وصف أهل الدنيا في كلمات الإمام الحسين عليه السلام

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي


نص كلامه عليه السلام


(إنّ هذِهِ الدُّنْيا قَد تَغَيَّرَت وَتَنَكَّرَتْ وأدْبَرَ مَعرُوفُها، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إلاَّ صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالمَرعَى الوَبِيلِ، ألا تَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ لا يُعْمَلُ بِه، وَأنَّ الباطِلَ لا يُتناهى عَنهَ.

 لِيَرْغَبْ المُؤْمِنُ في لِقاءِ اللهِ مُحِقّاً فَإنِّي لا أرَى الْمَوتَ إلاّ سَعادَةً، وَلاَ الحَياةَ مَعَ الظَّالِمينَ إلاّ بَرَماً.

إنَّ النّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيا وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلى ألسِنَتهم، يَحُوطُونَهُ ما دَرَّت مَعائِشُهُم، فَإذا مُحِّصُوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّيّانُونَ).

تقدم الحديث عن الدنيا وأنواعها وعن التحذير منها والافتتان بزبارجها والانبهار بزخرفها، وتعرضنا إلى آثار حبها وخطر التعلق بها وغير ذلك من الأبحاث، إلا أننا لم نتعرض إلى ذكر صفات عبيدها وأهلها.

ولكي نؤكد صحة تسمية أهلها بعبيدها لابد من التأمل في أحاديث أهل بيت العصمة لنرى وصفهم عليهم السلام لأهلها ونعتهم لمحبيها:

1ــ يرى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن من يحب المال لذاته هو عبد محض للدنيا كما في قوله عليه السلام: «مَنْ أحَبَّ الدِّينارَ وَالدِّرْهَمَ فَهُوَ عَبْدُ الدُّنْيا»[1].

2ــ ويرى الإمام الحسين عليه السلام أن الإنسان محب للدنيا ولا خير في ذلك إذا فاق حبه للدنيا حبه للدين فهذا مما لا يرضاه الله تعالى ورسوله والأئمة الطاهرون، كما أنه يرى أن المرء المحب للدنيا إذا تعرض للاختبار والابتلاء ينسى دينه ويبقى حريصا على دنياه فيتنازل عن شعارته ومدعياته الدينية ويقع فريسة الحرص على الدنيا كما ورد ذلك في قوله عليه السلام: «إنَّ النّاسَ عَبيدُ الدُّنْيا والدِّينُ لَعِقٌ عَلى ألْسِنَتِهِمْ يَحوطُونَهُ ما دََرَّتْ مَعائشُهُم، فَإذا مُحِّصُوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدِّيّانُونَ»[2].

ومن هذه الروايات الشريفة نستشف مدى تعلق الإنسان ذي الإيمان الضعيف فضلا عن الكافر بهذه الدنيا الدنية فيصل بتعلقه هذا إلى درجة أن يكون عبدا للدنيا ومؤثرا لها على دينه.

وهناك روايات أخرى توصف لنا هؤلاء العبيد لكي لا نقع فيما وقعوا ولا نصل إلى ما وصلوا إليه، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يصف لنا عبد الدنيا بأنه فاقد العقل ميت القلب، ولهان حيران أسرته شهواته واستخفته ملذاته فيقول: «قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَواتُ عَقْلَهُ، وأماتَتِ الدُّنْيا قَلْبَهُ، ووَلَهَتْ عَلَيْها نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَها، ولِمَنْ في يَدَيْهِ شَيءٌ مِنْها، حَيْثُما زالَتْ زالَ إلَيْها، وَحَيْثُما أقْبَلَتْ أقْبَلَ عَلَيْها»[3].

وجاء عن حديث المعراج أن الإنسان الذي يخرج عن التوازن في أكله ونومه ولهوه هو من عبيد الدنيا، والإنسان الذي لا حلم له ولا قناعة لديه فهو من أولادها وعبيدها، والإنسان الذي يتصف بالجرأة الوقحة والاعتداء على الناس دون أن يشعر بالخجل من ذلك هو من سجنائها، والإنسان الذي يتصف باللؤم وعدم النشاط في طاعة الله تعالى هو ممن تلبس بحبها، ولكي لا نكرر ما جاء في الحديث نعرض لكم حديث المعراج بنصه الواضح لتطلعوا على صفات عبيد الدنيا وأهلها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أهْلُ الدُّنْيا مَنْ كَثُرَ أكْلُهُ وَضِحْكُهُ وَنَوْمُهُ وَغَضَبُهُ، قَليلُ الرِّضا، لاَ يَعْتَذِرُ إلى مَنْ أساءَ إلَيْهِ، وَلاَ يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ مَنِ اعْتَذَرَ إلَيْهِ، كشلان عِنْدَ الطاعَةِ، شُجاعٌ عِنْدَ المَعْصِيَةِ، أمَلُهُ بَعيدٌ، وأجَلُهُ قَريبٌ، لاَ يُحاسِبُ نَفْسَهُ، قَليلُ المَنْفَعَةِ، كَثيرُ الكَلامِ، قَليلُ الخَوْفِ، كَثيرُ الفَرَحِ عِنْدَ الطَّعامِ.
وإنَّ أهْلَ الدُّنْيا لاَ يَشْكُرُونَ عِنْدَ الرَّخاءِ، وَلاَ يَصْبِرُونَ عِنْدَ البَلاءِ، كَثيرُ النّاسِ عِنْدَهُمْ قَليلٌ، يَحْمَدُونَ أنْفُسَهُمْ بِما لاَ يَفْعَلونَ، وَيَدَّعُونَ بِما لَيْسَ لَهُم، وَيَتَكَلَّمونَ بِما يَتَمَنَّوْنَ، وَيَذْكُرونَ مساوئ النّاسِ ويُخْفُونَ حَسَناتِهِمْ.

قالَ: يا رَبِّ، هَلْ يَكُونُ سِوَى هذا العَيْبِ في أهْلِ الدَّنْيا؟ قالَ: يا أحْمَدُ، إنَّ عَيْبَ أهْلِ الدُّنْيا كَثيرٌ، فيهِمُ الجَهْلُ والحُمْقُ، لاَ يَتَواضَعونَ لِمَنْ يَتَعَلَّمونَ مِنْهُ، وَهُمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عُقَلاءُ وَعِنْدَ العارِفينَ حُمَقاءُ»[4].

ــ سعادة في الموت


(فَإنِّي لا أرَى الْمَوتَ إلاّ سَعادَةً، وَلاَ الحَياةَ مَعَ الظَّالِمينَ إلاّ بَرَماً).

قد يندهش المرء لأول وهلة من عنواننا هذا ويستفهم كيف تتواجد السعادة في الموت الذي يفر منه أغلب الناس؟ وكيف يكون الموت الذي هو من وسائل الرعب وسيلة للسعادة؟ وكيف يصير ما هو مرحلوا؟ ولكي يتضح الجواب على هذه الأسئلة وغيرها لابد من التعرض إلى ذكر روايات وأحاديث أهل العصمة والطهارة في هذا الأمر لنتعرف على نظرهم الشريف في تفسير الموت بالسعادة.

إلا أننا قبل التعرض إلى ذكر هذه الروايات والأحاديث نقول:

إن اليقين بأن الموت أمر حتمي يقود إلى الاستعداد له والتهيأ لما يليه، وأن تفسير الموت بأنه انتقال من دار فانية إلى دار باقية يدفعنا إلى التزود بالزاد الذي نحتاج إليه في تلك الدار، وأن تفسيرنا للموت بأنه اغتسال وتنظف من قذارة هذه الدنيا، وتحرر من قيود شهواتها، وإخراج من سجنها يشعرنا بالتوق إليه والانتظار لمجيئه بقلب مطمئن ونفس مستقرة.

وأن معرفتنا للموت بأنه لقاء الله تعالى ورسله وأنبيائه والأئمة الطاهرين، تجعلنا نشتاق إلى ذلك اللقاء وننتظره بلهفة.

ففي هذا تكمن السعادة، والآن لابد أن نستعرض الروايات والأحاديث الشريفة التي تشير إلى تفسير الموت، وكونه في نفع المؤمن:

ــ الروايات التي تفسر الموت


1ــ قال الإمام عليه السلام وقد سُئِلَ عَنْ تَفْسيرِ المَوْتِ: «عَلَى الخَبيرِ سَقَطْتُمْ، هُوَ أحَدُ ثَلاَثَةِ أُمورٍ يَرِدُ عَلَيْهِ: إمّا بِشارةُ بِنَعيمِ الأبَدْ، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإمّا تَحْزينٌ وَتَهْويلٌ وَأمر(ه) مُبْهَمٌ، لاَ يَدْري مِنْ أيِّ الفِرَقِ هُوَ...»[5].

2ــ عن الإمام الحسن عليه السلام أنه قال: «أعْظَمُ سُرورٍ يَرِدُ عَلى الْمُؤْمِنينَ إذْ نُقِلوا عنْ دارِ النَّكَدِ إلى نَعيم الأبَدِ، وَأعْظَمُ ثُبورٍ يَرِدُ عَلى الكافِرينَ إذْ نُقِلوا عَنْ جَنَّتِهِمْ إلى نارٍ لاَ تَبيدُ وَلاَ تَنْفَدُ»[6].

3ــ قال الإمام زين العابدين عليه السلام لمّا سُئِلَ عَنِ المَوْتِ: «لِلْمُؤْمِنِ كَنَزْعِ ثِيابٍ وَسِخَةٍ قَمِلَةٍ، وَفَكِّ قُيودٍ وأغْلاَلٍ ثَقيلَةٍ، والاسْتِبْدالِ بِأفْخَرِ الثِّيابِ وأطْيَبِها رَوائِحَ، وَأوْطَأِ المَراكِبِ، وآنَسِ المَنازِلِ؛ ولِلْكافِرِ كَخَلْعِ ثِيابٍ فاخِرَةٍ وَالنَّقْلِ عَنْ مَنازِلَ أنيسَةٍ، والاستِبْدالِ بِأوْسَخِ الثِّيابِ وَأخْشَنِها، وأوْحَشِ المَنازِلِ، وأعْظَمِ العَذابِ»[7].

4ــ عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «لِلْمُؤْمِنِ كَأطْيَبِ ريحٍ يَشِمُّهُ فَيَنْعَسُ لِطيبِهِ وَيَنْقَطِعُ التَّعَبُ وَالألَمُ كُلُّهُ عَنْهُ، ولِلْكافِرِ كَلَسْعِ الأفاعي ولَدْغِ العَقارِبِ أو أشَدَّ!»[8].

قيلَ: فَإنّ قَوْماً يَقولونَ: إنَّهُ أشَدُّ مِنْ نَشْرٍ بِالمَناشيرِ، وَقَرْضٍ بِالمَقاريضِ، ورَضخٍ بِالأحْجارِ، وتَدْويرِ قُطْبِ الأرحِيَةِ علَى الأحْداقِ! قالَ عليه السلام: «كَذلِكَ هُوَ عَلى بَعْضِ الكافِرينَ والفاجِرينَ...»[9].

5ــ عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في عِيادَةِ رجُلٍ من أصحابه قال: «كَيفَ تَجِدُكَ؟ قال: لَقِيتُ المَوْتَ بَعْدَكَ! ــ يُريدُ ما لَقِيَهُ مِنْ شِدَّةِ مَرَضِهِ ــ فقالَ عليه السلام: «كَيْفَ لَقِيتَهُ؟ فقال: أليماً شديداً، فقالَ عليه السلام: «ما لَقِيتَهُ، إنّما لَقِيتَ ما يُنْذِرُكَ بِهِ وَيُعرِّفُكَ بَعْضَ حالِهِ...»[10].

6ــ قال الإمام الجواد عليه السلام لمّا سُئلَ عن عِلّةِ كَراهِةِ المَوتِ: «لأَنَّهُمْ جَهِلوهُ فَكَرِهُوهُ، وَلَوْ عَرَفُوهُ وَكانوا مِنْ أوْلِياءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لأَحَبُّوهُ، وَلَعَلِموا أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيا. ثمّ قالَ عليه السلام: يا أَبا عَبْدِ اللهِ، ما بالُ الصَّبيِّ وَالمَجْنونِ يَمْتَنِعُ مِنْ الدَّواءِ المُنقّي لِبّدَنِهِ والنّافي للألَمِ عَنْهُ؟ قال: لِجَهْلِهِمْ بِنَفْعِ الدَّواءِ. قال عليه السلام: وَالّذي بَعَثَ مُحَمّداً بِالحَقِّ نَبِيّاً إنَّ مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْمَوْتِ حَقَّ الاسْتِعْدادِ فَهُوَ أنْفَعُ لَهُ مِنْ هذا الدَّواءِ لِهذا المُتعالِجِ، أما إنَّهُمْ لَوْ عَرَفُوا ما يُؤدّي إلَيهِ المَوْتُ مِنَ النَّعيمِ لاسْتدْعَوْهُ وَأحَبُّوهُ أشَدَّ ما يَسْتَدعي العاقِلُ الحازِمُ لِدَفْعِ الآفاتِ واجْتِلابِ السَّلاماتِ»[11].

ــ الروايات التي تصف موت المؤمن


1ــ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ أشَدَّ شيعَتِنا لَنا حُبّاً يَكونُ خُروجُ نَفْسِهِ كَشُرْبِ أحَدِكُمْ في يَوْمِ الصَّيْفِ الماءَ البارِدَ الّذي تَنتَقِعُ بِهِ القُلوبُ، وإنَّ سائِرَهُمْ لَيَموتُ كَما يُغبَطُ أحَدُكُمْ عَلى فِراشِهِ كأقَرَّ ما كانَتْ عَينُهُ بِمَوْتِهِ»[12].

2ــ جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المعراج: «وإذا كانَ العَبْدُ في حالَةِ المَوْتِ يَقومُ على رَأسِهِ مَلائِكَةٌ، بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ كَأسٌ مِنْ ماءِ الكَوثَرِ وكَأسٌ مِنْ الخَمْرِ يَسْقُونَ رُوحَهُ حَتّى تَذْهَبَ سَكْرَتُهُ وَمَرارَتُهُ، ويُبَشِّرونَهُ بِالبِشارَةِ العُظمى وَيَقولونَ لَهُ: طِبْتَ وطابَ مَثْواكَ، إنَّكَ تَقدِمُ عَلى العَزيزِ الحَكيمِ الحَبيبِ القَريبِ»[13].

3ــ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أوَّلُ ما يُبَشِّرُ بِهِ المُؤْمِنُ: رَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعيمٍ، وَأوَّلُ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ أنْ يُقالَ لَهُ: أبْشِرْ وَليَّ اللهِ بِرِضاهُ وَالجَنَّةِ! قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللهُ لِمَنْ شَيَّعَكَ، واستَجابَ لِمَنْ استَغْفَرَ لَكَ، وقَبِلَ مَنْ شَهِدَ لَكَ»[14].

4ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «المَوْتُ رَيْحانَةُ المُؤْمِنِ»[15].

5ــ وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تُحْفَةُ المُؤْمِنِ المَوْتُ»[16].

بعد هذه الباقة العطرة من الروايات والأحاديث الشريفة اتضح لنا أن سعادة المؤمن في الموت، وأن روحه وريحانه وأمنه وأمانه، واستقراره واطمئنانه في الموت.


ــــــــــــــــ
[1] الخصال: ص113، ح91. ميزان الحكمة: ج3، ص1220، ح5926.
[2] تحف العقول: ص245. ميزان الحكمة: ج3، ص1219، ح5925.
[3] نهج البلاغة: الخطبة 109. ميزان الحكمة: ج3، ص1220، ح5929.
[4] بحار الأنوار: ج77، ص23، ح6. ميزان الحكمة: ج3، ص1220 ــ 1221، ح5930.
[5] معاني الأخبار: ص288، ح2. ميزان الحكمة: ج9، ص3913، ح19104.
[6] معاني الأخبار: ص288، ح3. ميزان الحكمة: ج9، ص3913، ح19105.
[7] معاني الأخبار: ص289، ح4. ميزان الحكمة: ج9، ص3914، ح19107.
[8] معاني الأخبار: ص287.
[9] عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص274، ح9. ميزان الحكمة: ج9، ص3914، ح19109.
[10] معاني الأخبار: ص289، ح7. ميزان الحكمة: ج9، ص3915، ح19111.
[11]معاني الأخبار: ص290، ح8. ميزان الحكمة: ج9، ص3915، ح19112.
[12] بحار الأنوار: ج6، ص162، ح30. ميزان الحكمة: ج9، ص3917، ح19119.
[13] بحار الأنوار: ج77، ص27، ح6، أنظر تمام الحديث. ميزان الحكمة: ج9، ص3917، ح19120.
[14] كنز العمال: 42355. ميزان الحكمة: ج9، ص3917، ح19121.
[15] كنز العمال: 42136. ميزان الحكمة: ج9، ص3917، ح19122.
[16] كنز العمال: 42110. ميزان الحكمة: ج9، ص3917، ح19123.

إرسال تعليق