طريقتان للنجاة من فتن آخر الزمان وأخطاره

بقلم: الشيخ وسام البلداوي
لم يكتف أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ببيان العلة والداء حتى وضعوا له الدواء، فهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد بينوا في أحاديثهم الشريفة كثيراً من علل آخر الزمان ومطباته وفتنه تنبيها لشيعتهم ومحبيهم من مخاطر تلك الأيام والأعوام، ولكن فضلهم ورحمتهم المستمدة من رحمة الله سبحانه وشفقتهم على شيعتهم لم تجعلهم يكتفون ببيان تلك الفتن والمصاعب والشدائد العظام حتى أخذوا سلام الله عليهم على عاتقهم بيان الموقف الشرعي الذي يجب أن يتخذ في حال هجوم الفتن على المجتمع المؤمن الموالي للإمام المهدي عليه السلام، والذي من خلاله يمكن للفرد الموالي أن يبرىء ذمته أمام الله سبحانه وتعالى وينجو بنفسه ودينه من الفتنة والامتحان وينجح في الاختبار.
ويمكن لنا أن نجد عدة من الوصايا التي صدرت من الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بهذا الخـصـوص نخـتـار مـنـهـا مـا يأتي:

  أولا:   الحث على الدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وطلب النجاة من هذه الفتن التي لا ينجو منها إلا من ثبته الله سبحانه على الهدى والإيمان، وقد وردت الروايات بدعاء مخصوص يدعى به في زمن الغيبة يؤثر في تثبيت المؤمن على الطريق الحق وهو ما يسمى بدعاء الغريق، فعن عبد الله بن سنان قال دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه فقال:
«كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علماً يرى ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، فقال له أبي إذا وقع هذا فكيف نصنع؟ فقال أما أنت فلا تدركه، فإذا كان ذلك فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر» (راجع كتاب الغيبة للنعماني: ص161. معجم أحاديث الإمام المهدي للشيخ الكوراني: ج3/ ص399).
ودعاء الغريق كما روي عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:«ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: وكيف دعاء الغريق؟ قال: تقول يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك. فقال عليه السلام: إن الله عز وجل مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
وفي هذا الدعاء ميزتان مهمتان الأولى هي انه لا يقبل الزيادة ولا النقيصة لذلك نرى الإمام عليه السلام حينما سمع الراوي زاد من عنده كلمة الأبصار وقال: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» نهاه عن الزيادة وأمره بان يلتزم حرفيا بالنص المحدد الذي هو: «يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
والذي يظهر لنا ان المفعول التام والغيبي للدعاء لا يؤتي ثمرته إلا بالالتزام الحرفي للكلمات المحدودة الواردة في الرواية، مثله مثل الدواء الذي لابد أن يؤخذ بجرعات محددة إذا زادت لا يؤدي غرضه ولا يكون لمفعوله أثر تام.
والميزة الثانية التي في هذا الدعاء، هو الاسم الذي أطلق عليه وهو (دعاء الغريق) وفيه تشبيه دقيق وعميق لحالة المؤمن في تلك الأيام العصيبة فهو كالغريق الذي فقد كل وسيلة له بالنجاة والتجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث القدسي عن الإمام الصادق عليه السلام حينما نقل مناجاة الله سبحانه لعيسى بن مريم عليه السلام توضيحاً لمعنى دعاء الغريق حيث قال الله سبحانه لعيسى: «يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث...».
وقد وردت رواية أخرى وفيها دعاء آخر يدعى به في عصر الغيبة يمكن أن يقي الإنسان المؤمن وينجيه من فتن آخر الزمان التي قلما يمكن الصمود أمامها كما عرفت ذلك من قبل، فعن زرارة بن أعين قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «لابد للغلام من غيبة، قلت ولم؟ قال: يخاف وأومأ بيده إلى بطنه، وهو المنتظر وهو الذي يشك الناس في ولادته فمنهم من يقول حمل ومنهم من يقول مات أبوه ولم يخلف، ومنهم من يقول ولد قبل موت أبيه بسنتين، قال زرارة: فقلت وما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان؟ قال عليه السلام: ادع الله بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك فانك إن لم تعرفني نبيك لم اعرفه قط، اللهم عرفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني» (راجع الكافي للشيخ الكليني: ج1/ ص342، باب في الغيبة الحديث رقم29).
وقد ورد هذا الدعاء بصيغة ثانية وهي: «اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فانك إن لم تعرفني رسولك لم اعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني» (راجع المصدر السابق الحديث رقم 5. وكمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ص342).

  ثانيا:   في حال حصول فتنة واضطراب اجتماعي أو عقائدي لابد للمؤمن أن يبقى على الاعتقاد القديم والموقف القديم الذي كان يعتقده قبل حصول الفتنة، لان الموقف القديم والاعتقاد القديم هو متيقن الصحة وما يصدر في زمن الفتنة هو مشكوك الصحة لا يدرى أهو حق أم باطل،فالعقل السليم والفطرة المستقيمة توجب على الإنسان أن يبقى على ما هو متيقن ولا ينقض يقينه بالشك، وبهذا الأمر العقلائي وردت نصوص روائية توجب على المكلف في عصر الغيبة الكبرى أن يبقى على ما هو عليه من الأمر القديم حتى يتبين له الحال، ومن هذه النصوص:

  ألف:   ما روي عن زرارة عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فقلت له: ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال عليه السلام: يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم» (راجع الإمامة والتبصرة لابن بابويه: ص125. كمال الدين وتمام النعمة: ص350).

  باء:   وعن عبد الله بن سنان قال دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله فقال صلوات الله وسلامه عليه: «كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علماً يرى ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، فقال له أبي إذا وقع هذا فكيف نصنع؟ فقال أما أنت فلا تدركه، فإذا كان ذلك فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر» (راجع كتاب الغيبة للنعماني: ص161. معجم أحاديث الإمام المهدي للشيخ الكوراني: ج3/ ص399).

  جيم:   عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة. قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم» (راجع كتاب الغيبة للنعماني: ص162. كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدق: ص349. بحار الأنوار للمجلسي: ج52/ ص134).

  دال:   وعن الإمام موسى بن جعفر صلوات الله وسلامه عليه قال: «إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلنكم عنها أحد، يا بني إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هو محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه...» (راجع الكافي للشيخ الكليني: ج1/ ص336. بحار الأنوار: ج51/ ص150).

  هاء:   عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا أصبحت وأمسيت لا ترى إماما تأتم به فأحبب من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض حتى يظهره الله عز وجل».

ويمكن لنا ونحن نعيش عصر الغيبة الكبرى، نرى الفتن تهجم علينا ساعة بعد ساعة ويضمحل فيها الإيمان في قلوب الناس يوما بعد يوم، أن نطبق هذه الأحاديث الشريفة على حياتنا، وننبه المؤمنين على عدم الإسراع بتصديق أصحاب الأهواء المستحدثة وأرباب البدع المضلة وقادة الرايات الضالة والبقاء على ما هم عليه والثبات على ذلك،لأننا قد رأينا بالتجربة إن كل تلكم الرايات سرعان ما خفت صوتها وانكشف أربابها واضمحلت أفكارها وهلك من اتبعها وسقط في الفتنة والامتحان من صدق بها.
أما ما هو الأمر الذي يجب أن نثبت عليه ونتمسك به؟ فهو الأمر الذي أسس أساسه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وخط نهجه الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو أمر السفارة والنيابة العامة والمرجعية الدينية التي سار عليها القدماء من علمائنا الأعلام منذ بدء الغيبة الكبرى إلى اليوم.
فلو علم أولئك الأعلام دينا ومذهبا وطريقة أهدى من هذه التي نحن عليها لاتبعوها، فمنهجهم إذا منهج متيقن الصحة، وما استحدث من الأفكار والآراء والرايات متيقن الخطأ أو لا اقل مشكوك الصحة فينبغي عقلا وشرعا التوقف عندها والرجوع إلى من أمرنا الله بالرجوع إليهم وأمرنا الإمام سلام الله عليه بالرجوع إليهم ألا وهم علماء الدين ورواة أحاديثهم في هذا العصر.
ثبتنا الله وجميع المؤمنين من فتن آخر الزمان وأخطاره آمين يا رب العالمين.

الصيحة التي ستسبق ظهور الإمام المهدي عليه السلام، ما هي؟ ومتى تقع؟ وما مضمونها؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي
  ان الصيحة من الأمور المحتومة  
لقد وردت روايات عديدة تؤكد على أن الصيحة شأنها شأن السفياني من الأمور الحتمية فعن أبي حمزة الثمالي قال: «إن أبا جعفر كان يقول: خروج السفياني من المحتوم والنداء من المحتوم» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص435).
وعن محمد بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه يقول: «اختلاف بني العباس من المحتوم والنداء من المحتوم وخروج القائم من المحتوم...» (كتاب الكافي للشيخ الكليني: ج8، ص310).

  محتوى الصيحة ومضمونها  
أما محتوى هذه الصيحة ومضمونها فهو كما صرحت به الروايات الشريفة، فعن أبي حمزة الثمالي عن الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «...ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كل قوم بألسنتهم: ألا إن الحق في علي وشيعته...» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص435).
وفي رواية ثانية قال صلوات الله وسلامه عليه: «ولا يخرج القائم حتى ينادى باسمه من جوف السماء... قلت: بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه، ألا إن فلان بن فلان قائم آل محمد فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا يسمع الصيحة» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص301).

  في أن الصيحة صيحتان صيحة حق وصيحة باطل  
وينبغي على المؤمن المنتظر أن يكون معلوما لديه، أن الصيحة المذكورة في الروايات الشريفة صيحتان، صيحة حق ينادي بها جبرائيل ــ عليه السلام ــ، بهدف إعلان وقت الظهور وتمهيد النفوس والأجواء لاستقبال هذا الحدث العظيم، وهي بشارة للمؤمنين وتطمينا لقلوبهم، والصيحة الأخرى باطلة، وهي صيحة ضلال، ينادي بها إبليس اللعين يهدف من خلالها بث الشك في قلوب أوليائه، وإبطال تأثير صيحة جبرائيل، والتعمية والتشويش على محتوى الصيحة الحقة التي ينادي بها جبرائيل ومضمونها، فعن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «قلت: وكيف يكون النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كل قوم بألسنتهم: ألا إن الحق في علي وشيعته. ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا إن الحق في عثمان وشيعته فعند ذلك يرتاب المبطلون» (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص435).
وعن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله صلوات الله وسلامه عليه يقول: «هما صيحتان صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس فقلت: وكيف تعرف هذه من هذه؟ فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص273 – 274).
وعن زرارة عن أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قال: «ينادي مناد باسم القائم عليه السلام، قلت: خاص أو عام؟ قال: عام يسمع كل قوم بلسانهم، قلت: فمن يخالف القائم عليه السلام وقد نودي باسمه؟ قال: لا يدعهم إبليس حتى ينادي في آخر الليل ويشكك الناس» (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص650 – 651).
وعن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «صوت جبرائيل من السماء، وصوت إبليس من الأرض، فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير أن تفتتنوا به» (المصدر السابق: ص652).

  كيف نميز بين صيحة الحق وصيحة الباطل؟  
يتبين لنا من تلك الروايات السالفة الذكر أن بين كلتا الصيحتين الحقة والباطلة عدة فروق تتميز كل واحدة منهما عن الأخرى، وهذه الفروق كما بينت على لسان الروايات هي:

  الفرق الأول:  
ان على المؤمنين إتباع الصيحة الأولى دون الثانية؛ لان جبرائيل هو الذي سيبدأ بالصيحة، وكردّة فعل من قبل اللعين إبليس تصدر منه الصيحة الثانية.
ولو فرضنا جدلا ان إبليس اللعين، وزيادة منه في الإغواء والشيطنة، أراد أن يبتدئ بالصيحة الباطلة، فان الفرق الثاني هو الذي سيكشف بطلان دعوته وصيحته.

  الفرق الثاني  
المضمون للصيحة الباطلة سيكون عبارة عن الدعوة لبني أمية وباطلهم، أو الدعوة إلى نصرة السفياني وفتنته، وهو مروي عن الصادق صلوات الله وسلامه عليه حيث قال: «ثم ينادي إبليس ــ لعنه الله ــ في آخر النهار: ألا إن الحق في السفياني وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون» (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص652، الباب السابع والخمسون علامات خروج القائم).
ولا تنافي بين ندائه باسم عثمان وبين ندائه باسم السفياني؛ لأنه، وكما عرفنا سابقا، فان نسب السفياني يرجع إلى بني أمية كما ان نسب عثمان يرجع إلى بني أمية، أيضا، وبحسب الظاهر يوجد تشابه وثيق فيما بين السفياني وعثمان ليس هاهنا محل بيانه.
وعليه؛ فحتى لو ابتدأ بالصيحة قبل جبرائيل عليه السلام، فيمكن مع ذلك تمييز الصيحة الحقة من المبطلة، بالمضمون الذي ستحتوي عليه كلتا الصيحتين، فصيحة جبرائيل هي صيحة حق لدعوتها إلى أمر صحيح ثابت الأحقية، وان المنادي بها ملك معصوم لا يصدر منه إلا الحق، والصيحة الثانية هي باطل لصدورها من موجود باطل، لا يصدر منه إلا الفساد والباطل، وهو إبليس عليه اللعنة، وأيضا هي باطلة لاحتوائها على أمر باطل.

  الفرق الثالث  
ان موعد كلتا الصيحتين سواء الحقة منها أو الباطلة سيكون في شهر رمضان وبالتحديد في اليوم الثالث والعشرين منه، ولكن الاختلاف في الروايات وقع أليلا ستقع الصيحة أم نهارا؟ فمن الروايات ما نص على أن الصيحة أو النداء سيكون وقوعها نهار ذلك اليوم، كما في الرواية التي عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: «كيف يكون ذلك النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن الحق في علي وشيعته، ثم ينادي إبليس لعنه الله في آخر النهار: ألا إن الحق في السفياني وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون» (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص652).
ومن الروايات ما نصت على أن الصيحة أو النداء يكون في ليلة اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان، وان هذه الليلة ستصادف ليلة يوم الجمعة، فعن أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قال: «الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان» (المصدر السابق: ص250).
وفي روايات أخرى ان الصيحة ستقع في نهار ذلك اليوم، وكذلك في الليل، كما في الرواية التي عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله صلوات الله وسلامه عليه يقول: «هما صيحتان: صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس فقلت: وكيف تعرف هذه من هذه؟ فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص273 – 274).
وهذا الاختلاف في تحديد الموعد الدقيق للصيحة والنداء ناتج عن ان أصل وجود الصيحة هو من المحتوم الذي لا يتخلف ان شاء الله، كما عرفنا ذلك من قبل، ولكن موعدها خاضع لقانون المحو والإثبات فيمكن أن يكون نهارا، ويمكن أن يكون ليلا، ويمكن أن يكون غير ذلك، بحسب الحكمة والمصلحة التي هي في علم الله سبحانه.
أو ربما تكون الصيحة والنداء صيحتين أو ثلاثاً ولان المضمون واحد والمحتوى نفسه، عدت واحدة في بعض الروايات، وعدت أكثر من واحدة في روايات أخرى.
وسواء كانت الصيحة والنداء نهارا أو ليلا، أو كانت واحدة أو أكثر، كل ذلك لا يهم بعد أن بينا من قبل ان الضروري على كل المؤمنين هو التوجه والانتباه إلى مضمون تلك الصيحة ومحتواها، فإن ذلك المضمون والمحتوى هو الذي سيحدد كون تلك الصيحة هي صيحة جبرائيل التي هي صيحة الحق والبشرى، أو أنها صيحة إبليس الباطلة الضالة.

  الصيحة بعد السفياني بشهرين وقبل الظهور بخمسة أشهر  
ذكرت بعض الروايات بان السفياني عليه اللعنة سيخرج في شهر رجب، والصيحة والنداء يكونان في شهر رمضان، أي بعد شهرين تقريبا، وفي شهر محرم الحرام وفي يومه العاشر سيخرج الإمام المهدي أرواحنا فداه، أي بعد سبعة أشهر من خروج السفياني، وخمسة أشهر من الصيحة، وهي فترة قصيرة في نظر العقلاء، بحيث يمكن ان يقال: إنّ هنالك اتصالا قريبا جدا بين كل من السفياني والصيحة والمهدي صلوات الله وسلامه عليه، لذلك شُبهت هذه الأحداث بالخرز التي تتبع إحداها الأخرى حين سقوطها، فعن الإمام أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه انه قيل له: «ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى، قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء. فقلت: جعلت فداك، أخاف أن يطول هذا الأمر؟ فقال: لا، إنما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص273 – 274).

  إمكان مشاهدة الإمام عليه السلام بعد الصيحة والسفياني  
ان بعد هاتين العلامتين ووقوعهما خارجاً سيتحقق عصر الظهور المقدس، أو بمعنى آخر؛ أن الصيحة والسفياني سيكونان علامة من علامات بدء الظهور، الذي سيكون سريعاً جداً، وفي هذه المدة سيتكرر ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه للعيان وفي مناطق مختلفة ولأشخاص مختلفين حسب الحاجة والحكمة.
وهذا الظهور والاتصال بالآخرين لا يتعارض مع توقيع الشيخ السمري والذي ينص على القول: (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وذلك لان المانع من المشاهدة قبل الصيحة والسفياني، هو تعارض مثل هذه المشاهدة مع مفهوم الغيبة التامة الكبرى، وهذا التعارض لا يصبح له معنى بعد ظهور السفياني، ونداء جبرائيل باسمه صلوات الله وسلامه عليه.
وذلك لأن بعد الصيحة والسفياني تنتهي مرحلة الغيبة التامة المطلقة، وتبدأ أول مقدمات مرحلة الظهور المقدس، فلا ضرر يذكر في انكشاف أمر المهدي صلوات الله وسلامه عليه ودعوته حينئذ، لان إرهاصات خروجه صلوات الله وسلامه عليه وظهوره ستبين للعيان وتتضح عند كل إنسان، واكبر إرهاص يكون فيه تصريح واضح بخروجه صلوات الله وسلامه عليه هو الصيحة التي ستكشف أمر قيامه كشفا عاما حتى عند غير المسلمين، بحيث يفهمه كل الناس مهما كانت لغتهم، كما مر توضيحه من قبل على لسان الروايات الشريفة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين.

السفياني، من هو؟ وأين يخرج؟ وكم يحكم؟ وما هو موقفنا منه؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي
لقد تحدثت الروايات الشريفة عن شخصية السفياني بشكل مفصل، وقد احتلت هذه الشخصية مساحة أكثر واهتمام أعظم من باقي الشخصيات التي ستسبق خروج الإمام المهدي عليه السلام، أو التي ستتزامن مع خروجه عليه السلام، ولعل السبب في حظوته بهذا الكم الكبير من الأحاديث هو الدور الخطير الذي سيلعبه حينما يظهر، والذي سنعرف بعضه فيما يأتي:

  إن خروج السفياني لعنه الله من المحتوم  
صرح عدد كبير من الروايات الشريفة بان السفياني وخروجه وحركته هي من قبيل الأمور المحتومة ــ والأمر المحتوم هو الذي لا يمكن إسقاطه ويكون حتمي الوقوع ــ، ويدل على حتميته رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن من الأمور أمورا موقوفة وأمورا محتومة، وإن السفياني من المحتوم الذي لابد منه» (راجع كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص313).
وكذلك رواية حمران بن أعين انه قال للإمام أبي جعفر الباقر صلوات الله وسلامه عليه: «إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف فقال أبو جعفر عليه السلام: لا والله إنه لمن المحتوم» (راجع كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص312 ــ 313).
وقد جاء التعبير في بعض الروايات بان الإخبار بخروج السفياني هو من قبيل الوعد الإلهي والله سبحانه لا يخلف الميعاد، وفي بعض الروايات جاء التصريح بأنه لا يكون قائم إلا بسفياني فعن الإمام علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليه قال: «إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني» (راجع قرب الإسناد للحميري القمي: ص374. بحار الأنوار للمجلسي: ج52، ص182. مسند الإمام الرضا للشيخ عزيز الله عطاردي: ج1، ص217).

  في نسب السفياني عليه اللعنة ومحل خروجه وأوصافه  
ذكرت الروايات الشريفة أنّ السفياني منحدر من نسل أموي وبالتحديد من أولاد أبي سفيان لعنه الله والد معاوية وجد يزيد لعنهما الله، وقد صرحت الروايات أيضا بأن هندا آكلة الأكباد هي جدته، ويكون خروجه من الشام من ارض سميت في الروايات الشريفة بالوادي اليابس.
أما ملامحه وأوصافه البدنية فهو رجل ربعة أي لا بالطويل ولا بالقصير معتدل الطول ومتوسطه، وفي بعض الروايات وحش الوجه والوحش هو الرديء من كل شيء فيصبح المعنى ان السفياني رديء الشكل قبيح المنظر، ولعل وصفه بوحش الوجه جاء بسبب ان علامات الوحشية والقسوة بادية على وجهه بحيث لا تخفى على من يراه، أو لعل المعنى هو ان من يراه يستوحش منه ولا يستأنس بمشاهدته ولقياه.
ومن أوصافه أيضا انه ضخم الهامة بوجهه اثر جدري والظاهر ان هذا الأثر جاءه نتيجة إصابته بهذا المرض قبل أيام ظهوره المشؤوم، أو لعل تلك الآثار جاءت نتيجة تشوه في الخلقة قبل الولادة أو بعدها، ومن أوصافه أيضا ان في إحدى عينيه خللا بحيث من يشاهده يحسبه اعور العين، وقد روي عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه انه قال: «قال أبي صلوات الله وسلامه عليه قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس وهو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر جدري إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان وأبوه عنبسة، وهو من ولد أبي سفيان» (راجع كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص651).
وعن عثمان عن عمر بن يزيد قال: قال لي أبو عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه: «إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس» (نفس المصدر السابق).

  أسمه ومدة حكمه المشؤوم  
أما اسمه فقد ذكرت بعض الروايات ان اسمه هو عثمان بن عنبسة كما مر في الرواية السابقة، ولكننا نجد في روايات أخرى حينما يُسأل الإمام صلوات الله وسلامه عليه عن اسم السفياني فانه لا يعير لاسمه أي أهمية ويطلب من السائل التركيز على مواصفات أخرى وميزات ثانية تعرف من خلالها شخصية السفياني، ولعل عدم الاكتراث لتبيان اسمه ناتج عن ان السفياني ربما سيتخذ اسما آخر يختفي وراءه ويستتر به فيكون التركيز على الاسم وتبيانه لغوا.
فالمهم ان نعرف باقي ميزاته التي بها يمكن تشخيصه، والتي منها ان السفياني سيحكم خمس مناطق متجاورة وهي التي عبرت عنها الروايات بالكور الخمس، وان مدة حكمه وبقائه في السلطة سيدوم ثمانية أشهر لا يزيد عليها يوما واحدا فعن عبد الله بن أبي منصور البجلي قال: سألت أبا عبد الله صلوات الله وسلامه عليه عن اسم السفياني فقال: «وما تصنع باسمه، إذا ملك كور الشام الخمس دمشق، وحمص، وفلسطين، و الأردن، وقنسرين فتوقعوا عند ذلك الفرج، قلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: لا ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوما» (راجع كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق:ص651 -652).
وفي رواية أخرى يوجد تفصيل أكثر وفيها زيادة في مدة حكمه وهي التي عن عيسى بن أعين عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «... ومن أول خروجه إلى آخره خمسة عشر شهرا، ستة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوما» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص310).
ولا تعارض في ما بين الروايتين الأولى والثانية لاحتمال ان الرواية الأولى تتكلم عن مدة حكمه الفعلي، بينما الثانية تتحدث عن ثمانية أشهر التي هي مدة حكمه بإضافة شهر يكون بعد سقوط ملكه فيه بقايا آثار فتنته، شأنه في ذلك شأن كل الدول أو الحكومات التي يتم الإطاحة بها فان بعض آثارها تستمر حتى بعد الإطاحة بها ولفترة تطول أو تقصر، ولعل الرواية التالية عن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه توضح هذا التفسير والجمع بين الروايتين حيث يقول: «... وإنما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر ولا يجوزها إن شاء الله» (المصدر السابق: ص312). وفي قوله (وإنما فتنته) دلالة واضحة على ان فترة التسعة أشهر هي مدة حكمه بإضافة ما يستتبعها من آثار سيئة.
وتعليق مدة حكم السفياني بالإشاءة الإلهية في قول الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه: (لا يجوزها إن شاء الله) دليل على ان فترة التسعة أشهر هي أيضا فترة غير نهائية وغير مجزوم بها على نحو القطع فلربما زادت مدة حكمه وما يستتبعها من فتن على التسعة أشهر وربما نقصت، وهذه الزيادة والنقصان تابعة للظروف الموضوعية التي ستحيط بحركة السفياني والتي سيكون لوح المحو والإثبات كفيلا بتحديدها قال سبحانه: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (سورة الرعد، الآية: 39).
فيتضح لنا مما سبق ان أصل خروج السفياني حتمي الوقوع لذلك وصف بأنه من المحتوم أما مدة حكمه فهي قابلة للزيادة والنقصان لذلك علقت على المشيئة الإلهية.

  في تحديد توجهاته الدينية  
والسفياني كما هو الظاهر من الروايات شخص ليس بمسلم أو انه مسلم ولكن لديه توجهات صليبية لا تتماشى مع الإسلام وهذا هو المستظهر من قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «وخروج السفياني براية خضراء وصليب من ذهب» (مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي: ص199).
وعن بشير بن غالب قال: (يقبل السفياني من بلاد الروم منتصرا في عنقه صليب وهو صاحب القوم) (كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص463).
ولو قلنا بإسلام السفياني الملعون فان إسلامه شكلي وهو من الذين لا يعترفون بأحكام الله ولا يؤدون فروضه فعن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه قال: «السفياني... لم يعبد الله قط ولم ير مكة ولا المدينة قط» (بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج52، ص254).

  في انه يخرج قبل الإمام المهدي عليه السلام بستة أشهر  
وأما وقت خروجه المشؤوم فقد حدد في الروايات الشريفة بأنه سيقع في شهر رجب فعن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «إن أمر السفياني من الأمر المحتوم وخروجه في رجب» (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص650).
والسفياني كما صرحت به بعض الروايات الشريفة يخرج في نفس السنة التي يخرج فيها الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، فعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله وسلامه عليهما أنه قال: «السفياني والقائم في سنة واحدة» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص275).
ويكون خروج السفياني الملعون كما بينا سابقا في شهر رجب، وأما خروج الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه فيكون في شهر محرم فعن أبي بصير قال: قال أبو جعفر صلوات الله وسلامه عليه: «يخرج القائم عليه السلام يوم السبت يوم عاشورا اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام» (كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ص654).
أي ان بينه صلوات الله وسلامه عليه وبين ذلك الملعون ستة أشهر.

  في الحروب التي سيخوضها ومدى حقده على الشيعة  
والسفياني يكون في بداية أمره مشغولا في حروب طاحنة لأجل السيطرة على الكور الخمس التي ذكرناها من قبل، فيكون من بداية ظهوره إلى مدة شهر أو شهرين مشغولا عن أتباع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بغيرهم، فيقتل في سبيل السيطرة على الحكم خلقا كثيرا من غير الشيعة، ولكنه لعنه الله ما ان يستقر حكمه ويحكم القبضة على الكور الخمس يتوجه إلى الشيعة بالإبادة والاستئصال، حتى لا يكون له هم غير قتل أتباع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفنائهم فعن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه انه قال: «وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم... فإن حنقه وشرهه فإنما هي على شيعتنا» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص311).
وقوله عليه السلام: (وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم) معناه ان الوقائع التي ستقع ما بينه وبين أعدائه من غير أتباع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ستصب من ثم في مصلحة الموالين لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لان كل نقص يصابون به في الأنفس والأموال يعد ربحا ولان اختلافهم وتنازعهم خير من اجتماع بعضهم مع البعض الآخر ضد الحق وأهله.
أما قوله عليه السلام: (وهو من العلامات لكم) فمعناه ان السفياني وخروجه من الدلائل والعلامات التي تستدلون بها على قرب الفرج وظهور الإمام صلوات الله وسلامه عليه
وعن أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «كأني بالسفياني أو صاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة فنادى مناديه من جاء برأس رجل من شيعة علي فله ألف درهم فيثب الجار على جاره يقول هذا منهم فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم» (الغيبة للشيخ الطوسي: ص450).

  خروج الخراساني واليماني في نفس السنة في نفس الشهر في نفس اليوم  
والسفياني لا يخرج حتى يخرج معه شخصان هما:

  أولا: اليماني  
وهو من ارض اليمن وبالتحديد من مدينة صنعاء، فعن عبيد بن زرارة قال: «ذكر عند أبي عبد الله ـــ عليه السلام ـــ السفياني فقال: أنى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء» (راجع كتاب الغيبة للشيخ النعماني: ص286، الباب 14، ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم، الحديث رقم 60).

  ثانيا: الخراساني  
الذي هو من أرض خراسان في أرض إيران، فعن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: «خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق» (المصدر السابق: ص446).
وعن الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه قال: «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة وفي شهر واحد وفي يوم واحد ونظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه...» (بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج52، ص232).
وبناءً على هذه الأحاديث فإن خروج اليماني والخراساني يكون مقترنا بخروج السفياني ومن يدعي كونه اليماني أو الخراساني من أرباب رايات الضلال في وقتنا هذا وفي غيره يكذبهم كون السفياني غير موجود قطعا ولو كانوا محقين في دعواهم للزم عليهم أولا إثبات وجود السفياني وانه حاكم حاليا للكور الخمس وغير ذلك مما أثبتته الروايات سابقا ودون إثبات ذلك خرط القتاد، أو يلزمهم تكذيب هذه الروايات الصحيحة والتي بإنكارها وتكذيبها الكفر الصريح، فإذا لم يفعلوا هذا ولا ذاك لزمنا وجميع الناس تكذيبهم وتسخيف أقوالهم والوقوف بوجه انحرافاتهم حتى لا تأخذهم العزة بالإثم ويتمادوا في غيهم.

  توصيات يمكن أن تنجيك من فتنة السفياني  
ولصعوبة فتنة السفياني الملعون وشدتها على شيعة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومحبيهم صدرت عدة توصيات من قبل الأئمة عليهم السلام يجب على من يريد النجاة من تلك الفتنة أن يتبعها وهي التي جاء ذكرها في رواية الإمام الباقر عليه السلام: «أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال: يتغيب الرجل منكم عنه، فإن حنقه وشرهه فإنما هي على شيعتنا وأما النساء فليس عليهن بأس إن شاء الله تعالى. قيل: فإلى أين يخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال: من أراد منهم أن يخرج، يخرج إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان، ثم قال: ما تصنعون بالمدينة، وإنما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكة فإنها مجمعكم، وإنما فتنته حمل امرأة: تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله» (كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص311 – 312).
أقول: الظاهر ان مدة الشهر والشهرين التي يكون فيها السفياني مشغولا عن الشيعة كافية لمعرفة أمره وكشف حقيقته وانه هو السفياني الذي جاء ذكره في الروايات الشريفة وعليه يكون الوقت كافيا للخروج من الكوفة أو المدن التي سيدخلها وتغييب الوجه عنه وعن جيشه.
والحمد لله رب لعالمين والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته الطاهرين.

كيف نميز رايات الضلالة من رايات الهدى في عصر الغيبة الكبرى؟

بقلم: الشيخ وسام البلداوي
ذكرت الروايات الشريفة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام خروج اثنتا عشر راية ضالة قبل قيام الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، منها ما روي عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد الله ــ الصادق عليه لسلام ــ يقول: «إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم ولتمحصن حتى يقال مات، قتل، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي، قال فبكيت ثم قلت: كيف نصنع؟ قال فنظر عليه لسلام إلى الشمس داخلة في الصفة فقال عليه لسلام: يا أبا عبد الله ترى الشمس؟ قلت نعم، قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس» «راجع أصول الكافي للشيخ الكليني: ج1/ ص336، باب الغيبة الحديث الثالث. بحار الأنوار للمجلسي: ج52/ ص281. مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج2/ ص160).

  خوف الأئمة عليهم السلام على أتباعهم من أصحاب هذه الرايات  
كان الأئمة سلام الله عليهم يعلمون بتعليم من الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن كثيراً من الدجالين والكذابين سيدَّعون منزلة السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي عليه السلام، أو إنهم سيدَّعون المهدوية، ويتقمَّصون دور أصحاب الرايات الحقة من الممهدين الصادقين، فكان لزاماً عليهم صلوات الله عليهم وحفاظاً على الأمة من الضياع وراء الدعوات المغرضة الكاذبة المنـحرفة، أن يضعوا صمام أمان يوضّحوا به شرطاً أو شروطاً لا تنطبق إلا على الدعوة المهدوية الصادقة.

  أهل البيت عليهم السلام يضعون شروطا لا تنطبق إلا على رايات الهدى  
وقد ذكرت الروايات الشريفة عدة من الشروط التي بها يمكن للفرد الموالي أن يميز ما هو الحق من غيره فيما لو تحير في أمر راية ما في عصر الغيبة الكبرى، ومن هذه الشروط:

  الشرط الأول: الوضوح في الشخصيات والأهداف والعقائد  
إن رايات الهدى متصفة على الدوام بالوضوح والبيان والشفافية سواء بشخصياتها القيادية، أو بأهدافها ومتبنياتها الفكرية والعقائدية، وفي قول الإمام الصادق سلام الله عليه المذكور آنفا: «... يا أبا عبد الله ترى الشمس؟ قلت نعم، قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس» إشارة واضحة لهذه الحقيقة.
وبعكس ذلك تكون الرايات الضالة المنحرفة، فإنها يكتنفها الغموض والضبابية وعدم الوضوح بالشخصيات القيادية وبالأهداف والمتبنيات الفكرية والعقائدية.
ولا يخفى أن هذا الشرط لا يشمل الرايات الضالة الموجودة في عصرنا هذا، فهي لا تنطوي إلا على الغموض سواء في أهدافها وعقائدها أو شخصياتها التي تدير دفة تلك التـجمعات، لذلك نرى الشك والحيرة تغمر أطرافها.
  الشرط الثاني: رايات الهدى تدعو إلى الإمام المهدي ورايات الضلالة تدعو إلى نفسها  
إن أصحاب رايات الهدى والحق تكون دعوتهم خالصة للإمام المهدي سلام الله عليه وحده، فعلى سبيل المثال قد وصفت راية اليماني التي هي راية حق بأن قائدها: «يدعو إلى صاحبكم... وإنه يدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم» «راجع كتاب الغيبة للنعماني: ص264. بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج52/ ص232. معجم أحاديث الإمام المهدي للشيخ الكوراني: ج3/ ص255».
بعكس رايات الضلالة التي تكون دعوتهم لأنفسهم ولمصالحهم الشخصية، وفي قول الإمام الصادق عليه السلام: «لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه» « كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص437. الإرشاد للشيخ المفيد: ج2/ ص327. إعلام الهدى بأعلام الورى: ج2/ ص280».
فيصبح المائز والفارق يبين دعوة الحق ودعوة الباطل وراية الهدى وراية الضلال، إن صاحب الراية الحقة يدعو إلى الإمام سلام الله عليه، ومعنى إنه يدعو إلى الإمام عليه السلام هو إن صاحب الراية الحقة متجاهل لنفسه ويشعر بالتضاؤل أمام الإمام المهدي عليه السلام، فكل همه هو الإمام المهدي عليه السلام ودعوته وقضيته، ولا وجود لنفسه وذاته أمام عظمة الإمام وشخصيته وذاته المقدسة، وبمعنى أخر إن صاحب الراية الحقة يتجاهل نفسه وذاته، ويشعر بذوبان واندكاك تام ومطلق لشخصيته في شخصية الإمام المهدي أرواحنا فداه،وذوبان لقضيته في قضية الإمام المهدي سلام الله عليه، فهو لا يحمل هم نفسه بل يحمل هموم الإمام وليس المهم أن يدعو إلى نفسه ليعرفه الآخرون لشخصه، بل المهم أن يعرف الناس الإمام المهدي عليه السلام ويتوجهوا إليه.
ومن هنا ومن هذه النفسية الزكية الطاهرة ونتيجة لهذا الذوبان المطلق صارت راية اليماني وأشباهها من رايات الهدى واجب إتباعها، فأصحاب رايات الهدى لا يرون لأنفسهم منقبة ولا كرامة بل الكرامات والألقاب هي للإمام وحده لا غير وما هم إلا جنودٌ للإمام لهم هدف محدد ومعين وهو الإمام المهدي وحده ولا شيء معه، ولا وجود للصنمية الفردية في أطروحتهم الفكرية والعقائدية.
وعلى العكس من ذلك تماماً فإن أصحاب رايات الضلال والانحراف في آخر الزمان يدعو أصحابها إلى أنفسهم،بمعنى إن هؤلاء الضالين كل همهم هو النفس وتمجيد النفس وصنع المناقب والفضائل الزائفة للنفس وصياغة الكرامات والمعاجز الوهمية للنفس، لجذب ضعاف النفوس والبسطاء ومن ليس له حظ في العلم من عوام الناس.
وحتى لو روج هؤلاء الضالين وكتبوا عن الإمام المهدي عليه السلام ودعوته، ودعوا إليه في بعض الأحيان فإن هدفهم هو ليس الإمام سلام الله عليه، بل الهدف من تنويههم باسمه هو جعل الإمام المهدي سلام الله عليه جسراً للوصول عن طريقه إلى هوى النفس وعبادة الذات وصنمية الفرد.

  جنون العظمة لدى أصحاب رايات الضلالة في عصرنا  
والحق والإنصاف إن كل رايات الضلالة الموجودة في عصرنا اليوم هي رايات هوى لا تدعو إلى النفس فحسب،بل ويعبد أصحابها أنفسهم ويؤلهون ذواتهم بدليل أنهم صنعوا لأنفسهم شخصيات أسطورية لا مثيل لها حتى في الأحلام، فبعضهم وصل به جنون العظمة إلى القول والادعاء بأنه هو اليماني، وهو نفسه الخراساني، وهو معصوم، وهو وصي الإمام المهدي عليه السلام، وهو سفيره، بل هو المهدي نفسه المذكور في الروايات.
وبعضهم تجرأ وادعى لنفسه ألقابا لا تطلق إلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه من الأئمة المعصومين عليهم السلام، فادعى لنفسه العصمة، وانه مؤيد بجبرائيل، ومسدد بميكائيل ومنصور بإسرافيل وهو من الذرية النبوية بل هو ابن الإمام عليه السلام والحاكم بعده.
فهل تجد في كل هذه الألقاب إلا ما ذكرنا من عبادة الذات وطاغوتية الهوى والبعد الشاسع عن الإمام سلام الله عليه وعن الحق.
من هنا وردت الأحاديث الشريفة في اعتبار كل راية ضلالة ترفع قبل قيام القائم صلوات الله وسلامه عليه فصاحبها طاغوت، وأتباعها يعبدون زعيمها من دون الله سبحانه، فعن أبي بصير عن الصادق عليه لسلام قال: «كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله سبحانه». « الكافي للشيخ الكليني: ج8/ ص295. كتاب الغيبة للنعماني: ص38. الفصول المهمة في أصول الأئمة: ج1/ ص451».
فهؤلاء الطواغيت حتى لو رفعوا شعارات ظاهرها إنها حق ولكن باطنها ضلالة وصاحبها يعبد من دون الله سبحانه وتعالى لأنه يأمر بغير رضا الله سبحانه والمطيع له ليس من الله سبحانه وتعالى في شيء.

فتن آخر الزمان وطرق الوقاية والنجاة منها

بقلم: السيد ياسين الموسوي


  فتن آخر الزمان في حديث أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين  
أن روايات أهل البيت عليهم السلام قد تحدثت عن موضوع فتن آخر الزمان على نحوين:

  النحو الأول: الفتن العامة  
وتشمل الظواهر الاجتماعية والأحداث السياسية والعسكرية المهمة التي تطفق شرق الدنيا وغربها، بالإضافة إلى المتغيرات الطبيعية التي تشبه خوارق العادات، كطلوع الشمس من المغرب وغيرها.
وقد تظافرت الأخبار عن المعصومين عليهم السلام في كتب الخاصة، ونرى أن ننقل كلام الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) في فتن آخر الزمان التي عبّر عنها بــ(علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام) لأنها وإن لم يكتبها بلفظ الفتن، ولكنها في الواقع تعبِّر عن نوعٍ من الفتن الطبيعية والعسكرية والاجتماعية والسياسية التي تصيب البشرية في بدايات ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
قال الشيخ المفيد (قدس سره): (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات، فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني، واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات، وخسفٌ بالبيداء، وخسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة، وإقبال رايات سود من قبل خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر وتملّكه للشامات...وخلع العرب أعنتها وتملّكها البلاد وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه...وخروج ستين كذاباً كلهم يدَّعي النبوة، وخروج اثني عشر رجلاً من آل أبي طالب كلهم يدَّعي الإمامة لنفسه...وخوف يشمل أهل العراق، وموت ذريع فيه، ونقص من الأنفس والأموال والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه، حتى يأتي على الزرع والغلاّت، وقلّة ريع لما يزرعه الناس ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير...ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلُّ أهل لغة بلغتهم، ووجهٌ وصدرٌ يظهران من السماء للناس في عين الشمس، وأموات يُنشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.
ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيى بها الأرض من بعد موتها وتعرف بركاتها، وتزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهديعليه السلام، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته؛ كما جاءت بذلك الأخبار.
ومن جملة هذه الأحداث محتومة ومنها مشترطة، والله أعلم بما يكون، وإنما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول وتضمنها الأثر المنقول، وبالله نستعين وإياه نسأل التوفيق). (راجع الإرشاد / الشيخ المفيد / ج2/ ص368).

  النحو الثاني: الفتنة في الدين  
عندما نقرأ روايات التمحيص ونتفحَّصها جيداً، ونجدها تتحدث عن الفتنة الأشد التي تصيب الناس في آخر الزمان، وهي أشد من جميع الفتن السياسية والاجتماعية والعسكرية والطبيعية، لأن بهذه الفتنة تنتهي عملية الامتحان والتمحيص، وهي الأساس للتمييز بين أنصار المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وبين غيرهم.
فما هي تلك الفتنة التي تصيب الناسَ في دينهم؟.
ليس من الصعب على كل من درس تاريخ الإسلام أن يعثر على التيارات الانحرافية التي كانت تظهر بين الفَيْنة والأُخرى في المجتمع الإسلامي، وقد تتلون بألوان وأشكال مختلفة، وربما أمكن لمؤسسي الانحراف أن يتمكنوا بتثبيت أنياب انحرافهم في مساحة كبيرة من الأتباع الذين عاصروهم، والامتداد في مستقبل تاريخ المجتمع الإسلامي، كما نجد ذلك واضحاً في أتباع كثير من أصحاب البدع الذين ظهروا في تاريخ الإسلام، وما زالوا يشكلون النسبة العظمى من المسلمين.
إذن هل توجد فتنة أشد وأكبر من تلك الفتن التي مرّ بها المسلمون على طول تاريخهم، بحيث حَرَفَت النسبة العظمى منهم عن الحق وأمالتهم إلى المناهج الأخرى؟ وما هي تلك الفتنة وما نوعها؟.

وقد تكلمت الأحاديثُ الشريفة عن فتنة الدين أنها تتمحور بصورتين:

  فتنة الدين في صورتها الأولى: (الابتعاد عن الدين)  
ابتعاد الناس عموماً عن الدين، وعن الإسلام بحيث يتحول الدين عندهم إلى غير حقيقته الإلهية التي نزل بها.
ومن جملة تلك الأخبار ما رواه الصدوق (رحمه الله) في (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال) بسندٍ موثّق عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيأتي على أُمتي زمانٌ لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يُسمَّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرُّ فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) (راجع ثواب الأعمال وعقاب الأعمال / الصدوق / ص301).
وقد جاءت الروايات بهذا المعنى مستفيضة من طرق الشيعة والسنة. وهي تؤكد حقيقة التغير الكبير والانقلاب العكسي الذي يصيب المسلمين بابتعادهم عن الإسلام وجوهره وأصالته. بحيث تصبح مفاهيمه الصحيحة غريبة عليهم، ويكون سلوكهم العام ومظاهر حياتهم غير منسجمة مع ما جاء به الإسلام العزيز، بما نشاهده حالياً في المجتمعات الإسلامية يمكننا أن نفهم هذه الحقيقة المرة بشكل جلي.

  فتنة الدين الحق في صورتها الثانية: الابتعاد عن التشيع الولائي  
ولو غضضنا الطرف عن كل أهوال تلك الفتن؛ فإنه سوف يبقى أمام الإنسان المسلم هول الفتنة العظمى التي أنذر منها أهل البيت عليهم السلام وحذَّروا منها وهي (فتنة الدين) التي ذكروا ضرورة حدوثها قبل ظهور الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد أكدت رواياتهم عليهم السلام على موضوع هذه الفتنة وعلاقتها بالغيبة الطويلة التي يذهب بسببها كثيرٌ من أولئك المحسوبين على التشيُّع مع مهبِّ الرياح، ويسقطوا من الميزان. ومعنى ذلك أن هذه الفتنة هي مختصة بالشيعة لا تتعداهم إلى غيرهم. وأما (لعل الأنسب: ولكن) لماذا هذه الفتنة للشيعة؟.
ولماذا يسقط كثيرٌ من الشيعة في الامتحان والاختبار.. مع أننا نؤمن بأن التشيُّعَ إنما هو الإسلام الحقّ الذي جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وثبَّته الأئمةُ المعصومون عليهم السلام بجهادهم وبياناتهم ودمائهم؟.
ويمكنك أن تعرف الجواب على هذا السؤال من خلال معرفتنا بان مجرَّد الانتماء لا يعصم الإنسان من ذلك، وإنما تعصمه الولاية التامة، والمعرفة الكاملة لمحمد وآل محمد عليهم السلام، فهي المنجية والمخلّصة والعاصمة من الفتن والأهواء.
وعلى أي حال فقد حذرّنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرون عليهم السلام من هذه الفتنة وبينوا معالمها.. فقالوا: إنها فتنة الدين.. وأبرز معالمها أنها فِتَنٌ محيّرة مُضلّة... وأن قادة تلك الفتن من الرجال المحسوبين على العلماء أو متزيين بزيّهم...وانها فتنةُ محيِّرةٌ مُضلَّةٌ...وتصل الفتنة ذِروتها فيتفل البعضُ في وجه البعض...وأما قادة الفتنة، ومَن يُدير لعبةَ الانحراف، فهم قُطّاع الطريق على أيتام آل محمد عليهم السلام، وهم علماء السوء.
وربما تنعكس الصورة السلبية لأولئك قُطَّاع الطريق المتزيّين بزي أهل اليقين والحق.. على مجموعة من الناس الذين يخطأون بتشخيصهم للمرض والباطل، فيعمِّمون الانحرافَ على العلماء جميعاً، لما يَرَوْن من انحراف بعضهم فيتنفَّرون من جميع العلماء. وبذلك يقعون بالانحراف الأعظم.
وربما تصف الرواية التالية هذه الظاهرة الانحرافية في آخر الزمان، حيث رُوي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (سيأتي زمانٌ على أُمتي يَفرّون من العلماء كما يفرُّ الغنمُ عن الذئب، فإذا كان كذلك ابتلاهم الله تعالى بثلاثة أشياء: الأول: يرفعُ البركةَ من أموالهم، والثاني: سلَّطَ اللهُ عليهم سُلطاناً جائراً، والثالث: يخرجون من الدنيا بلا إيمان) (راجع جامع الأخبار / ص356/ ح995 ــ 4).

  ما هو الحل؟ وكيف الخلاص من الفتنة؟  
وقد تنوّعت السبلُ الإلهية للتخلص من تلك الفتن، ويمكن معرفتها بالاطلاع على المراجع العامة التي حددتها الشريعة المقدسة، للتحفُّظ من الوقوع فيها بشكل عام، ومع ذلك فقد أوضحت بعضُ النصوص الشريفة سُبُلاً خاصة للتخلص من هذه الفتنة ذاتها.

وتقف على رأس قائمة أهم أنواع تلك السبل:

  1: التمسُّك بالقرآن الكريم  
وقد وصفت روايات المعصومين عليهم السلام كتاب الله المجيد بأنه (بيان من الفتن) وأنه عصمةٌ من الهَلَكة، وهو رُشْدٌ من الغواية، وأمَرَتْ بالتمسك به. ومن جملة ذلك: ما رواه العياشي في تفسيره عن الحسن بن موسى الخشاب رفعه للإمام الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القرآن هُدىً من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالةٌ من العثرة، ونورٌ من الظُّلْمة، وضياءٌ من الأحزان، وعصمةٌ من الهَلَكة، ورشدٌ من الغواية، وبيانٌ من الفتن، وبلاغٌ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم. فهذه صفةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن، وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار) (راجع تفسير العياشي/ ج1/ ص5/ ح8).

  2ــ التمسُّك بتقوى الله (عزّ وجل)  
ولبداهة هذه الحقيقة في حفظ المتقين من الوقوع بالفتن، فإنني أقتصر على بعض الروايات الشريفة التي أكدت هذا المعنى، منها: قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: (إنَّ مَن يتقِ اللهَ يجعل له مَخْرجاً من الفتن ونوراً من الظُّلَم).
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج في التوقيع الشريف الذي خرج للشيخ المفيد أنه (عجّل الله تعالى فرجه) قال: (إنه مَن اتقى ربَّه من إخوانك في الدين، وأخرج ما عليه إلى مستحقيه كان آمناً من الفتنة المُبطلة ومِحَنها المُظلمة المُظِلَّة). (راجع الاحتجاج / الطبرسي / ج2/ ص325).

  3 ــ التمسك بأهل البيت عليهم السلام  
فهم سُفن النجاة، مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق وهوى، واللازم لهم لاحق، والمتخلِّف عنهم زاهق. وجاءت الروايات في هذه المعاني الجليلة متواترة تواتراً معنوياً لا مجال لاستقصائها في هذه العجالة، وإنما نسجل بعض الروايات التي ذكرت أن الرجوع إليهم هو صِمَام الأمان المنجي من الفتن، لأنهم عِدْلُ القرآن الكريم، ومفِّسروه، والحجة على الخلق، وقد عصمهم الله (عزّ وجل) من الفتن، وقد ورد كثيراً في زياراتهم عليهم السلام قول: (وعصمكم من الزلل، وآمنكم من الفتن). وليس معنى عصمتهم من الفتن أنهم لا يُفتنون ولا تُصيبهم الفتنة حسب. فهذا بديهي، لأنه من لوازم معنى (وعصمكم من الزلل) ومن بديهيات لوازم العصمة، وإنما معناه إضافةً إلى ذلك أن اتّباعهم أمان من الفتن فإن الفتن لا تقرب إليهم ولا تحوم حولهم. فلذلك سوف يعمّ الأمان كلَّ مَن يلوذ بهم وهم شيعتُهم.

  4 ــ التمسُّك بالعلماء  
روى الشيخ المفيد في الاختصاص بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:(المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح، وركعتان من عالم خيرٌ من سبعين ركعة من جاهل؛ لأن العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه وتأتي الجاهل فتنسفه نسفاً) . (راجع كتاب الاختصاص / الشيخ المفيد).
ولِمَا يحصل عليه العلماء بشكل عام من موقع مهم في نفوس الناس لأنهم يحملون روايات أهل البيت عليهم السلام وعلومهم التي لها وَقْعٌ خاص في قلوب المؤمنين، فتجذبهم نورانية تلك العلوم والأخبار إلى أولئك العلماء، وكما أن لهذه الحالة بالاتباع إيجابيات صحيحة لنشر الهدى واتّباع الحق، ولكن هناك خطر كبير يحدق بأولئك المتَّبعين حينما يتبعون علماء السوء والضلالة والبدعة انخداعاً بكلامهم وأقوالهم التي قد يُدخلوا فيها كلام الحق وأحاديث أهل البيت عليهم السلام تضليلاً وإضلالاً للآخرين، ولذلك وجدنا أهل البيت عليهم السلام بعدما أكدوا على الحذر الشديد والإنذار من اتّباع أولئك العلماء السيئين، فإنهم حذَّروا من السير الأعمى وراء كل أحد، ونهوا عن اتخاذ أولئك وليجة.
وقد انتشر هذا الوباء في الفتنة المعاصرة حيث وجدنا كثيراً من أتباع الضلال أنهم تمسكوا بأصحاب الفتنة والبِدعة والضلالة، إما لسلامة نياتهم هم وحسن اعتقادهم بأولئك، أو لأنَّ لأولئك القوم يداً عليهم تُعينهم على حياتهم وأرزاقهم، أو لأنهم اعتادوا على طاعتهم وأُشرب حبُّ العجل في قلوبهم، وهو كمرض الأُوَل الذين اتبعوا الباطل، وتركوا الحق الذي كان مع الإمام علي عليه السلام.
وهناك منهج انحرافي خطير سلكه أصحاب البدع بذمِّهم الفقهاء والعلماء، وربما استفادوا لأباطيلهم ببعض الروايات التي قد تقدَّم بعضها بذم فقهاء السوء، وموَّهوا على أتباعهم أنَّ المقصود بالذم هم الفقهاء والعلماء، ليتمكنوا بجهلهم أن يسيطروا على أتباعهم، ويخدعوهم بأباطيلهم.. بينما قرأنا الروايات الصحيحة والكثيرة التي تمدح العلماء والفقهاء وتجعلهم حصون الإسلام و ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وإنما وقع الذمُّ على فقهاء السوء والضلالة ويشمل هذا العنوان جميع المنحرفين عن الصراط المستقيم ومن جملتهم أولئك أصحاب الدعاوى الباطلة التي يذمون بها الفقهاء العدول (زاد الله تعالى شرفهم).

  5 ــ التوجّه بالدعاء للنجاة من الفتن  
وهذا ما نجده في مجموعة كبيرة من الأدعية الشريفة المروية عن أهل البيت عليهم السلام، وفيها التوسل إلى الله (عزّ وجل) لينجي المؤمن من الفتن، لأن الفتن إذا جاءت فقد تتلبس عليه لشباهة الشبهة بالحق، فيدعو الله (تبارك وتعالى) ليعرّفه الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطلاً فيجتنبه، ولا يجعله عليه متشابهاً، فيتبع هواه بغير هدًى منه تعالى. وسوف يأتيك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.

  6 ــ معرفة أسباب الفتنة  
وكأسلوب وقائي فقد جاءتنا الأخبار الشريفة التي نسبت الفتنة لأسبابها.
فقد جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك في الكافي الشريف بسندٍ صحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس فقال: أيها الناس، إنما بَدْءُ وقوع الفتن أهواءٌ تُتَّبَع وأحكام تُبتدَع، يُخالَف فيها كتابُ الله، يتولى فيها رجال رجالاً.
فلو أن الباطل خلص لم يخفَ على ذي حِجى، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيُمزجان فيجيئان معاً فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى). (الكافي / ج1/ ص54/ باب البدع والرأي والمقاييس / ح1).
فأهم أسباب الفتنة هو عدم الانسياق ضمن الحدود التي شخَّصتها الشريعةُ المقدسة للإنسان وتعدي تلك الحدود الإلهية باتّباع الأهواء والمقاييس الذاتية حسب ما يشتهي ويريد.
وقد حصَّنت الشريعةُ الإنسانَ المؤمن من تلك الأسباب المُهلكة حينما حرَّمت اتّباع الهوى وأوضحت سُبُلَه.. فقاومت البدعة ومنعت من استخدام الطرق الموصلة إلى البدعة.

شدة الامتحان في عصر الغيبة الكبرى ووجه الحكمة في ذلك

بقلم: السيد ياسين الموسوي
يخسر الإنسان المؤمن في الغيبة نعمة ظهور الإمام عليه السلام التي منَّ الله (عزّ وجل) على من شاء أن يمن عليهم من خلقه، وامتحن بغيابه عليه السلام من شاء أن يمتحنهم من عباده، فماذا هم فاعلون عند غيبته؟ هذا ما جاءت به الآثار الشريفة في الاستفسار عن موقف الشيعي في عصر الغيبة، فقد روى الشيخ الطوسي بسندٍ صحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: قلت له: ما تأويل قوله تعالى: ]قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ[ فقال: (إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟) (راجع الغيبة / الطوسي / ص160 / الطبعة المحققة).

  الامتحان الأول: وقوع المؤمن في الحيرة  
فأوّلُ امتحانٍ يمرُّ به المؤمن في عصر الغيبة أن يبقى حائراً، ويعيش الحَيرة التي لا بدّ منها، وإنما عليه أن يتدارك الموقف ويتخلص من حيرته بشتى الطرق الصحيحة، فيثبت على الحق، ويؤمن بإمامه ويتيقن بأنه معه يراه ويطّلع على أحواله وأحوال باقي المؤمنين، وأنه يدعو لهم، وبدعائه يدفع الله تعالى البلاء عنهم. وكلما استطالت مدة غيبته اشتد الامتحان إيمانه، فهل يسلّم للأئمة عليهم السلام، ويبقى قائلاً بإمامة الغائب منهم كالحاضر منهم عليهم السلام، أم يُدخِل الشيطان الشك إلى قلبه فيرتد عن دينه؟.
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسندٍ صحيح عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته ينكت في الأرض، فقلت له: (يا أمير المؤمنين مالي أراك مفكراً تنكت في الأرض، أرغبةٌ منك فيها؟. فقال: لا؛ والله ما رغبت فيها، ولا في الدنيا يوماً قط؛ ولكني تفكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من وُلدي، هو المهدي الذي يملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً؛ يكون له حَيرة وغيبة، تضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون) (راجع الغيبة / الطوسي / ص 165 ــ 166 / الطبعة المحققة).

  استغلال الشيطان لغيبة الإمام المهدي لبث ضلالاته  
وحينما تطول غيبة إمام الهدى، تتوفر الفرصة السانحة للشيطان ليبثّ فتَنَه وضلالاته.
روى الصدوق (رحمه الله) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدىً، ولا علم يبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصّون وتغربلون..). (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص348 / ح 36).
وروى الصدوق بإسناده عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول: (إياكم والتنويه، أمَا واللهِ لَيغيبنَّ إمامُكم سنيناً من دهركم، ولتُمحَّصُنَّ حتى يُقال: مات، أو هلك، بأي وادٍ سلك؛ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، ولا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه، ولَتُرفَعَنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي. قال: فبكيت. فقال لي: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: وكيف لا أبكي وأنت تقول: تُرفع اثنتا عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي، فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة؛ فقال: يا أبا عبد الله! ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم. قال: والله، لأمرنا أبينُ من هذه الشمس). (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص347 / ح35).

  الامتحان الثاني: الثبات على العقائد الحقة  
لم تكن الحَيرة وحدها تسيطر على الأوضاع العامة والأوضاع الخاصة من حياة الإنسان في عصر الغيبة مما قد يسهل السيطرة عليها أحياناً، أو يمكنه أن يتجاوزها بعد الصعوبات والمشقّة أحياناً أخرى، وإنما قد تكالبت في عصر الغيبة الفتن والأهواء بالإضافة إلى محنة غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وما ظهرت منها من حَيرة. وأفضل وصف لهذا التكالب ما جاء في دعاء الافتتاح الذي يُقرأ في ليالي شهر رمضان في عصر الغيبة: (اَللّهُمَّ اِنّا نَشْكُو اِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا [إمامنا خ.ل]، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدّةَ الْفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا).
فمع أن المصيبة العظمى تتجوهر بغيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف. فإن لهذه الفترة الزمنية نفسها من حياة البشرية بشكل عام امتيازاً خاصاً يختلف عن العصور السابقة، وكذلك يختلف بشكل كلّي ومطلق عن ظروف عصر ما بعد الظهور بكثرة العدو، وقلّة العدد، وشدّة الفتن، وتظاهر الزمان.
وتوضّح الروايات الشريفة أن لعصر الغيبة نفسه مراحلَ متعددة تشترك بظاهرة قاسية تصلح أن نسميها قانوناً ينص على حقيقة تقول: كلّما استطالت الفترة زمناً، وتباعدت عن عصر النص الشريف، ازدادت الفتن.
ومن المؤكد أن لغياب الإمام المعصوم عن مسرح حياة البشرية الأثرَ الأكبر لهذا الافتتان والضياع الذي تعيشه البشرية اليوم بشكل واضح لا لبس فيه.. ويرجع ذلك لعقيدتنا الصحيحة التي تنصّ على أنّ لوجود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف نِعَماً لا تعدّ ولا تُحصى، ومنها: أن حضور الإمام نفسه عجل الله تعالى فرجه الشريف (وإن لم يعمل ولايته التشريعية على الناس) هو السبب الذي ينتشر به الخير الكثير، وتهرب الفتن إلى جحورها، وحينما يغيب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف تستغل الخفافيش الفرصة، فتظهر للعراء لتدمّر وتخرّب ما أمكنتها الظروف.. ولعل في الخبر الشريف المروي عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الفائدة من وجوده في عصر الغيبة يرمز إلى هذه الحقيقة..
روى الصدوق (رحمه الله) بسندٍ صحيح على الأقوى عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رض) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام، ثم ذكر الأجوبة... إلى أن قال عجل الله تعالى فرجه الشريف: (وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، واني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء..) (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص485 / باب45 / ح4).
فإن للإمام المعصوم عليه السلام دوره التكويني في حفظ الكون والإنسان، وترتيب المسيرة الإنسانية سواءٌ أكان ذلك بحضوره بين الناس، أو حتى في غيابه عنهم.

  وجه تشبيه الإمام المهدي في عصر الغيبة بالشمس يجللها السحاب  
وتمثيل الأئمة عليهم السلام لغيابه عجل الله تعالى فرجه الشريف بالشمس إذا جلّلها السحاب، يوضّح الحقيقة الكونية وهي ضرورة وجود الإمام عليه السلام في الدنيا إما ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً.. فيمكننا أن نفهم من هذا التشبيه أن الإمام مستمر بالقيام بدوره الإلهي في الكون، حتى مع غيابه عن الأمّة، لأن دوره غير منحصر بالعمل السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الثقافي والفكري، وإنما للإمام عليه السلام دور أعظم بما يؤدّيه من وظيفة تكوينية مرتبطة بهذا الكون بالشكل الذي لا يمكننا أن ندرك كُنْهَ حقيقته بهذه العُجالة.
ولذلك فلا تعطل هذه الوظيفة الكونية بغياب الإمام المعصوم عليه السلام عن مجتمعه بل تستمر هذه الحركة الطبيعية بشكل عادي.. كما ينطبق ذلك بشكل مادي على الشمس التي قد تغيب عن الناس في بقعة من بقاع العالم، ولكن البقاع الأخرى من الكون تبقى تستفيد منها فهي مشرقة عليها.
وهناك شيء آخر يمكننا أن نفهمه من هذا التشبيه هو أن بغياب الشمس عندما يجلِّلها السحاب تحين الفرصة لبعض الجراثيم والميكروبات والفيروسات أن تظهر بالأفق، فتسبب انتشار بعض الأمراض والأوبئة، ولكن يبقى دور تلك الفترة محدودة الزمن لا تستوعب السنة، ومحدودة القوة فلا تستطيع أن تحكم سيطرتها كما يحلو لها.
وهكذا يمكن تطبيق المثال على ظروف أهل الحَيرة في عصر الغيبة، فإنه قد تتوفر الفرصة لأصحاب الفتن والأهواء بأن يُظهروا بدعهم وتشكيكاتِهم وأهواءَهم، وقد يتصوّروا أن الزمن زمنهم يلعبون بدين الناس وعقولهم كما يحلوا لهم، ولم يدروا أن للدين ربّاً يحميه، وأنه تعالى قد حمى الناس بوليّه الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف فإنه الحامي والمُعين والمُدافع، كما في التوقيع الشريف وقد جاء فيه:
(نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزُب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء، فاتقوا الله (جلّ جلاله) وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ...) (راجع الاحتجاج / الطبرسي / ج2 / ص322ـ 323 / ط النجف 1966).

  لماذا نمتحن؟ الم يكن من الأفضل رفعه كي لا يضل الناس؟  
وربما يثار هذا السؤال في عرض الحديث عن الفتن وفلسفتها في (الفهم الإسلامي) لحركة الإنسان.. وقد يقال كسيرة المشكّكين: ألم يكن من الأفضل رفع المغريات من أمام الإنسان لتسهل حركته؟.
ويضاف إليه: ألم يكن وضع تلك الفتن أمام الإنسان تغريراً به للانسياب إلى الباطل، مما يعرقل حركته السليمة والإيقاع به بالتالي بزلاّت الخطيئة؟.
ان الجواب على هذه التساؤلات يكمن في معرفة ان الإنسان لا يكون أهلاً لتسلّم هذا الموقع المهم في الكون ــ موقع الخلافة والنصرة ــ إلا إذا كان قوياً قادراً على مواجهة الصعوبات والمآزق، كما هو المفترض بالإنسان الذي يؤهّل للقيام بالأدوار المهمة في الحياة السياسية أو الإدارية أو العسكرية، ولذلك فإنه سوف يدخل بدورات تأهيلية شاقّة تجعله في المستقبل بمستوى مسؤولية المهمة التي يراد منه القيام بها.
ولذلك كان الامتحان الإلهي للبشرية ضرورياً عبر تاريخها في جميع الرسالات والأمم السابقة، وكانت نتيجة الامتحان أن ينتخب الناجحين بالامتحان ويعزلهم عن أممهم ومجتمعاتهم، ثم يسلّط عذابه على الراسبين ويهلكهم جميعاً ولا يبقي منهم أحداً.
كما حدث لقوم نوح وهود وصالح (على نبينا وآله وعليهم السلام)؛ وكانت تختلف الامتحانات والفتن باختلاف الأدوار التاريخية الموكلة بكل أُمة من تلك الأُمم السابقة. فكلما كانت المهمة أكبر، والدور أهم كان الامتحان أصعب والمشقة أكثر.وكل ذلك من صالح البشرية ومستقبلها لبناء مجتمع فاعل مسؤول.
فقد كان الامتحان الإلهي في تاريخ الأنبياء السابقين عليهم السلام سبباً لتكامل البشرية ورقيّها، واستئهالها لحمل رسالة السماء، وتسنّم منصب خلافة الله تعالى في الأرض، وكذلك سوف يكون الامتحان الإلهي في التاريخ المستقبلي للبشرية في تكوين الإنسان القوي المؤهل لقيادة مستقبل البشرية.
وإذا عرفنا أهمية التاريخ المتبقي للبشرية في هذه الأرض من حيث حصد زرع جهود جميع الأنبياء الماضين عليهم السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام، ورسم نهاية الكون بشكلها الجميل، فإننا سوف ندرك أن ذلك الدور الإنساني الخطر لا يمكن أن يقوم به إلا الإنسان الشجاع والقوي بالإرادة والإيمان الممتحن الناجح.
ولذلك جاء الامتحان صعباً جداً. ومع أن الإنسان المسلم قد مرّ بالامتحان الشخصي والنوعي في تاريخ الإسلام، وقد تمكن من ولادة الصالحين المؤهلين لتحمل الأدوار الصعبة، ولكنه يقف في نهاية مسيرة قبل الظهور أمام أصعب الامتحانات وهو يعيش إرهاصات الظهور، ليختار وينتخب الإنسان المؤهل لتحمل مسيرة ما بعد الظهور؛ وبما أن دور ما بعد الظهور هو أهم أدوار البشرية وأشقّها وأصعبها، فلذلك استلزم أن يكون الامتحان الإلهي للإنسان المسؤول أشق تلك الامتحانات وأصعبها، كما نطقت بهذه الحقيقة النصوص الشريفة والتي عبرت عنه بالتمحيص الذي يكون في عصر الغيبة وقبل الظهور.
ويمكن لنا إرجاع أهمية التمحيص وشدته إلى الأسباب التالية:
1: لأنه الطريقة الوحيدة التي يتكامل بها الإنسان المؤمن ليستحق أن يكون من جنود السيد الأكبر والولي الأعظم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
2: وسوف تكون هذه الفترة الزمنية التي تُبتلى بها البشرية مؤشّر خير إلى قرب الفرج بقرب ظهور الولي المخلّص عجل الله تعالى فرجه الشريف.
3: كما سوف تكون تلك الفترة من تاريخ الإنسانية مرحلة خطرة جداً ومملوءة بالمخاطر الصعبة والتلبيسات الإبليسية التي يركب بعضها بعضاً، ولذلك حذّر الأئمة عليهم السلام منها كما ورد ذلك في مجموعة من الأخبار منها ما رواه الكليني في الكافي، والنعماني في الغيبة عن المفضل بن عمر وقد ذكرناها سابقاً.
وروى الصدوق بإسناده عن منصور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (يا منصور أن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس، لا والله لا يأتيكم حتى تميّزوا، لا والله لا يأتيكم حتى تمحّصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى مَن شقي ويسعد مَن سعد) (راجع كمال الدين / ص346 / ح32، وقريب منه في الكافي ج1 / ص 417 / ح3).
وروى الطوسي في غيبته بإسناده عن محمد بن منصور عن أبيه قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة نتحدث فالتفت إلينا فقال: (لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تُغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تميّزوا [لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى يتمحّصوا] لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى يشقى مَن شقي ويسعد مَن سعد) (الغيبة / الطوسي / ص335 / ح281).