المرأة هي الدواء السحري وصمام الأمان الذي يتحكم بالضغط النفسي للعائلة

بقلم: السيد نبيل الحسني

لو أردنا الحديث عن هموم الرجل وأسبابها لطال بنا المقام، ولخرجنا عن حدود الموضوع الذي من أجله نواصل البحث، وهو دور فاطمة عليها السلام في الحياة الأسرية كزوجة.

ولكن لو أردنا الحديث عن كشف هذه الهموم، فلربما لن نجد هناك شيئاً أسرع وأقوى أثرا وتأثيرا من المرأة.

فالمرأة هي الدواء السحري، وهي صمام الأمان الذي يتحكم بالضغط النفسي للرجل، وهي الكاشف الوحيد لتلك الغيوم المتلبدة في فضاء الروح، ولا نبالغ إن قلنا إنها الوحيدة القادرة على تحويل هذه الغيوم إلى سحب تحمل الغيث والماء الذي يجدد حياة الرجل، فتراه يمطر همة وثقة بنفسه، وحيوية عالية تسخّر جميع قدراته الروحية والبدنية، فتراه يجعل من الخسارة ربحا، ومن التأخر تقدماً، ومن الهزيمة نصرا.

وتلك صفحات التاريخ قد ملئت بنماذج متعددة لما أسلفنا، بل إنك أيها القارئ الكريم: لتجد صورا أخرى تحكي، أن المرأة، وإن كانت في تلك الأدوار والأثر فهي أيضا موضع هبوط الهمة، وعنوان الفشل لكثير من الرجال.

لكن هذا لا يغير من حقيقة كونها الشيء الوحيد الذي يكشف هموم الرجل وأن تعددت هذه الهموم بتعدد أسبابها، وهي أيضا الشيء الوحيد الذي تجتمع فيه جميع معاني السكن، الذي جاء به الوصف القرآني، قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً...}[1].

ولذلك قد نجد أن كثيراً من الرجال ربما يعيشون ويسكنون أرقى الدور، وأجمل القصور لكنهم في سكنهم هذا مضطربون؛ لأنهم فاقدون لسكن الروح والنفس، أنهم فاقدون للزوجة، بينما تجد الكثير لا يستظل إلا بسقف متهاوٍ، وجدران ضعيفة، لكنه مطمئن ساكن النفس لوجود زوجة تشاطره الحياة.

ومن معاني السكن القرآني: أن المرأة هي الحاضنة التي يزرع فيها الحب، فبغيرها لا يمكن أن تجد الدفء، ولا الجو، ولا الظرف الملائم للحب.

(فهو بالنسبة للزوجين غذاء روحي لا يقل أهمية ولا يقل خطورة لنفس كل من الزوجين، وكلما كان الحب الذي يسود الحياة الزوجية هو الواقعي الإنساني المتزن، ارتفع مؤشّر السعادة في الأسرة.

والحب المتزن قوامه قلب متعاطف وعقل متفاهم وجسم متجاذب، وهو أشبه بالمثلث الدائم المتلاقية أضلاعه فتعاطف القلبين بين الزوجين ضرب من ضروب ا لحب المتبادل بينهما، ومن آيات التعاطف بين الزوجين ذلك الحنين الذي يشعر به كل منهما في غيبة الآخر)[2].

ومن آيات الحب هو كشف هموم الزوج، وتسكين آلامه على الرغم من وجود هموم قد تثقل عاتق المرأة، وأحزان قد تنهك قواها لكنها هي السكن النفسي والنبع العاطفي لكل من يحيط بها، فمنها يتعلم الأبناء معاني المودة والرحمة، ليكونا كما كانت أمهم لأبيهم.
ونحن عندما نركز الضوء على المرأة دون الرجل، فذلك التركيز أصله القرآن وتطبيقه العترة الطاهرة عليهم السلام.

فنموذج العلاقة الأسرية تجده في بيت علي وفاطمة عليهما السلام، وأسس التوافق والتواصل الزواجي نأخذه من بيت علي وفاطمة عليهما السلام، وتعلم الحب الحقيقي الذي تتجلى فيه معاني المودة والرحمة تجده في هذا البيت، الذي فيه كل مصاديق السكن الروحي والنفسي والإيماني.

ويكفي من الشواهد على كيفية كشفها لهموم وأحزان علي عليهما السلام، هو ما أخرجه السيد ابن طاووس، وأبو عيسى الترمذي، والفقيه الشافعي ابن المغازلي[3] مختصرا، وغيرهم في حديث المؤاخاة: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وعلي واقف يراه ويعرف مكانه، لم يواخ بينه وبين أحد، فانصرف علي عليه السلام باكي العين فافتقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «ما فعل أبو الحسن؟».

قالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله. قال: «يا بلال اذهب فأتني به».

فمضى بلال إلى علي عليه السلام وقد دخل إلى منزله باكي العين.

فقالت فاطمة: «ما يبكيك لا أبكى الله عينيك؟»

قال: «يا فاطمة آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني، ولم يواخ بيني وبين أحد».

قالت: «لا يحزنك إنّه لعله أدّخرك لنفسه».

قال بلال: يا علي أجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما يبكيك يا أبا الحسن؟».

قال: «آخيت بين المهاجرين والأنصار يا رسول الله وأنا واقف تراني وتعرف مكاني ولم تواخ بيني وبين أحد؟».

قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما ادخرتك لنفسي، ألا يسرك أن تكون أخا نبيك؟».

قال: «بلى يا رسول الله أنى لي بذلك؟».

فأخذ بيده فأرقاه المنبر وقال: «اللهم هذا مني وأنا منه إلا إنه مني بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه»)[4].

وحديث المؤاخاة من الأحاديث المشهورة وقد تناقلته حفاظ المسلمين بأسانيد صحيحة وطرق عديدة[5].

ومن خلاله يظهر لنا الأسلوب الجمالي الذي اتخذته البضعة النبوية في استدراك الموقف وتهوين الأمر الذي لحق بأمير المؤمنين علي عليه السلام، فكانت كلماتها بلسماً يرطب القلب ويخرج الهم ويزيل الحزن عن علي عليه السلام.

ومن ناحية أخرى يكشف عن دقة تقييمها للأمور، وحسن معرفتها ببواطن الحوادث.

وأخيرا: قد أعطت درسا لكل امرأة تتعلم من خلاله كيفية التعامل مع الزوج عندما يعود إليها مهموما حزينا متكدر الحال، فأي هم يبقى في نفس الرجل وهو يسمع زوجته تستقبله بهذا الحب واللطف والحنان.

وأي جمال حملته تلك الكلمات وهو يسمعها بصوت هادئ: (ما يبكيك لا أبكى الله عينيك).

فهذا الجمال وحدها المرأة التي تقرأ معانيه، ووحده الرجل الذي يرى ملامحه.

ـــــــــــــــ
[1] سورة الروم: الآية 21.
[2] الصحة النفسية للحياة الزوجية، لصالح عبد العزيز: ص239 ط الهيئة المصرية العامة لسنة 1972م.
[3] هو الحافظ الفقيه المحدّث: أبو الحسن، أو أبو محمد، علي بن محمد بن محمد بن الطيب الجلابي الواسطي، الشافعي، الشهير بابن المغازلي، مؤرخ واسط وخطيبها، ترجم له ابن حجر في (تبصير المنتبه بتحرير المشتبه)، ترجمة 1/380 بتحقيق علي محمد اليحاوي ط الدار المصرية للتأليف، وسبب تسميته بـ(ابن المغازلي) يعود إلى أن أجداد المصنف كان نزيلا بمحلة المغازليين بواسط فنسب إليها، ذكر ذلك السمعاني في: الأنساب ط مرجليوث ورقة 146، ولد بواسط العراق، وتلقى العلم فيها على أبيه القاضي محمد بن محمد الطيب الذي كان من أفاضل علماء واسط، وكان قاضي المرافعات بها كما أخذ وروى عن كثير من الثقات الأثبات، حملة الحديث، ذكره المرتضى الزبيدي في تاج العروس، وقال إنه توفي سنة 534هـ التاج 1/186 الطبعة المصرية سنة 1306هـ بينما أرجع السمعاني وفاته إلى سنة 480هـ.
[4] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج37 ص186ـ187.
[5] راجع حديث المؤاخاة بين علي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المصادر التالية: صحيح الترمذي، كتاب المناقب: ج5، ص454، حديث3720؛ تلخيص المستدرك للذهبي مطبوع بذيل المستدرك؛ كفاية الطالب للكنجي الشافعي: ص194؛ مصابيح السنة للبغوي الشافعي: ج2، ص275؛ الصواعق المحرقة لابن حجر: ص120؛ مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لابن المغازلي: ص37، ح57و59، وفي ط منشورات دار مكتبة الحياة جاءت الأحاديث في الصفحة: 4ـ44؛ تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص170؛ أسد الغابة: ج4، ص29؛ تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي الحنفي: ص24؛ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ص56؛ الشافعي: ص140، وبهامشه إسعاف الراغبين: ص140؛ نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: ص94؛ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: ج1، ص103، ح143و145و246؛ جامع الأصول لابن الأثير: ج9، ص468؛ الرياض النضرة للطبري: ج2، ص242و277؛ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص21؛ مستدرك الحاكم: ج3، ص14؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج9، ص112؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج18، ص24؛ السيرة النبوية لابن هشام: ج2، ص108؛ مقتل الحسين للخطيب الخوارزمي الحنفي: ج1، ص48؛ الطبقات الكبرى لابن سعد: ج3، ص22؛ كنز العمال للهندي: ج15، ص92، ح260 و271 و286 و299 و304 و325 و334 و350 و355 و383.

المرأة في معركة الطف مأثرات النصرة والفداء

بقلم: الدكتور مهدي حسين التميمي

لقد سجلت المرأة في معركة الطف أدواراً متميزة في مشهد النصرة والفداء كانت من أنصع الصفحات وأكثرها إشراقاً في التاريخ الرسالي، وقد جاوزت المرأة في ذلك طبيعتها المعتادة في الحرص على سلامة أبنائها وأزواجها وتمني دفع الغوائل عنهم إلى الحالة الأسمى في التضحية بدفع الأبناء والأزواج معاً إلى سوح الوغى وحثهم على الصمود والبسالة فيها، وتقبل استشهادهم فيها بالرضا والاطمئنان!

وفي حالة من تلك الحالات النادرة في مشهد التضحية ما كان من أم عمرو بن جنادة الأنصاري فإنه لما قتل أبوه في المعركة دفعته أمه ليقاتل دون الحسين عليه السلام وكان شاباً، وقد أشفق عليه الحسين عليه السلام وقال: "هذا شاب قتل أبوه، ولعل أمه تكره خروجه"، فقال: "إن أمي هي التي أمرتني"، ثم برز وهو يرتجز:

أميري حسين ونعم الأمير    سرور فؤاد البشير النذير
 علي وفاطمة والداه    فهل تعلمون له من نظير



وكانت أم وهب - وهو نصراني التحق بالإمام الحسين عليه السلام وهو في الطريق - قد حثته أمهُ على القتال قائلة له: "قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله"، فاستأذن الحسين عليه السلام وانحدر إلى المعركة فقاتل حتى قتل جماعة ورجع إلى أمه، وقال: "أرضيتِ يا أماه"! فقالت: "لا أرضى حتى تقتل بين يدي أبي عبد الله".

فخرج من فوره وقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، وقطعوا يمينه فصار يقاتل بشماله فقطعوا شماله، فأخذت زوجته عموداً من حديد وانحدرت إلى المعركة تقاتل معه، ولما لم يكن له بد من إرجاعها فانه عض بأسنانه على ثيابها ليرجعها إلى الخيمة فأفلتت نفسها منه وعادت إلى الحرب، فاستغاث بالحسين عليه السلام، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي إلى النساء بارك الله فيك فانه ليس عليكن قتال"، ولم يزل بها حتى أرجعها، فوقفت تنظر ما يكون من زوجها حتى قتل، فجاءت وجعلت تخضب شعرها بدمه، وتمسح جبينها بنحره، فأمر الشمر غلاماً يقال له رستم فضربها بعمود من الحديد فصرعت إلى جنب زوجها.

وحمل جسد وهب إلى ابن سعد (قائد حملة الأعداء) فجعل ينظر إليه ويقول: "ما أشد صولتك" وأمر بقطع رأسه ورمي به إلى معسكر الحسين عليه السلام فأخذته أمه وجعلت تمسح الدم والتراب عنه وتقول: "الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك بين يدي أبي عبد الله"، ثم قالت: "الحكم لله يا أمة السوء، إن النصارى في كنائسها، واليهود في بيّعها لخير منكم"، ثم رمت برأس ولدها نحو عسكر ابن سعد. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر من أن الرأس قد أصاب صدر قاتل وهب وقتله، ثم إن أم وهب أخذت عمود خيمة وتوجهت إلى المعركة فقتلت نفرين وجاء الحسين عليه السلام فردها إلى الخيمة([1]).

ومن مواقف الشهامة والمبدئية العالية للمرأة ما لم يكن لمثله من أولئك الرجال الأوغاد الذين حملتهم مطامعهم وأهوائهم إلى الاستكانة للشر والبغي - ما كان من أمر خولي بن يزيد الأصبحي مع زوجته فإنه عهد إليه برأس الإمام الحسين عليه السلام وقد أتى به إلى منزله ووضعه تحت أجانة، ودخل فراشه ثم قال لامرأته: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين عليه السلام معك في الدار"!، فغضبت لما أخبرها بذلك وقالت له: "ويحك لقد جاء الناس بالذهب والفضة، وجئتني برأس ابن بنت رسول الله!، والله لا يجتمع رأسي ورأسك في بيت أبداً"، وقامت من فراشه وخرجت من الدار، وقالت: "لا زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من الأجانة وإليها، ورأيت طيوراً بيضاء ترفرف حولها"([2]).

وكانت امرأة من آل بكر مع زوجها وقد رأت ان القوم قد احتملوا على نساء الحسين عليه السلام وفسطاطهن وهم يسلبونهن فأخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط وقالت: "يا آل بكر بن وائل اتسلب بنات رسول الله، لا حكم إلا بالله يا لثارات رسول الله". فردها زوجها إلى رحله.

وعلى خلاف تلك المواقف المبدئية الصادقة والجريئة لأولئك النسوة، ممن كانت لهن أدوار بارزة في البذل والتضحية في موقعة الطف كانت المواقف المتخاذلة والمهينة من بعض الرجال اللاهثين وراء مطامع الدنيا الرخيصة، كمثل هؤلاء الذين كاتبوا الإمام الحسين عليه السلام من الكوفة أن يقدم إليهم معبرين في رسائلهم عن مبايعته والنصرة له، ثم انحازوا بعد ذلك إلى صف أعدائه منصاعين للإغراء والتهديد معاً، وقد ناداهم الحسين عليه السلام يوم عاشوراء بأسمائهم: "يا شبث بن ربيعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن أشعث، ويا زيد بن الحارث.. ألم تكتبوا إلي أن أقدم قد أيْنعت الثمار وأخضر الخباب وإنما تقدم على جند لك مجندة!"، فأنكروا ذلك قائلين: "لم نفعل"!.

وكان الخطاب الجليل القدر للسيدة زينب عليها السلام لهؤلاء من أهل الكوفة ولغيرهم ممن خانوا أمانة الولاء والنصرة لآل بيت النبوة وتركوهم طعماً سائغا للسفاكين خطاباً تجلت فيه فصاحة الإدلاء عن مشهد الخيانة والغدر ما حرك في النفوس اللواعج، وأذكى في الضمائر حساً دفيناً من الولاء المكبوت، والذي تحرك بعدئذ في أشكال شتى من التعبير عن ندامة فات موعدها لتجد لها صوراً حاضرة من ذلك في حالات من الثأر والانتقام من القتلة وأشياعهم كان أجلاها وأكثرها وضوحاً ما كان من ثورة المختار الثقفي الذي اقتص ممن شاركوا في جريمة الطف، وقد تعقبهم ليثأر منهم.

وقد تحققت في بعض مشاهد الثأر من ذلك نبوءة الإمام الحسين عليه السلام ودعاؤه على البعض من قتلته، وما كان من سوء العاقبة لهم ما ورد ذكره في خطبة السيدة زينب عليها السلام في الكوفة:"فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا تحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد"، وبمثل ذلك ما جاء في خطبة فاطمة بنت الحسين عليه السلام: "تباً لكم فانظروا اللعنة والعذاب، فكان قد حل بكم وتواترت من السماء نقمات، فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا"([3]).

وكان الحضور مجدداً لمشهد التحدي من فارسة الطف زينب بنت علي عليهما السلام حين تمادى عبيد الله بن زياد في تعسّفه لما رجع من معسكره بالنخيلة فدخل قصر الإمارة ليضع رأس الحسين عليه السلام الشريف بين يديه ولينكث بالقضيب ثناياه ساعة، وقد انحازت السيدة زينب عليها السلام عن ذلك الموقف وهي متنكرة عن النساء لتوجه خطابها المهين لابن زياد وقد عرفها فقال متشمتاً، وقد أخذته العزة بالإثم: "الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم"!، وزاد ابن زياد من الكيد والشماتة في قوله للسيدة زينب عليها السلام: "كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟

فأجابته السيدة زينب عليها السلام جواباً استحضر فيه الشاهد التاريخي مسيرة الإبلاغ الرسالي وعنوانه الأكبر في الشهادة وحضوره في الكل الإيماني الذي لا يتزلزل ولا يتحول: "ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله لهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ".

وتبلغ الشجاعة بالسيدة زينب عليها السلام في خطابها للقائل المتغطرس وهو في نشوة زهوه بالانتقام لتسمعه كلاماً لا يجرؤ غيرها عليه لتنقص من قدره بنسبته إلى أمه دون أبيه، وبتقريع المستخف بشأنه: "ثكلتك أمك يا ابن مرجانة"، ويغضب ابن زياد من كلام سيدة الطف في ذلك المحتشد وقد همّ بالفتك بها، فكان ثمة من يردعه عن ذلك من خاصته معبراً في ذلك عن موقف سلبي كان ولا يزال البعض من الناس لا يقدر فيه للمرأة منزلتها، وبأي مستوى تكون ما قد قاله عمرو بن حريص: إنها امرأة وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها، ولا تلام على خطأ"!!.

وبمثل تلك الشجاعة التي قابلت بها السيدة زينب عليها السلام الطاغية كان التصريح لعلي بن الحسين عليهما السلام حين نازعت ابن زياد الشماتة بقتل جده الإمام علي بن أبي طالب، وأخيه الأكبر علي (عليهما السلام) فكان رده مسنداً إلى قرار الله وحكمه: "اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ".

وقد كبر على ابن زياد أن يرد عليه بمثل ذلك فأمر بضرب عنقه، فكانت الوقفة البطولية والشجاعة الفريدة للسيدة زينب عليها السلام قد أنقذته من القتل أنها قد بادرت إلى اعتناقه، قائلة لابن زياد:"حسبك يا ابن زياد من دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً غير هذا؟، فإن أردت قتله فاقتلني معه" فكف عن ذلك فيما لم يكف علي بن الحسين عليه السلام عن تحدٍّ غريب ومثير لابن زياد وقف عنده ذلك الرجل بكل غطرسته وصلفه صاغراً أمام عظم ذلك المشهد من التحدي في موضع لا يصح فيه مثل ذلك لمن سواه.

وفي مثل ذلك الموقف الصعب الذي عبر فيه الإمام زين العابدين عليه السلام عن المنطوق الرسالي في الشهادة كونها حكم الله وقضاءه في تكريم أهل النبوة وحملة الرسالة: "أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا في الله الشهادة"... وكمثل ما هي الحكمة في الإبقاء على حياة علي بن الحسين عليهما السلام كان في الحكمة أن يخلي ابن زياد سبيل المختار بن أبي عبيد الثقفي وقد كان محبوساً عنده من يوم قتل مسلم بن عقيل عليه السلام وقد جرى بينه وبين ابن زياد كلام أغضبه فأرجعه إلى الحبس ليكون في إرجاء قتله ما قد تحقق به الانتقام من قتلة الإمام الحسين عليه السلام، بعد ذلك، وقد صدقت نبوءة عبد الله بن الحارث فيه وكان معه في السجن في قوله له: "والله لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلا القليل حتى تلي البصرة"، وكان الشهيد ميثم التمار يسمع كلامهما.

فقال للمختار: "وأنت تخرج ثائراً كما قالا"، وصح أن عبد الله بن الحارث قد خرج بالبصرة بعد هلاك يزيد وأمره أهل البصرة وبقي على هذه سنة، وخرج المختار طالباً بدم الحسين عليه السلام فقتل ابن زياد، وحرملة بن كاهل، وشمر بن أبي الجوشن، إلى العدد الكثير من أهل الكوفة الخارجين على الحسين عليه السلام ([4])..، وهي هذه كمثل نبوءات الأحداث في التاريخ الرسالي، كان من بينها ما قد حصل من نبوءات النبي أشعيا وغيره مما ذكر في الكتاب المقدس مما أوردنا ذكره في مبحثنا عن رموز التضحية والفداء في الأديان.

ويكون الموقف الأكثر جرأة وإقداماً للمرأة في غمار الفاجعة ما قد حصل في حضور الرأس الشريف للأمام الحسين عليه السلام عند يزيد ابن معاوية وقد وضعه أمامه في طست من ذهب وكانت السبايا من النساء خلفه، وقد أذن للنساء أن يدخلوا في وقت أخذ فيه القضيب لينكث به ثغر الحسين عليه السلام ويقول متشفياً بنعرة من نعرات الجاهلية وقد سمعته السيدة زينب وهو يتمثل في ذلك بقول ابن الزبعرى:

ليت اشياخي ببدر شهدوا
لأهلوا واستهلوا طربا
قد قتلنا القوم من ساداتهم
لعبت هاشم بالملك فلا
لست من خندف إن لم انتقم


جزع الخزرج من وقع الأسل
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
وعدلناه ببدر فاعتدل
خبر جاء ولا وحي نزل
من بني أحمد ما كان فعل

فانتفضت السيدة زينب عليها السلام في مجلسه مشيرة إلى وجه المأساة الدامية وفظائع الفتك التي جرت عليهم في الطف مخاطبة يزيد بذات اللهجة المتحدية ما كانت قد خاطبت بها واليه عبيد الله بن زياد، وبالنبرة القوية المفعمة بروح التحدي لكبريائه وغطرسته، وبالعبارة المهينة "يا ابن الطلقاء"، وهي كناية عمن دخل في الإسلام كرها، مزدرية فيه هتافه بأشياخه في الجاهلية، داعية عليه بالويل والثبور: "اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا".

ثم خاطبته بما لم يجرؤ أحد غيرها عليه، وبتلك اللهجة المتحدية لكيده، والمقللة من شأنه مذكرة إياه بما يكون من مصير الطغاة:

"فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين".

وتبلغ السيدة زينب في شجاعتها إلى الغاية في استصغار شأن يزيد والاستهانة بتقريعه وتوبيخه، ومن ثم إنذاره بسخط الله ورسوله وملائكته عليه، جراء ما اجترح من الجناية بحقهم ما لم يبلغنا عن امرأة أنها قد نطقت أمام حاكم جائر مستبد بمثل ما قد نطقت به تلك المرأة المفجوعة بأهلها وذويها وبعبارات ملؤها التحدي وكبرياء الموقف، وفي تحذير صريح بالمصير المحتوم للظالمين: "ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى".

"ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنّ وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول".

وقد أحدثت خطبة السيدة زينب عليها السلام تلك دوياً واسع المدى في أرجاء دمشق، تلافاها الحاكم الأموي بمحاولة إلقاء تبعة الجريمة التي ارتكبت في الطف على عاتق واليه ابن زياد، وعمل على إخراج الإمام السجاد عليه السلام والعيال عن الشام إلى موطنهم وتمكينهم مما يريدون، وقد أمر النعمان بن بشير وجماعة معه بأن يسيروا معهم إلى موطنهم في المدينة، وقد بادر زين العابدين عليه السلام لما عرف الموافقة من يزيد إلى طلب رؤوس الشهداء كلها ليمضي بها إلى كربلاء ليلحقها بالأبدان وقد استقبلت موكب الشهادة في كربلاء جماعة من بني هاشم ورجال من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام، وقد أقاموا النواح على الحسين عليه السلام ثلاثة أيام.

وهكذا كانت المرأة في الطفّ، المقاتلة الشهيدة، والمضحية بأولادها وزواجها، والصامدة، الصابرة حيال فجائعها، مثالاً حياً وشاخصاً في التضحية والفداء ما تستحق به خلود مآثرها في تلك الصفحات المجيدة من سفر الطف الخالد، ما يلزم أن تقام له النصب، وعلائم الاحتفاء بذكريات ومشاهد تضحياتها كمثل ما هو الاحتفاء الدائم والمتجدد لمواقف الرجال الأفذاذ فيها، انها درر الشهادة ولآلئ المجد الرسالي الذي حققته بالعزم والعزيمة والتضحيات الجسام وعلى القدر المتكافئ أو المتفاوت في التضحية والبذل وعلى السبيل الواحد رجال الطف ونساؤها.




([1]) موسوعة مقتل الإمام الحسين (مقتل الإمام الحسين، محمد الحسين كاشف الغطاء)، ص465، 466.
([2]) سيرة الأئمة الأثني عشر، ص71.
([3]) موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام، ص348-351.
([4]) موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، ص367-368 نقلاً عن تاريخ الطبري، ج7، ص147.

دلهم بنت عمير ودورها في نصرة الثورة الحسينية


بقلم: الباحثة كفاح الحداد

دلهم بنت عمير هي زوجة زهير بن القين وكانت امرأة صالحة وكانت معه في سفره وكان زهير عثماني الهوى مما جعله يتحاشى الإمام في المسير. يقول السيد ابن طاووس: ... ثمّ سار (عليه السلام) فحدّث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كنّا مع زهير ابن القين لمّا اقبلنا من مكّة فكنّا نسائر الحسين عليه السلام حتّى لحقناه فكان إذا أراد النّزول اعتزلناه فنـزلنا ناحية فلمّا كان في بعض الأيّام نزل في مكان لم نجد بداً من أن ننازله فيه فبينا نحن نتغذّى من طعام لنا إذ اقبل رسول الحسين عليه السلام حتّى سلّم ثمّ قال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد الله الحسين عليه السلام بعثني إليك لتأتيه فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير.

فقالت له زوجته وهي ديلم بنت عمرو: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه فمضى إليه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحوّل إلى الحسين عليه السلام وقال لامرأته أنت طالق فانّي لا أحبّ ان يصيبك بسببي إلا خير وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك اسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام فقال لأصحابه من أحبّ أن يصحبني وإلا فهو آخر العهد منّي به. (السيد الجليل ابن طاوس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص 71 – 73).

ويفرح زهير بولائه للإمام بقوله لعزرة الذي أرسله ابن سعد نحو الحسين عليه السلام: يا عزرة، إن الله قد زكاها وهداها فاتّقِ الله يا عزرة فاني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممن يعين أهل الضلالة على قتل النفوس الزكية.

ثم قال عزرة: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت على غير رأيهم قال زهير: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ولا أرسلت إليه رسولاً ولا وعدته نصرتي ولكن الطريق جمع بيني وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه عدوه فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه واجعل نفسي دون نفسه لما ضيعتم من حق رسوله.

زهير الذي كان يتحاشى الإمام الحسين تراه يقف مدافعا عنه أمام القوم حيث يدعوه الناس للتخلي عن النصرة في حين يقول: والله وددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل كذا ألف مرة، وان الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. (المقرم، 214).

ونال زهير وسام الشهادة وبقي اسمه خالداً مع الشهداء ومع أنصار الحسين عليه السلام ولزوجته المؤمنة الموالية الأثر الكبير في ذلك فهي التي كانت تحثه على لقاء الإمام الحسين عليه السلام وهي التي كانت تعاتبه حينما كان معرضا عنه في المسير. فالمرأة الصالحة هي التي تدفع زوجها لتحصيل الجنان رغم ان الأمر ليس بالهين أبداً. فأواصر الحب الزوجي تبقى قوية يشوبها حرص أقوى على الشريك وخوف من الفقدان والفراق لكن كل العلاقات تذوب وتتسامى أمام نصرة الدين والعقيدة، فكيف تسامت هذه المرأة لتجعل إرادة الله فوق إرادة قلبها ولتعود إلى قومها بمفردها تاركة الزوج الحبيب يحث الخطى نحو مذبح الشهادة. ولما ودعته قالت له: كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام.

وبهذه الكلمات القصار تكشف عن إيمانها العميق بالله وعن ولائها لأهل البيت عليهم السلام.. انه قلبها الذي قال لها انه الفراق الأبدي والموعد الدار الآخرة ورغم ذلك زفت زوجها إلى ميدان الحرب فاستحقت الأجر العظيم والخلود في ذمة التاريخ.

دور حرائر أهل البيت في نصرة الإمام الحسين عليه السلام ونصرة ثورته

بقلم: الباحثة الاجتماعية كفاح الحداد

وهذا ما نلمسه من خلال إصرارهن على المجيء مع الإمام عليه السلام إلى كربلاء ومتابعة شؤون هذا السفر الطويل وهو ما سنمر عليه في تشعبات مستقبلية.

لكن العجيب ان الإمام عليه السلام لما خرج من المدينة لم يكن معه سوى عشيرته! ونفس الشيء حصل لما خرج من مكة!، لم يكن هناك الموالون الذين كان يُتوقع ان يذهبوا معه!، وقد بقي الناس في أماكنهم حتى لما جاءهم خبر عزمه على الذهاب إلى كربلاء فيما بعد فلِمَ لم يتبعوه؟

 وهذا أمر يثير التساؤل اذ يرى بعض كتاب التاريخ ان مقولة الإمام عليه السلام لبعض من نهوه عن حمل النساء معه (شاء الله ان يراهن سبايا) إنها كانت إعلانا عن ما ينتظرهم من تحديات ومنعطفات صعبة فهو سيقتل وهؤلاء النساء سيتم أسرهن، إذن الأمر يحتاج إلى نصرة.. وكأنه قدم رسالة لهم ان الحال هذه فلو نصرتمونا ونصرتم نساء بيت الوحي لكان خيراً لكم.

ولكن لم يفهم الناس هذه الرسالة وقتها أو ربما لم يريدوا فهمها أو انهم فهموها فقدموا لأنفسهم الأعذار فبقوا في ديارهم قاعدين!. وبعد ان استشهد الإمام عليه السلام عضوا أصابعهم من الندم!

جاء في المقتل الحسيني:
ولما استقر المجلس بأبي عبد الله حمد الله وأثنى عليه وقال: يا ابن الحر ان أهل مصركم كتبوا إلي انهم مجتمعون على نصرتي وسألوني القدوم عليهم وليس الأمر على ما زعموا، وان عليك ذنوباً كثيرة، فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك؟

قال: وما هي يا ابن رسول الله؟، فقال: تنصر ابن بنت نبيك وتقاتل معه.

فقال ابن الحر: والله إني لأعلم ان من شايعك كان السعيد في الآخرة ولكن ما عسى ان اغني عنك، ولم اخلف لك بالكوفة ناصراً، فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فان نفسي لا تسمح بالموت! ولكن فرسي هذه «الملحقة» والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها فهي لك.

قال الحسين: أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك وما كنت متخذ المضلين عضدا وإني أنصحك كما نصحتني، ان استطعت أن لا تسمع صراخنا، ولا تشهد وقعتنا فافعل، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم.
وندم ابن الحر على ما فاته من نصرة الحسين عليه السلام فأنشأ:
أيا لك حسرة مـا دمت حيّـاً
تردَّد بيـن صـدري والتـراقي
غداةَ يقول لي بالقصـر قـولا
أتتركنـا وتـعـزم بـالفـراق
حسين حين يطلب بذل نصري
على أهـل العـداوة والشقـاق
فلـو فلـق التَّلهُّف قلب حـرٍّ
لهمَّ اليـوم قلبـي بـانـفـلاق
ولـو واسيتـه يومـاً بنفسـي
لنـلت كـرامـةً يـوم التَّـلاق
مع ابن محمد تفـديـه نفسـي
فـودع ثـم أسـرع بـانطلاق
لقد فاز الأولى نصـروا حسينـاً
وخاب الآخـرون ذوو النفـاق

لقد كانت هذه فرصة للكثير لتحصيل أعلى درجات الحياة الآخرة ولكنها لم تجد اذناً واعية!.

وبذلك تقدمت هؤلاء النساء العظيمات دون ان يبدين أي تردد أو تلكؤ لنصرة الإمام ومعهن أولادهن.

والسيدة زينب عليها السلام وزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والذي كان مريضاً لكنه أرسل أولاده مع خالهم إلى معترك النضال.

 وأم البنين (على اختلاف الروايات في عمرها وفي زمن وفاتها) والتي أرسلت أولادها الأربعة ومنهم العباس حامل راية الإمام.

ورملة زوجة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام والتي جندت ولدها القاسم لنصرة الإمامة.

دور المرأة في معركة صفين وقتال علي عليه السلام القاسطين

بقلم: السيد نبيل الحسني

لقد شكل وجود المرأة في معركة صفين تحولاً جديداً في تاريخ الحروب عند العرب خاصة والمسلمين عامة؛ وذلك لما شكله وجود المرأة من تعبئة عسكرية وعقيدة قتالية انعكست على المسلمين بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بعقود على الرغم من تمكن معاوية بن أبي سفيان من الجلوس على الحكم، بل لم يتمكن سلطان معاوية ونشوة العرش من إزالة صور تلك النساء اللاتي وقفن يزرعن في نفوس الرجال الهمم والروح القتالية التي ظلت مرارتها في حلق معاوية وأشياعه إلى يوم هلاكه.

ولعل الاكتفاء ببعض الشواهد من أولئك النسوة يغني اللبيب عن البحث عن دور المرأة في تغير مستوى الحرب بما يشكله وجودها من عقيدة قتالية مرتكزة على ما فطر عليه الإنسان العربي من صون للحرم.

فكيف إذا كانت هذه الحرم تنادي بالتوحيد وتصرخ بالموالاة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

1: سودة بنت عمارة (رحمها الله تعالى)


يمكن الوقوف على أدوار هذه النساء في معركة صفين من خلال دخولهنً على معاوية بعد مضي سنين عديدة من جلوسه على كرسي الحكم في الشام وكشفه لتلك الآثار من خلال حديثه معهنّ.
روى ابن طيفور عن محمد بن عبيد الله قال: (استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها فلما دخلت عليه قال:
هيه يا بنت الأسك ألست القائلة يوم صفين:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة
يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه
واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد
علم الهدى ومنارة الإيمان
فقه الحتوف وسر أمام لوائه
قدما بأبيض صارم وسنان


قالت: أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي عليه السلام وإتباع الحق.

قال: فوالله ما أرى عليك من اثر علي شيئا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى وتذكار ما قد نسى، قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك، قالت: صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء:
إن صخرا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار

قال: صدقت لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبتر الذنب وبالله اسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، فما حاجتك؟

قالت: انك أصبحت للناس سيداً ولأمرهم متقلدا والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي واخذ مالي يقول لي فوهي بما استعصم الله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته عنا فشكرناك وأما لا فعرفناك.

فقال معاوية: أتهددينني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم تقول:
صلى الإله على جسم تضمنه
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال لها: ومن ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا قدم علينا من قبله فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين فاتيت عليا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائما يصلي فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: «ألك حاجة؟».

فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: «اللهم انك أنت الشاهد عليّ وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك».

ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيأة طرف الجواب فكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم  قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين. وما أنا عليكم بحفيظ إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام».

فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فقراته، فقال لها معاوية: لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيأ ما تفطمون، ثم قال: اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها، قالت: إليّ خاص أم لقومي عام، قال: ما أنت وقومك؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللوم إن لم يكن عدلا شاملا وإلاّ فأنا كسائر قومي، قال: اكتبوا لها ولقومها.

2: الزرقاء بنت عدي رحمها الله تعالى

وقال عيسى بن مهران، حدثني العباس بن بكار، قال: حدثني محمد بن عبيد الله عن الشعبي، قال: وحدثني أبو كر الهذلي عن الزهري، قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية، وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد ربه بن القاسم بن يحيى مقدم، قال: اخبرني محمد بن فضل المكي الضبي، قال: أخبرنا محمد الشافعي صاحب الرأي، عن أبيه محمد بن إبراهيم، عن خالد بن الوليد المخزومي، عن سعد بن حذافة الجمحي قال: سمر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس امرأة كانت من أهل الكوفة وكانت ممن يعين عليا عليه السلام يوم صفين.

 فقال لأصحابه: أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال: القوم كلنا نحفظه يا أمير المؤمنين.
قال: فما تشيرون عليّ فيها؟
 قالوا: نشير عليك بقتلها، قال: بئس ما أشرتم عليّ به، أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت وصار الأمر لي.

ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إليّ الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهدها وطاء لينا واسترها بستر حصيف، فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فاقرأها الكتاب.

 فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إليّ لم ارم بلدي هذا وان كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي، فحملها في هودج وجعل غشاءه حبرا مبطنا بعصب اليمن ثم أحسن صحبتها وفي حديث المقدمي فحملها في عمارية جعل غشاءها خزا أدكن مبطنا بقوهى.

فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك؟.

 قالت: خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا ممهدا، قال: بذلك أمرتهم فهل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: سبحان الله إنى لي بعلم ما لم اعلم، وهل يعلم ما في القلوب إلاّ الله! قال: بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحضين على القتال فما حملك على ذلك؟

قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأم.

قال لها: صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟

قالت: ما أحفظه.

 قال: ولكني والله أحفظه، لله أبوك لقد سمعتك تقولين: (أيها الناس انكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء يسمع لقائلها ولا ينظر لسائقها أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وان الكوكب لا يقد في القمر وان البغل لا يسبق الفرس وإن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلاّ الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنى ليقضي الله أمرا كان مفعولا ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير في الأمور عواقبا أيها إلى الحرب قدما غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده).

ثم قال معاوية: والله يا زرقاء لقد شركت عليا عليه السلام في كل دم سفكه.

فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه.

قال لها: وقد سرك ذلك؟.

قالت: نعم، والله لقد سرني قولك فأنى بتصديق الفعل، فقال معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أحب من حبكم له في حياته، أذكري حاجتك.

قالت: يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد عن غير طلب.

قال: صدقت فاقطعها ضيعة غلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم وأحسن صفدها وردها والذين معها مكرمين.

3 ــ بكارة الهلالية

حدثني عبد الله بن عمرو: ... دخلت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان بعد أن كبرت سنها ودق عظمها ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن عليها الرد وأذن لها في الجلوس وكان عنده مروان بن الحكم وعمرو بن العاص.

فابتدأ مروان فقال: أتعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هي؟ قال: هي التي كانت تعين علينا يوم صفين وهي القائلة:
يا زيد دونك فاستثر من دارنا
سيفا حساما في التراب دفينا
قد كان مذخورا لكل عظيمة
فاليوم أبرزه الزمان مصونا

فقال عمرو بن العاص: وهي القائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكا
هيهات ذاك وما أراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة
أغراك عمرو للشقا وسعيد
فارجع بأنكد طائر بنحوسها
لاقت عليها أسعد وسعود

فقال سعيد: يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
قد كنت آمل أن أموت ولا أرى
فوق المنابر من أمية خاطبا
فالله أخر مدتي فتطاولت
حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيبهم
وسط الجموع لآل أحمد عائبا

ثم سكت القوم، فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني فقصر محجني وكثر عجبي وعشى بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا لا ادفع ذلك بتكذيب فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين.

فقال معاوية: انه لا يضعك شيء فاذكري حاجتك تقضَ، فقضى حوائجها وردها إلى بلدها.

وحدثني عيسى بن مروان، قال: ... استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها فدخلت وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها وضعفت قوتها فهي ترعش بين خادمين لها فسلمت ثم جلست، فقال معاوية: كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين.  قال: غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر.

حدثني عبد الله بن سعد، قال: ... كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية رحلة محمودة الصحبة غير مذمومة العاقبة واعلم أني مجازيك بقولها فيك بالخير خيرا وبالشر شرا فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها إياه.

فقالت أم الخير: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري تجري مجرى النفس يغلي بها غلي المرجل بحب البلسن يوقد بجزل السمر.

فلما حملها وأراد مفارقتها قال: يا أم الخير إن معاوية قد ضمن لي عليه أن يقبل بقولك في بالخير خيرا وبالشر شرا فانظري كيف تكونين.

 قالت: يا هذا لا يطمعك والله برك بي في تزويقي الباطل ولا يؤنسنك معرفتك إياي أن أقول فيك غير الحق، فسارت خير مسير فلما قدمت على معاوية أنزلها مع الحرم ثلاثا ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع لها الناس فدخلت عليه.

 فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك السلام، وبالرغم والله منك دعوتني بهذا الاسم.

فقالت: مه يا هذا فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه.

 قال: صدقت يا خالة وكيف رأيت مسيرك؟

قالت: لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت إلى ملك جزل وعطاء بذل فأنا في عيش أنيق عند ملك رفيق.

فقال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم.

 قالت: مه يا هذا لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته.

قال: ليس لهذا أردناك.

قالت: إنما أجري في ميدانك إذا أجريت شيئا أجريته فاسأل عما بدا لك.

قال: كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر.

 قالت: لم أكن والله رويته قبل ولا زورته بعد وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت.

قال: لا أشاء ذلك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم حفظ كلام أم الخير؟ قال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد، قال: هاته.

قال: نعم، كأني بها يا أمير المؤمنين وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك، وقد أحيط حولها حواء، وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، تقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح الحق وأبان الدليل ونور السبيل ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله، أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق، أما سمعتم الله عزّ وجل يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) سورة محمد، الآية: 31.

ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع إليه الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.


ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون صبرا، معشر الأنصار والمهاجرين قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، وكأني بكم غدا لقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، عما قليل ليصبحن نادمين حتى تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة، إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار

أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطأوا مدة الآخرة فسعوا لها، والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش، وطيبه فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيده عزّ وجل بمعونته، ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحة الدأب، ها هو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا وردة شقاقا، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته).

فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك.

قالت: والله ما يسوؤني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه.

قال: هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان.

 قالت: وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم له كارهون، وقتلوه وهم راضون.

فقال معاوية: إيها يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه.

قالت: لكن الله يشهد بما انزل إليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا، ما أردت لعثمان نقصا ولكن كان سباقا إلى الخيرات وانه لرفيع الدرجة.

قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟.

قالت: وما عسى أن أقول في طلحة اغتيل من مأمنه وأوتي من حيث لم يحذر وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجنة.

قال: فما تقولين في الزبير؟.

قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن.

قال: حقا لتقولن ذلك وقد عزمت عليك.

قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، ولقد كان سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام، وأني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدث انك أحلمها فأنا أسألك بان تسعني بفضل حلمك وأن تعفيني من هذه المسائل وأمض لما شئت من غيرها.

قال: نعم، وكرامة قد أعفيتك وردها مكرمة إلى بلدها)( بلاغات النساء لابن طيفور: ص30 ــ 39).

وعليه: فيمكن إيجاز الملاحظة في وجود النساء في حروب الإمام علي عليه السلام بما يأتي:

1 ــ لم يكن هناك ــ بحسب الرواية التاريخية المتوفرة لدينا ــ وجود للأطفال؛ بمعنى لم يتم إخراج الأطفال إلى دار الحرب لا في حروب الإمام علي عليه السلام ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى ما كان من أمر مالك بن عوف في حربه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة حنين.

2 ــ إنّ رتبة القرابة لهؤلاء النسوة مع المقاتلين كانت تنحصر في الأخت والأم، أو من لم يكن لها قرابة مع أحد سوى القرابة الولائية لعلي بن أبي طالب عليه السلام ورابط المودة للعترة المحمّدية صلوات الله عليهم أجمعين.

بمعنى: أن المقاتلين حرصوا على إبعاد حلائلهم وأطفالهم عن دار الحرب ما استطاعوا كي يكونوا في مأمن تام فضلاً عن صون حرمة الزوجة بما تفرضه العلاقة الزوجية على الرجل العربي من خصوصية.

من هنا نجد أن أمير المؤمنين عليه السلام قد أشار إلى هذا المعنى في حديثه مع عائشة بعد أن انتهت معركة الجمل قائلاً: «يا حميراء! هل رسول الله أمرك بهذا الخروج عليّ؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك عن بيتك، إذ صانوا حلائلهم وأبرزوك!!»( كتاب الجمل لضامن بن شدقم المدني: ص146).


3 ــ انحصار خروج الزوجة وأولادها إلى دار الحرب في عاشوراء، وهذه خصوصية لم تلحظ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي أمير المؤمنين عليه السلام، بل لعلها الوحيدة في تاريخ الأمم سواء على المستوى الرسالي المرتبط بالسماء أو المستوى السياسي المرتبط بالملوك والحكام والقادة.

دور المرأة في معركة الجمل

بقلم السيد نبيل الحسني
اختزن التراث الإسلامي في مواضع كثيرة منه سواء ما كتب في الحديث أو التفسير أو التاريخ أو التراجم أو سواء ما كتب في العقيدة وعلم الكلام أمر خروج عائشة إلى البصرة للمطالبة بدم عثمان بن عفان ويمكن أن نوجز هذه الحادثة بما اختصره الحافظ العيني في شرحه لصحيح البخاري، ثم نتوقف في دور المرأة في ساحة المعركة وآثار ذلك على المستوى النفسي والعسكري والعقائدي لما تحتله عائشة من موقعية في الإسلام بكينونة ارتباطها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلقة الزوجية التي فرضت عليها حدوداً خاصة جاء بها القرآن الكريم في سورة الأحزاب، قال تعالى:

(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا). (سورة الأحزاب، الآيات: 32 و 33 و 34).

وعليه:
كان خروجها إلى قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد شكل مفصلاً من مفاصل الحركة الفكرية للمسلمين تجاذبت فيها الأقلام والأعناق آثار هذا الخروج وانعكاساته على عقيدة المسلم.

قال الحافظ العيني:
(كانت وقعة الجمل عام ستة وثلاثين من الهجرة وكان قتل عثمان بن عفان سنة خمس وثلاثين وكانت عائشة بمكة وكذلك أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في سنة خمس وثلاثين فرارا من الفتنة ولما بلغ أهل مكة أن عثمان قد قتل أقمن بمكة.

ثم لما بويع علي ــ عليه السلام ــ كان أحظى الناس عنده بحكم الحال لا عن اختيار علي لذلك رؤوس أولئك الذين قتلوا عثمان وفر جماعة من بني أمية وغيرهم إلى مكة وخرج طلحة والزبير في الاعتمار وتبعهم خلق كثير وجم غفير وقدم إلى مكة أيضا في هذه الأيام يعلى بن أمية ومعه ستمائة ألف ألف درهم وستمائة بعير فأناخ بالأبطح وقيل كان معه ستمائة ألف دينار وقدم ابن عامر من البصرة بأكثر من ذلك.

فاجتمع بنو أمية بالأبطح وقامت عائشة في الناس تحضهم على القيام بطلب دم عثمان وطاوعوها في ذلك وخرجوا وتوجهوا نحو البصرة وكانت عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار وكان هذا هو الذي يدلهم على الطريق وكانوا لا يمرون على ماء ولا واد إلا سألوه عنه حتى وصلوا إلى موضع يسمى حوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة وفي آخره باء موحدة وهو ماء قريب من البصرة فنبحت كلابه فقالوا:

أي ماء هذا قال الدليل هذا ماء الحوأب فحين سمعت عائشة بذلك صرخت بأعلى صوتها وضربت عضد بعيرها فأناخته فقالت أنا والله صاحبة الحوأب ردوني ردوني تقول ذلك فأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى المسير حتى إذا كانت الساعة التي أناخت فيها من الغد جاءها عبد الله بن الزبير فقال النجاء النجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب فعند ذلك رحلوا.

وأما حديث الحوأب:
فأخرجه أحمد في مسنده عن عائشة قالت إن رسول الله قال لي ذات يوم: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب». فعرفت الحال عند ذلك فأرادت الرجوع، وأما علي ــ عليه السلام ــ فإنه خرج في آخر شهر ربيع الآخر في سنة ست وثلاثين من المدينة في تسعمائة مقاتل وقيل لما بلغ عليا مسير عائشة وطلحة وزبير إلى البصرة سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار ورايته مع ابنه محمد بن الحنفية وعلى ميمنته الحسن بن علي وعلى ميسرته الحسين بن علي وعلى الخيل عمار بن ياسر وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر وعلى مقدمته عبد الله بن عباس ثم اجتمعوا كلهم عند قصر عبيد الله بن زياد ونزل الناس في كل ناحية وقد اجتمع مع علي ــ عليه السلام ــ عشرون ألفا والتفت على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفا وقامت الحرب على ساقها فتصافوا وتصاولوا وتجاولوا وكان من جملة من يبارز الزبير وعمار فحمل عمار نحوه بالرمح والزبير كاف عنه لقول رسول الله: «تقتلك الفئة الباغية». وقتل ناس كثير ورجع الزبير عن القتال.

 وقال الواقدي: كان زمام الجمل بيد كعب بن سور وما كان يأخذ زمام الجمل إلا من هو معروف بالشجاعة ما أخذه أحد إلا قتل وحمل عليه عدي بن حاتم ولم يبق إلا عقره ففقئت عين عدي واجتمع بنو ضبة عند الجمل وقاتلوا دونه قتالا لم يسمع مثله فقطعت عنده ألف يد وقتل عليه ألف رجل منهم وقال ابن الزبير جرحت على زمام الجمل سبعاً وثلاثين جراحة وما أحد أخذ برأسه إلا قتل أخذه عبد الرحمن بن عتاب فقتل ثم أخذه الأسود بن البحتري فقتل وعد جماعة وغلب ابن الزبير من الجراحات فألقى نفسه بين القتلى ثم وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك القوم من قتلة عثمان فضج الناس معها بالدعاء وأولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ فجعلت الحرب تأخذ وتعطي فتارة لأهل البصرة وتارة لأهل الكوفة وقتل خلق كثير ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة.

ثم حملت عليه السائبة والأشتر يقدمها وحمل بجير بن ولجة الضبي الكوفي وقطع بطانه وعقره وقطع ثلاث قوائم من قوائمه فبرك ووقع الهودج على الأرض ووقف عليها علي ــ عليه السلام ــ فقال السلام عليك يا أماه فقالت وعليك السلام يا بني فقال يغفر الله لك فقالت ولك وانهزم من كان حوله من الناس وأمر علي ــ عليه السلام ــ أن يحملوا الهودج من بين القتلى وأمر محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أن يضربا عليه قبة.

ولما كان آخر الليل خرج محمد بعائشة فأدخلها البصرة وأنزلها في دار عبد الله ابن خلف الخزاعي وبكت عائشة بكاء شديدا وقالت: وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون عليها ثم أن عليا ــ عليه السلام ــ أقام بظاهر الكوفة ثلاثة أيام وصلى على القتلى من الفريقين.

وقال ابن الكلبي:
قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي ألف وقيل قتل من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة خمسة آلاف وكان في جملة القتلى طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة ثم دخل على البصرة يوم الاثنين ثم جهز عائشة أحسن الجهاز بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وأخرج معها كل من نجا من الوقعة ممن خرج معها واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ووقف علي معها حتى ودعها وكان خروجها يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين وشيعها علي أميالا وسرح بنيه معها يوما.

وقال الواقدي:
أمر علي النساء اللاتي خرجن مع عائشة بلبس العمائم وتقليد السيوف ثم قال لهن لا تعلمنها أنكن نسوة وتلثمن مثل الرجال وكن حولها من بعيد ولا تقربنها وسارت عائشة على تلك الحالة حتى دخلت مكة وأقامت حتى حجت واجتمع إليها نساء أهل مكة يبكين وهي تبكي وسئلت عن مسيرها فقالت لقد أعطى علي فأكثر وبعث معي رجالا وبلغ النساء فأتينها وكشفن عن وجوههن وعرفنها الحال فسجدت وقالت والله ما يزداد ابن أبي طالب إلا كرما)( عمدة القاري للعيني: ج15، ص49 ــ 50).

أقول:
إن هذا الظهور للسيدة عائشة في ساحة المعركة وهي تحتل منها محل القطب من الرحى وبهذه العدة الممثلة بنوع المركب (الجمل الأدبب)( فتح الباري لابن حجر: ج13، ص45) ، وفي داخل الهودج اكسبها تحكما بسير المعركة وشحذ المقاتلين الذين استماتوا من حول الجمل الذي قتل من حوله (خلق كثير ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة)( عمدة القاري: ج15، ص50).

ويمكن ملاحظة بعض الآثار لوجود عائشة في المعركة.
1 ــ كونها زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أكسبها مقام تحريم الرجال عليها حرمة أبدية فلا يحق لرجل من المسلمين الزواج بأي امرأة من أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم إذ جعلهن القرآن بمنزلة الأم لقوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ). (سورة الأحزاب، الآية: 6).

ولذا: نجدها تنادي في الناس: (الله الله، يا بني أذكروا يوم الحساب)، حينما وصلت النبال إلى هودجها، بمعنى: أن وجودها في المعركة أكسب الحرب سمة عقائدية فضلاً عن كونها خصماً في هذه الحرب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

2 ــ فضلاً عن كونها في المنزلة السابقة فإن وجودها على رأس الهرم في هذه الحرب وهي امرأة جالسة في الهودج يدفع بالرجال من الناحية النفسية إلى الدفاع عنها وإظهار مظاهر الشجاعة التي أظهرها بنو ضبة فوقعت فيهم مقتلة عظيمة.

إلا أن وجود أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في الجهة المقابلة وتحت أمرته أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار أحدث اختلالا في ميزان القوى لما يشكله هذا النسيج العقائدي الممثل بشخص الإمام علي عليه السلم والمهاجرين والأنصار وسبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجعل نهاية هذه الحرب لصالح أمير المؤمنين عليه السلام على الرغم من أن عدد المقاتلين من أهل البصرة الذين التفوا حولها كانوا ثلاثين ألفاً، أي بما يفوق أهل الكوفة والمدينة ومكة بعشرة آلاف مقاتل.

إذن:
تعطي وقعة الجمل مفهوماً جديداً لدى العسكريين والاجتماعيين يرتكز على معطيات جديدة في الحروب، وهي كالآتي:

1 ــ إن حضور المرأة في المعركة في المجتمع العربي يعطي زخماً قتالياً للمقاتل لما تفرضه التنشئة العربية على الإنسان العربي من قيم الرجولة والحمية وصون الحرم؛ إذ يشكل وجود المرأة في المعركة بما تحمله من ضعف في بنيتها الجسدية والعاطفية شعاراً بالانتقاص من ذكوريته ورجولته، ولذا يجد نفسه ملزماً بالدفاع عنها ومواجهة أقرانه.

2ــ إن المرأة حينما تحتل مركزاً عقائدياً وتكون على دفة القيادة فإن ذلك يدفع بالمقاتلين إلى التضحية والاستبسال بين يديها، ولعل التاريخ العربي غير غريب عليه هذه الحقيقة فقد مثل وجود زنوبيا ملكة تدمر، وبنات النعمان بن المنذر بعداً استتراتيجيا في المعركة.

أبو بكر أول من سن سبي المرأة المسلمة

بقلم: السيد نبيل الحسني

لعل الكثيرين لا يروق لهم العنوان لاسيما وهو ابن ثقافة موروثة صنعتها يد الساسة التي سخرت جميع طاقاتها من أجل رسم صورة مخالفة لما جاء به القرآن الكريم والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

ولذا: قد يصعب على بعض من المسلمين أن يتصور أن أول من سن سبي المرأة المسلمة هو أبو بكر بن أبي قحافة، ولا يصعب عليه سبي بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضه ولحمه ودمه فهاهن بنات علي بن أبي طالب تتقدمهن زينب بنت فاطمة الزهراء عليهم السلام وهن مكشوفات الرؤوس مربطات بالحبال تعلوهن سياط المسلمين ويطاف بهن في بلاد المسلمين.

عجيب هذا المسلم الذي ينتفض لهذا العنوان ولا تحرك سبايا آل محمد غيرته على دينه وشرفه!! بل وإنسانيته، إن بقي من إنسانيته شيء بعد ذبح الطفل الرضيع من أبناء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولذا: ليس من الغريب على المسلمين أن يشاهدوا المسلمات وهن سبايا بعد أن شاهدوا خالد بن الوليد يقتل المسلمين ويزني بنسائهم في الليلة نفسها كما حدث لمالك بن النويرة وزوجته، ولعل اعتراض عمر بن الخطاب على هذه الجريمة وموقفه من خالد بن الوليد يعطي صورة واضحة عن تلك الجريمة والانتهاكات التي حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكما يروي الطبري قائلاً:

(وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ثم قال: أرئاء؟! قتلت امرأً مسلما ثم نزوت على امرأته. والله لأرجمنك بأحجارك.

ولا يكلمه خالد بن الوليد ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتى دخل على أبي بكر فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك.

قال: فخرج خالد حين رضا عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته)( تاريخ الطبري: ج2، ص504).

وفي قول آخر أن عمر بن الخطاب حينما سمع الخبر قبل مجيء خالد إلى المدينة، قال: (عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته)( تاريخ الإسلام للذهبي: ج3، ص36).

ولقد تحدثت بعض المصادر الأخرى عن صورة جديدة لهذه الحادثة التي لم تشأ كثير من المصادر إظهارها كي لا يلحقهم العار بمن يتولون ويأتمون.

فقد روى الراوندي (المتوفى سنة 573هـ) قائلا: (لما قعد أبو بكر بالأمر بعث خالد بن الوليد إلى بني حنيفة ليأخذ زكاة أموالهم فقالوا لخالد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث كل سنة من يأخذ صدقات الاموال من الاغنياء من جملتنا، ويفرقها في فقرائنا، فافعل أنت كذلك.

فانصرف خالد إلى المدينة وقال لأبي بكر: إنهم منعوا (من) الزكاة، فأعطاه عسكرا (فرجع خالد) وأتى بني حنيفة وقتل رئيسهم، وأخذ زوجته ووطئها في الحال وسبى نسوانهم ورجع بهن إلى المدينة، وكان ذلك الرئيس صديقا لعمر (في الجاهلية)، فقال عمر لأبي بكر: اقتل خالدا به، بعد أن تجلده الحد بما فعل بامرأته.

فقال له أبوبكر: إن خالدا ناصرنا، تغافل، وأدخل السبايا في المسجد وفيهن خولة، فجاءت إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله والتجأت به وبكت وقالت: يا رسول الله نشكو إليك أفعال هؤلاء القوم، سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون.

ثم قالت: أيها الناس لم سبيتمونا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله؟

فقال أبوبكر: منعتم الزكاة، قالت: ليس الأمر على ما زعمت، إنما كان كذا وكذا، وهب الرجال منعوكم الزكاة بزعمكم، فما بال النسوان المسلمات سبين)( الخرائج والجرائح للراوندي: ج2، ص563 ــ 564).

وفي رواية أخرى تفصح هذه المرأة عن حقيقة هذه الحرب التي شُنّت ضدهم والتي كان ظاهرها إمضاء رأي أبي بكر في جمع الزكاة وتحويله إلى يديه ينفقه حسب ضرورياته خلافاً لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إنفاقه في الفقراء من بني حنيفة ليكون المال منهم وإليهم فتقول خولة الحنفية وقد توجهت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخاطبه: (السلام عليك هؤلاء أُمتك سبتنا سبي الترك والديلم، والله ما كان لهم من ذنب إلا الميل على أهل بيتك فحولت الحسنة سيئة والسيئة حسنة، فسبينا...)( مسند الإمام الرضا عليه السلام للشيخ عزيز الله عطاردي: ج1، ص117).

وعليه:
يتضح من ذلك أن المسلمين قد ألفوا سبي النساء المسلمات بعد أن سن لهم أبو بكر ذلك ليتعدى الأمر إلى أعظم رزاياه في يوم عاشوراء. وعلى أعقاب أبي بكر يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد فكانت مشاهد لم يشهد لها التاريخ نظيراً منذ أن اصطفى الله تعالى آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ). (سورة آل عمران الآيتان: 33 و 34).

نساء شاركن الحسين عليه السلام في نصرته وثورته

بقلم: الباحثة كفاح الحداد


دور طوعة في نصرة مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين عليه السلام

طوعة يقال لها أم ولد كانت للأشعث بن قيس فاعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، كان مع الناس، وامه واقفة على الباب تنتظره وقف مسلم على باب البيت والحيرة تسيطر على مشاعره، والخجل يحوط شفتيه، طلب الماء منها، جاءته بالماء، شرب ثمّ جلس على باب الدار لا يدري أين يتوجّه؟ أثار وضعه الحائر، وسيماء الغربة عليه، وجلوسه عند باب البيت، انتباه طوعة، فراحت تتساءل، ألم تشرب الماء؟ إذن لِمَ لا تنصرف؟ فأجاب: انّه غريب ليس له دار، ولا أهل في هذا البلد، ثمّ عرفها بنفسه: (أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين، ورسوله إلى الكوفة وابن عمه). فتحت له باب البيت ثمّ أدخلته فاختبأ ليقضي ليلته، وينظر ماذا سيكون الغد. (ذكر هذه الأحداث الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 4، ص 277 و278).

استضافها فأضافته بعد ان عرَّفها انه ليس له في المصر أهل ولا عشيرة وأنه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب فأدخلته بيتاً غير الذي يأوي إليه ابنها وعرضت عليه الطعام فأبى وأنكر ابنها كثرة الدخول والخروج لذلك البيت فاستخبرها فلم تخبره إلا بعد ان حلف لها كتمان الأمر.

وعند الصباح اعلم ابن زياد بمكان مسلم فأرسل ابن الأشعث في سبعين مع قيس ليقبض عليه، ولما سمع مسلم وقع حوافر الخيل عرف انه قد أُتي فعجل دعاءه الذي كان مشغولاً به بعد صلاة الصبح ثم لبس لامته وقال لطوعة: قد أديت ما عليك من البر وأخذت نصيبك من شفاعة رسول الله ولقد رأيت البارحة عمي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي: أنت معي غداً. (نفس المهموم، ص 56)

والعجب انه ليس هناك بيت يؤوي مسلماً في الكوفة كلها!! فالشيعة الخُلص كانوا في السجون وباقي الناس أقعدهم الخوف وأغراهم المال عن النصرة ولما استبدت الحيرة بمسلم لم يجد خيارا سوى ان يقف بجوار بيت لا يعلم من هم أصحابه! فتكون هذه المرأة الموالية هي الناصرة له وهي المضيفة له. ولكن ابنها الذي آثر الدنيا هو الذي يشي بمسلم ويرسل خبره إلى ابن زياد ويكون سبباً للإيقاع به.

عجباً لهذه المرأة العظيمة التي لم يداخلها الخوف الذي جثم على قلوب الناس فأبوا ان يضيفوا من دعوه إلى بيوتهم ومن وعدوه بالنصرة!! لكن الموقف يشير إلى قوة التفكير وإلى دعم قوي للرسالة رغم خطورة المرحلة.

دور أم وهب في نصرة آل البيت عليهم السلام

وهي زوجة عبد الله بن عمير الكلبي المكنى بأبي وهب جاء في المقتل: ثم أخذت زوجته أم وهب بنت عبد الله من النمر بن قاسط، عموداً وأقبلت نحوه تقول له: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأراد ان يردها إلى الخيمة فلم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول: لن ادعك دون ان أموت معك فناداها الحسين: جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً إرجعي إلى الخيمة فانه ليس على النساء قتال فرجعت. (الطبري، ج1، ص 245؛ وابن الأثير، ج 4، ص 37).

وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين فثبتوا لهم حتى كشفوهم وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً وشد عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى وقطع بكر بن حي ساقه.

فأخذ أسيراً وقتل صبراً، فمشت إليه زوجته أم وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول: هنيئاً لك الجنة اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك فقال الشمر لغلامه رستم: اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها وهي أول امرأة قتلت من أصحاب الحسين. (الطبري، ج6، ص251، وفي مسند أحمد ج2، ص 100).

ويضيف المقرم في المقتل قائلا: وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه ثم أخذت عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء فردها الحسين وقال: ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد فرجعت وهي تقول: اللهم لا تقطع رجائي فقال الحسين: لا يقطع الله رجاءك.( المقرم , مقتل الحسين ص242).

وهنا لابد من تأمل صغير فقد كانت هذه المرأة حاضرة مع زوجها في كربلاء وقد همت بان تقاتل دفاعاً عن الحسين عليه السلام لكن الإمام لم يسمح لها بالقتال، فما على المرأة من قتال، لكن الشهادة كانت مذخورة لها فإذا بها المرأة الوحيدة التي قتلت مع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام!. يالعظمة النساء يقتل الزوج والولد وتبقى تقاتل الرجال دفاعا عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!.

لا أدري لماذا اصطحب أبو وهب زوجته وأمه إلى أرض المعركة وهو يعرف ان قتالاً حامياً سيدور وقد جاء لنصرة الإمام وأرجح الظن انه لما سمع ان الحسين عليه السلام جاء بعياله ونسائه إلى كربلاء اخذ هو أيضاً عائلته معه كي تكون إلى جوار حرائر الوحي في ذلك الوقت العصيب، وما أكثر الآفلين في موقع الخطوب! وما أكثر الأصدقاء الذين يفرون بعيداً حين تقع النائبات!.

وما أكثر الأخوان حين تعدهم
ولكنهم في النائبات قليل

ام عمرو بن جنادة الانصاري

جاء في المقتل الحسيني: وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أن قتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة يستأذن الحسين فأبى وقال: هذا غلام قتل أبوه في الحملة الأولى ولعل أمه تكره ذلك قال الغلام: إن أمي أمرتني فإذن له فما أسرع أن قتل ورمي برأسه إلى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات وعادت إلى المخيم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وأنشأت:
إِنّـي عجوز في النسـا ضعيفـة
خـاويـة بـاليـة نـحيفة
اضـربـكم بضـربـة عنيفـة
دون بنـي فاطمـة الشـريفة
فردها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين. (المقرم، ص 253).

دور مارية بنت منقذ العبدي

وهي «مارية» أبنة سعد أو منقذ على اختلاف الروايات وهي من الشيعة المخلصين ودارها مألف لهم يتحدثون فيه فضل أهل البيت وقد قتل زوجها وأولادها يوم الجمل مع أمير المؤمنين عليه السلام. ولما بلغها أن الحسين عليه السلام كاتب أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته جاءت وجلست بباب مجلسها وجعلت تبكي. حتى علا صراخها فقام الناس في وجهها وقالوا لها: ما عندك ومن أغضبك؟ قالت: ويلكم. ما أغضبني أحد. ولكن أنا امرأة ما أصنع. ويلكم سمعت أن الحسين ابن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه. فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة. فقالت: أهذا الذي يمنعكم؟ قالوا: نعم؛ فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: انطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فانطلقت الجارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها. فأخذت مولاتها الكيس وصبته وإذا هو دنانير ودراهم. وقالت: فليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين.

قال الراوي: فقام عبد الله الفقعسي وهو يبكي - وكان عنده أحد عشر ولداً - فقاموا في وجهه وقالوا: إلى أين تريد؟

قال: إلى نصرة ابن بنت رسول الله. ثم التفت إلى من حضر وقال: ويلكم هذه إمرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس؟ ما عذركم عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة؟.

قال: ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير. حتى استخبروا بأن الحسين عليه السلام ورد كربلاء. فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة.

وفي رواية أخرى انها لما قالت كلمتها قال يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس لأولاده وهم عشرة: أيكم يخرج معي؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله، وقال له أصحابه في بيت تلك المرأة نخاف عليك أصحاب ابن زياد، قال: والله لو استوت إخفاقها بالجدد لهان علي طلب من طلبني وصحبه مولاه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن أمية فوافوا الحسين بمكة وضموا رحالهم إلى رحله حتى وردوا كربلاء وقتلوا معه.



وقد ذكر ابن الأثير هذا الاجتماع وسجّله في كتابه الكامل في التاريخ: (واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منـزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعدة وكانت تتشيّع، وكان منـزلها لهم مألفاً يتحدّثون فيه، فعزم يزيد بن نبيط على الخروج إلى الحسين عليه السلام، وهو من عبد القيس، وكان له بنون عشرة، فقال لهم: أيكم يخرج معي؟ فخرج معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فساروا فقدموا عليه بمكّة ثمّ ساروا معه فقتلوا معه). (تاريخ الأمم والملوك، ج 4، ص 263؛ وابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 21).
دور النساء النادبات على الإمام عليه السلام في منع تعيين عمر بن سعد والياً على الكوفة

ذكر صاحب المقتل الحسيني: وكان من صنع المختار معه (مع عمر بن سعد) انه لما أعطاه الأمان استأجر نساء يبكين على الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد، وكان هذا الفعل يلفت نظر المارة إلى ان صاحب هذه الدار قاتل سيد شباب أهل الجنة، فضجر ابن سعد من ذلك وكلم المختار في رفعهن عن باب داره، فقال المختار: ألا يستحق الحسين البكاء عليه. (العقد الفريد، باب نهضة المختار).

ولما أراد أهل الكوفة أن يؤمروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد بن معاوية لينظروا في أمرهم جاءت نساء همدان وربيعة، إلى الجامع الأعظم صارخات يقلن ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يتأمر فبكى الناس واعرضوا عنه. (المقرم ص206 نقلا عن مروج الذهب، ج2، ص 105، في أخبار يزيد).
أم سلمة تبكي الإمام عليه السلام

رأت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام أشعث مغبراً وعلى رأسه التراب. فقالت له: يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبراً؟ قال: قتل ولدي الحسين وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه (تهذيب التهذيب ج2، ص139).

فانتبهت فزعة ونظرت إلى القارورة التي فيها تراب أرض كربلاء فإذا به يفور دما (المقرم نقلا عن كامل ابن الأثير ج4، ص 38).

وهو الذي دفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها وأمرها أن تحتفظ به وزاد على ذلك سماعها في جوف الليل هاتفاً ينعى الحسين عليه السلام فيقول:
أيها القاتلون جهلاً حسيـناً
أبشـروا بـالعذاب والتنكيـل
قد لعنتم على لسان ابن داود
ومـوسى وصـاحب الانجيـل
كلُّ أهل السماء يدعو عليكم
مـن نبـيٍّ ومـرسل وقتيـل

وكانت تسمع في جوف الليل أصوات نعي الحسين ولم تر أحداً فمن ذلك:
ألا يـا عيـنُ فـاحتفلي بجهدٍ
ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهُـمُ المنـايـا
إلى متجبـرٍ في مـلك عبـدِ
ولما سمع ابن عباس بكاءها أسرع إليها يسألها الخبر فأعلمته بأن ما في القارورتين يفور دماً.

وفي أصول الكافي أن الإمام الحسين عليه السلام كان قد أودعها ذخائر الإمامة وأوصاها ان تدفعها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.

ومما نضيفه هنا ان الإمام حينما أعطى الرخصة ليلاً لأصحابه كي يذهبوا عنه متسترين بهذا الليل كانت النساء قد سمعن الكلام، هؤلاء النساء اللاتي جئن مع أسرهن مثل أسرة عبد الله بن عمير الكلبي، وجنادة بن حرث الأنصاري، ومسلم بن عوسجة الأسدي وغيرهم ولكن واحدة منهم لم تطلب الرحيل ولم تعلن ذلك أبداً بل بقين مع الرجال إلى جنب الإمام عليه السلام وهذه مكرمة عظيمة لهؤلاء النساء القويات في الدين والقويات في الإرادة.

مجالس العزاء

وقد أقيمت في الشام حينما كانت السبايا هناك وأيضاً في كربلاء بعد عودتهن إليها في الأربعين وفي المدينة قبل وصول السبايا وبعده.
ومازالت مجالس العزاء حتى يومنا الحاضر تقيمها النساء المواليات النادبات للإمام وهنّ الصورة الحاضرة لنساء الطفوف.