قوله:

«والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقر لكم إقرار العبيد».

انه قسم عظيم على رفض الظلم والذل والخضوع يقف السامع مبهوراً أمامه.

وقد يدخل في تصوير البعد الحماسي ما تمثل به الإمام الحسين من كلام العرب في إثناء خطابه ومنه قول الشاعر.

فإن نهزم فهزامون قدمـاً *** وإنْ نهزم فغيـر مهزمينـا
ومــا إن طبنـا جبن ولكن *** منـايانا ودولـــة آخـرينـــا

ان ما تقدم يمثل جانباً من التراكيب التي تمثل البعد الحماسي في خطاب الإمام الحسين في معركة الطف، ويمكن أن نجد شواهد كثيرة تمثل هذا البعد من أهمها؛ ذلك الموقف الرائع الذي وقفه الإمام الحسين وحيداً وسط المعركة صامداً أمام مئات السيوف والرماح والرجال والفرسان انها صورة لا يمكن أن يصورها القلم، هذا فضلاً عما قاله وارتجز به في أثناء القتال.

3- بعد الرفض


لم يكن الرفض في الخطاب الحسيني بعيداً عن الواقع الاجتماعي والسياسي والديني الذي كان سائداً في عصره، ذلك أن هذه الجوانب من الحياة قد بدأ التحلل يدخل في كثيرٍ من مفرداتها، وبدأت تظهر في كل جانب من هذه الجوانب مظاهر لم تكن معروفة في بداية الدعوة الإسلامية، وقد كثرت في الجانب الديني ظواهر فيها خروج على مبادئ الدين الإسلامي.

ومن هنا كان جانب الرفض في الخطاب الحسيني، وهو رفض مدروس يهدف إلى الإصلاح في البنية الاجتماعية والسياسية والدينية، ويلتقي هذا الرفض مع هدف الإمام من خروجه وهو طلب الإصلاح في أمة جده، ويطابق تماماً المسار الذي رسمه الإمام الحسين لثورته ضد الظلم والانحراف، لذا نجد في خطابه طائفة من التراكيب عبر بها الإمام عن الرفض المطلق لكثير من التوجهات في الجانب السياسي والجانب الديني والاجتماعي. وأول ما يمثل هذا الاتجاه هو رفضه لواقع الحكم السائد في العالم الإسلامي، وقد تجسد ذلك في رده على والي المدينة الوليد بن عتبة حين طلب منه البيعة ليزيد قال له الإمام:

«... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة ومثلي لا يبايع مثله...».

ويبدو طابع الرفض واضحاً في تراكيب هذا الخطاب، وهو رفض للواقع السياسي الذي يمثله حكم يزيد بن معاوية، ومثل ذلك ما ورد في خطابه مع القوم عشية العاشر من محرم يقول:

«الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة...».
وهذا رفض قاطع لما يطلبه منه الأعداء وتبدو ملامح الرفض واضحة في كل كلمة من مفردات هذا النص، وقد ربط الإمام بين رفضه لهذا الواقع وبين رفض الله ورسوله والمؤمنين لمثل هذا الموقف، إنه رفض لواقع مرير كان يعيشه المسلمون ويتحملون تبعاته في ظل حكم يسير فيه كل شيء في الاتجاه المعاكس لمبادئ الدين الإسلامي، ويراد له أن يدوم ويستمر في حكم المسلمين.

4- البعد الأخلاقي


الإمام الحسين، يمثل امتداداً لمنهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) القلم / 4.

فلا غرابة أن يمثل البعد الأخلاقي والإنساني جانباً مهماً من جوانب الخطاب الحسيني فالخطاب الحسيني في كثير من تراكيبه وأساليبه هو خطاب إنساني وأخلاقي، ويبدو البعد الأخلاقي والإنساني واضحاً في موقف الإمام الحسين وأصحابه من الحر وأصحابه في أول لقاءٍ بينهم، فقد أمر الإمام الحسين أصحابه بمساعدتهم وتقديم الماء لهم، كذلك في أمره بعدم ابتداء القوم بالقتال، ويتضح هذا الموقف أكثر في حرص الإمام على إرشاد القوم ونصحهم حتى لا يقعوا في المحظور ويحاسبهم الله بسببه، إنه من أعظم المواقف الإنسانية في معركة الطف، ومما يمثل هذا الجانب الخطاب الذي ألقاه الإمام على أصحابه وأهل بيته قبل المعركة وأخبرهم فيه أن القوم لا يطلبون غيره، ومن أراد منهم أن ينجو بنفسه فليتخذ الليل جملاً وهو في حل من أمره وليس عليه ذمام، ومن ذلك أيضاًَ ما ورد في بعض أقواله:

«ان الحلم زينة والوقار مروءة والصلة نعمة، والاستكبار صلف والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة الدناءة شين، ومجالسة أهل الفسق ريبة»[3].

ان كل فقرة من فقرات هذه الكلمة تصلح أن تكون عنواناً لدرس أخلاقي تكتب فيه مؤلفات، ولا نستغرب ذلك من الإمام الحسين فهو إمام عصره ووارث جده وأبيه ويمثل خطابه في الجانب الأخلاقي امتداداً لخطاب جده وأبيه في هذا الميدان.

5- البعد الوعظي والإرشادي


لقد كان الإمام الحسين واعظاً ومرشداً في خطابه مع القوم وبخاصة في أرض كربلاء، فقد رأى الإمام أن المقام يتطلب هذا النوع من الخطاب، فهو إمام العصر ووارث الرسول أولاً وهؤلاء القوم قد خدعهم أسيادهم وأولياء أمرهم، وضللوهم عن طريق الصواب، وزينوا لهم حب الدنيا فاستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم كل شيء. ومن هنا كان الإمام يرى أن من حقهم عليه أن يعظهم ويرشدهم إلى طريق الهدى والصواب، لذا نرى أن نزعة الإرشاد والوعظ تدخل مراحل الخطاب المختلفة، وتهيمن على أغلب تراكيب الخطاب، وقد تنوعت أساليب الوعظ عند الإمام؛ فهو مرة يبين لهم طريق الحق وأهله ويطالبهم باتباع هذا الطريق لأن فيه رضا الله؛ ومرة يذكرهم بضرورة الوقوف بوجه السلطان الجائر والحاكم الظالم ويجعل ذلك واجباً شرعياً؛ واحياناً يدعوهم إلى العمل من أجل الآخرة لأنها دار البقاء ويزهدهم بالدنيا لانها دار فناء لا تدوم على حال، ومن أمثلة ذلك قوله: «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم».

وقوله: «من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل...».

وقوله: «انه قد نزل من الامر ما قد ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وادبر معروفها واستمرت حذاء فلم يبق منها...».

لقد مثلت هذه النصوص وغيرها كثير الجانب الوعظي والإرشادي في خطاب الإمام الحسين وقد ظلت هذه  التراكيب حية مستمرة إلى يومنا هذا تفيد منها الأجيال في الميدان الاجتماعي والديني.

6- البعد التذكيري والاجتماعي


يمثل هذا البعد بجانبيه مرتكزاً من مرتكزات الخطاب الحسيني، فقد كان خطاب الإمام الحسين في جانب من بنائه تذكيرياً، وقد وردت في بنية الخطاب تراكيب كثيرة تمثل التذكير بأمور كثيرة لا لأن القوم يجهلون ما يذكر به، فهم يعرفون كل شيء، وتبدو تراكيب الخطاب التذكيرية واضحة في تذكيرهم بصلته بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكرهم بقول الرسول فيه وفي أخيه بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وذكرهم بأنه وارث علم الرسول، وانه ابن بنت نبيهم ثم ذكرهم بأبيه وعمه وعم أبيه، ووقف طويلاً ليذكرهم بما أرسلوه إليه من كتب ووفود يطلبون منه القدوم إلى بلدهم، لقد مثلت هذه الأمور وغيرها بنية العديد من تراكيب خطابه، ومن هنا اكتسب الجانب التذكيري أهمية كبيرة وشغل حيزاً كبيراً من بنية الخطاب الحسيني. أمّا الجانب الاجتماعي فقد تمثل في بيان المكانة الاجتماعية للإمام الحسين، وحرصه على الحفاظ على تقاليد العرب وعاداتهم الاجتماعية سواء أكان ذلك في الجاهلية أم في الإسلام ففي اشتداد المعركة ومحاولة القوم التعرض إلى عيال الإمام ونسائه دعاهم إلى الرجوع إلى أحسابهم إن كانوا عرباً يقول:

«ويحكم يا شـيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم، انا أُقاتلكم وانتم تقاتلونني والنساء ليس عليهن جناح...».

إن الإمام الحسين في هذا الكلام يشير إلى ظاهرة اجتماعية كان العرب يعتزون بها في عصر ما قبل الإسلام وبعده، وقد عمل الإسلام على ترسيخ هذه الظاهرة والحفاظ عليها، وتمثل هذه الظاهرة رعاية النساء والأطفال وعدم التعرض لهم في الحروب ولو كانوا من الأعداء.

لقد مثلت هذه الأبعاد وغيرها مما يدخل في ضمنها البنية العامة للخطاب الحسيني، وشكلت المرتكزات الأساسية التي انطلق منها الإمام ليرسم من خلالها المنهج العام للمسلمين وغيرهم، ويمكن أن يفيد منها أهل الدين وأهل السياسة وأهل الفقه وأهل الاجتماع وغيرهم، ذلك أن ما ورد في هذا الخطاب في مراحله الثلاث يمكن أن يكون منهجاً للدولة الإسلامية في المنظور الحسيني، وقد أصبح هذا الخطاب خالداًَ خلود القضية الحسينية، لانه يمثل الإطار العام لثورة الإمام الحسين ويمثل الوجه الإعلامي لها.
لقد ارتبط هذا الخطاب ارتباطاً وثيقاً بالإمام الحسين، فهو الكلام الذي عبر فيه الإمام الحسين عن أفكاره وتوجهاته ومقاصده ابتداءً من رفضه البيعة ليزيد بن معاوية حتى استشهاده هو وأصحابه في معركة الطف، وقد مثلت أبعاد هذا الخطاب مسارات للدارسين على مر العصور، فكل منهـم يجد في جانب منها ضالته في البحث، وقد اكتسب هذا الخطاب صفة الخلود، لأنه كلام الإمام الحسين أولاً، ولأنه قيل في معركة الطف ثانياً فهو خالد من جهة المنشئ والمقام، وقد ظل هذا الخطاب منذ القرن الأول للهجرة إلى وقتنا الحاضر يمثل مدرسة تفيد منها الاجيال بمختلف أفكارها واتجاهاتها، فهو منار للثائرين وأصحاب الحق والمظلومين والقادة والسياسيين والأدباء كل منهم يستفيد من جانب من جوانب هذا الخطاب ويبني عليه أفكاره وتوجهاته.

لقد أضفت واقعة الطف وما حدث فيها من مآس أذهلت العالم طابعها على الخطاب الحسيني، ومنحته تأثيراً في نفوس السامعين والقراء، وبالرغم من أن الخطاب قيل قبل هذه الواقعة لكنه في واقع الحال كان تصويراً دقيقاً لما سيحدث في هذه المعركة وتحديد أبعادها ونتائجها وما يترتب عليها، وقد حدد الإمام في مراحل خطابه كثيراً من الأحداث التي تقع قبل وقوعها، وتبدو إشارة الإمام واضـحة إلى هذه الواقعة في أول خطبة له حين غادر مدينة مكة باتجاه العراق، إذ نجد أشارة غير مباشرة إلى حقيقة مصرعه في هذه الواقعة يقول: «كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء...».

لقد حدثت في معركة الطف مآس وجرائم فوق حدود الوصف، وقد أثارت هذه الأحداث مشاعر المسلمين جميعاً، وظلت صورها عالقة في الأذهان إلى يومنا هذا يقول أحد الكتاب الغربيين:

«حدثت في واقعة الطف فظائع ومآس صارت فيما بعد أساساً لحزن عميق في العاشر من شهر محرم من كل عام، فقد أحاط الأعداء في المعركة بالحسين وأتباعه وكان بوسعه أن يعود إلى المدينة لو لم يدفعه ايمانه الشديد بقضيته إلى الصمود ففي الليلة التي سبقت المعركة... وفي صباح اليوم التالي قاد الحسين أصحابه إلى الموت».

إنّ الذي أوحى إلى الكاتب هذا القول هو ما يراه من تجدد الحزن في اليوم الذي حدثت فيه المأساة من كل عام، ويقول عباس محمود العقاد:

«فما أظلت فيه السماء مكاناً لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء».

لقد آمن الإمام الحسين بمبدأ وقاد ركبه من أجل قضية إلى أرض كربلاء، لتحقيق هدف محدد هو الدفاع عن الدين وطلب الإصلاح، وقد آمن الحسين بدفع الثمن من أجل هذه القضية مهما كان غالياً.

ومن هنا تأتي تضحية الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، ليكونوا القربان الذي يمهد الطريق لإحياء الدين الإسلامي، واكتسبوا من خلال هذا الخلود الأبدي، لقد أصبح منهج الحسين وخطابه مدرسة خالدة حملت منها جحافل الثائرين مشاعل النور التي تضيء دياجير الظلام في كل مكان، ونهلت منها جموع المظلومين مبادئ الوقوف بوجه الظالمين، وأفادت منها الأجيال معاني التضحية والفداء من أجل المبادئ، لقد مات الحسين جسداً ولكنه لم يمت ثورة ومبادئ وعقيدة ومنهجاً وخطاباً، وقد ألهمت قضية الحسين وثورته وتضحيته مئات الآلاف من الأُدباء والشعراء والعلماء فكانت منهلاً عذباًَ أخذ منه القدامى والمحدثون من المبدعين، ما شاءوا وكتبوا عنه ما أرادوا، وقد ألهمت هذه القضية الشعراء روائع القصائد التي كتبت في رثاء الإمام الحسين وتصوير هذه المأساة.

سلام عليك أبا عبد الله يوم ولدت، ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.

ألم ترَ أن الارض أضحت مريضة *** لقتل حسين والبلاد اقشعرتِ
وإنّ قتيل الطف من آل هاشم *** أذلّ رقاب المسلمين فذلتِ
وكانوا رجاءً ثم صاروا رزية *** لقد عظمت تلك الرزايا وجلّتِ

لقد أصبحوا رزية من رزايا الدهر تفيض من أجلها دموع العيون كلما ذكرت، وتدمي القلوب حزناً عليها.

رزايا أرتنا خضرة الأرض حمرة *** وردت أُجاجاً طعم كل فرات
سأبكيهم ما ذرّ في الارض شارق *** ونادى منادي الخير للصلوات

قتل الأعداء الحسين جسماً ولكنهم لم يقتلوه روحاً ومنهجاً وعقيدة ومذهباً، قتلوا الحسين فكان قتله انتصاراً وحياة وخلوداً أبدياً، قتلوا الحسين فكان في قتله إحياء دين جده، قتلوه فكان القربان الذي به حماية الدين وانتصار المبادئ، قتل الحسين في سبيل دين الإسلام بعد ما كاد الكفر يهدم ما بناه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

قد أصبح الدين منهم يشتكي سقماً*** وما إلى أحد غير الحسين شكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً*** إلاّ إذا دمه في كربلا سفكا
وما سمعنا عليلاً لا علاج له*** الا بنفس مداويه اذا هلكا
بقتله فاح للاسلام نشر هدى*** فكلما ذكوته المسلمون ذكا

سلام عليك وعلى أخيك أبي الفضل العباس والنجوم الزاهرات من أهل بيتك، سلام عليك حين وقفت على جسده الشريف ولسان حالك يقول:

اليوم آل إلى التفرق شملنا*** اليوم حُلّ من البنود نظامها
اليوم نامت أعين بك لم تنم*** وتسهدت اخرى فعز منامها

سلام عليك أبا الفضل ويهنيك النعيم.

أأخي يهنيك النعيم ولم أخل*** ترضى بأن أُرزى وانت منعم
هذا حسامك من يذل به العدى*** ولواك هذا من به يتقدم

سلام عليك وعلى أنصارك الذين قضوا بين يديك، وبذلوا أرواحهم من أجل دين جدك، سلام عليهم ورضوان من الله، سلام عليكم يا من لبستم قلوبكم فوق الدروع وحملتم أرواحكم في أكفكم ومشيتم نحو الموت مشية الأسود فكنتم الخالدين.

قوم اذا نودوا لدفع ملمة *** والخيل بين مدعس ومكردس
لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا *** يتهافتون على ذهــاب الانفس

سلام على النحور الداميات، سلام على الدماء الجاريات سلام على الأجساد المعفرات، سلام على الشفاه الذابلات، سلام على الرؤوس المقطعات، سلام على القلوب الظاميات.

ان كان عندك عبرة تجريها*** فانزل بأرض الطف كي نسقيها
فعسى نبل بها مضاجع صفوة*** مابلت الأكباد من جاريها
وذكرت اذ وقفت عقيلة حيدر*** مذهولة تصغي لصوت أخيها
هذي نساؤك من يكون إذا سرت*** في الاسر سائقها ومن حاديها

سلام عليك وعلى أهل بيتك وانصارك رزقنا الله شفاعتكم في الدنيا والآخرة، ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

وها أنا قدمت إلى حضرتك ببضاعتي المزجاة، وعفوك عن مقدمي.

قدمت وعفوك عن مقدمي*** أسيراً كسيراً حسيراً ظمي
فمذ كنت طفلاً عرفت الحسين*** ملاذاً بأسواره أحتمي

سلام عليك ياسيدي فلولا دمك ما استقام دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

لولا الحسين لغام الافق واندلعت*** شرارة وطغى للغي طوفان
والناس عادت إليهم جاهليتهم*** وقدست بعد أصنام وأوثان
والدين عاد غريباً بعد جدته*** والحق عاث به بغي ونكران
ان يمنعوا الناس من قبر الحسين فقد*** مدت له من قلوب الناس أغصان
هذي القباب سراج لا انطفاء له*** وكيف يطفئ نور الله طغيان
تهدي السماء بنور من أشعتها*** ويستضيء بها في الليل حيران
تحنى الرؤوس على أعتابها فرقاً*** وتستجير أكاليل وتيجان
الحق باق وإن عز النصير وان*** تداول الحكم صبيان وعبدان
والظلم فانٍ وإن طال الزمان به*** وإن تجبّر فرعون وهامان[4]

ـــــــــــــــــ
[1] مختارات من المحاضرات الحسينية / 80.
[2] مختارات من المحاضرات الحسينية / 80.
[3] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر / 58.
[4] من قصيدة للاستاذ الشاعر محمد حسين الصغير ألقيت في 10 / محرم 1992.

الأثر الذي تركته شخصية الإمام الحسين في أسلوب خطاباته يوم عاشوراء

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

الرحلة التي يمضيها الباحث مع خطاب الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الطف، هي رحلة تنبعث من كل جوانبها رائحة الألم الممض وتبعث في النفس ظلالاً من الحزن، لأن فيها تصويراً دقيقاً لمأساة الإمام الحسين وأهل بيته، ولا ريب ان من يدرس خطاباً مثل خطاب سيد الشهداء، ويدخل في تفاصيل تراكيبه وينظر إلى المقام الذي قيل فيه في كل مرحلة من مراحله التي تقدم ذكرها في عدة مقالات نشرت على هذا الموقع المبارك، يبرز أمامه أمران يمكن الوقوف عندهما بوصفهما مرتكزين أساسيين في بناء هذا الخطاب، ولهما أثر كبير في تحديد أبعاده، هما:

1- شخصية المنشئ الإمام الحسين (عليه السلام).

2- واقعة الطف وتمثل المقام الذي قيل فيه الخطاب.

وسنقتصر في هذه المقالة على الكلام عن النقطة الاولى وسنتناول النقطة الثانية في مقالة اخرى منفردة.

1- شخصية المنشئ


إن الحديث عن سيد الشهداء الإمام الحسـين لا يمكن الإحاطة به في مثل هذه الصفحات، ان كل يوم من أيام الحسين يمكن أن يكون موضوعاً لمئات الدارسين، وما أريد بيانه هنا هو الأثر الذي تركته شخصية الإمام الحسين في أسلوب خطابه.

الإمام الحسين، إمام معصوم جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبوه سيد البلغاء وإمام الفصحاء الإمام علي بن أبي طالب، صاحب نهج البلاغة وأمه فاطمة الزهراء، وهو وارث علم جده وأبيه وله مكانة كبيرة عندهما، يدل على ذلك تلك الأحاديث التي رويت عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه وحق أخيه الحسن، فهو سيد شباب أهل الجنة، ومن أحب أن ينظر إلى سيد أهل الجنة فلينظر إلى الحسين، وهو من الرسول والرسول منه: «حسين مني وانا من حسين»[1].

ويبدو واضحاً ان المقصود من هذا الحديث ليس مسألة النسب انما المقصود هو وحدة المنهج والفكر والهدف والروح الرسالية[2]، فالحسين يمثل امتداداً للرسالة المحمدية فكراً ومنهجاً.

أحب الله من أحب حسيناًَ، وحسين سبط من الأسباط[3] كل هذه الأقوال صادرة عن الرسول الأعظم وغيرها تمثل المكانة الكبيرة للإمام الحسين عند الرسول في حياته، وسوف يحتفظ بها الحسين بعد وفاة جده بين المسلمين عامة وأهل البيت خاصة، وإذا تجاوزنا مكانة الإمام الحسين عند الرسول والمسلمين إلى الصفات الأخرى، نجد أنفسنا أمام قائد تكاملت لديه مؤهلات القيادة بكل أبعادها، من شجاعة وقوة وسماحة وكرمٍ وصبرٍ وعزة نفس وعظمة لا يمكن لمخلوق في عصره أن يرقى إليها، وهذا هو الميراث العظيم الذي ورثه الإمام من جده وأبيه وأخيه، ومن جذور تمتد إلى أبي طالب وعبد المطلب بن هاشم، ولا ريب في أن خطاباً يصدر عن الإمام الحسين يكون له دور فاعل في نفوس السامعين لا يرقى إليه خطاب آخر، فالإمام الحسين ليس شخصاً عادياً مثل غيره من المتكلمين، انما هو إمام معصوم وولي أمر المسلمين في عصره، وفضلاً عن هذا فهو يمثل امتداداً فكرياً تتصل جذوره بجده رسول الله وأبيه أمير المؤمنين، وهو يمثل بدقة تلك الأفكار التي حملتها الرسالة المحمدية، ويسعى إلى تطبيقها والعمل بها مهما كان الثمن، ومن هنا يكتسب الخطاب الحسيني أهميته الكبيرة، ويكون له دور فاعل في إصلاح المجتمع الإسلامي وبنائه، وحماية الدين الإسلامي من الانحراف، وهذا هو الهدف الذي خرج الحسين من أجل تحقيقه، وهو الهدف الذي جعل الإمام الحسين يمتنع من إعطاء البيعة ليزيد، لأن موافقة الإمام على هذه البيعة يعني إضفاء الشرعية على هذا الحكم الذي أمات الدين وأحيا البدعة ونشر الظلم وأباح المحرمات، وقد حدد الإمام هذا الهدف في واحد من خطاباته حين قال: «اني لم أخرج اشراً ولا بطراً انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي».

ويبدو واضحاً أن ما يتردد على ألسِنة الدارسين من أن الحسين خرج ليغير نظام الحكم في عصره، ويقيم دولة بدلاً من دولة الامويين، أو ان الحسين خرج ليستشهد ويقتل، كلاهما امر لا يمكن القطع بصحته، لقد خرج الإمام الحسين لأداء واجب لم يؤد، واكمال رسالة لم تكتمل، ومن هنا تكون إقامة الدولة الجديدة او الشهادة نتيجة من نتائج خروج الإمام الحسين وليس هي الهدف[4].

لقد وضع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) تعاليم الإسلام بين الناس، وبيّن لهم حدود الله أوامره ونواهيه، وحدد مبادئ الدين الجديد واستطاع بعد صراع عنيف مع المشركين أن ينشر هذه المبادئ فآمن به الناس واتبعوه، ولكن هذه الحال لم تستمر فقد بدأ الانحراف عن مبادئ دين محمد بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحدث ما حدث وقد رسم لنا القرآن الكريم صورة هذا الانحراف قبل حدوثه حين قال تعالى:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)) المائدة / 54.

وقد جسد الإمام الحسين هذا المبدأ في مسلكه فجاهد في سبيل الله حتى نال الشهادة.

لقد بلغ الانحراف أشده في حكم يزيد بن معاوية، فلم يعمل بأوامر الله ونواهيه، وانحرف الناس عن مبادئ دينهم وفسد الحكام والعلماء فعملوا على تحريف كل شيء وزيفوا الحقائق وأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وانحرف الدين عن مساره الصحيح[5].

وبسبب من هذا الخطر الداهم الذي يهدد الدين الإسلامي رأى الإمام الحسين ضرورة القيام بعمل جهادي يحاول فيه إصلاح هذا المسار والدفاع عن مبادئ دين جده وحمايتها من الانحراف، لقد كان واجباً على الإمام الحسين ان يقوم بهذه الحركة لتكون درساً على مر العصور والأزمان كما أصبح جهاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في سبيل الله درساً على مر السنين في تاريخ الدنيا، وقد ادى الإمام الحسين هذا الواجب ليغدو درساً عملياً للمسلمين وغيرهم على مر تاريخ البشرية[6].

وهذا ما حصل فعلاً فقد أصبح الإمام الحسين وثورته وخطابه في معركة الطف من أجل العدل والدين منارات اهتدى بها المسلمون وغير المسلمين، ومدرسة تعلم فيها كل الثائرين دروساً في التضحية والفداء وكل الثورات التي نهض بها العلويون وغيرهم ضد الحكم الاموي ثم الحكم العباسي اتخذت من ثورة الحسين وتضحيته منهجاً في ثوراتها، وإذا تجاوزنا ما تعلمه العرب من الإمام الحسين وثورته وهو كثير، فان غير العرب قد تعلموا من مدرسة الإمام الحسين دروساً بنوا عليها كثيراً من الأسس الاجتماعية والدينية والسياسية، وعرفوا دروساً في الوفاء والتضحية والدفاع عن المبادئ يقول الزعيم الهندي غاندي:

«لقد تعلمت من الإمام الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر، ولو كان لي عشرة من أنصاره لفتحت الدنيا».

ان هذا الكلام الذي صدر من زعيم دولة كبيرة فيها مئات الملايين من البشر، له دلالة كبيرة على عظمة الإمام الحسين ورسوخ المبادئ التي أرساها هو وأصحابه لكل الثائرين ضد الظلم في كل الدنيا، ويمكن أن نلمح في هذا القول ظلالاً من المعاني تشير إلى صدق الايمان بالمبدأ عند أصحاب الحسين وتضحيتهم من أجله، ويقول أيضاً:

«ولقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي ان الهند اذا أرادت إحراز النصر فلابد لها من اقتفاء سيرة الإمام الحسين)[7]».

إن هذا القول يدل على أن هذا الزعيم الثائر قد هضم المنهج الحسيني في الوقوف بوجه الظلم، ومن هنا تبدو عظمة المدرسة الحسينية وان الشعوب إذا أرادت مواجهة الظلم والانتصار عليه فأمامها منهج واضح وتجربة رائدة في هذا الميدان يجب عليها الاقتداء بها والسير في هداها، انها مدرسة الإمام الحسين وأصحابه.

ومثلما تحدث السياسيون والقادة عن الإمام الحسين وثورته تحدث عنها الأدباء، فقد اهتزت مشاعرهم لذلك الحدث المؤلم وتلك المأساة الكبيرة، وقد عبر عن هذه المشاعر عدد من الأدباء العرب وغير العرب، بأقوال مختلفة، يقول المستشرق الالماني بروكلمان:

«انه لحق ان ميتة الشهداء التي ماتها الحسين بن علي قد عجلت في التطور الديني لمحبي علي وجعلت من ضريح الحسين في كربلاء أقدس محجة».

وتقول إحدى الكاتبات الغربيات:


«ان مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتى تصل إلى الاسس، وهي من القصص القليلة التي لا استطيع قراءتها قط من دون أن ينتابني البكاء».

وهذا هو الحق وكل من يقرأها ينتابه البكاء فهي أعظم مأساة عرفتها الإنسانية في تاريخها، ويقول كاتب انكليزي:

«إن مأساة الحسين بن علي تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي».

والعدل من أهم الأسس التي قامت ثورة الحسين من أجلها وسعت إلى القضاء على الظلم والظالمين، لكي يسود العدل الإسلامي كما ترسمه مبادئ الدين الإسلامي.

ويقول أحد المفكرين الغربيين:


«لو كان الحسين معنا لجعلنا له في كل مكان منبراً ولدعونا الناس للمسيحية باسم الحسين»[8].

ويصدق هذا على ما يقوم به أتباع أهل البيت، فالحسين له منبر في كل قلب وفي كل مكان، وتطول القائمة فما ورد هنا هو غيض من فيض مما قيل في شخصية الإمام الحسين، فالحسين إمام معصوم، وقائد ثورة ومصلح اجتماعي ومدافع عن عقيدة، ومن أهل بيت النبي، وولي أمر المسلمين في عصره، كل هذه الاتجاهات وغيرها تجعل للخطاب الذي يصدر عنه أهمية كبيرة على مختلف المستويات في الحياة الدنيا، ومن هنا تأتي شمولية الخطاب الحسيني في الميدان الديني والسياسي والاجتماعي والنفسي، ويعد ما ورد فيه من أفكار وآراء ودعوات وتوجهات منهج عمل يسير عليه المسلمون وغير المسلمين في المواقف التي تماثل المقام الذي قيل فيه، ويستلهم منه الثائرون بوجه الظلم والمدافعون عن المبادئ والداعون إلى العدل الدروس والعبر التي يسيرون عليها في مناهجهم ودعواتهم لقد وضع الإمام الحسين في خطابه الذي ألقاه في معركة الطف بمراحلها المختلفة الأسس العامة للدولة الإسلامية التي أراد أن تكون واحدة من النتائج التي نهض من أجل تحقيقها، وقد رسم فيه المنهج العام الذي ينبغي أن يتحلى به الثائرون في هذا الكون من إيمان وتضحية وصبر وثبات وعزيمة وصمود وزهد وتقوى ووفاء وإخلاص، كل هذه الصور تجتمع مع الحسين وأهل بيته وأصحابه لتظل مناراً يهتدي به الناس في مختلف عصورهم.

ــــــــــــــــــــــــ
[1] سنن الترمذي 5 / 325، دار الفكر بيروت.
[2] ينظر مختارات من المحاضرات الحسينية / 501.
[3] سنن الترمذي 5 / 325.
[4] مختارات من المحاضرات الحسينية / 107.
[5] مختارات من المحاضرات الحسينية / 103.
[6] المصدر نفسه / 100.
[7] اخـذت نصـوص هـذه الاقــوال من موضـوع بعنـــوان (قـالـوا فــي الإمام الحسيــن وفــي واقعــة الطف) نشـر فــي جريـــدة (المحافظة) تصدر عن محافظــة النجف العدد الخامس عشر، السنة الثانية / محرم / 1420.
[8] جريدة المحافظة العدد الخامس عشر / محرم / 1420.

دروس ومعطيات من خطاب الإمام الحسين عليه السلام لجيوش الأمويين في كربلاء

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري

بعد خطاب الإمام في أهل بيته وأصحابه بدأت جيوش الأمويين تزحف نحو معسكر الإمام الحسين، واتخذت مكاناً مقابلاً للإمام وأصحابه، وكانت بأعداد كبيرة بلغت آلاف الرجال والفرسان يقودها عمر بن سعد بن أبي وقاص، ويشرف على مجموعاتها عدد من فرسان أهل الكوفة المعروفين، وكانت هذه الجيوش على أهبة الاستعداد للقتال ومجهزة بأنواع الأسلحة المعروفة في ذلك العصر، وقد ازدحمت في أرض كربلاء أجواء القتال والمعارك فأصبحت تسمع فيها حمحمة الخيول وهمهمة الرجال وقعقعة السلاح وقرع طبول الحرب والقتال، وفي مثل هذا الموقف الذي تهب فيه رياح الحرب من كل صوب، وترتفع فيه رايات القتال، رأى الإمام الحسين بحكم مسؤوليته الشرعية بوصفه إمام العصر ومن أهل بيت النبوة أن ينصح هؤلاء القوم ويبين لهم أنّ مايريدون الإقدام عليه وما يدفعهم إليه قادتهم وأمراؤهم من عمل هو خطأ كبير، وانهم حين يقدمون على قتاله سوف يرتكبون اثماً كبيراً ويغضبون الله ورسوله، وانهم سوف يخسرون الدنيا والآخرة اذا ما أقدموا على قتله، كل هذا أراد الإمام بيانه للقوم انطلاقاً من مبادئ الدين الإسلامي الذي يؤمن به الجميع ومن حق المسلم على المسلم فيه النصيحة. وهكذا وقف الإمام الحسين عليه السلام، أمام جيوش الأعداء ووجه نداءه إليهم بأسلوب مؤثر تخشع له القلوب ويستفز العواطف ويخاطب العقول لعل فيها بقية من دين فيردع النفوس عن غيها ويكبح نزعة الشر التي انطوت عليها نفوس المخاطبين الذين أصبحوا ضحايا للزيف والخداع والكذب الذي مارسه ساداتهم لينالوا سخط الله وغضبه ويخسروا الدنيا والآخرة. وقف الإمام بين العسكرين فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه ثم نادى بأعلى صوته ليسمعه الجميع.

«أيها الناس اسمعوا قولي ولاتعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي، وحتى أعتذر إلى الله وإليكم عن مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم».

{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ}[1].

{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}[2].

فلما سمعت النساء من أهل بيته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فأرسل إليهن من يسكتهن فلما سكتن، حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد والملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه([3]، ثم واصل خطابه قائلاً:

«الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، وقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم قد كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين([4]، أيّها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟.

ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه، وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه، أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أو ليس جعفر الطيار عمي، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي (هذان سيدا شباب أهل الجنة) فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، فوالله ما تعمدت الكذب مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وان كذبتموني فإنّ فيكم مَنْ إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي الحسن، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي».

فقال له الشمر بن ذي الجوشن: أنا أعبد الله على حرف إنْ كنت أدري ما تقول، فقال الإمام الحسين:

«فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال لكم استهلكته او بقصاص جراحة، ثم نادى يا شبث بن ربعي ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا زيد بن الحارث... ألم تكتبوا إليّ، أن اقدم علينا قد اينعت الثمار واخضر الجناب وانما تقدم على جنود لك مجندة... قالوا لم نفعل قال الإمام: سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم ثم قال: ايها الناس اذا كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمني من الأرض، فقال له قيس بن الاشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك... فقال الإمام الحسين (عليه السلام): أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟، والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد)([5]، عباد الله {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ}[6]. { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}[7]»([8].

نقلت نص هذا الخطاب وما تخلله من حوارات كاملاً لأنه قيل في مقام واحد أراد الإمام أن يبين فيه للمخاطبين طائفة من الأغراض على وفق ترتيب محدد وتحدث عن أمور عدة قصد إيضاحها.

بدأ الإمام خطابه بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، ثم وجه نداءه إلى هؤلاء القوم بقوله «أيها الناس» ثم اتبع النداء بعدد من الأساليب الإنشائية، وكان أسلوب الطلب هو المهيمن على القسم الأول من خطابه، لأن المقام الذي قيل فيه الخطاب وغرض الإمام منه يتطلبان هذا النوع من التراكيب، فالإمام أراد أن يعظ القوم بما هو حق لهم عليه بوصفهم مسلمين وهو إمام عصرهم، فقد جاء بعد النداء «اسمعوا، لا تعجلوا» وغرض الإمام من هذا هو تهيأة القوم لسماع ما يريد قوله وما يريد ان يعظهم به، ويأتي قوله «أعظكم بما هو حق لكم علي» من كونه إماماً مفترض الطاعة ومن أهل البيت فمن حق هؤلاء القوم وهم يدينون بدين جده أن ينصحهم ويبصرهم بعاقبة ما يريدون الإقدام عليه من عمل، ويأتي هذا من باب تطبيق مبادئ الدين الإسلامي في مثل هذه المواقف وإلقاء الحجة عليهم وهم أحرار في قبول ما يقول أو رفضه.

وبعد هذا المدخل انتقل الإمام إلى أمر آخر هو تقديم العذر عن مقدمه إلى هذا البلد وقد بنى هذه الفقرة من خطابه على أسلوب الشرط الذي يرتبط فيه طرفا الخطاب «فان قبلتم عذري... كنتم أسعد، وإنْ لم تقبلوا... فأجمعوا...»، ويبدو من خلال أسلوب الشرط الذي بنى عليه الإمام هذه الفقرة من خطابه أنه قدم العذر عن قدومه إلى هذا البلد وقبوله دعوة أهلها، فإن قبلوا ذلك منه كانوا أسعد في دنياهم وآخرتهم، وإن لم يقبلوا ذلك فهو مستعد للقتال والدفاع عن أهدافه، يبدو ذلك واضحاً من خلال الآية التي مثلت جواب الشرط «فأجمعوا أمركم وشركاءكم...» لقد أراد الإمام من هذا إلقاء الحجة على هؤلاء القوم وهو يعرف أنهم لا يقبلون منه ذلك لأن الأمر ليس في أيديهم إنما هم أداة تنفيذ ولديهم خيار آخر هو النزول على حكم الامويين وقد عبر عن ذلك قيس بن الاشعث في حواره مع الإمام أو القتال حتى الموت، وقد تقدمت الإشارة إلى أن الإمام لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبايع يزيد مهما كانت النتائج، وقد أعلن ذلك صراحة في كلامه مع والي المدينة، ومن هنا لم يكن أمامه بد من القتال والإمام الحسين حين خاطب القوم بهذا الأسلوب إنما يخاطب قوماً كاتبوه وبايعوه ودعوه إلى القدوم ثم نقضوا بيعتهم وتحللوا من عهودهم وجاءوا لقتاله، ومن هنا جاء بناء تراكيب هذه الفقرة على الأسلوب الشرطي الذي يقتضي فعلاً وجواباً وأداة تربط بينهما تجعل زمن السياق مستقبلاً، والإمام الحسين حين ذكر هذه الأمور لا يريد منها استعطاف القوم أو تغيير نواياهم، لأنه يعرف أنه جاء إلى هذه الأرض ليلاقي المصير الذي وعده به الله ورسوله ويعرف أيضاً أن القوم لن يقبلوا بما طلبه منهم لذا اتخذ قراره الحاسم باختيار القتال، ويدل على هذا الاختيار الآيتان اللتان ختم بهما هذه الفقرة من خطابه وبكت النسوة عند سماعها.

وبعد إعلان الإمام اختيار القتال في حال رفض القوم إنصافه وقبول ما يطلبه، انتقل إلى موضوع آخر له صلة بما بدأ به خطابه من وعظ وإرشاد، ذلك انه يعرف انه تهالك القوم على قتاله والخروج عن طاعة الله ورسوله كله من أجل حطام الدنيا ورغبة في إرضاء نزعة الشر عند ولاة الأمر من الامويين، ومن هنا أراد الإمام أن ينبه هؤلاء القوم إلى نهاية هذه الدنيا، وقد رسم لهم من خلال تراكيب خطابه صورة هذه الدنيا التي غرتهم فنسوا طاعة الله الذي خلقها وخلقهم لكي يتعظ من يتعظ قال:

«الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغركم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها».

لقد بنى الإمام تراكيب هذه الفقرة من خطابه بأسلوب يتسم بوضوح الايقاع الموسيقي في مقاطعه، لكي يكون أكثر تأثيراً في نفس السامع من خلال ما يبعثه من موسيقى في فواصله «زوال ــ حال ــ غرته ــ فتنته ــ إليها ــ فيها»، ونلحظ ان الإمام استعمل ما يسمى بأسلوب «التشخيص» عند المحدثين في رسم صورة محسوسة لهذه الدنيا، فقد أضفى صفات المحسوسات على المعنويات، وجاء التعبير عن هذه الصورة بعبارات ذات موسيقى هادئة ينبعث منها نغم مؤثر يأخذ بالأسماع ويدخل القلوب بلا استئذان، يقول أحد الباحثين:

«إذ أصبحت الدنيا بفضل التصوير الفني من المحسوسات التي تشارك الناس حياتهم اليومية من خلال إيهام المتلقي بمشاهدتها والاحساس بها حتى تكون الصورة أكثر قدرة على نقل المعنى وتوكيده، فاتخذ المنشىء من التشخيص وسيلة لتحقيق الآثار النفسية بنقل الدنيا من عالمها المعنوي إلى المحسوس فهي تغر وتخدع وتفتن وتخيب...»([9].

لقد جسد الإمام في هذه الكلمات صورة متحركة للدنيا يحس بها كل من يسمعها، فقد أضفى الإمام على صورة الدنيا من صفات البشر ما يقربها إلى أذهان السامعين، ويعزز هذه الصورة ويزيدها صدقاً ما يحدث في واقع الحياة الذي يعيشه هؤلاء القوم أنفسهم، فهم يرون أنها لا تثبت على حال ولا تدوم لأحد مهما كان سلطانه وقوته، وكل شيء فيها إلى زوال وفناء، والعاقل هو الذي يأخذ العبرة من غيره مما يحدث في هذه الدنيا، ويصرف همه عنها ولا يركن إليها ويطمع فيها، والخاسر من يشتري داراً مصيرها الفناء والزوال، وهكذا وضع الإمام الحسين هذه الصورة المؤلمة للدنيا، لكي ينتبهوا إلى ما يقومون به من عمل من أجل هذه الدنيا، فهي لا تستحق أن يرتكب الإنسان من أجلها المعاصي فيخسر الدنيا والآخرة، ويبوء بغضب الله وسخطه، ويبدو واضحاً تأثر الإمام بما ورد من وصف للدنيا في كلام أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد رسم حال الدنيا بمثل هذه الصورة([10]، وبعد أن بين الإمام حال الدنيا وطبيعتها لهؤلاء القوم انتقل إلى أمر آخر هو ما يريد هؤلاء القوم الإقدام عليه من أجل هذه الدنيا التي تقدمت صفتها لكي ينتبهوا إلى نتيجة هذا العمل، يقول:

«وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، وقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم قد كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين»([11].

الناظر في هذه القطعة من الخطاب يجد أن تراكيبها بنيت في أغلبها على التراكيب الفعلية التي توحي بالتجدد والحدوث، وبدت الجمل فيها بأبعاد محددة لتكون سهلة الادراك عند السامعين، لأن مقام الكلام يتطلب هذه السهولة ليكون الكلام مفهوماً من جميع السامعين، ذلك أن الإمام أراد أن يوضح خطورة الأمر الذي اجتمع هؤلاء القوم من أجله، لأن فيه ما يغضب الله ورسوله، وإذا استمر هؤلاء القوم في تنفيذ ما أمر به ولاتهم الظالمون فسوف يحل عليهم غضب الله وسخطه ويجنبهم رحمته، وقد اعتمد الإمام بنية الفعل الماضي لتأكيد أن ما يقوله واقع لا محاله «أعرض ــ أحل ــ جنّب» واستعمال الفعل الماضي في مثل هذا السياق فيه دلالة على حتمية وقوع الحدث الذي ذكره الإمام من إعراض الله عنهم وسخطه عليهم وإحلال نقمته عليهم... ويشبه هذا ما ورد في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}[12].

فهو آتٍ لا محالة... ثم يستعمل الإمام أسلوب المدح والذم من خلال استعمال الفعلين «نعم وبئس» فالله نعم الرب، وهو ربنا الذي هدانا وأنعم علينا، أمّا هؤلاء القوم فبئس العبيد هم، لأنهم عصوا أمر ربهم وخالفوا رسولهم وحرموا الحلال، وأحلوا الحرام، واتبعوا الظالمين، ونصروا الحاكم الجائر وتخلوا عن أهل بيت النبوة، ووقفوا مع الباطل وأنكروا الحق، وبعد هذا الوعظ الذي أصم الشيطان آذان القوم عن سماعه، ذكّرهم الإمام بأنهم مسلمون، أطاعوا الله ورسوله وآمنوا بما جاء به من مبادئ واهتدوا إلى سبيل الخير والرشاد وأخرجهم من الظلمات إلى النور وأصبحوا بفضله سادة الدنيا، وها هم اليوم يخالفونه ولم يلتزموا بما أوصاهم به فقد ترك فيهم بعد رحيله الثقلين «كتاب الله وأهل بيته» وأوصاهم بالتمسك بهما في إشارة إلى قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

«إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسـكتم بهما لن تضلوا»([13].

وما يحصل الآن في هذا المقام خلاف ما أمر به الله وأوصى به الرسول، فأنتم تزحفون إلى عترته وأهل بيته تريدون قتلهم لكي يرضى عنكم الولاة الظالمون، وتنصرون الباطل على الحق، وفي هذا إغضاب لله ورسوله، وحين لم يجد الإمام أُذناً صاغية من هؤلاء القوم، وصفهم بأنهم قوم استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله ومبادئ دينه الحنيف، وجعل في آذانهم وقرا فأَصمها عن سماع نداء الحق وسماع ما يقوله الإمام، وعندها دعا الإمام عليهم وعلى ما يريدون بقوله: «فتباً لكم ولما تريدون» وقد استعمل الإمام صيغة المصدر في الدعاء بحالة النصب ليكون أكثر توكيداً ويدل على تجدد الأمر واستمراره. ثم يسترجع الإمام إلى الله مما يريد هؤلاء القوم الإقدام عليه، فإليه ترجع الأمور، ويصفهم بأنهم قوم ظالمون كفروا بعد إيمانهم بالله ورسوله فبعداً لهم ولأعمالهم التي تكون سبباً في غضب الله ورسوله عليهم، وقد استمد الإمام هذا الوصف من القرآن الكريم.

ومن أجل أن يضع الإمام القوم أمام واقع الأمر، ويبين لهم طبيعة الشر التي سيطرت على نفوسهم وعقولهم فأنستهم كل شيء حتى ذكر ربهم ومبادئ دينهم، لجأ إلى مخاطبة عقولهم وقلوبهم من خلال التذكير بأمور معروفة لديهم، ويدركها العرب جميعاً، فلا أحد من العرب يجهل أن الحسين هو ابن بنت رسول الله وابن وصيه، وانه سيد شباب أهل الجنة ــ يقول:

«أيها الناس انسبوني من انا ثم ارجعوا إلى انفسكم وعاتبوها وانظروا ــ هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه ــ أوليس حمزة سيد الشهداء عم ابي، أوليس جعفر الطيار عمي، أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي. هذان سيدا شباب أهل الجنة».

لقد تغيرت بنية الخطاب في هذه القطعة، فقد صاغ الإمام تراكيبه بأسلوب مؤثر وعبر عما يريد بأسلوب انشائي بدلاً من الأسلوب الخبري الذي بدأ به خطابه، وذلك أن هذا المقام يتطلب هذا النوع من الأساليب، لأنها أكثر تأثيراً وأشد وقعاً في نفوس السامعين فهي تشد السامع إليها وتستلزم منه إجابات محددة لذا يطالعنا الخطاب في هذه القطعة بحشد من الأساليب الإنشائية كل منها يتطلب جواباً من السامعين (نداء، أمر مكرر، استفهام، استفهام انكاري..). وقد شكلت هذه الأساليب بنية هذا المقطع من الخطاب، وقد حشدها الإمام ليشد إليها أذهان السامعين ويدفعهم إلى التفكير في وضع إجابات لهذه المطالب، وإن كانت معروفة لديهم.

بدأ الإمام خطابه بنداء مؤثر «أيها الناس» ومن الطبيعي أن مثل هذا النداء في مقام يستعد فيه الرجال للقتال وتصطخب فيه أصوات السلاح وتقرع طبول الحرب يوحي بأن المنادي يريد أن يقول شيئاً يستلزم الانتباه والإصغاء، ويجعل السامع مشدوداً ومتيقظاً لسماع ما يقال، وحين أنصت القوم لهذا النداء أتبعه الإمام بطائفة من صيغ الطلب يتبع بعضها بعضاً وفي كل منها طلب يستلزم جواباً «انسبوا، ارجعوا، عاتبوا، انظروا»، ويمكن القول: إن هذا يأتي من باب تذكير القوم بأمور يستلزم المقام التذكير بها، فقد سيطرت على أفكارهم نزعة الشر والانتقام فأنستهم كل شيء، وإلاّ فهم يعرفون الحسين ويعرفون جده وأباه وأمه، وكل شيء عنه، وبعد هذا طلب منهم مراجعة أنفسهم وقد استعمل مع هذا الفعل أداة العطف «ثم» التي تفيد في السياق دلالة التراخي ووجود مهلة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا ما يقتضيه السياق وطبيعة الفعل «راجع» ذلك أن مراجعة النفس لايمكن أن تكون بصورة متسرعة. وإنّما تحتاج إلى وقت لإعادة النظر فيما يريد الإنسان الإقدام عليه، ولو استعمل «الواو أو الفاء» وهما يصلحان في هذا الموضع لما وصل إلى الدلالة التي تؤديها «ثم». ويوحي تكرار صيغ الأمر وعطف بعضها على بعض بدلالة الإلحاح والتأمل فيما يريد الإنسان الإقدام عليه لأن التسرع في مثل هذه المواقف تكون له نتائج غير سليمة.

وبعد سياق الأمر الذي حدد فيه الإمام ما يريده من هؤلاء القوم انتقل إلى سياق آخر من سياقات الطلب وهو الاستفهام، وقد بنيت تراكيب الاستفهام على الاستفهام الانكاري وهو ما يتطلبه السياق ويحدده المقام، ذلك أن الإمام أراد من خلال تكرار هذا الأسلوب إقرار القوم بحقيقة ما يريد قوله، لذا وجدنا الإمام يسوق في قطعة صغيرة عدداً من تراكيب الاستفهام الانكاري، ليثير من خلالها عواطف القوم ويدفع كثيراً منهم للتفكير في وضع إجابات لهذه التساؤلات التي تتابعت في هذا المقطع من الخطاب ويبدو من النص أن الإمام كان دقيقاً في استعمال هذه التراكيب، لقد وجه الإمام سؤاله إلى القوم:

«هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي»؟.

وبعد طلبه منهم أن ينسبوه فقد يكون نسبه إلى رسول الله وصلته به رادعاً لهؤلاء القوم عما يريدون الإقدام عليه من أمر. ثم اتبع ذلك بسلسلة من الاستفهام الإنكاري كان الغرض منه إقرار القوم واعترافهم أنّ ما يقوله هو الحق، لأن جواب هذا النوع من الاستفهام هو إقرار بإثبات مابعده، ذلك أن بنية الاستفهام الإنكاري تدل على إثبات ما بعدها على وجه الحقيقة لذا تكون إجابته بـ«بلى». ففي قوله تعإلى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}[14].

وقول الشاعر:

ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح

يكون بإثبات أن الله هو أحكم الحاكمين، والمخاطبين خير من ركب المطايا في نظر الشاعر، يقول الإمام:

«أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أوليس جعفر الطيار عمي، أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي ــ هذان سيدا شباب أهل الجنة».

الناظر في هذه التساؤلات يجد أنّ مابعدها هو حق ثابت يعرفه المسلمون جميعاً، فالحمزة هو عم الإمام علي بن أبي طالب حقاً وصدقاً، وجعفر الطيار هو عم الإمام الحسين، وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحسن والحسين ثابت يعرفه جميع المسلمين، وسمعه الصحابة من الرسول. كل هذه الأمور وغيرها ثابتة يعرفها المسلمون من العرب وغيرهم، ولم يرد الإمام من ذكرها إخبار القوم بشيء ولم يعرفوه إنما أراد من ذكرها إقرار القوم بها حقاً وصدقاً، وعندها يكون مايريدون الإقدام عليه من قتله وانتهاك حرمته خطأ كبيراً يحاسبهم الله عليه حساباً عسيراً ويخسرون الدنيا والآخرة.

ولذا نجد الإمام يدعو القوم إلى التصديق بما يقوله، لأنه هو الحق وهو الواقع الذي لاخلاف فيه، ولكن نزعة الشر أعمت بصائر هؤلاء القوم وجعلتهم لايفقهون شيئاً مما يقال لهم، فقلوبهم غلف عن فهم ما يقال ومن أجل توكيد ما ذهب إليه الإمام وتصديقه يحيلهم إلى سؤال من معهم من الصحابة مستعملاً في ذلك أسلوب الشرط بقوله:

«فإن صدقتموني بما أقول... وإن كذبتموني فإن فيكم من لو سألتموه عن ذلك أخبركم به...».

ثم يحيلهم إلى طائفة من الصحابة لكي يسمعوا منهم ويؤكدوا لهم الحقيقة في هذا الأمر ــ سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك ــ وهذه الطائفة من الأسماء التي ذكرها الإمام في خطابه هي أسماء عدد من الصحابة والتابعين ممن عاصروا رسول الله وسمعوا منه ما قاله في حق الحسن والحسين بأنهما سيدا شباب أهل الجنة ــ وأنهما إمامان إن قاما وإن قعدا.

لكن هذا الخطاب وما أورده فيه الإمام من احتجاج صادف من القوم قلوباً كالحجارة أو أشد قسوة، وأسماعاً فيها وقر عن سماع نداء الحق، قلوباً سيطر عليها الشيطان فأعماها عن رؤية الخير، قلوباً تمكنت منها نزعة الشر فنزعت منها كل رحمة، وعقولاً سيطر عليها حب الدنيا وزينتها فشغلها عن التفكير بالآخرة، لقد أصم الشيطان آذانهم وأعمى أبصارهم، فلم يفرقوا بين نور الحق وظلام الباطل، ولم يميزوا بين بياض الصبح وسواد الليل، فلم ينتفعوا منها بشيء وصدق عليهم قول الشاعر.

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره *** إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ

ولأنهم هكذا يجيبه جلف جاف يقال له شمر بن ذي الجوشن أنا أعبد الله على حرف إن كنت أدري ما تقول هذا جواب مجرم كافر سفاك نزع الله الرحمة والإنسانية من قلبه، وجعله لايفقه شيئاً مما حوله فهو بهيمة كما وصفه أحد أصحاب الإمام الحسين.

وحين وجد الإمام الحسين هؤلاء القوم لايسمعون خطاباً ولايفقهون قولاً، وهم ينكرون كل ماسمعوه وما فعلوه وجه نداءً خاصاً إلى الملأ منهم وخصهم بأسمائهم قال:

«يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحارث... ألم تكتبوا اليّ ان اقدم قد اينعت الثمار واخضر الجناب، وانما تقدم على جنود لك مجندة...».

لقد انتقل الإمام إلى الحوار مع هؤلاء القوم بعد أن ألقى عليهم الحجة ووعظهم بما هو حق لهم عليه، وبين لهم طريق الحق والهدى، فوجد أنهم لا يسمعون خطاباً، ولا يملكون جواباً لما يقول، لقد استحوذ عليهم الشيطان فانساهم كل شيء، وأنكروا ما سمعوا وما فعلوا، ولم يعرفوا سوى لغة الحرب، وقد وصف أحد الادباء هذا الموقف بقوله:

لم أنسه إذ قام فيهم خاطباً *** فإذا هم لا يملكون خطابا
فغدوا حيارى لا يرون لو عظه *** الا الاسنة والرماح جوابا
صلت على جسم الحسين سيوفهم *** فغدا لساجدة الظبا محرابا

لقد خص الإمام جماعة ممن كاتبوه وطلبوا منه القدوم إلى العراق وعاهدوه أن يبذلوا أرواحهم وأموالهم دفاعاً عنه، وهم الآن في صف أعدائه ويحملون أسلحتهم عليه، ويعدون العدة لقتاله، وهو موقف يثير العجب، وأغرب منه جوابهم للإمام حين وجه إليهم النداء بأسمائهم، لقد أجابوه، اننا لم نفعل، لقد كذبوا على الله وعلى الناس وتنكروا لكل ما فعلوه، وأمام هذا الجواب الذي يثير الاستغراب اضطر الإمام إلى استعمال أسلوب فيه من القوة والتوكيد ما يدل على كذب هؤلاء الرجال، فقد استعمل الإمام في سياق رده على جوابهم القسم والتوكيد والتعجب من فعل هؤلاء وجوابهم قال: «سبحان الله والله لقد فعلتم» بدأ الإمام رده على جوابهم بالتعجب مما قالوه ثم اتبعه بحرف الجواب «بلى» وهو حرف يجاب به في سياق النفي، أجاب به قولهم «لم نفعل»، ثم أتبع ذلك بقسم عظيم بلفظ الجلالة ومؤكدين هما «اللام وقد» والله لقد فعلتم، نعم فعلوا كل ذلك صدقت يا سيدي يا أبا عبد الله، صدقت وهم الكاذبون فقد كاتبوك ودعوك إلى القدوم وقالوا: إنما تقدم على جند لك مجندة، ثم تنكروا لكل ما فعلوه، وأصبحوا في صف أعدائك.

وبعد رد الإمام على جوابهم «لم نفعل» بالصورة التي تقدمت استمر الإمام في حواره مع القوم مستعملاً أسلوب الشرط الذي تكرر كثيراً في خطاباته مع هؤلاء القوم:

«أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض».

إن ما ورد في هذه الفقرة يعد حجة يلقيها الإمام على هؤلاء القوم وهو يعرف ان الأمر ليس في أيديهم ويعرف أن مصرعه ومثواه في هذه الأرض، وقد عبر عن ذلك حين وطئت قدماه أرض كربلاء، وهو لا يريد الانصراف من هذا المكان، ولو افترضنا أنهم سمحوا بذلك لما فعل الإمام منه شيئاً لأنه ماضٍ لأداء رسالة لا يمكنه التراجع عنها، ويقول له قيس بن الأشعث:

«أو لا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب...».

وحين سمع الإمام هذا الكلام منه، غضب منه وتغيرت لهجته وأسلوب خطابه معهم، لأن هذا الرجل هو أخو محمد بن الأشعث الذي يطلبه بنو هاشم بدم مسلم بن عقيل، رسول الإمام الحسين إلى أهل الكوفة فيرد عليه الإمام بأسلوب غاضب قائلاً:

«أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل، لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد عباد الله {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ}[15]. { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}[16]»([17].

لقد كانت التراكيب التي ألّفت بنية هذا الخطاب فيها دلالة على الغضب والقوة في الوقت نفسه وهذا ما يتطلبه المقام، لأن الإمام الحسين لم يخرج إلى العراق لينزل على حكم الامويين ويبايع يزيد بالخلافة لأنه رفض هذا الأمر وهو في المدينة، ومن هنا فقد خرج ثائراً ورافضاً لبيعة يزيد بن معاوية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقبل مثل هذا العرض من قوم قتلوا أخاه وابن عمه واجتمعوا لقتاله، لذا نراه يطلق تلك العبارة التي مثلت قراره الحاسم في هذا الأمر، وهو القتال الذي لابد منه من أجل إحياء الدين والدفاع عنه ضد ظلام الكفر والطغيان، تلك العبارة التي أصبحت فيما بعد شعاراً خالداً لكل الثائرين من أجل الحق والكرامة، ولكل مظلوم في وجه من ظلمه.

وقد بنيت هذه العبارة بألفاظ وتراكيب يتفجر الغضب والرفض من كل كلمة منها، بدأت بالقسم بلفظ الجلالة، وهو قسم عظيم يستعمل في الأمور الكبيرة والعظيمة، وتكررت فيها أداة النفي ثلاث مرات على قصرها لتوحي بدلالة الرفض الشديد لما طلب منه، ولا شك أن مثل هذا التكرار فيه دلالة على التوكيد وقوة نفي المراد، نعم لقد خرج الإمام ثائراً من أجل نصرة الحق والدفاع عن الدين ووضع كل شيء في مكانه الصحيح، وسوف يستمر في هذا المنهج مهما كان صعباً ومهما كان الثمن غالياً إمّا النصر وإمّا الشهادة، لقد خرج الإمام الحسين من أجل الكرامة خرج ليقدم نفسه ومن معه قرابين من أجل دين محمد، لأن في موته انتصار الحق على الباطل وانتصار الدم على السيف، وسوف يكون مخلداً في الدنيا والآخرة، وهذا ما تدل عليه العبارات التي استعملها الإمام في خطابه مع هؤلاء القوم، وعبر فيها عن رفضه لبيعة الظالمين، رفضها في كربلاء كما رفضها من قبل في المدينة.

ـــــــــــــــ
[1] يونس / 71.
[2] الأعراف/ 196.
([3] تاريخ الطبري 6 / 242.
([4] مقتل الإمام الحسين، الخوارزمي / 345.
([5] في بعض النسخ (فرار) بالفاء وما أثبتناه هو الصواب.
[6] الدخان/ 20.
[7] المؤمن/ 27.
([8] انساب الاشراف 3 / 188، وينظر الكامل 3 / 287.
([9] التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية / 118، وينظر الاسس الفنية لاساليب البلاغة العربية/188.
([10] ينظر نهج البلاغة 1 / 221.
([11] تاريخ الطبري 6 / 242.
[12] النحل/ 1.
([13] سنن الترمذي 1 / 223.
[14] التين/ 8.
[15] الدخان/ 20.
[16] المؤمن/ 27.
([17] انساب الاشراف 3 / 188، وينظر الكامل 3 / 287.