قصائد الطفيات دراسة في الجذور والمقاربات

بقلم: الدكتور علي كاظم المصلاوي

الطفيات تنتمي إلى الطف بالفتح والفاء المشددة، وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق([1])، والطف ساحل البحر وفناء الدار([2]) وقيل طف الفرات أي الشاطئ، والطفوف: جمع طف وهو ساحل البحر وجانب البر([3]). والطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها مقتل الحسين بن علي عليه السلام، وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية([4]).

أما الطفيات على صعيد الاصطلاح، فهو مصطلح آثر الباحث نسبته إلى القصائد المتضمنة وصفاً لواقعة الطف وما جرى فيها من فاجعة حلَّت بالحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، ولا ريب في انَّ هذا المصطلح يشمل جميع القصائد أو الأشعار التي بكت الحسين وتفجَّعت بمقتله في تلك الواقعة الأليمة منذ حلولها سنة إحدى وستين للهجرة وإلى الآن..

والذي جعل الباحث يستأثر بهذا المصطلح أمورٌ عدة أبرزها أنَّ واقعة الطف شكلت منعطفاً تاريخيا مهماً في حياة الشيعة بشكل خاص، وحياة المسلمين بشكل عام، فقد كان يوم الطف دليلاً دامغاً على ظلم بني أميَّة لأهل بيت النبوة، وتوجوا ظلمهم بقتل الحسين عليه السلام ومن معه في واقعة الطف الشهيرة، فكان هذا اليوم يوم ظلامة الشيعة الذين راحوا يستمدون قوتهم وصبرهم وتصديهم لأعدائهم من ذلك اليوم الرهيب مستلهمين فيه قوة الحسين عليه السلام وصبره وتصديه للظالمين.

أما الأمر الثاني الذي نراه هو أنه إذا ذكر الحسين عليه السلام ذكرت واقعة الطف، وإذا ذكر الطف ذكر الحسين عليه السلام شهيداً وبطلاً وقع على أرضه، ومن هنا كانت العلاقة جدلية بين الشخصية والمكان لا تفترق بينهما فلا يذكر احدهما إلا ذكر الآخر.

وحين استقرا الباحث عددا من الدواوين الشعرية التي اهتمَّ شعراؤها بواقعة الطف، وكان لها الرصيد الأوفر من قصائدهم وأشعارهم من أمثال السيد حيدر الحلي، والسيد جعفر الحلي، وابن كمونة، وجواد بدقت الأسدي والشيخ محسن أبو الحب الكبير وغيرهم([5]) وجدنا ثلاثة أمور تخص تلك الأشعار والقصائد، وهي:

أولاً: رتِّبت هذه القصائد في عددا منها - أي الدواوين - من لدن محققيها على أساس القافية.

ثانياً: أدرجت هذه القصائد في باب الرثاء، وهذا الأمر لا يتنافى مع واقع الطفيات من حيث كونها أشعاراً رثائية مخصصة في استشهاد الحسين عليه السلام ونفر من أهل بيته وأصحابه في واقعة الطف، ولكن إدراجها مع قصائد الرثاء الأخرى لا يعطيها ذلك التخصص والأهمية التي يجب أن تـأخذها بوصفها قصائد لها امتيازات فنية وموضوعية معينة لا تمتلكها في كثير من الأحيان قصائد الرثاء الأخرى على الرغم من اشتراكها بالتفجع والرثاء على الشخص المرثي.

وهذا الأمر يصدق أيضاً على الأمر الأول، أي ترتيب تلك القصائد على أساس القافية فهو لا يعطيها تلك الأهمية ولا ذاك التخصص والامتياز على الرغم من أنه سمت علمي ومعمول به أكاديمياً.

ثالثاً: عنونة هذه القصائد بـ(العلويات)، وواضح أنَّ هذا العنوان لا يتوافق مع ما اندرج تحته، فالذي يتبادر إلى الذهن فور سماع هذا العنوان هو أنه ستكون تحته الأشعار أو القصائد التي قالها الشاعر في حب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والمتضمنة وصفاً لمآثره وبطولاته التي حفل بها سجله التاريخي كما هو الحال في (القصائد العلويات) لابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 هـ)([6]).

ولكن جامع ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي أشفع العنوان بتعريف له بقوله: "وهي قصائده في رثاء الحسين بن علي وبقية الشهداء (عليهم السلام)..."([7]).

ولنا هنا ان نتساءل عن سبب وضع هذا العنوان لهذه القصائد ؟ ألم يشعر جامع الديوان بهذه المفارقة؟ أما كان الأوفق لو وسمها بـ(الحسينيات) نسبة إلى الحسين عليه السلام، وهذا ما له دلالة بينة على محتواه؟

بدءاً نقول إنَّ جامع الديوان هو الأديب الشيخ محمد علي اليعقوبي الذي جمع وحقق كثيراً من دواوين حقبة القرن الثامن عشر والتاسع عشر قد أفرد هذه القصائد اعتزازاً منه بها، وتقديراً فنياً لها فعزلها عن مراثي الشاعر الأخرى، ومن ثمَّ لم تكن عنونته لها من دون قصد مسبق، وشعوره بالمفارقة وراء نسبة الحسين عليه السلام إلى أبيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في تعريفه (العلويات).

أما مصطلح العلويات فيرجع إلى لفظة (علوي) الذي يطلق على الشخص المخلص في حبه وانتمائه إلى الإمام علي ولفاطمة الزهراء(عليهما السلام) أو المنتسب إليهما، وما الحسين عليه السلام إلا ممثل عنهما وامتداد حقيقي لهما، لذا كانت تسمية اليعقوبي لهذه القصائد بـ(العلويات) من هذا المنطلق لكنَّه أحسَّ بالمفارقة التي تحدث في نفس القارئ فوضع تعريفاً لها كي يذهب الالتباس عنه.
وهذا الافتراض مقبول لو لم يقم الشاعر نفسه أو أقرانه من شعراء أو أدباء في تلك الحقبة بإطلاق هذا المصطلح على هذه القصائد ووصوله إلى جامع الديوان ومع ذلك فإنَّ الافتراضين يعودان إلى منطلق واحد كما أوضحنا.

أما مصطلح (الحسينيات) فإنه مصطلح معروف متداول، ولكن لا على أمور الشعر وإنما على الأماكن الخاصة التي يقام فيها مجالس العزاء على أبي عبد الله عليه السلام ويقدم فيها الأكل والشرب والضيافة للزائرين فضلاً عن كونها جوامع تقام فيها الصلاة، ولتعانق هذا المصطلح مع هذه الأمور يصعب أن تنتقل دلالته إلى أمر آخر هو الشعر، وعلى الرغم من استقطاب بعض هذه الحسينيات للمهرجانات الشعرية التي كانت تقام في المناسبات الدينية الخاصة في عاشوراء وغيرها.

وتجدر الإشارة إلى إطلاق الشيخ محسن (أبو الحب) الكبير (ت 1305 هـ) وهو أحد شعراء كربلاء وخطبائها البارزين في حقبته على ديوان شعره تسمية (الحائريات)([8]) "يكاد يكون كله في رثاء الحسين وآل الحسين عليهم السلام"([9]). والحائريات هو المكان الذي حار فيه الماء أي توقف وتجمع عندما فتح لإغراق قبر الحسين عليه السلام في زمن المتوكل العباسي([10]) وأصبح كل من ينزل قرب مرقد الحسـين عليه السلام ينعت بالحائري، وهكذا نعت بيت (أبو الحب) بالحائري([11]).

ومهما يكن من أمر فإنَّ واقعة الطف كانت المحرك الأساسي والباعث الرئيس في إثارة الشعراء منذ حلولها إلى الآن، ومن ثمَّ لو وصفنا ما قيل من قصائد وأشعار في هذه الواقعة بـ(الطفيات) لكان أعلق بالموضوع وأكثر ارتباطاً به من غيره من المصطلحات أو المسميات.

ولا ريب أنَّ مصطلح (شعراء الطف) أو (أدب الطف) وما جاء على شاكلتها كلها مؤدية للغرض المرجو ولكن هذا المصطلح الذي آثرناه بهذا الوزن له جذوره ومقارباته، فقد جاء على نسق من (هاشميات) الكميت، و(خمريات) أبي نواس، و(زهديات) أبي العتاهية، و(سيفيات) المتنبي و(كافورياته)، و(روميات) أبي فراس، و(حجازيات) الشريف الرضي، و(لزوميات) أبي العلاء المعري وغيرها مما تحفظه الذاكرة الأدبية.

بقي أن نعرج على مسألتين مهمتين الاولى: هي أن هناك من ذهب إلى وصف تلك القصائد أو الأشعار بانتسابها إلى الإمام الحسين عليه السلام، ولكنه يضطر إلى تـأنيث اسم الحسين للنسبة فنجد: (القصائد الحسينية) أو (القصيدة الحسينية) أو (المراثي الحسينية)، ونعت بعضهم قصائد الشاعر الحسيني الشعبي كاظم منظور الكربلائي بـ(المنظورات الحسينية)([12])، وهذه المسميات كسابقتها ذات دلالة وافية ولكنها تحمل الإشكالات السابقة التي أوضحناها.

اما المسالة الثانية ان هناك من أدرج هذه القصائد تحت مصطلح (المدائح النبوية)، ولم يذكر مطلق المصطلح وهو الدكتور زكي مبارك طبيعة العلاقة بين المدائح النبوية التي خصت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء كما نعتها هو، بل لم يذكر طبيعة العلاقة بين المدائح النبوية وبين القصائد التي خصت أهل البيت عليهم السلام كـ(هاشميات) الكميت وتائية دعبل الخزاعي او تلك التي خصت احد رجالات أهل البيت وهو زين العابدين عليه السلام في قصيدة الفرزدق الشهيرة.

فكان مصطلحه عام ادخل فيه ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ولعله انطلق من فكرة ان أي أدب تعلق بأهل البيت بالضرورة يتعلق بالرسول الكريم.

ولكن التناقض حاصل بين ما اشترطه الدكتور زكي مبارك وبين هذه القصائد؛ فهو قد حدد طبيعة قصيدة المدح النبوي وميزها من الرثاء بقوله معللا: "لان الرثاء يقصد به إعلان التحزن والتفجع،على حين لا يراد بالمدائح النبوية الا التقرب إلى الله بنشر محاسن الدين، والثناء على شمائل الرسول. صلى الله عليه وآله وسلم"([13])وهذا الأمر يتناقض مع القصائد التي اختارها كتائية دعبل الخزاعي في رثاء أهل البيت التي قال عنها الدكتور مبارك "وأهمية هذه القصيدة ترجع إلى ما فيها من التحزن والتفجع، وهي لذلك خير ما قيل في الانتصار لأهل البيت،.."([14]) وقال في الشريف الرضي انه "لم يظهر توجع الشريف على أهل البيت ظهورا قويا الا في قصائده التي بكى بها الحسين،.."([15]) وقال في موضع آخر مشيرا إلى حرص "الشريف على إحياء يوم عاشوراء من كل عام بقصيدة يبكي فيها الحسين".([16])

 إذا هي قصائد رثاء وفيها توجع وتحزن وبكاء بشهادته هو؛ فكيف تكون في الوقت نفسه مدائح نبوية؟

فالذي يقرأ هذا المصطلح لا يتبادر إلى ذهنه انه سيجد قصائد رثائية في أهل البيت وانما يجد قصائد في حب الرسول ورجاء شفاعته وما تحلى به من أخلاق وما قام به من أعمال وما اشتمل عليه من حسن السيرة وبهاء الطلعة وغير ذلك مما تعلق بشخصية الرسول وسيرته العطرة التي حفلت بها المدائح النبوية وسجلها الباحثون تحت هذه التسمية.([17])

لذا فان من يقرأ بتمعن كتاب المدائح النبوية للدكتور زكي مبارك سيجد ان هذه القصائد المتعلقة بأهل البيت مقحمة في هذا المصطلح وطارئة عليه، فليس لها علاقة من حيث الموضوع بالمدائح النبوية المعروفة في الأدب العربي وان تلمس الدكتور زكي مبارك هذه العلاقة وجعلها في الصدق والوفاء والتصوف. ([18])

ويمكن تعليل ما ذهب إليه الدكتور بأمرين محتملين الأول: انه أراد من القارئ ان يطلع على نمط من القصائد لم يتح له الإطلاع عليها لسبب او لآخر فأراد ان يجلب النظر إليها بتسليط الضوء عليها، ولم يجد طريقة أفضل من نعتها بـ(المدائح النبوية) فهذا المصطلح يجعلها في غطاء يمرَّر على القارئ العادي والا فهي عند الناقد المتخصص قصائد رثاء وشعراؤها معروفون بوجهة انتمائهم؛ اما الثاني: هو ان المصريين كانوا يحتفلون من كل عام بيوم عاشوراء([19]) لذا لم يجد الدكتور مبارك أمرا مستغربا لو نعت هذه القصائد بالمدائح على طريقة أهل مصر والا فهو احتفال تأبين بلا شك.

وأخيراً تبقى مسألة إطلاق المصطلح وتحديده مسألة مهمة، ولكن الأهم منها هو أن يأخذ هذا المصطلح اعني (الطفيات) مجراه في حقله حتى يصبح ظاهرة لا يمكن تجاوزها، وذلك يتم باستعمال عدد من الباحثين والأدباء هذا المصطلح وتركيزه في الذاكرة الأدبية حتى لا ينسى أو يهمل، هذا طبعاً إذا استسيغ وتقبل بقبول حسن، وإلا فباب المترادفات لا يغلق.

 



([1]) ينظر / معجم البلدان: 4 / 35 – 36، ولسان العرب: 9 / 221، وتاج العروس: 6 / 182، ومجمع البحرين: 3 / 52.
([2]) لسان العرب: 9 / 221.
([3]) م. ن، ومجمع البحرين: 3 / 52.
([4]) معجم البلدان: 4 / 35 – 36، وينظر / لسان العرب وتاج العروس ومجمع البحرين في المواطن المتقدمة وقد أشارت جميعها إلى استشهاد أو مقتل الحسين عليه السلام في هذه الأرض.
([5]) تنظر قائمة المصادر والمراجع في التعريف بدواوين الشعراء ومحققيها.
([6]) الروضة المختارة المتضمن شرحي: الهاشميات للكميت والعلويات السبع لابن أبي الحديد المعتزلي.
([7]) ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي: 15.
([8]) معجم خطباء كربلاء: 245، وتاريخ الحركة العلمية في كربلاء: 236، وتراث كربلاء: 155، والأمر المثير للانتباه عدم تعريج محقق ديوانه إلى هذا الأمر على الرغم من اشتهاره.
([9]) ديوان الشيخ محسن أبو الحب الكبير: 17 – 18.
([10]) ينظر مقاتل الطالبيين: 395ـ396.
([11]) ديوان الشيخ محسن أبو الحب الكبير: 7، وتاريخ الحركة العلمية في كربلاء: 236.
([12]) تنظر بطاقة الكتاب في ثبت المصادر والمراجع.
([13]) المدائح النبوية في الأدب العربي: 11.
([14]) م.ن: 103.
([15]) م.ن: 109.
([16]) م.ن: 49.
([17]) ينظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب: المدائح النبوية في أدب القرنين السادس والسابع للهجرة للدكتور ناظم رشيد.
([18]) ينظر: المدائح النبوية في الأدب العربي:41، 59، 109.
([19]) ينظر: م.ن: 49.وفيها أشار الدكتور إلى ان أهل الريف في مصر يحتفلون بذلك اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ احتفالهم بعيد الأضحى من حيث التوسع في المطاعم. وفي مصر نوع من الحلوى اسمه عاشوراء يؤكل في ذلك اليوم ويتخيره ناس للفطور.....وفي الصفحة التي قبلها أشار إلى رؤيته موكب النوح على الحسين عليه السلام في القاهرة اذ كان الشيعة يطوفون حول مسجد الحسن عليه السلام وأجسامهم مخضبة بالدماء، ورأى الناس يبكون ويصرخون وهم يسمعون سيرة الحسين في ليلة عاشوراء.

إرسال تعليق