دلهم بنت عمير ودورها في نصرة الثورة الحسينية


بقلم: الباحثة كفاح الحداد

دلهم بنت عمير هي زوجة زهير بن القين وكانت امرأة صالحة وكانت معه في سفره وكان زهير عثماني الهوى مما جعله يتحاشى الإمام في المسير. يقول السيد ابن طاووس: ... ثمّ سار (عليه السلام) فحدّث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كنّا مع زهير ابن القين لمّا اقبلنا من مكّة فكنّا نسائر الحسين عليه السلام حتّى لحقناه فكان إذا أراد النّزول اعتزلناه فنـزلنا ناحية فلمّا كان في بعض الأيّام نزل في مكان لم نجد بداً من أن ننازله فيه فبينا نحن نتغذّى من طعام لنا إذ اقبل رسول الحسين عليه السلام حتّى سلّم ثمّ قال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد الله الحسين عليه السلام بعثني إليك لتأتيه فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير.

فقالت له زوجته وهي ديلم بنت عمرو: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه فمضى إليه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحوّل إلى الحسين عليه السلام وقال لامرأته أنت طالق فانّي لا أحبّ ان يصيبك بسببي إلا خير وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك اسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام فقال لأصحابه من أحبّ أن يصحبني وإلا فهو آخر العهد منّي به. (السيد الجليل ابن طاوس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص 71 – 73).

ويفرح زهير بولائه للإمام بقوله لعزرة الذي أرسله ابن سعد نحو الحسين عليه السلام: يا عزرة، إن الله قد زكاها وهداها فاتّقِ الله يا عزرة فاني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممن يعين أهل الضلالة على قتل النفوس الزكية.

ثم قال عزرة: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت على غير رأيهم قال زهير: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ولا أرسلت إليه رسولاً ولا وعدته نصرتي ولكن الطريق جمع بيني وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه عدوه فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه واجعل نفسي دون نفسه لما ضيعتم من حق رسوله.

زهير الذي كان يتحاشى الإمام الحسين تراه يقف مدافعا عنه أمام القوم حيث يدعوه الناس للتخلي عن النصرة في حين يقول: والله وددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل كذا ألف مرة، وان الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. (المقرم، 214).

ونال زهير وسام الشهادة وبقي اسمه خالداً مع الشهداء ومع أنصار الحسين عليه السلام ولزوجته المؤمنة الموالية الأثر الكبير في ذلك فهي التي كانت تحثه على لقاء الإمام الحسين عليه السلام وهي التي كانت تعاتبه حينما كان معرضا عنه في المسير. فالمرأة الصالحة هي التي تدفع زوجها لتحصيل الجنان رغم ان الأمر ليس بالهين أبداً. فأواصر الحب الزوجي تبقى قوية يشوبها حرص أقوى على الشريك وخوف من الفقدان والفراق لكن كل العلاقات تذوب وتتسامى أمام نصرة الدين والعقيدة، فكيف تسامت هذه المرأة لتجعل إرادة الله فوق إرادة قلبها ولتعود إلى قومها بمفردها تاركة الزوج الحبيب يحث الخطى نحو مذبح الشهادة. ولما ودعته قالت له: كان الله عوناً ومعيناً خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام.

وبهذه الكلمات القصار تكشف عن إيمانها العميق بالله وعن ولائها لأهل البيت عليهم السلام.. انه قلبها الذي قال لها انه الفراق الأبدي والموعد الدار الآخرة ورغم ذلك زفت زوجها إلى ميدان الحرب فاستحقت الأجر العظيم والخلود في ذمة التاريخ.

دور حرائر أهل البيت في نصرة الإمام الحسين عليه السلام ونصرة ثورته

بقلم: الباحثة الاجتماعية كفاح الحداد

وهذا ما نلمسه من خلال إصرارهن على المجيء مع الإمام عليه السلام إلى كربلاء ومتابعة شؤون هذا السفر الطويل وهو ما سنمر عليه في تشعبات مستقبلية.

لكن العجيب ان الإمام عليه السلام لما خرج من المدينة لم يكن معه سوى عشيرته! ونفس الشيء حصل لما خرج من مكة!، لم يكن هناك الموالون الذين كان يُتوقع ان يذهبوا معه!، وقد بقي الناس في أماكنهم حتى لما جاءهم خبر عزمه على الذهاب إلى كربلاء فيما بعد فلِمَ لم يتبعوه؟

 وهذا أمر يثير التساؤل اذ يرى بعض كتاب التاريخ ان مقولة الإمام عليه السلام لبعض من نهوه عن حمل النساء معه (شاء الله ان يراهن سبايا) إنها كانت إعلانا عن ما ينتظرهم من تحديات ومنعطفات صعبة فهو سيقتل وهؤلاء النساء سيتم أسرهن، إذن الأمر يحتاج إلى نصرة.. وكأنه قدم رسالة لهم ان الحال هذه فلو نصرتمونا ونصرتم نساء بيت الوحي لكان خيراً لكم.

ولكن لم يفهم الناس هذه الرسالة وقتها أو ربما لم يريدوا فهمها أو انهم فهموها فقدموا لأنفسهم الأعذار فبقوا في ديارهم قاعدين!. وبعد ان استشهد الإمام عليه السلام عضوا أصابعهم من الندم!

جاء في المقتل الحسيني:
ولما استقر المجلس بأبي عبد الله حمد الله وأثنى عليه وقال: يا ابن الحر ان أهل مصركم كتبوا إلي انهم مجتمعون على نصرتي وسألوني القدوم عليهم وليس الأمر على ما زعموا، وان عليك ذنوباً كثيرة، فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك؟

قال: وما هي يا ابن رسول الله؟، فقال: تنصر ابن بنت نبيك وتقاتل معه.

فقال ابن الحر: والله إني لأعلم ان من شايعك كان السعيد في الآخرة ولكن ما عسى ان اغني عنك، ولم اخلف لك بالكوفة ناصراً، فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فان نفسي لا تسمح بالموت! ولكن فرسي هذه «الملحقة» والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها فهي لك.

قال الحسين: أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك وما كنت متخذ المضلين عضدا وإني أنصحك كما نصحتني، ان استطعت أن لا تسمع صراخنا، ولا تشهد وقعتنا فافعل، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم.
وندم ابن الحر على ما فاته من نصرة الحسين عليه السلام فأنشأ:
أيا لك حسرة مـا دمت حيّـاً
تردَّد بيـن صـدري والتـراقي
غداةَ يقول لي بالقصـر قـولا
أتتركنـا وتـعـزم بـالفـراق
حسين حين يطلب بذل نصري
على أهـل العـداوة والشقـاق
فلـو فلـق التَّلهُّف قلب حـرٍّ
لهمَّ اليـوم قلبـي بـانـفـلاق
ولـو واسيتـه يومـاً بنفسـي
لنـلت كـرامـةً يـوم التَّـلاق
مع ابن محمد تفـديـه نفسـي
فـودع ثـم أسـرع بـانطلاق
لقد فاز الأولى نصـروا حسينـاً
وخاب الآخـرون ذوو النفـاق

لقد كانت هذه فرصة للكثير لتحصيل أعلى درجات الحياة الآخرة ولكنها لم تجد اذناً واعية!.

وبذلك تقدمت هؤلاء النساء العظيمات دون ان يبدين أي تردد أو تلكؤ لنصرة الإمام ومعهن أولادهن.

والسيدة زينب عليها السلام وزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والذي كان مريضاً لكنه أرسل أولاده مع خالهم إلى معترك النضال.

 وأم البنين (على اختلاف الروايات في عمرها وفي زمن وفاتها) والتي أرسلت أولادها الأربعة ومنهم العباس حامل راية الإمام.

ورملة زوجة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام والتي جندت ولدها القاسم لنصرة الإمامة.

نساء شاركن الحسين عليه السلام في نصرته وثورته

بقلم: الباحثة كفاح الحداد


دور طوعة في نصرة مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين عليه السلام

طوعة يقال لها أم ولد كانت للأشعث بن قيس فاعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، كان مع الناس، وامه واقفة على الباب تنتظره وقف مسلم على باب البيت والحيرة تسيطر على مشاعره، والخجل يحوط شفتيه، طلب الماء منها، جاءته بالماء، شرب ثمّ جلس على باب الدار لا يدري أين يتوجّه؟ أثار وضعه الحائر، وسيماء الغربة عليه، وجلوسه عند باب البيت، انتباه طوعة، فراحت تتساءل، ألم تشرب الماء؟ إذن لِمَ لا تنصرف؟ فأجاب: انّه غريب ليس له دار، ولا أهل في هذا البلد، ثمّ عرفها بنفسه: (أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين، ورسوله إلى الكوفة وابن عمه). فتحت له باب البيت ثمّ أدخلته فاختبأ ليقضي ليلته، وينظر ماذا سيكون الغد. (ذكر هذه الأحداث الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 4، ص 277 و278).

استضافها فأضافته بعد ان عرَّفها انه ليس له في المصر أهل ولا عشيرة وأنه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب فأدخلته بيتاً غير الذي يأوي إليه ابنها وعرضت عليه الطعام فأبى وأنكر ابنها كثرة الدخول والخروج لذلك البيت فاستخبرها فلم تخبره إلا بعد ان حلف لها كتمان الأمر.

وعند الصباح اعلم ابن زياد بمكان مسلم فأرسل ابن الأشعث في سبعين مع قيس ليقبض عليه، ولما سمع مسلم وقع حوافر الخيل عرف انه قد أُتي فعجل دعاءه الذي كان مشغولاً به بعد صلاة الصبح ثم لبس لامته وقال لطوعة: قد أديت ما عليك من البر وأخذت نصيبك من شفاعة رسول الله ولقد رأيت البارحة عمي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي: أنت معي غداً. (نفس المهموم، ص 56)

والعجب انه ليس هناك بيت يؤوي مسلماً في الكوفة كلها!! فالشيعة الخُلص كانوا في السجون وباقي الناس أقعدهم الخوف وأغراهم المال عن النصرة ولما استبدت الحيرة بمسلم لم يجد خيارا سوى ان يقف بجوار بيت لا يعلم من هم أصحابه! فتكون هذه المرأة الموالية هي الناصرة له وهي المضيفة له. ولكن ابنها الذي آثر الدنيا هو الذي يشي بمسلم ويرسل خبره إلى ابن زياد ويكون سبباً للإيقاع به.

عجباً لهذه المرأة العظيمة التي لم يداخلها الخوف الذي جثم على قلوب الناس فأبوا ان يضيفوا من دعوه إلى بيوتهم ومن وعدوه بالنصرة!! لكن الموقف يشير إلى قوة التفكير وإلى دعم قوي للرسالة رغم خطورة المرحلة.

دور أم وهب في نصرة آل البيت عليهم السلام

وهي زوجة عبد الله بن عمير الكلبي المكنى بأبي وهب جاء في المقتل: ثم أخذت زوجته أم وهب بنت عبد الله من النمر بن قاسط، عموداً وأقبلت نحوه تقول له: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأراد ان يردها إلى الخيمة فلم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول: لن ادعك دون ان أموت معك فناداها الحسين: جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً إرجعي إلى الخيمة فانه ليس على النساء قتال فرجعت. (الطبري، ج1، ص 245؛ وابن الأثير، ج 4، ص 37).

وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين فثبتوا لهم حتى كشفوهم وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً وشد عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى وقطع بكر بن حي ساقه.

فأخذ أسيراً وقتل صبراً، فمشت إليه زوجته أم وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول: هنيئاً لك الجنة اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك فقال الشمر لغلامه رستم: اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها وهي أول امرأة قتلت من أصحاب الحسين. (الطبري، ج6، ص251، وفي مسند أحمد ج2، ص 100).

ويضيف المقرم في المقتل قائلا: وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه ثم أخذت عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء فردها الحسين وقال: ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد فرجعت وهي تقول: اللهم لا تقطع رجائي فقال الحسين: لا يقطع الله رجاءك.( المقرم , مقتل الحسين ص242).

وهنا لابد من تأمل صغير فقد كانت هذه المرأة حاضرة مع زوجها في كربلاء وقد همت بان تقاتل دفاعاً عن الحسين عليه السلام لكن الإمام لم يسمح لها بالقتال، فما على المرأة من قتال، لكن الشهادة كانت مذخورة لها فإذا بها المرأة الوحيدة التي قتلت مع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام!. يالعظمة النساء يقتل الزوج والولد وتبقى تقاتل الرجال دفاعا عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!.

لا أدري لماذا اصطحب أبو وهب زوجته وأمه إلى أرض المعركة وهو يعرف ان قتالاً حامياً سيدور وقد جاء لنصرة الإمام وأرجح الظن انه لما سمع ان الحسين عليه السلام جاء بعياله ونسائه إلى كربلاء اخذ هو أيضاً عائلته معه كي تكون إلى جوار حرائر الوحي في ذلك الوقت العصيب، وما أكثر الآفلين في موقع الخطوب! وما أكثر الأصدقاء الذين يفرون بعيداً حين تقع النائبات!.

وما أكثر الأخوان حين تعدهم
ولكنهم في النائبات قليل

ام عمرو بن جنادة الانصاري

جاء في المقتل الحسيني: وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أن قتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة يستأذن الحسين فأبى وقال: هذا غلام قتل أبوه في الحملة الأولى ولعل أمه تكره ذلك قال الغلام: إن أمي أمرتني فإذن له فما أسرع أن قتل ورمي برأسه إلى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات وعادت إلى المخيم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وأنشأت:
إِنّـي عجوز في النسـا ضعيفـة
خـاويـة بـاليـة نـحيفة
اضـربـكم بضـربـة عنيفـة
دون بنـي فاطمـة الشـريفة
فردها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين. (المقرم، ص 253).

دور مارية بنت منقذ العبدي

وهي «مارية» أبنة سعد أو منقذ على اختلاف الروايات وهي من الشيعة المخلصين ودارها مألف لهم يتحدثون فيه فضل أهل البيت وقد قتل زوجها وأولادها يوم الجمل مع أمير المؤمنين عليه السلام. ولما بلغها أن الحسين عليه السلام كاتب أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته جاءت وجلست بباب مجلسها وجعلت تبكي. حتى علا صراخها فقام الناس في وجهها وقالوا لها: ما عندك ومن أغضبك؟ قالت: ويلكم. ما أغضبني أحد. ولكن أنا امرأة ما أصنع. ويلكم سمعت أن الحسين ابن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه. فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة. فقالت: أهذا الذي يمنعكم؟ قالوا: نعم؛ فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: انطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فانطلقت الجارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها. فأخذت مولاتها الكيس وصبته وإذا هو دنانير ودراهم. وقالت: فليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين.

قال الراوي: فقام عبد الله الفقعسي وهو يبكي - وكان عنده أحد عشر ولداً - فقاموا في وجهه وقالوا: إلى أين تريد؟

قال: إلى نصرة ابن بنت رسول الله. ثم التفت إلى من حضر وقال: ويلكم هذه إمرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس؟ ما عذركم عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة؟.

قال: ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير. حتى استخبروا بأن الحسين عليه السلام ورد كربلاء. فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة.

وفي رواية أخرى انها لما قالت كلمتها قال يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس لأولاده وهم عشرة: أيكم يخرج معي؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله، وقال له أصحابه في بيت تلك المرأة نخاف عليك أصحاب ابن زياد، قال: والله لو استوت إخفاقها بالجدد لهان علي طلب من طلبني وصحبه مولاه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن أمية فوافوا الحسين بمكة وضموا رحالهم إلى رحله حتى وردوا كربلاء وقتلوا معه.



وقد ذكر ابن الأثير هذا الاجتماع وسجّله في كتابه الكامل في التاريخ: (واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منـزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعدة وكانت تتشيّع، وكان منـزلها لهم مألفاً يتحدّثون فيه، فعزم يزيد بن نبيط على الخروج إلى الحسين عليه السلام، وهو من عبد القيس، وكان له بنون عشرة، فقال لهم: أيكم يخرج معي؟ فخرج معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فساروا فقدموا عليه بمكّة ثمّ ساروا معه فقتلوا معه). (تاريخ الأمم والملوك، ج 4، ص 263؛ وابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 21).
دور النساء النادبات على الإمام عليه السلام في منع تعيين عمر بن سعد والياً على الكوفة

ذكر صاحب المقتل الحسيني: وكان من صنع المختار معه (مع عمر بن سعد) انه لما أعطاه الأمان استأجر نساء يبكين على الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد، وكان هذا الفعل يلفت نظر المارة إلى ان صاحب هذه الدار قاتل سيد شباب أهل الجنة، فضجر ابن سعد من ذلك وكلم المختار في رفعهن عن باب داره، فقال المختار: ألا يستحق الحسين البكاء عليه. (العقد الفريد، باب نهضة المختار).

ولما أراد أهل الكوفة أن يؤمروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد بن معاوية لينظروا في أمرهم جاءت نساء همدان وربيعة، إلى الجامع الأعظم صارخات يقلن ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يتأمر فبكى الناس واعرضوا عنه. (المقرم ص206 نقلا عن مروج الذهب، ج2، ص 105، في أخبار يزيد).
أم سلمة تبكي الإمام عليه السلام

رأت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام أشعث مغبراً وعلى رأسه التراب. فقالت له: يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبراً؟ قال: قتل ولدي الحسين وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه (تهذيب التهذيب ج2، ص139).

فانتبهت فزعة ونظرت إلى القارورة التي فيها تراب أرض كربلاء فإذا به يفور دما (المقرم نقلا عن كامل ابن الأثير ج4، ص 38).

وهو الذي دفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها وأمرها أن تحتفظ به وزاد على ذلك سماعها في جوف الليل هاتفاً ينعى الحسين عليه السلام فيقول:
أيها القاتلون جهلاً حسيـناً
أبشـروا بـالعذاب والتنكيـل
قد لعنتم على لسان ابن داود
ومـوسى وصـاحب الانجيـل
كلُّ أهل السماء يدعو عليكم
مـن نبـيٍّ ومـرسل وقتيـل

وكانت تسمع في جوف الليل أصوات نعي الحسين ولم تر أحداً فمن ذلك:
ألا يـا عيـنُ فـاحتفلي بجهدٍ
ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهُـمُ المنـايـا
إلى متجبـرٍ في مـلك عبـدِ
ولما سمع ابن عباس بكاءها أسرع إليها يسألها الخبر فأعلمته بأن ما في القارورتين يفور دماً.

وفي أصول الكافي أن الإمام الحسين عليه السلام كان قد أودعها ذخائر الإمامة وأوصاها ان تدفعها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.

ومما نضيفه هنا ان الإمام حينما أعطى الرخصة ليلاً لأصحابه كي يذهبوا عنه متسترين بهذا الليل كانت النساء قد سمعن الكلام، هؤلاء النساء اللاتي جئن مع أسرهن مثل أسرة عبد الله بن عمير الكلبي، وجنادة بن حرث الأنصاري، ومسلم بن عوسجة الأسدي وغيرهم ولكن واحدة منهم لم تطلب الرحيل ولم تعلن ذلك أبداً بل بقين مع الرجال إلى جنب الإمام عليه السلام وهذه مكرمة عظيمة لهؤلاء النساء القويات في الدين والقويات في الإرادة.

مجالس العزاء

وقد أقيمت في الشام حينما كانت السبايا هناك وأيضاً في كربلاء بعد عودتهن إليها في الأربعين وفي المدينة قبل وصول السبايا وبعده.
ومازالت مجالس العزاء حتى يومنا الحاضر تقيمها النساء المواليات النادبات للإمام وهنّ الصورة الحاضرة لنساء الطفوف.

لماذا حمل الإمام الحسين عليه السلام نساءه وعياله إلى كربلاء؟

بقلم:  كفاح الحداد


كان أَمام الإمام الحسين عليه السلام خياران بالنسبة لأسرته، فهو إما ان يحمل عياله ونساءه معه وإما ان يُبقي الجميع ويخرج بمفرده مع أولاده واخوته وباقي الأنصار من رجال بني هاشم.

فإذا كان الأمر بأن يتركهم في مكانهم ويهاجر بنفسه فلا شك في أن السلطات الأموية ستحاول الاستفادة منهم كورقة ضاغطة على الإمام نفسه كي يسلم نفسه. كما فعل الأمويون مع عمرو بن حمق الخزاعي حيث أسروا زوجته لمّا فرّ من أيدي السلطات الأموية الحاقدة.

وأيضاً حصلت هذه الحالة مع زوجة المختار التي اعتقلت هي الأخرى لإرغام زوجها على الإذعان للسلطة الأموية الحاكمة.

فالإمام لم يكن ليأمن على عياله ونسائه لو أبقاهم في المدينة وخرج ثائرا.. وحتى لو أمن الإمام على نسائه وعياله وأبقاهم في مكانهم وخرج في طلب الإصلاح في ثورة يعلم مسبقا ان القوم يطلبونه ولو أمسكوا به فسيقتلونه لا محالة وسُيقتل مع اخوته وأبناء عمومته في أي مكان من الأرض وسيبادون جميعهم ومن ثم لا يفهم أحد لماذا أصلاً خرج الإمام الحسين عليه السلام للثورة؟ ولماذا لم يبايع؟ وحتماً ستحاول السلطات الأموية التكتم على الأمر واستعمال آليات القتل الصامتة بأي شكل من الأشكال وبهذا يضيع دم الحسين عليه السلام وتضيع ثورته ورسالته وهذا المنطق لا يتناسب أيضا مع ما حمله الإمام من مطالب صرح بها أكثر من مرة .

على هذا يكون الخيار الثاني هو الأقرب لما يصبو إليه الإمام من تغيير في الواقع الاجتماعي والقيمي والإنساني.


الإمام الحسين يخطط لمستقبل الثورة وطرق نجاحها

ولنا ان نتصور الإمام كقائد ثورة يريد ان يقوم بحركة واسعة تهز المجتمع كله وتهز الصرح الأموي من جذوره فقد يكون من الشاق عليه ان يسير مع كوكبة من النساء والصغار والرضع في سفر طويل. ولو كان سفر استجمام لما خلا من مشقة من جانب المسؤوليات والإعداد والتحضير لمستلزمات السفر نفسه. فكيف بسفر الثورة التي يخطط لها الإمام والتي يقدّر لها ان تكون في ارض بعيدة عن مستقره الحالي؟.

لكن الإمام عليه السلام حمل نساء آل البيت عليهم السلام وحرائرهم.. وهو يعلم بما سيعانيه الجميع من مشكلات الطريق الطويل والأوضاع الطارئة والتشنجات التي سيتعرض لها الجميع لا محالة؛ لان هناك تخطيطاً مستقبلياً للثورة، إذ لا يمكن للإمام عليه السلام ان يكون قد خطط لأوان الثورة والتي قد تقدر بسويعات محدودة في عمر الزمن ويترك ما بعدها فالمهم نتائج الثورة وما ستفرزه من أحداث ووقائع على ارض الواقع فهو عليه السلام حتماً كان قد خطط لما بعد الثورة في امتداداتها المتعددة وفي كيفية التعريف بها وكيفية تحقيق أهدافها، فإذا كانت نهاية هذه الجولة التضحوية هو الانكسار العسكري فلابد ان يسعى لأن يحقق لها نجاحاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً على المدى الطويل من الزمان والمكان..


ومن هنا كان الخيار الثاني بأن يأخذ العيال والنساء معه هو الخيار الأكثر تناسباً مع الثورة والأكثر انسجاماً مع ما كان يخطط له الإمام عليه السلام. فالإمام عليه السلام ما كان همه الثورة في وقتها فحسب ولكن كان يهدف إلى تحقيق التواصل الزمني البعيد المدى لدى الأمة مع الثورة (في نوع من الامتداد الواعي الشعوري الذي يخترق ايدولوجيات الزمن لكي تبقى نابضة قادرة على ضخ الدم النقي المحرك للحياة) وهذا ما حصل فهو إذاً حمل عياله ونساءه لأدوار اُعدوا لها مسبقاً ولمهام مرت صورتها في عقلهم الواعي والباطن قبل أو ان الثورة.


الدور التبليغي لنسوة الطف

لقد حمل الإمام معه جملة من المبلغات اللائي كانت الواقعة بحاجة إلى خطابهن تماماً كما كانت الثورة بحاجة إلى دمه وتضحيته والى هذا يشير الشيخ مرتضى مطهري في كتابه الملحمة الحسينية «التكتيك التبليغي هو حمله لأهله وعياله وأولاده في القافلة الحسينية وبهذه الطريقة يكون قد استخدم العدو استخداما غير مباشر من خلال فرض هؤلاء الناس كحربة تبليغية ورسل دعاية للإسلام الحسيني ضد يزيد»..

ويضيف: أن الإمام استخدم عدداً من المبلغين الذين أخذهم العدو بيده وبإرادته لينفذوا إلى قلب حكومة العدو في الشام وهو بحد ذاته تكتيك يفوق التصور الاعتيادي». (مرتضى مطهري، الملحمة الحسينية، ح1، ص 209).

فالإمام لم يأخذ معه نساء عاديات إنما أخذ معه نساء واعيات مؤمنات بثورته وهن أيضا مبلغات يمتلكن أدوات التبليغ السليم ليُعَرِّفْنَ الناس بالقضية والثورة وأهدافها وأسبابها ويكشفن النقاب عن الوجه الأموي الأسود وليكنَّ سبباً لهزّ الوضع العام وتحريكه وضخ القيم الجديدة وتخليد النهضة الحسينية في الوجدان الشعبي كل هذه القرون.

ولقد استوقفه كثيرون وحاولوا ثني الإمام عن اخذ النساء معه لكنه أصرَّ على أن تكون النساء ضمن قافلته وقال له عبد الله بن عباس: فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك. (المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، ج3، ص 65).

وقال لأخيه محمد بن الحنفية: شاء الله أن يراني قتيلاً ويرى النساء سبايا فلمّا كان في السّحر ارتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فاتاه فاخذ زمام ناقته التي ركبها فقال له: يا اخي ألم تعدني النّظر فيما سألتك؟ قال: بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما فارقتك فقال: يا حسين عليه السلام أخرج فانّ الله قد شاء ان يراك قتيلاً فقال له ابن الحنفية إنّا لله وانّا إليه راجعون فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ قال: فقال له: قد قال لي: إنّ الله قد شاء ان يراهنّ سبايا... (ابن طاووس، اللهوف، ص 64).


ماذا لو لم يأخذ الإمام الحسين نساءه وعياله معه؟

من ناحية أخرى لو سلمنا بأن الإمام عليه السلام لم يشأ أن يأخذ معه النساء والعيال.. فما هي ردة فعل النساء أنفسهن؟ ماذا سيصنعن لو جاءهنّ رسول يخبرهن بمقتل الحسين عليه السلام في هذه الفلاة الواسعة؟ هل سيكون لهؤلاء النساء دور سوى النواح والبكاء؟. ومن المؤكد ان هذا البكاء سيكون في المدينة وحدها ولأيام معدودة من الزمن كما حدث مع باقي الأئمة عليهم السلام وينتهي كل شيء!! حينئذ لن يكون للنساء دور في القضية أبداً. ولا تبقى للنساء أية مهام أو مسؤوليات أمام هذه الثورة التي ستستباح فيها كل المقدسات بما في ذلك المعصوم نفسه.. وستبقى صورة المرأة السلبية المنـزوية عن هموم الأمة والتي لا تعيش حتى لذاتها؛ إذ كيف يمكن بناء الذات بمعزل عن الحياة الاجتماعية وعن الاهتمام بشؤون المسلمين؟. فهذه الصورة الهامشية لا تتناسب أبدا مع شخصية نساء أهل البيت عليهم السلام واللائي عاش بعضهن كثيراً من أوجاع الأمة المسلمة وبخاصّة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأول الأوجاع ظلامة الزهراء عليها السلام.


الوعد الإلهي بحفظ النساء والعيال

وهنا لابد من إشارة وهي ان الإمام كان قد اطمأنّ إلى الوعد الإلهي بصيانة هؤلاء المخدرات وبأنهنّ سيكنّ بعيدات عن الأذى، ونجد ذلك واضحا من خلال وصيته للنساء لما ودعهن وقال: استعدوا للبلاء واعلموا ان الله تعالى حاميكم وحافظكم. (المقرم،مقتل الحسين, ص 276).


الذهاب مع الإمام الحسين عليه السلام كان مطلب النساء أنفسهن

المرأة اذاً طالبت بالذهاب مع الإمام لنصرته واستعدت للخروج إلى كربلاء قائلة: «يا ابن عباس، تشير على سيدنا بأن يخلفنا ها هنا، ويمضي وحده لا والله بل نحيا معه، أو نموت.. وهل أبقى الزمان لنا غيره.. لا نفارقه أبداً حتى يقضي الله ما هو كائن». وهي تعرف ما ينتظرها من ظروف قاسية ومهام ثقيلة وبهذا تكاملت الإرادة من جانبين؛ فمن جانب أراد الإمام للثورة ان تستمر في اشتعالها وازدياد شرارتها ووضوح معانيها ولا أحد يسهم في توضيح مفردات الثورة غير هؤلاء النساء، كما سيأتي ضمن الدور الإعلامي.


ومن جانب آخر علمت النساء وبخاصة السيدة زينب عليها السلام ان الإمام انطلق إلى نهضة إصلاحية كبرى في أمة جده صلى الله عليه وآله وسلم وفي هذه النهضة الإسلامية الإصلاحية لابد ان يكون للمرأة محط قدم في التأثير والبلاغ. وإلى هذا يشير الشيخ عبد الوهاب الكاشي بالقول: إن الحسين عليه السلام كان يعرف انه إذا قتل فلا يوجد رجل في العالم الإسلامي يمكنه ان يتكلم بشيء ضد سياسة الأمويين مهما كان عظيماً حيث إنهم قطعوا الألسن وكمّوا الأفواه فكان قتله سدى وقد لا يعرف أحد من المسلمين ما جرى عليه.. فأراد الحسين عليه السلام ان يحمل معه ألسنة ناطقة بعد قتله لتنشر أنباء تلك التضحية في العالم الإسلامي ومذياعاً سياراً يذيع تفاصيل تلك المأساة الإنسانية والجرائم الوحشية، فلم يجد سوى تلك المخدرات والعقائل اللواتي سبين وسيرّن بعد الحسين عليه السلام في ركب فظيع مؤلم يجوب الأقطار يلقين الخطب في الجماهير وينشرن الوعي بين المسلمين وينبهن الغافلين ويلفتن أنظار المخدوعين ويفضحن الدعايات المضللة حتى ساد الوعي وتنبه الناس الى فظاعة الجريمة وانهالت الاعتراضات والانتقادات على يزيد والأمويين من كل الفئات والجهات. (الشيخ عبد الوهاب الكاشي، مأساة الحسين بين السائل والمجيب، ص 80).

وهذا بالضبط ما أراده الإمام من خلال حمله للنساء والعيال، وهذا ما حصل أيضاً إذ لولا وجود هذه الثلة المباركة لما تم كشف القناع عن يزيد ورفع الستار عن جرائم الأمويّين.


أهمية وجود المرأة في ساحات النزاع والمواجهة

ان وجود المرأة في مناطق النـزاعات غالباً ما يكون عامل تحريك للرأي العام وعامل تعريف بجرائم العدو، ولهذا نجد أنّ الإعلام إذا ما أراد ان يظهر بطش الحاكم وطغيانه فانه يعرض صوراً لنساء معذبات أو مقتولات أو أطفال يبكون ويستصرخون ويصرخون.. صور من الممكن ان تهز الضمير الاجتماعي وتحدث فيه حركة باتجاه المطلوب، بمعنى ان وجود المرأة في النـزاعات المسلحة والحروب غالبا ما يكون عاملاً لكشف وحشية العدو ومجازره وبشاعته ولنا ان نستعرض في ذاكرتنا ما كان يبث من صور عن المعارك التي شهدها القرن المنصرم وبداياته والتي يستخدم فيها مونتاجاً خاصاً لعرض بكاء الأمهات وذهول الزوجات وانين البنات. ولهذا اهتزت الكوفة لما جاء ركب الحسين عليه السلام وارتجت لمرأى الأطفال الذين ترتعد فرائصهم واصفرت وجوههم، وماجت للحرائر المخدرات اللواتي ارتسم الحزن على وجوههن وبان ثقل الدموع في مآقيهن وازداد الآلم حينما جادت عليهن الكوفيات بالإزر والمقانع وضج الناس بالبكاء والعويل حينما أزيح الستار عن القناع الأموي، فهؤلاء لسن سبايا الخوارج والديلم كما قال ابن زياد إنما هن سبايا آل البيت عليهم السلام!!.


على هذا يمكن الإقرار بأن الإمام عليه السلام أخذ النساء معه كي يؤدين ادواراً مهمة لنصرة الثورة أو بالأحرى كانت ادوار النساء ضمن البرنامج التخطيطي لقائد الثورة الذي لم يكن يفكر بأنه سينُهي المواجهة بعدم مبايعته ليزيد، من ثم استشهاده بل لابد من توجيه الأمة إلى قيم جديدة وتربويات مطلوبة. ولم يكن لهذه المهمة الصعبة من يؤديها سوى هؤلاء النساء وعلى رأسهن السيدة زينب عليها السلام، وهذا يشير إلى ثقته الكاملة بأُخته وبأن هؤلاء النساء هن موضع اعتماد وهن قادرات على أداء التكاليف المطلوبة.


ماذا يقول الشيخ كاشف الغطاء عن أهمية خروج نساء الإمام عليه السلام معه؟

وقد ذكر المرحوم كاشف الغطاء: لو قتل الحسين هو وولده، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لما تحقق غرضه وبلغ غايته في قلب الدولة على يزيد.( حياة الإٌمام الحسين عليه السلام 298 - 2 : 297 – 2)

إذن كانت هناك أدوار مهمة ومسؤوليات خطيرة ولم يكن هناك من هو قادر على القيام بهذه المهام سوى السيدة زينب عليها السلام وباقي نساء أهل البيت. ولو أردنا ان نعرف ما هو التفاوت بين رؤية الإمام عليه السلام ورؤية المفكرين المعاصرين من خلال استعراض تجارب الإسلاميين أنفسهم والذين حملوا فكر الإسلام في وقت صعب وتحديات جسيمة، لكن مشكلتهم انهم لم يفهموا دور المرأة في الحياة والثورة ولم يحسبوا لها حساباً في ما قدموه من اطروحات نهضوية حصروا المرأة من خلالها في زوايا محددة وعزلوها عن شؤون نهضتهم. فعموم الحركات الإسلامية في القرن العشرين كانت تقصي المرأة عن جانب اهتماماتها تحت رؤى متعددة منها عدم تصور أهليتها وكفاءتها بل تصوروا ان مكانها بيتها فقط!. ومنها عدم الثقة بها؛ لأنهم كانوا يرونها عاملاً من عوامل إفشاء الأسرار لا أكثر وبهذا طغت الهواجس والرؤى السلبية النابعة من الموروث الاجتماعي على خارطة تفكيرهم، وكم وجدنا قادة مسلمين كباراً ومراجع عظاماً لكن نساءهم لا يفقهن من الحياة شيئاً؛ إذ كانت عقولهن هواء وافئدتهن خواء!. وبهذا عطلوا المرأة عن الوعي والمعرفة والفهم. فكيف تستطيع امرأة لا يتجاوز تفكيرها جدران بيتها ولا يطال وعيها المساحات الدينية الواسعة للحياة ان تنشئ جيلاً إسلامياً سامياً قادراً على أداء ادوار عُلى؟.


واقعة الطف كانت بحاجة المرأة كي تنجح وتؤتي بثمارها

بهذا يمكن القول: ان واقعة الطفوف كانت بحاجة إلى تواجد المرأة كي تنجح الثورة، وبحاجة إلى حضور نسائي متميز لا يجزي عنه الرجل أبداً. فمن المعلوم ان الإمام لو اصطحب الكثير من الرجال لأبيدوا بكاملهم وبهذا جاء حمل النساء كدلالة على تخطيط مستقبلي للثورة فيما يمكن ان تؤديه النساء من أدوار تدور ضمن مصلحة الإسلام الكبرى والإيمان بمبادئ الإمام في الإصلاح والتغيير، فهو إذن اجتياز للدائرة المحددة التي تشمل حياة المرأة الخاصة ضمن (حسن التبعل) ولكنها لا تلغي شخصية المرأة نفسها أو أهدافها الممتدة في الحياة أو مسؤولياتها العديدة.


وكان الحضور النسائي متميزاً في نساء عرفن بالعلم والمعرفة والبلاغة والفصاحة والصبر الجميل إلى غير ذلك، وبذلك نجح الرجل (الإمام وأنصاره) في تضحيته كما نجحت المرأة «زينب عليها السلام» في التبليغ والإعلام الموجه، ولم تكن الأدوار التقليدية للنساء كالأمومة والزوجية عائقاً أمام تحقيق نجاح أوسع ضمن دائرة الأهداف العامة أبدا بل كانت هذه الأدوار سبباً لإضفاء مزيد من الحزن والتفجع على ما جرى في الطفوف، فهؤلاء النساء قدمن الغالي والنفيس بل ضحين بالولد والأخ والزوج لنصرة الثورة في زمن تقاعس فيه الأشاوس من الرجال عن نصرة الإمام الذي كانوا يسمعون استغاثته!. وبهذا تحولت الأدوار التقليدية التي تضجر منها المرأة المعاصرة إلى أدوار رسالية ومحطات انطلاق لرسم هوية ثائرة للمرأة المسلمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.