سبب ولادة الإمام المهدي عليه السلام في أواخر حياة أبيه العسكري ؟

بقلم: السيد ياسين الموسوي

وربما يثار سؤال مهم يتعلق بالسبب الذي دعى أنْ تكون ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف متأخرة في حياة أبيه العسكري عليه السلام, فاحتاج إلى تمهيد له فيتقدّم مَنْ يُمَهِّد له, وهما جدّاه الإمام الجواد عليه السلام والإمام الهادي عليه السلام, بينما كان يمكن أنْ يطوّل الله عزَّ وجل عمر الإمام العسكري عليه السلام إلى أنْ يبلغ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من حيث السن العمر الطبيعي الذي يقوم به عادة الآخرون من الناس بالمهمات القيادية... .

وربما يقال أكثر من ذلك, وهو: أنَّ وصول السيدة نرجس (رضوان الله عليها) إلى بيت الإمامة كان في عهد الإمام الهادي عليه السلام؛ فلو كان المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف قد ولد في حياة جدّه الإمام الهادي عليه السلام لكان له من العمر ما يجعله مستغنياً عن ضرورة قيام الإمامين السابقين (الجواد والهادي عليهما السلام), بالإمامة بصغر السن.. خصوصاً اننا معاشر الشيعة نؤمن أنَّ جميع فواصل حياة الائمة عليهم السلام مرسومة من قبل الله عزَّ وجل قبل أنْ يأتوا إلى هذه الدنيا.. فما هو الدَّاعي لهذا العمر الصغير بالذات؟.

وربما يجاب على هذا السؤال بجوابين:

الجواب الأول: يُعالَج السؤال من وجهة عملية طبيعية بدراسة الظروف التي من المقرر أنْ يولد فيها الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنَّه وُلِدَ في ظروف الإرهاب, والقمع العباسي، وبالخصوص فإنَّ السلاطين، وأعوانهم كانوا يعلمون بما سمعوه, وتعلّموه من الرِّواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هلاك الظلم والطغيان في الارض سوف يكون على يد الثاني عشر من الائمة عليهم السلاموهو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وبالطبع فهم مطمئنّون جداً بانَّ دولتهم تشكل جزءاً من حلقات الظلم، بل أبرزها في هذه الأرض، وبالتالي فسوف يقع قضاء سلطانهم وكيانهم على يد هذا الإمام الثاني عشر عليه السلام, ولذلك فقد اشتدّوا بالبحث عنه، لأجل القضاء عليه، وقد عينوا الجواسيس التي كانت تطوف حول بيت الإمام العسكري عليه السلام،وبذلوا الهدايا، والأموال من أجل الوصول اليه..

وقد نقل التاريخ من تلك الاعمال العدوانية شيئاً كثيراً لامجال لنقْلهِ هنا..

ولذلك ولأجل التخلص من المتابعات الأمنية عولجت مشكلة إرهاب الدولة العباسية للشيعة بإخفاء (المنقذ) عن الأنظار من يوم ولادته إلى يوم ظهوره؛ وهذا الأسلوب الإلهي لم يكن بِدْعاً، ولا جديداً في حركة الأنبياء والأوصياء، وإنَّما هو موجود في حياة كثير من الأنبياء والأوصياء، وأبرزه ما ظهر في حياة النبي موسى عليه السلام، وولادة النبي عيسى عليه السلام من غير أب، وهو ما يُرشد إليه المنصوص في ما أخبر النبي والمعصومون عليهم السلام شَبَهَهُ عجل الله تعالى فرجه الشريف بالسابقين من الأنبياء عليهم السلام. وسوف يكون صغر السن مطلوباً, وضرورياً من أجل الحفظ على سلامة المولى (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

والجواب الثاني: إنَّ السرَّ الإلهي في صغر سنِّه عليه السلام باطن سرّ الله (عزَّ وجل) بطول عمره الشريف؛ وإنّ إدراك أسرار الله تعالى خاص بأهل سرِّه وقد خلق الله تعالى الوجود أسراراً في أسرار دون أن يستثني منها شيئاً أو أحداً، ولكنَّه جعل بعضها معلوماً عند بعض خلقه, مجهولاً عند غيرهم، يختص برحمته من يشاء، فالحياة سرٌّ، والوفاة سرٌّ، والروح سرٌّ، والرزق سرٌّ، والسماء سرٌّ، والجنة والنار سرٌّ، وإن أراد أحد أنْ يَعدَّ أسرار الله تعالى فإنَّه سوف يعجز ولا يقدر أنْ يحصيها.

الامتيازات الفريدة في الشخصية الإلهية للنواب الأربعة للإمام المهدي عليه السلام

بقلم: السيد ياسين الموسوي


لم يكن نوّاب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف الخاصّون الأربعة في كفاءاتهم الذاتية كباقي النَّاس، وإنَّما كانوا يتميزون بصفات إعجازية في الوقت الذي كانوا يَظْهَرُون فيه أمام الناس, ومجتمعهم بسلوكهم العادي, وكانوا يمارسون الحياة العادية اليومية, ويعملون بأبسط الأعمال التي لا تثير انتباه أحد.
وقد حفظ لنا التاريخ أنَّ النائب الأول عثمان بن سعيد العَمْرِي كان يمتهن السَّمانة (كان يتّجربالسَّمْن)[1], ولذلك كان يسمى بالسمّان[2], (وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمَّد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو, فيجعله في جراب السمن, وزِقاقه, ويحمله إلى أبي محمَّد عليه السلام تقية, وخوفاً)[3].
وكانت للكرامات التي تظهر على أيدي نوّاب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف الخاصّين الأثر الكبير في تثبيت حقيقة اتصالهم المباشر بالإمام, لاستحالة أنْ تصدر مثل تلك الكرامات عن غيره، ولإنَّ تلك الكرامات كانت تظهر بالعادة على أيدي آبائه المعصومين عليهم السلم من قبل، اضافة إلى ذلك فإنَّ ظهور تلك الكرامات على أيدي النواب الأربعة عليهم السلم تصدّق مدعاهم للنيابة الخاصَّة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وقد رأى كبار فقهاء الشيعة في عصر الغيبة الصغرى تلك الكرامات بأمِّ أعينهم, واستيقنوا بها, وعلموا صدورها عن قلب عالم الإمكان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولهذا السبب قال الشيخ الطوسي في غيبته:
(قال ابو العباس: وأخبرني هبة الله بن محمَّد أبن بنت أُم كلثوم بنت أبي جعفر العَمْري (رضي الله عنه), عن شيوخه, قالوا: لم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد, ومحمَّد بن عثمان (رحمهما الله تعالى) إلى أنْ توفي أبو عمرو عثمان بن سعيد (رحمه الله تعالى), وَغَسَّلَهُ ابنه أبو جعفر محمَّد بن عثمان, وتولىَّ القيام به، وجعل الأمر كله مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته, وثقته, وأمانته لما تقدم له من النَّص عليه بالأمانة, والعدالة, والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن عليه السلام ، وبعد موته في حياة أبيه عثمان بن سعيد؛ لا يختلف في عدالته, ولا يرتاب بأمانته؛ والتوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان, لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره, ولا يرجع إلى أحد سواه.
وقد نقلت عنه دلائل كثيرة, ومعجزات الإمام ظهرت على يده, وأمُور أخْبَرَهُم بها عنه، زادتهم في هذا الأمر بصيرة.وهي مشهورة عند الشيعة[4].
وقال الشيخ الراوندي (المتوفى سنة 573هـ) في خرائجه:
(وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى الأبواب [النواب خ.ل] المنصوبين بها, وتخرج من عندهم التوقيعات, أولُّهم [وكيل أبي محمَّد عليه السلام ] الشيخ عثمان بن سعيد العَمْري، ثُمَّ ابنه أبو جعفر محمَّد بن عثمان، ثُمَّ أبو القاسم الحسين بن روح, ثُمَّ الشيخ أبو الحسن علي بن محمَّد السمري، ثُمَّ كانت الغيبة الطولى.
وكان كل واحد منهم يعرف كمية المال جملة, وتفصيلا, ويسمون أربابها بإعلامهم ذلك من القائم عليه السلام .
والخبر الذي ذكرناه آنفا يدل على أنَّ خلفاء بني العباس خلفاً عن سلف منذ عهد الصادق إلى ذلك الوقت كانوا يعرفون هذا الأمر, ويطَّلعون على أحوال الأئمة, فقد كانوا يرون معجزاتهم على ما تقَّدم كثير منها, [فلهذا كفَّ الخليفة جعفر عن القوم, وعمَّا معهم, وعمَّا يصل إليهم من الأموال, ودفع جعفر الكذاب عن مطالبتهم] ولم يأمرهم بتسليمها اليه وانه كان يحب ان يخفى هذا الامر ولايشتهر لئلا يهتدي الناس إليهم.
وقد كان جعفر حمل عشرين الف دينار إلى الخليفة لما توفي الحسن العسكري عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبةَ اخي ومنزلته؟
فقال الخليفة: إنَّ منزلة أخيك ليست منَّا إنَّما كانت من الله, ونحن كنّا نجتهد في حط منزلته, والوضع منه, وكان الله يأبى إلا أنْ يزيده كل يوم بما كان معه من الصيانة، وحسن السمت، والعلم وكثرة العبادة.
وإنْ كنت عند شيعة أخيك بمنزلته, فلاحاجة بك الينا, وإنْ لم تكن عندهم بمنزلته, ولم يكن فيك ما في أخيك لم نُغنِ عنك في ذلك شيئاً)[5].

ـــــــــــــــ
[1] الغيبة/ الطوسي/ ص354.
[2] الغيبة / الطوسي/ ص354.
[3] الغيبة / الطوسي/ ص354
[4] الغيبة / الطوسي / ص362، ح327.
[5] الخرائج والجرائح / الراوندي / ج3، ص1108 ــ 1109.


المعجزة في توقيعات الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

بقلم: السيد ياسين الموسوي
ومن تلك التوقيعات الصحيحة التي تحدَّثت عن خوارق العادة، وكانت معجزة، ما رواه الكليني في الكافي الشريف:


1 . عن علي بن محمَّد، عن الفضل الخزاز المدائني مولى خديجة بنت محمَّد أبي جعفر عليه السلام قال: إنَّ قوماً من أهل المدينة من الطالبيين كانوا يقولون بالحق, وكانت الوظائف ترد عليهم في وقت معلوم. فلمَّا مضى أبو محمَّد عليه السلام رجع قوم منهم عن القول بالولد، فوردت الوظائف على مَنْ ثبت منهم على القول بالولد، وقطع عن الباقين، فلا يذكرون في الذاكرين والحمد لله رب العالمين[1].

2 . عن علي بن محمَّد قال: أوصل رجل من أهل السواد مالاً فردّ عليه, وقيل له: اخرج حقَّ وُلْدِ عَمِّك منه وهو أربعمائة درهم، وكان الرَّجل في يده ضيعة لِوُلْدِ عَمِّه, فيها شركة قد حبسها عنهم، فنظر فإذا الذي لولد عمِّه من ذلك المال أربعمائة درهم, فأخرجها, وأنفذ الباقي, فقبل[2].

3 . عن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدَّة بنين, فكنت أكتب, وأسأل الدعاء, فلا يكتب إليَّ لهم بشيء، فماتوا كلُّهم، فلمَّا ولد لي الحسن ابني كتبتُ أسأل الدعاء, فأُجِبْتُ: يبقى, والحمد لله[3].

4 . وروى عن عليِّ, عن النضر بن صباح البجلي، عن محمَّد بن يوسف الشاشي, قال: خرج بي ناصور على مقعدتي, فأريته الأطباء, وأنفقت عليه مالاً, فقالوا: لانعرف له دواء، فكتبت رقعة أسال الدّعاء, فوقعَّ عليه السلام إليَّ: ألبسك الله العافية، وجعلك معنا في الدنيا والاخرة.

قال: فما أتت عليّ جمعة حتى عوفيت, وصار مثل راحتي، فدعوت طبيباً من أصحابنا وأريته إياه، فقال: ما عرفنا لهذا دواء[4].

5 . وروى عن عليّ بن الحسين اليماني, قال: كنت ببغداد, فتهيأت قافلة لليمانيين، فأردتُ الخروج معها، فكتبتُ ألتمس الإذن في ذلك، فخرج: لاتخرج معهم , فليس لك في الخروج معهم خيرة , وأقم بالكوفة.

قال: وأقمتُ, وخَرَجَتْ القافلة فَخَرَجَتْ عليهم حنظلة, فاجتاحتهم.

وكتبت أستاذن في ركوب الماء, فلم يؤذن لي؛ فسألتُ عن المراكب التي خرجت في تلك السنة في البحر, فما سلم منها مركب، خرج عليها قوم من الهند يقال لهم (البوارح), فقطعوا عليها.

قال: وزرت العسكر, فأتيت الدَّرب مع المغيب ولم أكُلِّم أحداً, ولم أتَعَّرَف إلى أحد, وأنا اصلي في المسجد بعد فراغي من الزيارة, إذا بخادم قد جاءني, فقال لي: قم، فقلت له: إذن إلى اين؟.

فقال لي: إلى المنزل.

قلت: ومَنْ أنا, لعلك أُرْسِلْتَ إلى غيري؟!.

فقال: لا؛ ما أُرْسِلْتُ إلا إليك، أنت علي بن الحسين, رسول جعفر بن ابراهيم.

فَمَرَّ بي حتى أنزلني في بيت الحسين بن أحمد, ثم سارَّه, فلم أدر ما قال له: حتى أتاني جميع ما احتاج إليه، وجلست عنده ثلاثة أيام, واستأذنته في الزيارة من داخل, فأذن لي فزرت ليلاً[5].

6 . وروى عن الحسن بن الفضل بن زيد اليماني، قال: كتب أبي بخطِّه كتاباً, فورد جوابه. ثُمَّ كتبت بخطي فورد جوابه.

ثُمَّ كتب بخط رجل من فقهاء أصحابنا, فلم يرد جوابه؛ فنظرنا فكانت العلَّة أنَّ الرجل تحوّل قرمطياً.

قال الحسن بن الفضل: فزرتُ العراق, ووردت طوس, وعزمت أنْ لا أخرج إلا عن بيِّنة من أمري ونجاح من حوائجي, ولو احتجت أن اقيم بها حتى أتصدَّق قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام، وأخاف أنْ يفوتني الحج.

قال: فجئت يوماً إلى محمَّد بن أحمد اتقاضاه, فقال لي: صر إلى المسجد كذا وكذ, وأنَّه يلقاك رجل.

قال: فصرت اليه, فدخل عليَّ رجل, فلمَّا نظر اليَّ ضحك, وقال: لا تغتمّ, فإنَّك ستحج في هذه السنة, وتنصرف إلى أهلك, وولدك سالماً.

قال: فاطمأننت, وسكن قلبي, وأقول ذا مصداق ذلك, والحمد لله.

قال: ثُمَّ وردت العسكر، فَخَرَجَتْ إليَّ صُرَّةً فيها دنانير, فرددتها، وكتبتُ رقعة، ولم يشر الذي قبضها منِّي عليّ بشيء, ولم يتكلم فيها بحرف, ثُمَّ نَدِمْتُ بعد ذلك ندامة شديدة, وقلت في نفسي: كَفَرْتُ برَدِّي على مولاي؛ وكَتَبْتُ رقعة أعتذر من فعلي، وأبوء بالإثم, واستغفر من ذلك, وأنفذتها، وقمت أتمسح فأنا في ذلك أفكر في نفسي، وأقول إنْ رُدَّتْ عليَّ الدَّنانير لم أُحلِل صرارها, ولم أحدث فيها حتى أحملها إلى ابي فإنَّه أعلم منِّي, ليعمل فيها بما شاء.

فخرج اليَّ الرَّسول الذي حمل الي الصُّرَّة: أسأْتَ إذ لم تعلم الرجل إنَّا ربَّما فعلنا ذلك بموالينا, وربَّما سألونا ذلك يتبركون به.

وخرج إليَّ: أخْطَأْتَ في ردِّك برَّنا, فإذا استغفرتَ الله، فالله يغفر لك؛ فأمَّا إذا كانت عزيمتك, وعقد نيتك ألا تحدث فيها حدثاً, ولا تنفقها في طريقك, فقد صرفناها عنك, فأما الثوب, فلابد منه لتحرم فيه.

قال: وكتبتُ في معنيين, وأردت أن أكتب في الثالث, وامتنعت منه مخافة أن يكره ذلك؛ فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويت, مفسَّراً والحمد لله.

قال: وكنتُ وافقتُ جعفر بن ابراهيم النيسابوري بنيسابور على أن أركب معه, وأزامله، فلمَّا وافيت بغداد بدا لي، فاستقلْته, وذهبت أطلب عديلاً، فلقيني ابن الوجنا بعد أنْ كنت صرتُ إليه وسألته أنْ يكتري لي فوجدته كارهاً, فقال لي: أنا في طلبك, وقد قيل لي: إنَّه يصحبك, فأحسن معاشرته, واطلب له عديلاً, واكترِ له[6].

7 . وروى عن علي بن محمَّد، عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككتُ في أمر حاجز, فجمعت شيئاً, ثُمَّ صرتُ إلى العسكر, فخرج اليَّ ليس فينا شك, ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا؛ رُدَّ ما معك إلى حاجز بن يزيد[7].

8 . عن عليّ، عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن الحسن, والعلاء بن رزق الله, عن بدر غلام أحمد بن الحسن, قال: وردتُ الجبل, وأنا لا أقول إلا بالإمامة, أحبّهم جملة, إلى أن مات يزيد بن عبد الله, فأوصى في علته أن يدفع الشهري السمند, وسيفه, ومنطقته, إلى مولاه, فخفت إنْ أنا لم أدفع الشهري إلى اذ كوتكين نالني منه استخفاف, فقوّمت الدَّابة, والسيف, والمنطقة بسبعمائة دينار في نفسي, ولم أطلع عليه أحداً، فإذا الكتاب قد ورد عليَّ من العراق: وَجِّه السبع مائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري, والسيف, والمنطقة[8].

9 . وعن عليّ, عمَّن حدَّثه قال: وُلِدَ لي وَلَدٌ, فكتبت أستاذن في طهره يوم السابع, فورد: (لا تفعل).

فمات في اليوم السابع, أو الثامن.

ثُمَّ كتبت بموته, فورد: (ستخلف غيره, وغيره, تُسمِّيه أحمد ومن بعد أحمد، جعفراً).

فجاء كما قال.

قال: وَتَهَّيأتُ للحج, وَوَدَّعْتُ النَّاس, وكنت على الخروج, فورد: (نحن لذلك كارهون, والأمر اليك).

قال: فضاق صدري, واغتممتُ, وكتبتُ أنا مقيم على السمع, والطاعة , غير أنَّي مغتم بتخلفي عن الحج.

فوقَّع: لايضيقن صدرك , فإنَّك ستحج من قابل إن شاء الله.

قال: ولمَّا كان من قابل كتبتُ أستأذن فورد الإذن, فكتبت: إنِّي عادلت محمَّد بن العباس, وأنا واثق بديانته وصيانته، فورد: الأسدي نعم العديل، فإنْ قدم فلاتختر عليه.

فقدم الأسدي, وعادلته[9].

10 . وعن عليّ بن محمَّد, قال: حمل رجل من أهل آبة شيئاً يوصله, ونسي سيفاً بآبة، فأنفذ ما كان معه, فكتب إليه ما خبر السيف الذي نسيته [10].

11 . وعن الحسن بن خفيف، عن أبيه قال: بعث بخدم إلى مدينة الرسول 2, ومعهم خادمان, وكتب إليَّ (خفيف) أنْ يخرج معهم, فخرج معهم, فلمَّا وصلوا إلى الكوفة شرب أحد الخادمين مسكراً، فما خرجوا من الكوفة حتى ورد كتاب من العسكر بردِّ الخادم الذي شرب المسكر, وعُزِل عن الخدمة[11].

12 . وعن عليِّ بن محمَّد، عن محمَّد بن عليِّ بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم تنتقص عشرين درهماً, فأنفت أنْ أبعث بخمسمائة تنقص عشرين درهماً, فوزنت من عندي عشرين درهماً, وبعثتها إلى الأسدي, ولم أكتب مالي فيها, فورد: وصلت خمسمائة درهم, لك منها عشرون درهماً[12].

13 . وروى عن الحسين بن محمَّد الأشعري قال: كان يرد كتاب أبي محمَّدعليه السلام في الإجراء على الجنيد قاتل فارس, وأبي الحسن وآخر، فلمَّا مضى أبو محمَّد عليه السلام ورد استيناف من الصاحب لأُجراء أبي الحسن, وصاحبه, ولم يرد في أمر الجنيد بشيء قال: فاغتممت لذلك؛ فورد نعيُ الجنيد بعد ذلك[13].

14 . وروى عن عليِّ بن محمَّد، عن أبي عقيل عيسى بن نصر قال: كتبَ عليُّ بن زياد الصيمري يسأل كفناً, فكتب إليه: إنَّك تحتاج اليه في سنة ثمانين.

فمات في سنة ثمانين, وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام[14].

15 . وروى عن عليّ بن محمَّد، عن محمَّد بن هارون بن عمران الهمداني قال: كان للناحية علَيَّ خمسمائة دينار, فضقت بها ذرعاً, ثُمَّ قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة وثلاثين, ديناراً قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار, ولم أنطق بها[15].

فكتب إلى محمَّد بن جعفر: اقبض الحوانيت من محمَّد بن هارون بالخمسمائة دينار التي لنا عليه.

16 . وروى عن الحسين بن الحسن العلوي قال: كان رجل من ندماء روزحسني, وآخر معه, فقال له: هو ذا يجبي الأموال, وله وكلاء, وسمَّوا جميع الوكلاء في النَّواحي, وأَنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم, فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل, فإنَّ هذا أمر غليظ.

فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء؟.

فقال السلطان: لا, ولكن دُسُّوا لهم قوماً لايعرفون بالأموال، فَمَنْ قبض منهم شيئاً قُبِضَ عَلَيه.

قال: فخرج بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء أنْ لايأخذوا من أحد شيئاً, وأنْ يمتنعوا من ذلك، ويتجاهلوا الأمر.

فاندس لمحمَّد بن أحمد رجل لايعرفه, وخلا به, فقال: معي مال أُريد أنْ أُوصله.

فقال له محمَّد: غلطت, أنا لا أعرف مِنْ هذا شيئاً.

فلم يزل يتلطفه, ومحمَّد يتجاهل عليه.

وبثوا الجواسيس, وامتنع الوكلاء كلُّهم, لما كان تقدم اليهم [16].

17 . وروى الصدوق في كمال الدين قال: حدَّثني أبي (رضي الله عنه), قال: حَدَّثنا سعد بن عبد الله، عن إسحاق بن يعقوب, قال: سمعتُ الشيخ العَمْري (رضي الله عنه) يقول: صحبت رجلاً من أهل السواد, ومعه مال للغريمعليه السلام , فأنفذه فَرُدَّ عليه, وقيل له: أخرج حقَّ ولد عمَّك منه, وهو أربعمائة درهم.

فبقي الرجل متحيِّراً, باهتاً, متعجباً, ونظر في حساب المال, وكانت في يده ضيعة لولد عمِّه قد كان رَدَّ عليهم بعضها, وزوى عنهم بعضها, فإذا الذي نضَّ لهم من ذلك المال أربعمائة درهم، كما قال عليه السلام ؛ فأخرجه, وأنفذ الباقي، فقبل[17].

18 . وروى ايضاً قال: حدَّثني أبي (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله، عن عليِّ بن محمَّد الرازي, قال: حدثني جماعة من أصحابنا: أنَّه بعث إلى أبي عبد الله بن الجنيد وهو بواسط غلاماً, وأمر ببيعه, فباعه, وقبض ثمنه؛ فلمَّا عير الدنانير نقصت من التعيير ثمانية عشر قيراطاً وحبة، فوزن من عنده ثمانية عشر قيراطاً وحبة, وأنفذها فَرَدَّ عليه ديناراً وزنه ثمانية عشر قيراطاً وحبَّة[18].

19 . وروى الصدوق قال: حدَّثنا محمَّد بن الحسن (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبدالله، عن عليِّ بن محمَّد الرازي, المعروف بعلان الكليني قال: حدثني محمَّد بن جبرئيل الأهوازي، عن إبراهيم ومحمَّد ابني الفرج، عن محمَّد بن ابراهيم بن مهزيار إنَّه ورد العراق شاكاً مرتاداً, فخرج إليه: قل للمهزياري قد فهمنا ما حكيته عن موالينا بناحيتكم, فقل لهم: أما سمعتم الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[19].

هل أمر إلا بما هو كائن إلى يوم القيامة، أو لم تروا أنَّ الله عزَّ وجل جعل لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها من لدن آدم عليه السلام إلى ان ظهر الماضي [أبو محمَّد] صلوات الله عليه،كُلَّما غاب عَلَمٌ بدا عَلَمٌ، وإذا أفِلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ, فَلَمَّا قَبَضَهُ اللهُ إليه ظَنَنْتُم أنَّ الله عزَّ وجل قد قطع السبب بينه وبين خلقه, كلا ما كان ذلك, ولايكون حتى تقوم الساعة, ويظهر أمر الله عزَّ وجل, وهم كارهون.

يا محمَّد بن إبراهيم: لا يدخلك الشك فيما قدمت له, فإنَّ الله (عزَّ وجل) لايخلي الارض من حجة، أليس قال لك أبوك قبل وفاته: إحضر الساعة مَنْ يُعَيِّر هذه الدنانير التي عندي، فلما ابطئ ذلك عليه، وخاف الشيخ على نفسه الوحا قال لك: عيِّرها على نفسك، وأخرج اليك كيساً كبيراً, وعندك بالحضرة ثلاثة أكياس، وصُرَّة فيها دنانير مختلفة النقد, فعيِّرتَها, وختم الشيخ بخاتمه, وقال لك: اختم مع خاتمي فإنْ أعش فأنا أحَقُّ بها، وإنْ أَمُتْ فاتقِ الله في نفسك أولاً، ثُمَّ فيَّ، فَخَلِّصْنِي, وكن عند ظنِّي بك.

أَخرج رحمك الله الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا, وهي بضعة عشر ديناراً, واسترد من قبلك فإن الزَّمان اصعب مما كان, وحسبنا الله, ونعم الوكيل.

قال محمَّد بن إبراهيم: وقدمت العسكر زائراً, فقصدت الناحية, فلقيتني امرأة, وقالت: أنت محمَّد بن ابراهيم؟.

فقلت: نعم.

فقالت لي: انصرف, فإنَّك لاتصل في هذا الوقت، وارجع الليلة فإنَّ الباب مفتوح لك, فادخل الدار، واقصد البيت الذي فيه السراج.

فَفَعَلْتُ, وقصدتُ الباب فإذا هو مفتوح, فدخلتُ الدَّار, وقصدتُ البيت الذي وصفَتْه, فبينا أنا بين القبرين أنتحب, وأبكي, إذ سمعت صوتاً, وهو يقول: يا محمَّد! اتق الله, وتب من كل ما أنت عليه, فقد قُلِّدتَ أمراً عظيماً[20].

20 . وروى الصدوق في كمال الدين قال: وحدَّثنا محمَّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله، عن عليِّ بن محمَّد الرازي، عن نصر بن الصباح البلخي قال: كان بمرو كاتب كان للخوزستاني ــ سماه لي نصر ــ واجتمع عنده ألف دينار للناحية, فاستشارني, فقلت: ابعث بها إلى الحاجزي, فقال: هو في عنقك إنْ سألني الله (عزَّ وجل) عنه يوم القيامة؟.

فقلت: نعم.

قال نصر: ففارقته على ذلك, ثُمَّ انصرفتُ إليه بعد سنتين, فلقيته, فسألته عن المال, فذكر: أنَّه بعث من المال بمائتي دينار إلى الحاجزي: فورد عليه وصولها, والدعاء له, وكتب اليه: كان المال ألف دينار, فبعثت بمائتي دينار, فإنْ أحببت أنْ تعامل أحداً, فعامل الأسدي بالرَّي.

قال نصر: وورد عليّ نعي حاجز, فجزعتُ من ذلك جزعاً شديداً, واغتممت له, فقلتُ له: ولِمَ تغتمُّ, وتجزع, وقد مَنَّ الله عليك بدلالتين؛ قد أخبرك بمبلغ المال, وقد نعى اليك حاجزاً مبتدئا[21].

21 . وروى الصدوق عن أبيه (رضي الله عنه), قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن عليِّ بن محمَّد الرازي, قال: حدَّثني نصر بن الصباح قال: أنفذ رجل من أهل بلخ خمسة دنانير إلى حاجز, وكتب رقعة, وغَيَّر فيها اسمه؛ فخرج إليه الوصول باسمه, ونسبه, والدعاء له[22].

والتوقيعات في هذا المعنى كثيرة جداً لامجال لذكرها جميعها، ولذلك اخترنا هذه المجموعة ويمكننك أن تراجعها في مظانَّها إن شئت الزيادة, علماً أنَّ العلماء الأعلام قد كتبوا فصولاً, والَّفوا كتباً مستقلة, جمعوا فيها تلك التوقيعات الشريفة.


ــــــــــــــــ
[1] الكافي / ج1، ص518، ح7.
[2] الكافي / ج1، ص519، باب مولد الصاحب (عج)، ح8.
[3] الكافي / ج1، ص519، باب مولد الصاحب (عج)، ح9.
[4] الكافي / ج1، ص519، باب مولد الصاحب (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ح11.
[5] الكافي /ج1، ص 519، ح12.
[6] الكافي / ج1، ص520، ح13.
[7] الكافي / ج1، ص521، ح14.
[8] الكافي/ ج1، ص522، ح16.
[9] الكافي / ج1 ص522، ح17.
[10] الكافي /ج1، ص522، ح20.
[11] الكافي/ ج1 / ص522، ح21.
[12] الكافي / ج1، ص522، ح23.
[13] الكافي / ج1، ص524، ح24.
[14] الكافي / ج1، ص524، ح27.
[15] الكافي / ج1، ص524، ح28.
[16] الكافي / ج1، ص525، ح30.
[17] كمال الدين / ص486، ح6.
[18] كمال الدين / ص486، ح7.
[19] من الآية (59) / سورة النساء.
[20] كمال الدين / ص486، ح8.
[21] كمال الدين / ص488، ح9.
[22] كمال الدين / ص488، ح10.

بعض كرامات النواب الأربعة للإمام المهدي عليه السلام

بقلم: السيد ياسين الموسوي

وقد حفظ لنا التاريخ كثيراً منها, نذكر لك بعضاً منها:

1 . قال الصدوق في كمال الدين: حدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن علي الأسود (رضي الله عنه), قال: سألني عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي الله عنه) بعد موت محمَّد بن عثمان العَمْري (رضي الله عنه) أنْ أسأل أبا القاسم الرُّوحي أنْ يسأل مولانا صاحب الزَّمان عليه السلام أنْ يدعو الله عزَّ وجل أنْ يرزقه ولداً ذكراً قال: فسألته, فأنهى ذلك.

ثُمَّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة ايام: إنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين, وإنَّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به, وبعده أولاد.

قال أبو جعفر محمَّد بن علي الأسود (رضي الله عنه), وسألته في أمر نفسي أنْ يدعو الله لي أنْ يرزقني ولداً ذكراً, فلم يجبني إليه, وقال: ليس إلى هذا سبيل.

قال: فولد لعلي بن الحسين (رضي الله عنه) محمَّد بن علي, وبعده أولاد, ولم يولد لي شيء.

ثُمَّ قال مصّنف هذا الكتاب (كمال الدين) وهو الشيخ الصدوق المولود بدعاء الإمام الحجة محمَّد بن علي بن الحسين (رضي الله عنه): كان أبو جعفر محمَّد بن علي الأسود (رضي الله عنه) كثيراً ما يقول لي ـ إذا رآني اختلف إلى مجلس شيخنا محمَّد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد (رضي الله عنه) وأرغب في كتب العلم، وحفظه: ليس بعجب أنْ تكون لك هذه الرغبة في العلم, وأنت ولدت بدعاء الإمام عليه السلام[1].

2 . وروى الصدوق قال: حدَّثنا أبو الحسين صالح بن شعيب الطالقاني (رضي الله عنه) في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة, قال: حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن ابراهيم بن مخلّد, قال: حضرت بغداد عند المشايخ (رضي الله عنهم), فقال الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمَّد السمري (قدس الله روحه) إبتداء منه: رحم الله عليَّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.

قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم, فورد الخبر: إنَّه توفي ذلك اليوم.

ومضى أبو الحسن السمري (رضي الله عنه) بعد ذلك في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة[2].

3 . وقال الصَّدوق: وأخبرنا محمَّد بن علي بن متيل قال: كانت امرأة يقال لها: زينب من أهل آبة, وكانت امراة محمَّد بن عبديل الآبي, معها ثلاثمائة دينار, فصارت إلى عمِّي جعفر بن محمَّد بن متيل, وقالت: أحبّ أنْ أسُلِّمَ هذا المال من يدي إلى يد أبي القاسم بن روح.

قال: فأنفذني معها أُترجم عنها، فلمَّا دخلت على أبي القاسم (رضي الله عنه) أقبل يكلِّمها بلسان آبي فصيح, فقال لها: (زينب جونا، خويذا، كوابذا، جون استه) ومعناه كيف أنت؟ وكيف كُنْتِ؟ وما خبر صبيانك؟.

قال: فاستغنت عن الترجمة, وسلَّمت المال, ورجعت[3].

4 . وروى الصدوق قال: وأخبرنا محمَّد بن علي بن متيل قال: قال عمِّي جعفر بن محمَّد بن متيل: دعاني أبو جعفر محمَّد بن عثمان السَّمان المعروف بالعَمْري (رضي الله عنه), فأخرج إليَّ ثويبات معلمة, وصُرَّة فيها دراهم, فقال لي: يحتاج أنْ تصير بنفسك إلى واسط في هذا الوقت, وتدفع ما دفعت إليك إلى أول رجل يلقاك عند صعودك من المركب إلى الشط بواسط.

قال: فتداخلني من ذلك غمّ شديد، وقلت: مثلي يرسل في هذا الأمر, ويحمل هذا الشيء الوتح؟ أي القليل.

قال: فخرجت إلى واسط, وصعدت المركب، فأوَّل رجل يلقاني سألته عن الحسن بن محمَّد بن قطاة الصيدلاني, وكيل الوقف بواسط، فقال: أنا هو، من أنت؟.

فقلت: أنا جعفر بن محمَّد بن متيل.

قال: فعرفني باسمي، وسلَّم عليَّ، وسلَّمْتُ عليه، وتعانقنا، فقلت له: أبو جعفر العَمْري يقرأ عليك السلام، ودفع إليَّ هذه الثويبات، وهذه الصُّرَّة لأسلِّمها إليك.

فقال الحمد لله, فإنَّ محمَّد بن عبد الله الحائري قد مات، وخرجت لإصلاح كفنه، فَحَلَّ الثياب وإذا فيها ما يحتاج إليه من حبر، وثياب، وكافور في الصُّرَّة، وكرى الحمَّالين, والحفار.

قال: فشيَّعنا الجنازة، وانصرفت[4].

5 . وقال الصدوق: وأخبرنا أبو محمَّد الحسن بن محمَّد بن يحيى العلوي ابن أخي طاهر ببغداد طرف سوق القطن في داره, قال: قدم أبو الحسن علي بن أحمد بن علي العقيقي ببغداد سنة ثمان وتسعين ومائتين إلى علي بن عيسى بن الجراح. وهو يومئذ وزير في أمر ضيعة له، فسأله، فقال له: إنَّ أهل بيتك في هذا البلد كثير, فإنْ ذَهْبَنا نعطي كُلَّما سألونا طال ذلك أو كما قال.

فقال له العقيقي: فإنِّي أسأله مَنْ في يده قضاء حاجتي.

فقال له علي بن عيسى: مَنْ هو؟.

فقال: الله عزَّ وجل، وخرج مغضباً.

قال: فخرجت وأنا أقول: في الله عزاء من كل هالك، ودرك من كل مصيبة.

قال: فانصرفت، فجاءني الرَّسول من عند الحسين بن روح (رضي الله عنه وأرضاه)، فشكوت اليه، فذهب من عندي، فأبلغه, فجاءني الرَّسول بمائة درهم عدداً، ووزناً، ومنديل، وشيء من حنوط، وأكفان, وقال لي: مولاك يقرئك السلام, ويقول لك: إذا أهمَّك أمر، أو غمّ فامسح بهذا المنديل وجهك, فإنَّ هذا منديل مولاك عليه السلام، وخذ هذه الدراهم، وهذا الحنوط، وهذه الأكفان، وستقضى حاجتك في ليلتك هذه، وإذا قدمت إلى مصر يموت محمَّد بن اسماعيل من قبلك بعشرة أيام, ثُمَّ تموت بعده فيكون هذا كفنك, وهذا حنوطك, وهذا جهازك.

قال: فأخذتُ ذلك, وحفظته، وأنصرف الرَّسول، وإذا أنا بالمشاعل على بابي، والباب يُدَّق، فقلت لغلامي خير: يا خير, انظر أي شيء هو ذا؟

فقال خير: هذا غلام حميد بن محمَّد الكاتب أبن عم الوزير.

فادخله إليَّ، فقال لي: قد طلبك الوزير، ويقول لك مولاي حميد اركب إليَّ.

قال: فركبت [وخبت الشوارع, والدروب]، وجئتُ إلى شارع الرزازين، فإذا بحميد ينتظرني، فلمَّا رآني أخذ بيدي، وركبنا، فدخلنا على الوزير، فقال لي الوزير: يا شيخ قد قضى الله حاجتك، واعتذرَ إليَّ، ودفع إليَّ الكتب مكتوبة مختومة قد فرغ منها.

قال: فأخذتُ ذلك، وخرجتُ.

قال أبو محمَّد الحسن بن محمَّد, فحدَّثنا أبو الحسن علي بن أحمد العقيقي (رحمه الله) بنصيبين بهذا, وقال لي: ما خرج هذا الحنوط الا لعمَّتي فلانة لم يسمِّها, وقد نعيت إليّ نفسي، ولقد قال لي الحسين بن روح (رضي الله عنه): إنِّي أملك الضيعة, وقد كتب لي بالذي أردت، فقمت إليه، وقَبَّلْتُ رأسه، وعينيه، وقلت: يا سيدي أرني الأكفان، والحنوط، والدراهم.

قال: فأخرج إليَّ الأكفان، وإذا فيها برد حبرة, مسهم, من نسيج اليمن، وثلاثة أثواب مروي، وعمامة، وإذا الحنوط في خريطة، وأخرج إليَّ الدراهم، فعددتها مائة درهم، ووزنها مائة درهم.

فقلت: يا سيدي: هب لي منها درهماً أصوغه خاتماً.

قال: وكيف يكون ذلك، خذ من عندي ما شئت.

فقلت: أريد من هذه، وألححت عليه، وقَبَّلْتُ رأسه، وعينيه, فأعطاني درهماً، فشددتهُ في منديل، وجعلتهُ في كُمِّي، فلما صرت إلى الخان, فتحت زنفيلجة[5] معي، وجعلت المنديل في الزنفيلجة, وقيد الدرهم مشدود، وجعلت كتبي, ودفاتري فوقه، وأقمتُ أياماً, ثُمَّ جئت أطلب الدرهم, فإذا الصُّرَّة مصرورة بحالها, ولاشيء فيها، فأخذني شبه الوسواس، فصرتُ إلى باب العقيقي، فقلت لغلامه خير: أُريد الدُّخول إلى الشيخ.

فادخلني اليه، فقال لي: مالك؟.

فقلت: يا سيدي الدّرهم الذي أعطيتني إيَّاه ما أصبته في الصُّرَّة، فدعا بالزنفليجة، وأخرج الدَّراهم, فإذا هي مائة درهم عدداً، ووزناً، ولم يكن معي أحد اتهمته، فسألته في ردِّه إليَّ فأبى، ثُمَّ خرج إلى مصر، وأخذ الضيعة، ثُمَّ مات قبله محمَّد بن إسماعيل بعشرة أيام كما قيل، ثُمّ توفي (رضي الله عنه) وكُفِّنَ في الأكفان التي دُفِعَتْ إليه[6].

6 . وقال الصدوق حدَّثنا محمَّد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني (رضي الله عنه), قال: كنتُ عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه), مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل, فقال له: إنِّي أريد أن أسألك عن شي، فقال له: سل عمَّا بدا لك.

فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليه السلام أهو ولي الله؟.

قال: نعم.

قال: أخبرني عن قاتله، أهو عدو الله؟.

قال: نعم.

قال الرَّجل: فهل يجوز أنْ يسلِّط الله عزَّ وجل عدوَّه على وليِّه؟.

فقال له أبو القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه): إفهم عَنِّي ما أقول لك: إعلم أنَّ الله (عزَّ وجل) لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولايشافههم بالكلام، ولكنَّه جلَّ جلاله يبعث اليهم رسلاً من أجناسهم, وأصنافهم بشراً مثلهم، ولو بعث اليهم رسلاً من غير صنفهم, وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا، منهم.

فلمَّا جاؤوهم، وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: انتم بشر مثلنا، ولا نقبل منكم حتى تأتوننا بشيء نعجز أنْ نأتي بمثله، فنعلم أنَّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه.

فجعل الله (عزَّ وجل) لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها، فمِنْهُمْ: مَنْ جاء بالطوفان بعد الإنذار، والإعذار، فغرق جميع من طغى، وتَمَرَّدَ.

ومِنْهُمْ: مَنْ أُلْقِيَ في النار، فكانت برداً، وسلاماً.

ومِنْهُمْ: مَنْ أخْرَجَ من الحجر الصلد، ناقة, وأجرى من ضرعها لبناً.

ومِنْهُمْ: مَنْ فُلِقَ له البحر، وفُجِّرَ له من الحجر العيون، وجُعِلَ له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفكون.

ومِنْهُمْ: مَنْ أبرأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبأهم بما يأكلون, وما يدَّخرون في بيوتهم.

ومِنْهُمْ: مَنْ أنشقَّ له القمر، وكلمته البهائم, مثل البعير، والذئب، وغير ذلك.

فلمَّا أتوا بمثل ذلك، وعجز الخلق عن أمرهم، وعن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله (عزَّ وجل)، ولطفه بعباده، وحكمته أنْ جعل أنبياءه عليهم السلام مع هذه القدرة، والمعجزات في حالةٍ غالبين، وفي أخرى مغلوبين؛ وفي حالٍ قاهرين، وفي أخرى مقهورين، ولو جعلهم الله عزَّ وجل في جميع أحوالهم غالبين، وقاهرين، ولم يبتلهم، ولم يمتحنهم لاتخذهم النَّاس آلهة من دون الله عزَّ وجل.

ولما عرف فضل صبرهم على البلاء، والمحن، والاختبار، ولكنَّه (عزَّ وجل) جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة، والبلوى صابرين، وفي حال العافية، والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد انّ لهم إلهاً هو خالقهم، ومدبرهم، فيعبدوه، ويطيعوا رسله، وتكون حجة الله ثابتة على مَنْ تجاوز الحدَّ فيهم، وأدَّعى لهم الربوبية، أو عاند،،أو خالف،وعصى، وجحد بما أتت به الرسل، والأنبياء عليهم السلام.

{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}[7].

قال محمَّد بن إبراهيم بن اسحاق (رضي الله عنه): فعدتُ إلى الشيخ أبي القاسم بن روح قدس الله روحه من الغد، وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه.

فأبتدأني، فقال لي: يا محمَّد بن ابراهيم! لإن أَخِرَّ مِنَ السماء، فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليَّ مِنْ أنْ أقول في دين الله عزَّ وجل برأيي، أو من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل[8]، ومسموع عن الحجَّة (صلوات الله عليه وسلامه) [9].

7 . وقال الصدوق: حدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن علي بن أحمد بن بزرج، بن عبد الله بن منصور بن يونس بن بزرج صاحب الصادق عليه السلام قال: سمعت محمَّد بن الحسن الصيرفي الدورقي المقيم بأرض بلخ يقول: أردت الخروج إلى الحج، وكان معي مال بعضه ذهب، وبعضه فضة، فجعلت ما كان معي من الذهب سبائك، وما كان معي من الفضة نُقُراً, وكان قد دفع ذلك المال إليَّ لأُسَلِّمَهُ من الشيخ[10] أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه)، قال:

فلما نزلت سرخس ضربتُ خيمتي على موضع فيه رمل، فجعلت أميِّز تلك السبائك، والنقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منِّي، وغاضت في الرَّمل، وأنا لا أعلم.

قال: فلمَّا دخلتُ همدان ميَّزْتُ تلك السبائك، والنُّقَرَ مرَّة أخرى اهتماماً منِّي بحفظها، ففقدتُ منها سبيكة، وزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل، أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالاً: قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة، وجعلتها بين السبائك.

فلمَّا وردتُ مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه)، وسلمت إليه ما كان معي من السبائك، والنقر، فمدَّ يده من بين تلك السبائك إلى السبيكة التي كنتُ سبكتها من مالي بدلاً مما ضاع منِّي، فرمى بها اليّ، وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا، وسبيكتنا ضَيَّعْتَها بسرخس حيث ضَرَبْتَ خيمتك في الرَّمل، فارجع إلى مكانك، وانزل حيث نزلت، وأطلب السبيكة هناك تحت الرَّمل، فإنَّك ستجدها, وستعود إلى ههنا, فلا تراني.

قال: فرجعت إلى سرخس، ونزلت حيث كنت نزلت، فوجدت السبيكة تحت الرَّمل، وقد نبت عليها الحشيش، فأخذت السبيكة، وانصرفت إلى بلدي، فلمَّا كان بعد ذلك حججتُ، ومعي السبيكة، فدخلتُ مدينة السلام، وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) مضى، ولقيت أبا الحسن علي بن محمَّد السمري (رضي الله عنه) فسلَّمْتُ السبيكة إليه[11].

8 . وقال الصدوق: حدَّثنا الحسين بن علي بن محمَّد القمي المعروف بأبي علي البغدادي قال:
كنت ببخارى، فدفع اليّ المعروف بابن جاوشير عشرة سبائك ذهباً، وأمرني أنْ أُسَلِّمها بمدينة السلام إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه).

فَحَمَلْتُها معي، فلمَّا بلغت آمويه ضاعت منِّي سبيكة من تلك السبائك، ولم أعلم بذلك حتىَّ دخلتُ مدينة السلام، فأخرجتُ السبائك لأسلِّمها، فوجدتُها قد نقصت واحدة، فاشتريتُ سبيكة مكانها بوزنها، وأضفتُها إلى التسع السبائك؛ ثُمَّ دخلتُ على الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه)، ووضعتُ السبائك بين يديه، فقال لي: خذ تلك السبيكة التِّي اشتريتها، وأشار إليها بيده, وقال: إنَّ السبيكة التي ضَيَّعْتَها قد وصلت إلينا، وهو ذا هي، ثُمَّ أخرج إليَّ تلك السبيكة التي كانت ضاعت منِّي بآمويه، فنظرتُ إليها فعرفتها.

قال الحسين بن علي بن محمَّد المعروف بأبي علي البغدادي، ورأيتُ تلك السنة بمدينة السلام امرأة، فسألتني عن وكيل مولانا عليه السلام من هو؟.

فأخبرها بعض القميين: انَّه أبو القاسم الحسين بن روح، وأشار إليها، فدخلَتْ عليه، وأنا عنده، فقالت له: أيُّها الشيخ, أي شيء معي؟.

فقال: ما معك , فألقيه في الدجلة، ثُمَّ إئتيني حتَّى أخبرك.

قال: فذهبت المرأة، وحَمَلَتْ ما كان معها, فألقته في الدجلة، ثُمَّ رجعت, ودخلت إلى أبي القاسم الرُّوحي (قدس الله روحه).

فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إليّ الحُقَّ.

فأخْرَجَتْ إليه حقّة، فقال للمرأة: هذه الحقّة التي كانت معك، ورميت بها في الدجلة؟ أخبرك بما فيها، أو تخبريني؟. فقالت له: بل, أخبرني أنت.

فقال: في الحقّة زوج سوار ذهب، وحلقة كبيرة, فيها جوهرة، وحلقتان صغيرتان, فيهما جوهر, وخاتمان: أحدهما فيروزج، والآخر عقيق.

فكان الأمر كما ذكر, لم يغادر منه شيئاً، ثُمَّ فتح الحقة، فعرض عليّ ما فيها، فنظرت المرأة إليه, فقالت: هذا الذي حملته بعينه، ورميت به في الدجلة، فغشي عليَّ، وعلى المرأة فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة.

ثم قال الحسين لي بعدما حدَّثني بهذا الحديث: أشهد عند الله عزَّ وجل يوم القيامة بما حدَّثت به أنَّه كما ذكرته لم أزد فيه، ولم أنقص منه، وحلف بالأئمة الأثني عشر (صلوات الله عليهم) لقد صدق فيما حدَّث به وما زاد فيه, وما نقص منه[12].

9 . وقال الطوسي قال ابن نوح: أخبرني ابو نصر هبة الله بن محمَّد قال: حدثني [أبو] علي بن أبي جيد القمي (رحمه الله), قال: حدَّثنا أبو الحسن عليّ بن أحمد الدَّلال القمي, قال: دخلتُ على أبي جعفر محمَّد بن عثمان (رضي الله عنه) يوماً لأسلِّم عليه، فوجدته, وبين يديه ساجة, ونقاش ينقش عليها، ويكتب آياً من القرآن، وأسماء الأئمة عليهم السلام على حواشيها.

فقلت له: يا سيدي ما هذه الساجة؟.

فقال لي: هذه لقبري تكون فيه أوضع عليها، أو قال: أسند إليها، وقد فرغت (عرفت،عزفت خ.ل) منه، وأنا في كل يوم أنزل فيه, فأقرأ جزءاً من القرآن (فيه), فأصعد.

وأظُّنه قال: فأخذ بيدي وأرانيه.فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا, صرت إلى الله عزَّ وجل، ودفنت فيه, وهذه الساجة (معي).

فلَّما خرجتُ من عنده، أَثْبَتُّ ما ذكره، ولم أزل مترقباً به ذلك, فما تأخر الأمر حتى اعتل أبو جعفر، فمات في اليوم الذي ذكره, من الشهر الذي قاله, من السنة التي ذكرها, ودفن فيه.

قال أبو نصر هبة الله: وقد سمعت هذا الحديث من غير [أبي] عليّ, وحدَّثتني به أيضاً ام كلثوم بنت أبي جعفر (رضي الله تعالى عنهما)[13].

والأخبار في ذلك كثيرة لكننا اقتصرنا على هذا المقدار روماً للاختصار، وفيه كفاية لمن كان له قلب، أو القى السمع وهو شهيد فقد كان أولئك النُّواب عليهم السلام في أوصافهم الذاتية بمرتبة عالية من الكمال, والقداسة بحيث أجرى الله (عزَّ وجل) على أيديهم الكرامات، وثبت لكل عارف عياناً صدق ادعائهم، وارتباطهم ببقية الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف.


ـــــــــــــــــــــ
[1] كمال الدين / ص502، ح31.
[2] كمال الدين /ص 503، ح32
[3] كمال الدين / ص503، ح34.
[4] كمال الدين / ص504، ح35.
[5] وعاء يستخدم لحمل بعض الأمتعة، ويسمى باللهجة العراقية (الزنبيل)، وفي معجمات اللغة: وعاء الراعي.
[6] كمال الدين / ص505، ح36.
[7] من الآية (42) / سورة الانفال.
[8] ربّما تُفَسََّّر كلمة (الأصل) بالإمام عليه السلام, ولذلك فقد عدََّّ بعض الفقهاء أنَّ من اسماء الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (الأصل) ولكن قد يردّ عليه: بأنَّ عطفه على: (ومسموع عن الحجة) ان هذا الثاني طريق اخر من مصادر المعرفة عند النائب ابن روح (رضي الله تعالى عنه). وربَّما يُفَسََّّر (الأصل) بالكتب المعبَّرّ عنها في كتب الرجال بـ(الأصل), وما جمعت تحت عنوان: الاصول الأربعمائة. فقد يكون الجواب موجوداًً في أصل من تلك الأصول الصحيحة التي كان قد عرفها النائب ابن روح (رضي الله عنه) ولم يُعلن هذا الأصل؛ كما أنَّ هناك كثيراً من الأصول التي ضاعت عنا ولم تصلنا وربَّما يقال ايضاً: إنَّ (الأصل), هو الكتب المختصة عند النواب الأربعة, كما إن هناك كتباً مختصة عند الأئمة عليهم السلام المسمَّاة بالجفر الأبيض. وان هذا الكتاب المسمّى بـ(الأصل) لم يصلنا, ولم نعرفه لانه مختص بالنواب الأربعة. وقد يستشهد لهذه الحقيقة في ان هناك كتباً كانت عند النواب الأربعة بما ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) في غيبته , ص 363, الفقرة 328: ((قال ابن نوح: أخبرني أبو نصر هبة الله ابن بنت أُم كلثوم بنت أبي جعفر العَمْري, قال: كان لأبي جعفر محمَّد بن عثمان العَمْري كتب مصَّنفة في الفقه ممّا سمعها من أبي محمَّد الحسن عليه السلام, ومن الصاحب عليه السلام, من أبيه عثمان بن سعيد , عن أبي محمد , وعن أبيه عليّ بن محمَّد عليهم السلام, فيهما كتب ترجمتها: كتب الأشربة. ذكرت الكبيرة أُم كلثوم بنت أبي جعفر (رضي الله عنها) أنها وصلت إلى أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) عند الوصية إليه, وكانت فريدة. قال أبو نصر: واظنُّها قالت: وصلت بعد ذلك الى أبي الحسن السَّمري (رضي الله عنه, وأرضاه).
[9] كمال الدين / ص507، ح37
[10] في بعض النسخ البدل (لتسليمه إلى الشيخ..)
[11] كمال الدين / ص516، ح45.
[12] كمال الدين / ص518، ح47.
[13] الغيبة / الطوسي/ ص364،ح332.

فتن آخر الزمان وطرق الوقاية والنجاة منها

بقلم: السيد ياسين الموسوي


  فتن آخر الزمان في حديث أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين  
أن روايات أهل البيت عليهم السلام قد تحدثت عن موضوع فتن آخر الزمان على نحوين:

  النحو الأول: الفتن العامة  
وتشمل الظواهر الاجتماعية والأحداث السياسية والعسكرية المهمة التي تطفق شرق الدنيا وغربها، بالإضافة إلى المتغيرات الطبيعية التي تشبه خوارق العادات، كطلوع الشمس من المغرب وغيرها.
وقد تظافرت الأخبار عن المعصومين عليهم السلام في كتب الخاصة، ونرى أن ننقل كلام الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) في فتن آخر الزمان التي عبّر عنها بــ(علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام) لأنها وإن لم يكتبها بلفظ الفتن، ولكنها في الواقع تعبِّر عن نوعٍ من الفتن الطبيعية والعسكرية والاجتماعية والسياسية التي تصيب البشرية في بدايات ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
قال الشيخ المفيد (قدس سره): (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات، فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني، واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات، وخسفٌ بالبيداء، وخسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة، وإقبال رايات سود من قبل خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر وتملّكه للشامات...وخلع العرب أعنتها وتملّكها البلاد وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه...وخروج ستين كذاباً كلهم يدَّعي النبوة، وخروج اثني عشر رجلاً من آل أبي طالب كلهم يدَّعي الإمامة لنفسه...وخوف يشمل أهل العراق، وموت ذريع فيه، ونقص من الأنفس والأموال والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه، حتى يأتي على الزرع والغلاّت، وقلّة ريع لما يزرعه الناس ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير...ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلُّ أهل لغة بلغتهم، ووجهٌ وصدرٌ يظهران من السماء للناس في عين الشمس، وأموات يُنشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.
ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيى بها الأرض من بعد موتها وتعرف بركاتها، وتزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهديعليه السلام، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته؛ كما جاءت بذلك الأخبار.
ومن جملة هذه الأحداث محتومة ومنها مشترطة، والله أعلم بما يكون، وإنما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول وتضمنها الأثر المنقول، وبالله نستعين وإياه نسأل التوفيق). (راجع الإرشاد / الشيخ المفيد / ج2/ ص368).

  النحو الثاني: الفتنة في الدين  
عندما نقرأ روايات التمحيص ونتفحَّصها جيداً، ونجدها تتحدث عن الفتنة الأشد التي تصيب الناس في آخر الزمان، وهي أشد من جميع الفتن السياسية والاجتماعية والعسكرية والطبيعية، لأن بهذه الفتنة تنتهي عملية الامتحان والتمحيص، وهي الأساس للتمييز بين أنصار المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وبين غيرهم.
فما هي تلك الفتنة التي تصيب الناسَ في دينهم؟.
ليس من الصعب على كل من درس تاريخ الإسلام أن يعثر على التيارات الانحرافية التي كانت تظهر بين الفَيْنة والأُخرى في المجتمع الإسلامي، وقد تتلون بألوان وأشكال مختلفة، وربما أمكن لمؤسسي الانحراف أن يتمكنوا بتثبيت أنياب انحرافهم في مساحة كبيرة من الأتباع الذين عاصروهم، والامتداد في مستقبل تاريخ المجتمع الإسلامي، كما نجد ذلك واضحاً في أتباع كثير من أصحاب البدع الذين ظهروا في تاريخ الإسلام، وما زالوا يشكلون النسبة العظمى من المسلمين.
إذن هل توجد فتنة أشد وأكبر من تلك الفتن التي مرّ بها المسلمون على طول تاريخهم، بحيث حَرَفَت النسبة العظمى منهم عن الحق وأمالتهم إلى المناهج الأخرى؟ وما هي تلك الفتنة وما نوعها؟.

وقد تكلمت الأحاديثُ الشريفة عن فتنة الدين أنها تتمحور بصورتين:

  فتنة الدين في صورتها الأولى: (الابتعاد عن الدين)  
ابتعاد الناس عموماً عن الدين، وعن الإسلام بحيث يتحول الدين عندهم إلى غير حقيقته الإلهية التي نزل بها.
ومن جملة تلك الأخبار ما رواه الصدوق (رحمه الله) في (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال) بسندٍ موثّق عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيأتي على أُمتي زمانٌ لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يُسمَّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرُّ فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) (راجع ثواب الأعمال وعقاب الأعمال / الصدوق / ص301).
وقد جاءت الروايات بهذا المعنى مستفيضة من طرق الشيعة والسنة. وهي تؤكد حقيقة التغير الكبير والانقلاب العكسي الذي يصيب المسلمين بابتعادهم عن الإسلام وجوهره وأصالته. بحيث تصبح مفاهيمه الصحيحة غريبة عليهم، ويكون سلوكهم العام ومظاهر حياتهم غير منسجمة مع ما جاء به الإسلام العزيز، بما نشاهده حالياً في المجتمعات الإسلامية يمكننا أن نفهم هذه الحقيقة المرة بشكل جلي.

  فتنة الدين الحق في صورتها الثانية: الابتعاد عن التشيع الولائي  
ولو غضضنا الطرف عن كل أهوال تلك الفتن؛ فإنه سوف يبقى أمام الإنسان المسلم هول الفتنة العظمى التي أنذر منها أهل البيت عليهم السلام وحذَّروا منها وهي (فتنة الدين) التي ذكروا ضرورة حدوثها قبل ظهور الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد أكدت رواياتهم عليهم السلام على موضوع هذه الفتنة وعلاقتها بالغيبة الطويلة التي يذهب بسببها كثيرٌ من أولئك المحسوبين على التشيُّع مع مهبِّ الرياح، ويسقطوا من الميزان. ومعنى ذلك أن هذه الفتنة هي مختصة بالشيعة لا تتعداهم إلى غيرهم. وأما (لعل الأنسب: ولكن) لماذا هذه الفتنة للشيعة؟.
ولماذا يسقط كثيرٌ من الشيعة في الامتحان والاختبار.. مع أننا نؤمن بأن التشيُّعَ إنما هو الإسلام الحقّ الذي جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وثبَّته الأئمةُ المعصومون عليهم السلام بجهادهم وبياناتهم ودمائهم؟.
ويمكنك أن تعرف الجواب على هذا السؤال من خلال معرفتنا بان مجرَّد الانتماء لا يعصم الإنسان من ذلك، وإنما تعصمه الولاية التامة، والمعرفة الكاملة لمحمد وآل محمد عليهم السلام، فهي المنجية والمخلّصة والعاصمة من الفتن والأهواء.
وعلى أي حال فقد حذرّنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرون عليهم السلام من هذه الفتنة وبينوا معالمها.. فقالوا: إنها فتنة الدين.. وأبرز معالمها أنها فِتَنٌ محيّرة مُضلّة... وأن قادة تلك الفتن من الرجال المحسوبين على العلماء أو متزيين بزيّهم...وانها فتنةُ محيِّرةٌ مُضلَّةٌ...وتصل الفتنة ذِروتها فيتفل البعضُ في وجه البعض...وأما قادة الفتنة، ومَن يُدير لعبةَ الانحراف، فهم قُطّاع الطريق على أيتام آل محمد عليهم السلام، وهم علماء السوء.
وربما تنعكس الصورة السلبية لأولئك قُطَّاع الطريق المتزيّين بزي أهل اليقين والحق.. على مجموعة من الناس الذين يخطأون بتشخيصهم للمرض والباطل، فيعمِّمون الانحرافَ على العلماء جميعاً، لما يَرَوْن من انحراف بعضهم فيتنفَّرون من جميع العلماء. وبذلك يقعون بالانحراف الأعظم.
وربما تصف الرواية التالية هذه الظاهرة الانحرافية في آخر الزمان، حيث رُوي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (سيأتي زمانٌ على أُمتي يَفرّون من العلماء كما يفرُّ الغنمُ عن الذئب، فإذا كان كذلك ابتلاهم الله تعالى بثلاثة أشياء: الأول: يرفعُ البركةَ من أموالهم، والثاني: سلَّطَ اللهُ عليهم سُلطاناً جائراً، والثالث: يخرجون من الدنيا بلا إيمان) (راجع جامع الأخبار / ص356/ ح995 ــ 4).

  ما هو الحل؟ وكيف الخلاص من الفتنة؟  
وقد تنوّعت السبلُ الإلهية للتخلص من تلك الفتن، ويمكن معرفتها بالاطلاع على المراجع العامة التي حددتها الشريعة المقدسة، للتحفُّظ من الوقوع فيها بشكل عام، ومع ذلك فقد أوضحت بعضُ النصوص الشريفة سُبُلاً خاصة للتخلص من هذه الفتنة ذاتها.

وتقف على رأس قائمة أهم أنواع تلك السبل:

  1: التمسُّك بالقرآن الكريم  
وقد وصفت روايات المعصومين عليهم السلام كتاب الله المجيد بأنه (بيان من الفتن) وأنه عصمةٌ من الهَلَكة، وهو رُشْدٌ من الغواية، وأمَرَتْ بالتمسك به. ومن جملة ذلك: ما رواه العياشي في تفسيره عن الحسن بن موسى الخشاب رفعه للإمام الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القرآن هُدىً من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالةٌ من العثرة، ونورٌ من الظُّلْمة، وضياءٌ من الأحزان، وعصمةٌ من الهَلَكة، ورشدٌ من الغواية، وبيانٌ من الفتن، وبلاغٌ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم. فهذه صفةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن، وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار) (راجع تفسير العياشي/ ج1/ ص5/ ح8).

  2ــ التمسُّك بتقوى الله (عزّ وجل)  
ولبداهة هذه الحقيقة في حفظ المتقين من الوقوع بالفتن، فإنني أقتصر على بعض الروايات الشريفة التي أكدت هذا المعنى، منها: قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: (إنَّ مَن يتقِ اللهَ يجعل له مَخْرجاً من الفتن ونوراً من الظُّلَم).
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج في التوقيع الشريف الذي خرج للشيخ المفيد أنه (عجّل الله تعالى فرجه) قال: (إنه مَن اتقى ربَّه من إخوانك في الدين، وأخرج ما عليه إلى مستحقيه كان آمناً من الفتنة المُبطلة ومِحَنها المُظلمة المُظِلَّة). (راجع الاحتجاج / الطبرسي / ج2/ ص325).

  3 ــ التمسك بأهل البيت عليهم السلام  
فهم سُفن النجاة، مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق وهوى، واللازم لهم لاحق، والمتخلِّف عنهم زاهق. وجاءت الروايات في هذه المعاني الجليلة متواترة تواتراً معنوياً لا مجال لاستقصائها في هذه العجالة، وإنما نسجل بعض الروايات التي ذكرت أن الرجوع إليهم هو صِمَام الأمان المنجي من الفتن، لأنهم عِدْلُ القرآن الكريم، ومفِّسروه، والحجة على الخلق، وقد عصمهم الله (عزّ وجل) من الفتن، وقد ورد كثيراً في زياراتهم عليهم السلام قول: (وعصمكم من الزلل، وآمنكم من الفتن). وليس معنى عصمتهم من الفتن أنهم لا يُفتنون ولا تُصيبهم الفتنة حسب. فهذا بديهي، لأنه من لوازم معنى (وعصمكم من الزلل) ومن بديهيات لوازم العصمة، وإنما معناه إضافةً إلى ذلك أن اتّباعهم أمان من الفتن فإن الفتن لا تقرب إليهم ولا تحوم حولهم. فلذلك سوف يعمّ الأمان كلَّ مَن يلوذ بهم وهم شيعتُهم.

  4 ــ التمسُّك بالعلماء  
روى الشيخ المفيد في الاختصاص بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:(المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح، وركعتان من عالم خيرٌ من سبعين ركعة من جاهل؛ لأن العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه وتأتي الجاهل فتنسفه نسفاً) . (راجع كتاب الاختصاص / الشيخ المفيد).
ولِمَا يحصل عليه العلماء بشكل عام من موقع مهم في نفوس الناس لأنهم يحملون روايات أهل البيت عليهم السلام وعلومهم التي لها وَقْعٌ خاص في قلوب المؤمنين، فتجذبهم نورانية تلك العلوم والأخبار إلى أولئك العلماء، وكما أن لهذه الحالة بالاتباع إيجابيات صحيحة لنشر الهدى واتّباع الحق، ولكن هناك خطر كبير يحدق بأولئك المتَّبعين حينما يتبعون علماء السوء والضلالة والبدعة انخداعاً بكلامهم وأقوالهم التي قد يُدخلوا فيها كلام الحق وأحاديث أهل البيت عليهم السلام تضليلاً وإضلالاً للآخرين، ولذلك وجدنا أهل البيت عليهم السلام بعدما أكدوا على الحذر الشديد والإنذار من اتّباع أولئك العلماء السيئين، فإنهم حذَّروا من السير الأعمى وراء كل أحد، ونهوا عن اتخاذ أولئك وليجة.
وقد انتشر هذا الوباء في الفتنة المعاصرة حيث وجدنا كثيراً من أتباع الضلال أنهم تمسكوا بأصحاب الفتنة والبِدعة والضلالة، إما لسلامة نياتهم هم وحسن اعتقادهم بأولئك، أو لأنَّ لأولئك القوم يداً عليهم تُعينهم على حياتهم وأرزاقهم، أو لأنهم اعتادوا على طاعتهم وأُشرب حبُّ العجل في قلوبهم، وهو كمرض الأُوَل الذين اتبعوا الباطل، وتركوا الحق الذي كان مع الإمام علي عليه السلام.
وهناك منهج انحرافي خطير سلكه أصحاب البدع بذمِّهم الفقهاء والعلماء، وربما استفادوا لأباطيلهم ببعض الروايات التي قد تقدَّم بعضها بذم فقهاء السوء، وموَّهوا على أتباعهم أنَّ المقصود بالذم هم الفقهاء والعلماء، ليتمكنوا بجهلهم أن يسيطروا على أتباعهم، ويخدعوهم بأباطيلهم.. بينما قرأنا الروايات الصحيحة والكثيرة التي تمدح العلماء والفقهاء وتجعلهم حصون الإسلام و ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وإنما وقع الذمُّ على فقهاء السوء والضلالة ويشمل هذا العنوان جميع المنحرفين عن الصراط المستقيم ومن جملتهم أولئك أصحاب الدعاوى الباطلة التي يذمون بها الفقهاء العدول (زاد الله تعالى شرفهم).

  5 ــ التوجّه بالدعاء للنجاة من الفتن  
وهذا ما نجده في مجموعة كبيرة من الأدعية الشريفة المروية عن أهل البيت عليهم السلام، وفيها التوسل إلى الله (عزّ وجل) لينجي المؤمن من الفتن، لأن الفتن إذا جاءت فقد تتلبس عليه لشباهة الشبهة بالحق، فيدعو الله (تبارك وتعالى) ليعرّفه الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطلاً فيجتنبه، ولا يجعله عليه متشابهاً، فيتبع هواه بغير هدًى منه تعالى. وسوف يأتيك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.

  6 ــ معرفة أسباب الفتنة  
وكأسلوب وقائي فقد جاءتنا الأخبار الشريفة التي نسبت الفتنة لأسبابها.
فقد جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك في الكافي الشريف بسندٍ صحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس فقال: أيها الناس، إنما بَدْءُ وقوع الفتن أهواءٌ تُتَّبَع وأحكام تُبتدَع، يُخالَف فيها كتابُ الله، يتولى فيها رجال رجالاً.
فلو أن الباطل خلص لم يخفَ على ذي حِجى، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيُمزجان فيجيئان معاً فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى). (الكافي / ج1/ ص54/ باب البدع والرأي والمقاييس / ح1).
فأهم أسباب الفتنة هو عدم الانسياق ضمن الحدود التي شخَّصتها الشريعةُ المقدسة للإنسان وتعدي تلك الحدود الإلهية باتّباع الأهواء والمقاييس الذاتية حسب ما يشتهي ويريد.
وقد حصَّنت الشريعةُ الإنسانَ المؤمن من تلك الأسباب المُهلكة حينما حرَّمت اتّباع الهوى وأوضحت سُبُلَه.. فقاومت البدعة ومنعت من استخدام الطرق الموصلة إلى البدعة.

شدة الامتحان في عصر الغيبة الكبرى ووجه الحكمة في ذلك

بقلم: السيد ياسين الموسوي
يخسر الإنسان المؤمن في الغيبة نعمة ظهور الإمام عليه السلام التي منَّ الله (عزّ وجل) على من شاء أن يمن عليهم من خلقه، وامتحن بغيابه عليه السلام من شاء أن يمتحنهم من عباده، فماذا هم فاعلون عند غيبته؟ هذا ما جاءت به الآثار الشريفة في الاستفسار عن موقف الشيعي في عصر الغيبة، فقد روى الشيخ الطوسي بسندٍ صحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: قلت له: ما تأويل قوله تعالى: ]قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ[ فقال: (إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟) (راجع الغيبة / الطوسي / ص160 / الطبعة المحققة).

  الامتحان الأول: وقوع المؤمن في الحيرة  
فأوّلُ امتحانٍ يمرُّ به المؤمن في عصر الغيبة أن يبقى حائراً، ويعيش الحَيرة التي لا بدّ منها، وإنما عليه أن يتدارك الموقف ويتخلص من حيرته بشتى الطرق الصحيحة، فيثبت على الحق، ويؤمن بإمامه ويتيقن بأنه معه يراه ويطّلع على أحواله وأحوال باقي المؤمنين، وأنه يدعو لهم، وبدعائه يدفع الله تعالى البلاء عنهم. وكلما استطالت مدة غيبته اشتد الامتحان إيمانه، فهل يسلّم للأئمة عليهم السلام، ويبقى قائلاً بإمامة الغائب منهم كالحاضر منهم عليهم السلام، أم يُدخِل الشيطان الشك إلى قلبه فيرتد عن دينه؟.
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسندٍ صحيح عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته ينكت في الأرض، فقلت له: (يا أمير المؤمنين مالي أراك مفكراً تنكت في الأرض، أرغبةٌ منك فيها؟. فقال: لا؛ والله ما رغبت فيها، ولا في الدنيا يوماً قط؛ ولكني تفكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من وُلدي، هو المهدي الذي يملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً؛ يكون له حَيرة وغيبة، تضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون) (راجع الغيبة / الطوسي / ص 165 ــ 166 / الطبعة المحققة).

  استغلال الشيطان لغيبة الإمام المهدي لبث ضلالاته  
وحينما تطول غيبة إمام الهدى، تتوفر الفرصة السانحة للشيطان ليبثّ فتَنَه وضلالاته.
روى الصدوق (رحمه الله) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدىً، ولا علم يبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصّون وتغربلون..). (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص348 / ح 36).
وروى الصدوق بإسناده عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول: (إياكم والتنويه، أمَا واللهِ لَيغيبنَّ إمامُكم سنيناً من دهركم، ولتُمحَّصُنَّ حتى يُقال: مات، أو هلك، بأي وادٍ سلك؛ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، ولا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه، ولَتُرفَعَنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي. قال: فبكيت. فقال لي: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: وكيف لا أبكي وأنت تقول: تُرفع اثنتا عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي، فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة؛ فقال: يا أبا عبد الله! ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم. قال: والله، لأمرنا أبينُ من هذه الشمس). (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص347 / ح35).

  الامتحان الثاني: الثبات على العقائد الحقة  
لم تكن الحَيرة وحدها تسيطر على الأوضاع العامة والأوضاع الخاصة من حياة الإنسان في عصر الغيبة مما قد يسهل السيطرة عليها أحياناً، أو يمكنه أن يتجاوزها بعد الصعوبات والمشقّة أحياناً أخرى، وإنما قد تكالبت في عصر الغيبة الفتن والأهواء بالإضافة إلى محنة غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وما ظهرت منها من حَيرة. وأفضل وصف لهذا التكالب ما جاء في دعاء الافتتاح الذي يُقرأ في ليالي شهر رمضان في عصر الغيبة: (اَللّهُمَّ اِنّا نَشْكُو اِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا [إمامنا خ.ل]، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدّةَ الْفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا).
فمع أن المصيبة العظمى تتجوهر بغيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف. فإن لهذه الفترة الزمنية نفسها من حياة البشرية بشكل عام امتيازاً خاصاً يختلف عن العصور السابقة، وكذلك يختلف بشكل كلّي ومطلق عن ظروف عصر ما بعد الظهور بكثرة العدو، وقلّة العدد، وشدّة الفتن، وتظاهر الزمان.
وتوضّح الروايات الشريفة أن لعصر الغيبة نفسه مراحلَ متعددة تشترك بظاهرة قاسية تصلح أن نسميها قانوناً ينص على حقيقة تقول: كلّما استطالت الفترة زمناً، وتباعدت عن عصر النص الشريف، ازدادت الفتن.
ومن المؤكد أن لغياب الإمام المعصوم عن مسرح حياة البشرية الأثرَ الأكبر لهذا الافتتان والضياع الذي تعيشه البشرية اليوم بشكل واضح لا لبس فيه.. ويرجع ذلك لعقيدتنا الصحيحة التي تنصّ على أنّ لوجود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف نِعَماً لا تعدّ ولا تُحصى، ومنها: أن حضور الإمام نفسه عجل الله تعالى فرجه الشريف (وإن لم يعمل ولايته التشريعية على الناس) هو السبب الذي ينتشر به الخير الكثير، وتهرب الفتن إلى جحورها، وحينما يغيب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف تستغل الخفافيش الفرصة، فتظهر للعراء لتدمّر وتخرّب ما أمكنتها الظروف.. ولعل في الخبر الشريف المروي عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الفائدة من وجوده في عصر الغيبة يرمز إلى هذه الحقيقة..
روى الصدوق (رحمه الله) بسندٍ صحيح على الأقوى عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رض) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام، ثم ذكر الأجوبة... إلى أن قال عجل الله تعالى فرجه الشريف: (وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، واني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء..) (راجع كمال الدين / الصدوق / ج2 / ص485 / باب45 / ح4).
فإن للإمام المعصوم عليه السلام دوره التكويني في حفظ الكون والإنسان، وترتيب المسيرة الإنسانية سواءٌ أكان ذلك بحضوره بين الناس، أو حتى في غيابه عنهم.

  وجه تشبيه الإمام المهدي في عصر الغيبة بالشمس يجللها السحاب  
وتمثيل الأئمة عليهم السلام لغيابه عجل الله تعالى فرجه الشريف بالشمس إذا جلّلها السحاب، يوضّح الحقيقة الكونية وهي ضرورة وجود الإمام عليه السلام في الدنيا إما ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً.. فيمكننا أن نفهم من هذا التشبيه أن الإمام مستمر بالقيام بدوره الإلهي في الكون، حتى مع غيابه عن الأمّة، لأن دوره غير منحصر بالعمل السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الثقافي والفكري، وإنما للإمام عليه السلام دور أعظم بما يؤدّيه من وظيفة تكوينية مرتبطة بهذا الكون بالشكل الذي لا يمكننا أن ندرك كُنْهَ حقيقته بهذه العُجالة.
ولذلك فلا تعطل هذه الوظيفة الكونية بغياب الإمام المعصوم عليه السلام عن مجتمعه بل تستمر هذه الحركة الطبيعية بشكل عادي.. كما ينطبق ذلك بشكل مادي على الشمس التي قد تغيب عن الناس في بقعة من بقاع العالم، ولكن البقاع الأخرى من الكون تبقى تستفيد منها فهي مشرقة عليها.
وهناك شيء آخر يمكننا أن نفهمه من هذا التشبيه هو أن بغياب الشمس عندما يجلِّلها السحاب تحين الفرصة لبعض الجراثيم والميكروبات والفيروسات أن تظهر بالأفق، فتسبب انتشار بعض الأمراض والأوبئة، ولكن يبقى دور تلك الفترة محدودة الزمن لا تستوعب السنة، ومحدودة القوة فلا تستطيع أن تحكم سيطرتها كما يحلو لها.
وهكذا يمكن تطبيق المثال على ظروف أهل الحَيرة في عصر الغيبة، فإنه قد تتوفر الفرصة لأصحاب الفتن والأهواء بأن يُظهروا بدعهم وتشكيكاتِهم وأهواءَهم، وقد يتصوّروا أن الزمن زمنهم يلعبون بدين الناس وعقولهم كما يحلوا لهم، ولم يدروا أن للدين ربّاً يحميه، وأنه تعالى قد حمى الناس بوليّه الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف فإنه الحامي والمُعين والمُدافع، كما في التوقيع الشريف وقد جاء فيه:
(نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزُب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء، فاتقوا الله (جلّ جلاله) وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ...) (راجع الاحتجاج / الطبرسي / ج2 / ص322ـ 323 / ط النجف 1966).

  لماذا نمتحن؟ الم يكن من الأفضل رفعه كي لا يضل الناس؟  
وربما يثار هذا السؤال في عرض الحديث عن الفتن وفلسفتها في (الفهم الإسلامي) لحركة الإنسان.. وقد يقال كسيرة المشكّكين: ألم يكن من الأفضل رفع المغريات من أمام الإنسان لتسهل حركته؟.
ويضاف إليه: ألم يكن وضع تلك الفتن أمام الإنسان تغريراً به للانسياب إلى الباطل، مما يعرقل حركته السليمة والإيقاع به بالتالي بزلاّت الخطيئة؟.
ان الجواب على هذه التساؤلات يكمن في معرفة ان الإنسان لا يكون أهلاً لتسلّم هذا الموقع المهم في الكون ــ موقع الخلافة والنصرة ــ إلا إذا كان قوياً قادراً على مواجهة الصعوبات والمآزق، كما هو المفترض بالإنسان الذي يؤهّل للقيام بالأدوار المهمة في الحياة السياسية أو الإدارية أو العسكرية، ولذلك فإنه سوف يدخل بدورات تأهيلية شاقّة تجعله في المستقبل بمستوى مسؤولية المهمة التي يراد منه القيام بها.
ولذلك كان الامتحان الإلهي للبشرية ضرورياً عبر تاريخها في جميع الرسالات والأمم السابقة، وكانت نتيجة الامتحان أن ينتخب الناجحين بالامتحان ويعزلهم عن أممهم ومجتمعاتهم، ثم يسلّط عذابه على الراسبين ويهلكهم جميعاً ولا يبقي منهم أحداً.
كما حدث لقوم نوح وهود وصالح (على نبينا وآله وعليهم السلام)؛ وكانت تختلف الامتحانات والفتن باختلاف الأدوار التاريخية الموكلة بكل أُمة من تلك الأُمم السابقة. فكلما كانت المهمة أكبر، والدور أهم كان الامتحان أصعب والمشقة أكثر.وكل ذلك من صالح البشرية ومستقبلها لبناء مجتمع فاعل مسؤول.
فقد كان الامتحان الإلهي في تاريخ الأنبياء السابقين عليهم السلام سبباً لتكامل البشرية ورقيّها، واستئهالها لحمل رسالة السماء، وتسنّم منصب خلافة الله تعالى في الأرض، وكذلك سوف يكون الامتحان الإلهي في التاريخ المستقبلي للبشرية في تكوين الإنسان القوي المؤهل لقيادة مستقبل البشرية.
وإذا عرفنا أهمية التاريخ المتبقي للبشرية في هذه الأرض من حيث حصد زرع جهود جميع الأنبياء الماضين عليهم السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام، ورسم نهاية الكون بشكلها الجميل، فإننا سوف ندرك أن ذلك الدور الإنساني الخطر لا يمكن أن يقوم به إلا الإنسان الشجاع والقوي بالإرادة والإيمان الممتحن الناجح.
ولذلك جاء الامتحان صعباً جداً. ومع أن الإنسان المسلم قد مرّ بالامتحان الشخصي والنوعي في تاريخ الإسلام، وقد تمكن من ولادة الصالحين المؤهلين لتحمل الأدوار الصعبة، ولكنه يقف في نهاية مسيرة قبل الظهور أمام أصعب الامتحانات وهو يعيش إرهاصات الظهور، ليختار وينتخب الإنسان المؤهل لتحمل مسيرة ما بعد الظهور؛ وبما أن دور ما بعد الظهور هو أهم أدوار البشرية وأشقّها وأصعبها، فلذلك استلزم أن يكون الامتحان الإلهي للإنسان المسؤول أشق تلك الامتحانات وأصعبها، كما نطقت بهذه الحقيقة النصوص الشريفة والتي عبرت عنه بالتمحيص الذي يكون في عصر الغيبة وقبل الظهور.
ويمكن لنا إرجاع أهمية التمحيص وشدته إلى الأسباب التالية:
1: لأنه الطريقة الوحيدة التي يتكامل بها الإنسان المؤمن ليستحق أن يكون من جنود السيد الأكبر والولي الأعظم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
2: وسوف تكون هذه الفترة الزمنية التي تُبتلى بها البشرية مؤشّر خير إلى قرب الفرج بقرب ظهور الولي المخلّص عجل الله تعالى فرجه الشريف.
3: كما سوف تكون تلك الفترة من تاريخ الإنسانية مرحلة خطرة جداً ومملوءة بالمخاطر الصعبة والتلبيسات الإبليسية التي يركب بعضها بعضاً، ولذلك حذّر الأئمة عليهم السلام منها كما ورد ذلك في مجموعة من الأخبار منها ما رواه الكليني في الكافي، والنعماني في الغيبة عن المفضل بن عمر وقد ذكرناها سابقاً.
وروى الصدوق بإسناده عن منصور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (يا منصور أن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس، لا والله لا يأتيكم حتى تميّزوا، لا والله لا يأتيكم حتى تمحّصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى مَن شقي ويسعد مَن سعد) (راجع كمال الدين / ص346 / ح32، وقريب منه في الكافي ج1 / ص 417 / ح3).
وروى الطوسي في غيبته بإسناده عن محمد بن منصور عن أبيه قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة نتحدث فالتفت إلينا فقال: (لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تُغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تميّزوا [لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى يتمحّصوا] لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى يشقى مَن شقي ويسعد مَن سعد) (الغيبة / الطوسي / ص335 / ح281).