الإمام المعصوم وعلم الغيب

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

العِلم في اللغة: هو إدراك الشيء بحقيقته، واليقين، نور يقذفه الله في قلب من يحب ويطلق العلم على مجموع المسائل والأصول الكلية جمعها جهة واحدة[1].

الغيب في اللغة: هو إدراك حقيقة الأشياء الغائبة عن الإنسان أو غيره من المخلوقات.

وردت آيات كريمة كثيرة تشير إلى أن علم الغيب علم مختص بالله تعالى يهبه إلى عباده الذين ارتضى لهم ذلك لحكمة هو يعلمها كما جاء ذلك في قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)[2].

وقوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[3].

وقوله سبحانه وتعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[4].

وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)[5].

ووردت آيات كريمة أخرى تشير إلى وقوع بعض الحوادث والأمور في الزمن المستقبل كما في قوله تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[6].

وقوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)[7].

كما وردت أحاديث شريفة تشير إلى وقوع حوادث وأمور مستقبلية كما في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِنِسائِهِ وهُنَّ عِنْدَهُ جَميعاً: «لَيْتَ شِعْري! أيَّتُكُنَّ صاحِبَةُ الجَمَلِ الأدبَبِ[8] تَنبَحُها كِلابُ الحَوأبِ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِها وَشِمالِها قَتلى كَثيرَةٌ كُلُّهُمْ في النّارِ، وَتَنْجُو بَعْدَ ما كادَتْ؟!»[9].

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (قال لأزواجه: «أيَّتُكُنَّ التي تَنْبَحُها كِلابُ الحَوأبِ؟!». فَلَمّا مَرَّت عائِشَةِ نَبَحَتِْ الكِلابُ، فَسَألَتْ عَنْهُ فَقيلَ لها: هذا ماءُ الحَوأبِ، قالت: ما أظُنُّني إلاّ راجِعَةً، قيلَ لها: يا أُمَّ المُؤْمِنينَ، إنّما تُصْلِحينَ بينَ النّاسِ!)[10].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ــ لَمّا لَقِيَ عَليّاً عليه السلام والزُّبَيرَ في سَقيفَةِ بني ساعِدَةَ: «أتُحِبُّهُ يا زُبَيرُ؟ قالَ: وَما يَمْنَعُني؟! قال: فَكَيْفَ بِكَ إذا قاتَلْتَهُ وَأنْتَ ظالِمٌ لَهُ؟!»[11].

وجاء في كنز العمال (عن حذيفة: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية؛ فإنّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ»)[12].

وجاء أيضا في كنز العمال (عن أمّ سَلَمة: دَخَلَ الحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأنا جالِسَةٌ عَلَى البابِ، فَتَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُ في كَفِّ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً يُقَلِّبُهُ وَهُوَ نائِمٌ عَلى بَطْنِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، تَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُكَ تُقَلِّبُ شَيْئاً في كَفِّكَ والصَّبيُّ نائِمٌ عَلى بَطْنِكَ ودُموعُكَ تَسِيلُ! فَقالَ: «إنَّ جِبْرائيلَ أتاني بالتُّرْبَةِ التي يُقْتَلُ عَلَيْها فَأخْبَرَني أنَّ أُمَّتي يَقْتُلُونَهُ»)[13].

وهناك الكثير من الأحاديث الشريفة التي تؤكد أن كثيراً من الأمور الغائبة عن الناس ستحدث مستقبلاً وهذا يدل على أن الله تعالى أطلع نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الغيب لإكمال حجته على الناس ولحكمة أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى ورسوله وأهل بيته الطاهرون عليهم السلام.

ولكي يتضح المطلب لابد من الوقوف على النقاط التالية:

1ــ أن علم الغيب مختص بالله تعالى كما في قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)[14].

2ــ أن الله تعالى يطلع أنبياءه ورسله على ذلك الغيب كما في قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)[15].

3ــ أن الله تعالى أطلع نبيه على الغيب وحسب ما تقتضيه الحكمة كما في قوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[16].

(الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[17].

4ــ أن الله تعالى أطلع نبيه على الغيب وحسب ما تقتضيه الحكمة كما في الأحاديث الشريفة. قال الإمام الصادق عليه السلام: («إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ضَلَّتْ ناقَتُهُ، فَقالَ النّاسُ فيها: يُخْبِرُنا عَنِ السَّماءِ وَلاَ يُخْبِرُنا عَنْ ناقَتِهِ! فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ناقَتُكَ في وادِي كَذا وكَذا، مَلفوفٌ خِطامُها بِشَجَرَةِ كَذا وكَذا.

قالَ: فَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنى عَلَيْهِ وَقالَ: يا أيّها النّاسُ، أكْثَرْتُمْ عَلَيَّ في ناقَتي، ألا وَما أعْطانيَ اللهُ خَيْراً مِمّا أخَذَ مِنّي، ألا وإنَّ ناقَتي في وادِي كَذا وكَذا، مَلفوفٌ خِطامُها بِشَجَرَةِ كَذا وكَذا.

فَابتَدَرَها النّاسُ فَوَجَدوها كما قالَ رَسولُ اللهِ»)[18].

وقال عليه السلام: «ضَلَّتْ ناقَةُ رَسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في غزْوَةِ تَبوكَ، فَقالَ المُنافِقونَ: يُحَدِّثُنا عَنِ الغَيْبِ وَلاَ يعْلَمُ مَكانَ ناقَتِهِ! فَأتاهُ جَبْرَئيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِما قالوا، وَقالَ: إنَّ ناقَتَكَ في شِعْبِ كَذا، مُتَعَلِّقٌ زِمامُها بِشَجَرَةِ بَحْرٍ، فَنادى رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الصَّلاةَ جامِعَةً، قالَ: فاجْتَمَعَ النّاسُ، فقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّ ناقَتي بِشِعْبِ كَذا، فَبادَرُوا إلَيْها حتّى أتَوها»[19].

5ــ أن الله تعالى أطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياءه على الغيب وحسب ما تقتضيه الحكمة والحاجة كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام: «أخْبَرَني الصّادِقُ المَصْدوقُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أنّي أمُوتُ حَتّى أُضْرَبَ عَلى هذِهِ ــ وَأشارَ إلى مُقَدَّمِ رَأسِهِ الأيْسَرِ ــ فَتُخْضَبُ هذِهِ مِنْها بِدَمٍ»[20].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عليُّ، إنَّكُمْ سَتُقاتِلونَ بَني الأصْفَرِ، ويُقاتِلونَهُمُ الذينَ مِنْ بَعْدِكُمْ، حَتّى، يَخْرُجَ إلَيْهِمْ رَوْقَةُ الإسْلامِ أهْلُ الحِجازِ الذينَ لاَ يَخافونَ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَيَفْتَتِحُونَ القُسْطَنطينيَّةَ بِالتَّسْبيحِ وَالتَّكْبيرِ، فَيُصيبُونَ غَنائِمَ لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَها»[21].

6ــ الإمام يعلم ما غاب عن الناس بتعليم من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أكد ذلك الإمام علي عليه السلام بقوله: «يا أخا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإنَّما هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَإنَّما عِلْمُ الغَيْبِ عِلْمُ السّاعَةِ، وَما عَدَّدَهُ اللهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:

(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ)[22].

فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحانَهُ ما في الأرْحامِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أنثى، وَقَبيحٍ أوْ جَميلٍ، وَسَخيٍّ أوْ بَخيلٍ، وَشَقيٍّ أوْ سَعيدٍ، وَمَنْ يَكونُ في النّارِ حَطباً، أوْ في الجِنانِ للنَّبيِّينَ مُرافِقاً، فهذا عِلْمُ الغَيْبِ الذي لاَ يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلاّ اللهُ، وَما سِوى ذلِكَ فَعِلمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنيهِ، ودَعا لِي بِأنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضطَمَّ عَلَيْهِ جَوانِحي»[23].

7ــ الإمام يعلم ما غاب عن الناس بتعليم من الله تعالى وهذا ما أكده الإمام الصادق عليه السلام بقوله لمّا سُئلَ: هل يعلَمُ الإمامُ بالغَيب؟ قال: «لاَ، وَلكِنْ إذا أرادَ أنْ يَعْلَمَ الشيءَ أعْلَمَهُ اللهُ ذلك»[24].

8ــ الإمام يعلم ما غاب عن الناس إذا علمه الله تعالى وإذا منع ذلك فلا يعلم من دون الله تعالى كما أشار إلى ذلك الإمام الكاظم عليه السلام بقوله، لَمّا سأله رجُلٌ مِنْ أهْلِ فارِسَ: أتَعْلَمُونَ الغَيْبَ؟: «يُبْسَطُ لَنا العِلْمُ فَنَعْلَمُ، وَيُقْبَضُ عَنّا فَلاَ نَعْلَمُ، وَقالَ سِرُّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أسَرَّهُ إلى جَبْرَئيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأسَرَّهُ جَبْرَئيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَأسَرَّهُ مُحَمَّدٌ إلى مَنْ شاءَ اللهُ»[25].

فتحصل لما تقدم أن الإمام يعلم الغيب بتعليم من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما تقتضيه الحكمة والحاجة.

سؤال مهم


السؤال: لماذا يجب أن يكون الإمام أعلم الناس؟ ولماذا يعلم الأمور الغائبة عن الناس؟

الجواب: 1ــ لا يصح أن يكون الجاهل إماما على الناس لمخالفة ذلك للعقل والنقل، فمن جهة العقل يحكم بوجوب تقديم الفاضل على المفضول والعالم هو الفاضل والجاهل مفضول فلا يصح أن يتقدم على العالم، في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[26].

كما أن العقل يحكم بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم لا بالعكس: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[27].

وأما من جهة النقل فالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تمنع ذلك كما في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)[28].

وقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[29].

2ــ ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «أنْ يَكونَ أعْلَمَ النّاسِ بِحَلالِ اللهِ وَحَرامِهِ وَضُرُوبِ أحْكامِهِ وَأمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجَميعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ، (فَيَحْتاجُ النّاسُ إلَيْهِ) وَيَسْتَغْني عَنْهُمْ»[30].

ففي هذا الحديث تصريح بوجوب أعلمية الإمام على الناس لحاجة الناس إليه في كل شؤون الحياة ولاستغنائه عنهم، وإلا يلزم عجزه عن علمه بما يحتاج إليه الناس كما يلزم منه أن يكون في الناس من هو أفضل منه فلا يستحق حينها الإمامة على الناس، كما لا يكون له حجة عليهم.

ـــــــــــــــ
[1] المعجم الوسيط: ص624.
[2] سورة النمل، الآية: 65.
[3] سورة هود، الآية: 49.
[4]سورة الأنعام، الآية: 59.
[5] سورة الجن، الآيتان: 26 و27.
[6] سورة الروم، الآيات: 1 إلى 6.
[7] سورة الفتح، الآيةك 27.
[8] الأدبب: الكثير الشّعر (كما في هامش المصدر).
[9] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج9، ص311. ميزان الحكمة: ج7، ص3070، ح15397
[10] التشريف بالمنن: ص76، ح18. ميزان الحكمة: ج7، ص3070 ــ 3071، ح15399.
[11] كنز العمال: 31651. ميزان الحكمة: ج7، ص3071، ح15400.
[12] كنز العمال: 31719، والظاهر أن الأخبار في هذا المعنى متواترة، فراجع كنز العمال: ج11، ص723 ــ 728. ميزان الحكمة: ج7، ص3071، ح15402.
[13] كنز العمال: 37668. ميزان الحكمة: ج7، ص3071، ح15405.
[14] سورة الجن، الآية: 26.
[15] سورة الجن، الآيتان: 26 و27.
[16] سورة هود، الآية: 49.
[17] سورة الروم، الآيات: 1 إلى 6.
[18] بحار الأنوار: ج18، ص129، ح38. ميزان الحكمة: ج7، ص3083، ح15457.
[19] قصص الأنبياء: ص308، ح408. ميزان الحكمة: ج7، ص3083، ح15459.
[20] كنز العمال: ح36571، وأنظر أيضا: ح35576، ح36577، ح36580، ح36587، ح36590 ومنه، ج13، ص192 وما بعدها، وأيضاً: تاريخ دمشق (ترجمة الإمام علي عليه السلام): ج3، ص266 ــ 268، وص278، وص286 ــ 289. ميزان الحكمة: ج7، ص3072، ح15407.
[21] كنز العمال: 38419. ميزان الحكمة: ج7، ص3072، ح15408.
[22] سورة لقمان، الآية: 34.
[23] نهج البلاغة، الخطبة: 128. ميزان الحكمة: ج7، ص3084، ح15460.
[24] الكافي: ج1، ص257، ح4. ميزان الحكمة: ج7، ص3084، ح15461.
[25] الكافي: ج1، ص256، ح1. ميزان الحكمة: ج7، ص3084، ح15462.
[26] سورة النحل، الآية: 43.
[27] سورة يونس، الآية: 89.
[28] سورة الزمر، الآية: 9.
[29] سورة المجادلة، الآية: 11.
[30] بحار الأنوار: ج25، ص164. ميزان الحكمة: ج7، ص159، ح861.

إمامة المعصوم وطاعته نجاة للأمة

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

العصمة: هي التنزه عن الوقوع في المعصية خطأ ونسياناً ولهواً، وهي أيضا عدم النسيان والخطأ والسهو فيما يخص حجية المعصوم على الخلق.

المعصوم: هو الشخص الذي طهر باطنه وظاهره وقوله وفعله وهو أعم من النبي والإمام.

الإمامة: هي الخلافة الإلهية التي يجعلها الله تعالى لعباده الذين اصطفى.

فالإمامة كما ورد في كثير من الروايات هي نظام الأمة وزمام الدين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ونظام المسلمين، فلابد لمن اتصف بها أن يكون مصداقاً لها ولابد أن يتصف بصفات تؤهله أن يكون خليفة الله تعالى في الأرض وحجته على خلقه وإلاّ لساخت الأرض بأهلها ولاضطربت الحياة وفسد الناس واستولى الباطل على الحق وعمت الفوضى وانتشر الضلال وساد الجهل وهلك الحرث والنسل، ولهذا جاءت الأحاديث الشريفة تبين لنا صفات الإمام ومؤهلاته.

1ــ الإمام لابد أن يكون أعلم أهل زمانه ولابد أن يتصف بالصبر كما ورد في الحديث:

قال الإمام علي عليه السلام: «لاَ يَحْمِلُ هذا الأمْرَ إلاّ أهْلُ الصَّبْرِ وَالبَصَرِ والعِلْمِ بِمَواقِعِ الأمْرِ»[1].

2ــ لابد أن يكون حاذقاً في فن إدارة البلاد وسياسة العباد كما جاء ذلك في قول الإمام الرضا عليه السلام في صفة الإمامِ: «مُضْطَلِعٌ بالإمامَةِ، عالِمٌ بِالسِياسَةِ»[2].

3ــ لابد أن يكون ذا بصيرة وذا لسان بليغ وقلب شجاع مقدام وهذا ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «يَحْتاجُ الإمامُ إلى قَلْبٍ عَقُولٍ، ولِسانٍ قَؤولٍ، وَجَنانٍ على إقامَةِ الحَقِّ صَؤولٍ»[3].

4ــ لابد أن يكون منزهاً عن المداهنة والتملق والجشع كما أكد على ذلك الإمام علي عليه السلام بقوله: «لا يُقيمُ أمْرَ اللهِ سُبْحانَهُ إلاّ مَنْ لاَ يُصانِعُ وَلاَ يُضارِعُ وَلاَ يَتَّبِعُ المَطامِعَ»[4].

5ــ لابد أن يكون فوق الشبهات وفوق الاتهامات وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: «إنَّ الإمامَ لاَ يَسْتَطيعُ أحَدٌ أنْ يَطْعَنَ عَلَيْهِ في فَمٍ ولاَ بَطْنٍ وَلاَ فَرْجٍ، فَيُقالَ: كَذّابٌ، وَيَأكُلُ أمْوالَ النّاسِ، وما أشْبَهَ هذا»[5].

6ــ لابد أن يكون منحدراً من أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة، وأن يتصف بالجد والوقار وهذا ما صرح به الإمام الباقر عليه السلام بقوله في تبيين علامة الإمام: «طَهارَةُ الوِلادَةِ وَحُسْنُ المَنْشأ، وَلاَ يَلْهو، وَلاَ يَلْعَبُ»[6].

7ــ لابد أن يتخذ القرآن دستوراً والعدل سيرة ولا تأخذه في الله لومة لائم وهو ما أرشدنا إليه الإمام الحسين عليه السلام في كتابه إلى أهل الكوفة بقوله: «فَلَعَمْري، ما الإمامُ إلاّ الحاكِمُ بِالكِتابِ، القائِمُ بِالقِسْطِ، الدّائِنُ بِدينِ الحَقِّ، الحابِسُ نَفْسَهُ عَلى ذاتِ اللهِ»[7].

8ــ لابد أن يكون أفضل أهل زمانه في الصفات الكمالية وهو ما صرح به الإمام الرضا عليه السلام بقوله: «لِلْإمامِ عَلاَماتٌ: (أنْ) يَكونَ أعْلَمَ النّاسِ، وأحْكَمَ النّاسِ، وأتْقى النّاسِ، وأحْلَمَ النّاسِ، وأشْجَعَ النّاسِ، وأسْخى النّاسِ، وأعْبَدَ النّاسِ»[8].

9ــ لابد أن يكون معصوماً من الخطأ والسهو والنسيان كما أكد ذلك أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «الإمامُ المُسْتَحِقُّ للإمامَةِ لَهُ عَلاَماتٌ، فَمِنْها: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مَعْصومٌ مِنَ الذُّنوبِ كُلِّها صَغيرِها وكَبيرِها، لاَ يَزِلُّ في الفُتْيا، ولا يُخْطئُ في الجَوابِ، وَلاَ يَسْهو وَلاَ يَنْسى، وَلاَ يَلْهو بِشَيءٍ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا».

والثّاني: أنْ يَكُونَ أعْلَمَ النّاسِ بِحَلالِ اللهِ وَحَرامِهِ وضُرُوبِ أحْكامِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ وَجَميعِ ما يَحْتاجُ إلَيهِ النّاسُ، (فَيَحْتاجُ النّاسُ إلَيْهِ) وَيَسْتَغْني عَنْهُمْ»[9].

وفي قول آخر: «كِبارُ حُدودِ وَلاَيَةِ الإمامِ المَفْروضِ الطّاعَةِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مَعْصومٌ مِنَ الخَطأِ والزَّلَلِ والعَمْدِ، ومِنَ الذُّنوبِ كُلِّها صَغيرِها وكَبيرِها، لا يَزِلُّ ولا يُخْطئُ، ولاَ يَلْهو بِشَيءٍ مِنَ الأمورِ المُوبِقَةِ للدِّينِ، ولا بِشَيءٍ مِنَ المَلاهي، وأنَّهُ أعْلَمُ النّاسِ بِحَلالِ اللهِ وَحَرامِهِ، وفَرائِضِهِ وسُنَنِهِ وأحْكامِهِ، مُسْتَغْنٍ عَنْ جَميعِ العالَمِ، وغَيْرُهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأنَّهُ أسْخى النّاسِ وأشْجَعُ النّاسِ»[10].

10ــ أن يعيش الإمام وسط الناس مواسياً لهم، رحيما بهم، قدوة يحتذي به الفقراء وهذا ما ورد في الأحاديث الشريفة عن أمير المؤمنين عليه السلام إذ يقول: «ثَلاَثَةٌ مَنْ كُنَّ فيهِ مِنَ الأئِمَّةِ صَلُحَ أنْ يَكونَ إماماً اضْطَلَعَ بِأمانَتِهِ: إذا عَدَلَ في حُكْمِهِ، وَلَمْ يَحْتَجِبْ دُونَ رَعِيَّتِهِ، وَأقامَ كِتابَ اللهِ تَعالى في القَريبِ، وَالبَعيدِ»[11].

وعن الإمام الباقر عليه السلام: «وحسن الخلافة على من وليَ حتى يكون له كالوالد الرحيم»[12].

وما يؤكد على ضرورة أن يكون للفقراء قدوة قول أمير المؤمنين عليه السلام: «  هَجَم َ بِهِمُ العِلْمُ عَلى حَقيقَةِ البَصيرَةِ، وَباشَروا رُوحَ اليَقينِ، واستلانوا ما اسْتوعره المترفون... أولئك خلفاء الله في أرضه»[13].

بعد معرفة هذه الصفات الكمالية للمعصوم صار لابد لنا أن ننظر بعين البصيرة إلى من اتصف بهذه الصفات لنختاره إماماً لنا كي نصل إلى غايتنا وهي النجاة في الدنيا والآخرة، وهذا ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: «إنَّ أئِمَّتَكُمْ وَفْدُكُمْ إلى اللهِ، فانْظُروا مَنْ تُوفِدونُ في دِينِكُمْ وَصَلاتِكُم»[14].

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّ أئِمَّتُكُمْ قادَتُكُمْ إلى اللهِ، فانْظُروا بِمَنْ تَقْتَدونَ في دِينِكُمْ وَصَلاتِكُمْ»[15].

ولا شك أن إمام الدين أعم من إمام الصلاة وغيرها، وبخلاف ذلك سننال سخطا من الله تعالى وعذابا أليما فلذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لأُعَذِّبَنَّ كُلَّ رَعِيَّةٍ في الإسْلامِ أطاعَتْ إماماً جائِراً لَيْسَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإنْ كانَتِ الرَّعِيَّةُ في أعْمالِها بَرَّةً تَقِيّةً»[16].

ـــــــــــــــــ
[1] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج7، ص36. ميزان الحكمة: ج1، ص157، ح846.
[2] الكافي: ج1، ص202، ح1. ميزان الحكمة: ج1، ص157، ح847.
[3] غرر الحكم: 11010. ميزان الحكمة: ج1، ص157، ح848.
[4] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18، ص220. ميزان الحكمة: ج1، ص157، ح851.
[5] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18، ص274. ميزان الحكمة: ج1، ص157، ح852.
[6] الكافي: ج1، ص284، ح3. ميزان الحكمة: ج1، ص157 ــ 158، ح853.
[7] الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص39. ميزان الحكمة: ج1، ص158، ح856.
[8] معاني الأخبار: ص102، ح4. ميزان الحكمة: ج1، ص158، ح857.
[9] بحار الأنوار: ج25، ص164. ميزان الحكمة: ج1، ص158 ــ 159، ح861.
[10] بحار الأنوار: ج68، ص389، ح39. ميزان الحكمة: ج1، ص159، ح862.
[11] كنز العمال: 14315. ميزان الحكمة: ج1، ص158، ح855.
[12] الخصال للشيخ الصدوق: ص116، ح97.
[13] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18، ص347. ميزان الحكمة: ج1، ص158، ح860.
[14] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج11، ص88. ميزان الحكمة: ج1، ص162، ح878.
[15] بحار الأنوار: ج23، ص30، ح46. ميزان الحكمة: ج1، ص162، ح879.
[16] بحار الأنوار: ج25، ص110، ح1. ميزان الحكمة: ج1، ص162، ح882.

لو كان الإمام يعلم كل شيء فلماذا يتعلم من النبي بالطرق المتعارفة؟

بقلم: الشيخ صباح عباس حسن الساعدي

وردت مجموعة من الروايات الدالة على أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، أو غيره من الأئمة الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد تعلموا منه بعض العلوم، بل بعضها تدل على أن الأئمة الباقين قد تعلم بعضهم عن بعض أيضاً، وهذا الكلام وما تتضمنه هذه الروايات لا تنسجم مع نظرية علمهم المطلق - أي الحاضر لديهم - ولا أقل من أنهم تعلموا منه بعض الأشياء في بعض المواقف التي يظهر منها أنهم غير عالمين بها، ومن أوضح الروايات الدالة على ذلك هو ما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام مخاطبا أحد أصحابه قائلا: «يا أبا محمد، علم - والله - رسول الله علياً ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب...» [1].

ولذا اختار الشيخ الطوسي هذا الرأي في اقتصاده؛ حيث قال:«... وإنما يجب أن يكون الإمام عالماً بما أسند إليه في حال كونه إماماً، فأما قبل ذلك، فلا يجب أن يكون عالماً.

ولا يلزم أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام عالماً بجميع الشرع في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو الحسن والحسين عليهما السلام عالمين بجميع ذلك في حياة أبيهما، بل إنما يأخذ المؤهل للإمامة العلم ممن قبله شيئاً بعد شيء؛ ليتكامل عند آخر نفس من الإمام المتقدم عليه بما أسند إليه...»[2].

الجواب عن هذه الشبهة


ويمكن القول - في مقام الإجابة على ما ذكر -:

الجواب الأول:


أن هذا الشيء كان لأجل أن يعرفوا الناس بأنهم أوْلى من كل أحد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ إنه صلى الله عليه وآله وسلم علمهم عليهم السلام ما لم يعلم أحد، وخصهم بأشياء لم ينلها أحد غيرهم عليهم السلام، وهذا مدعاة للتجاوب مع هؤلاء الأنوار الطاهرة وقبولهم ولاة لأمرهم؛ فجاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام رحمة بالعالمين.

الجواب الثاني


 إن هذا الحديث - بل هذه الطريقة التي قام بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أمير المؤمنين عليه السلام - كانت من أجل ما اعتاده الناس من طريقة تعلم الوصي عن طريق النبي، فهم سمعوا وعلموا بأن الوصي - الذي هو أوْلى بالخلافة والوصاية - إنما يأخذ علومه من النبي الذي خلَّفه، فجاءت هذه الأحاديث لإثبات ذلك الأمر؛ جرياً على ما عرفه هؤلاء الناس؛ تتميماً للحجة عليهم.

وقد أشار لهذا الوجه المحدِّث النوري رحمه الله؛ حيث قال:«... ولا يخفى أن علمهم عليهم السلام بما يحتاجون إليه من الأصول والفروع، وما يحتاج إليه العباد كان معهم في صغرهم، علَّمهم الله تعالى بالطرق التي اختصهم بها، وفي الظاهر كانوا يتعلمون بعضهم من بعض، ويتلقونه منهم كما يتلقى غيرهم منهم - أو من غيرهم - بالسؤال الظاهر في جهالة صاحبه، أو بالإلقاء من غير مسألة...» [3].

وخير دليل على ما ذكرنا، هو ما جاء من أدلة قطعية، دلت على أن علمهم عليهم السلام حاضر وفعلي، فلا بد من حمل هذا التعليم على الطريقة الظاهرية؛ مراعاة لبعض المصالح المرادة للمعصومين عليهم السلام.

ــــــــــــــــ
[1] الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص172. والكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص239.
[2] الطوسي، محمد بن الحسن، الاقتصاد، ص193.
[3] النوري، حسين، خاتمة المستدرك، ج 1، ص 290.

الإمام وعلم الغيب، محاورة جميلة ما بين أنور وحسن

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي
 قال أنور:   السلام عليكم.
 فقال حسن:   وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 قال أنور:   هل لك ان تخبرني لماذا يجب أن يتصف الإمام بصفات الكمال فيكون أفضل من جميع الناس؟
 فقال حسن:   هذا سؤال رائع ينتج من جوابه إسكات من يدعي الإمامة دون التحلي بصفات الإمام ويكون رداً جيداً على من يبرر أخطاء الخلفاء الماضين، ولهذا لابد من الوقوف على أسباب وجوب اتصاف الإمام بالصفات الكاملة، وهي كما يلي:
1 - غرض النبوّة هو استكمال النفوس والوصول بها إلى كمالها، فكذلك هو غرض الإمامة لأنها امتداد طبيعي للنبوّة، وكما يلزم من ذلك ان يكون النبي في الصفات أكمل وأفضل من جميع الناس فلابد أن يكون الإمام كذلك.
2 - لقبح تقديم المفضول على الفاضل، أي لو كان الإمام أقل فضلاً من غيره لقبح تقديمه على ذلك الآخر عقلاً وشرعاً، ومن هذا نفهم لا بد أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه.
3 - لو لم يكن الإمام أفضل وأكمل من جميع الناس لامتنع انقياد الناس إليه ولنفرت منه النفوس ومن ثم لا يستطيع تحقيق الغرض الإلهي ألا وهو هداية الناس وحفظ الدين.
4 - لو جاز أن يصدر من الإمام المنكر لوجب نهيه عن ذلك مما يلزم أذيته وردعه، وهذا في ذاته مرفوض شرعاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (سورة الأحزاب، الآية: 58).
5 - لو كان الإمام أنقص من الرعية ما جاز تقديمه لقبح تقديم المفضول على الفاضل، ولو كان مساوياً لهم لا ستحال ترجيحه عليهم لعدم جواز الترجيح بلا مرجح، فينتج من هذا وجوب أن يكون الأفضل.
6 - وهناك الكثير من الأدلة على ضرورة كون الإمام أفضل من الرعية نتركها للاختصار.

 قال أنور:   جزاكم الله خيراً... استفدنا كثيراً بهذه الأبحاث الرائعة.
 فقال حسن:   في خدمتكم وخدمة المسلمين.

 قال أنور:   جاء دور السؤال الآخر الذي يرتبط بعلم الإمام عليه السلام وهو: ما هو مصدر علم الإمام عليه السلام؟ وهل انه يعلم الغيب؟ وما هو الفرق بين علمه وعلمنا؟
 فقال حسن:   هذه الأسئلة من الأسئلة التي يحتاج الناس إلى معرفة أجوبتها لأهميتها، ولابد لي أن أُجيب عنها واحداً تلو الآخر فأقول:
جواب السؤال الأول: إن مصدر علم الإمام عليه السلام هو الله تعالى ويصل إليه تارة عن النبي صلى الله عليه وآله وتارة ثانية عن طريق الإشراق وتنوير الباطن وثالثة عن طريق تحديث الملائكة، ولا بأس أن اذكر لك ما يؤيد ذلك ففي قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «علمني رسول الله ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب، فذلك ألف ألف باب حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب» (راجع بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص325)، فلو تأملت في هذا الحديث لوجدت الإشارة إلى الطريقين واضحة صريحة.

 قال أنور:   مداخلة صغيرة قبل أن تنتقل إلى الطريق الثالث: ماذا يقصد بالألف هل هي إشارة إلى العدد؟
 فقال حسن:   كلا تعبير عن الكثرة كقوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (سورة التوبة، الآية: 80).

 قال أنور:   أحسنت سيدي.
 فقال حسن:   والطريق الثالث ألا وهو تحديث الملائكة فعن أبي الحسن عليه السلام كما في (الكافي للكليني ج1 ص271): «الأئمة علماء صادقون مفهّمون محدّثون» مؤيد لما قلناه.
وهناك طرق أخرى كما في الرواية عن الحارث بن المغيرة: «قلت لأبي عبد الله أخبرني عن علم عالمكم؟ قال: وراثة من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن علي عليه السلام. قال قلت: إنا نتحدث أنه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم قال: أو ذاك» (الكافي للكليني ج1 ص264), وهذا تصريح بطريق رابع ألا وهو القذف في القلوب والنكت في الآذان، ولكي نختم الكلام في السؤال الأول فأضيف ان هناك مصحف فاطمة والجامعة والجفر وغير ذلك.

 قال أنور:   فهل لك أن تزودني بجواب السؤال الثاني؟
 فقال حسن:   سؤالكم كان هل أن الإمام عليه السلام يعلم الغيب؟
فأقول: لابد من بيان علم الغيب ثم نعرّج على جواب سؤالكم، فيا سيدي علم الغيب؛ هو الإحاطة بكل ما غاب عنا أو عن المخلوقات الأخرى، وهذا من شأن الله تعالى، ولكن إذا أراد الله سبحانه أن يهب ويعلّم عبداً من عباده فلا يمنع من ذلك شيء، كما حصل هذا للعبد الصالح الخضر عليه السلام كما في قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} (سورة الكهف، الآية: 65)، فالله تعالى يعلّم عبده الذي يريد له أن يكون حجة على الناس، فالإمام يعلم الغيب بقدر ما يعلمه الله تعالى وبحسب حاجته لذلك، لكي تتم حجيته على الناس.

 قال أنور:   ما دمنا نتكلم في علم الإمام فهل لي أن أسأل أسئلة خفيفة؟
 فقال حسن:   بكل سرور.

 قال أنور:   أولاً هل لديكم حديث عن علم الغيب الذي يعلمه الإمام؟
 فقال حسن:   نعم كقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن الله تعالى أحكم وأكرم وأجلّ وأعظم وأعدل من أن يحتج بحججه ثم يغيب عنهم شيئاً من أمورهم» وفي تعبير آخر قال عليه السلام: «من شك أن الله تعالى يحتج على خلقه بحججه لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه فقد افترى على الله».

 قال أنور:   سبحان الله تعالى كأن هذين الحديثين وضعا لما تفضلت به قبل قليل.
 فقال حسن:   وهل لدينا من غيرهم، فهم عليهم السلام النبع الصافي لكل العلوم.

 قال أنور:   سؤال آخر: عندنا علم مكتسب نتعلمه من المعلمين، وهناك قول يقول: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء... الخ» هل هناك اختلاف بين العلمين؟
 فقال حسن:   الجواب واضح فالعلم الأول يسمى بالعلم الحصولي المكتسب، وهذا متيسر لكثير من الناس، والعلم الثاني علم لدّني من قبل الله تعالى يختص به من ارتضى من عباده كما بينّا ذلك في الآية التي نزلت بخصوص الخضر عليه السلام: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} وهذا لا يحصل إلا إذا طهر القلب وصقل صقلاً جيداً لتشرق عليه الأنوار الربوبية فتجلو أثر الظلمة والجهل، فيكون عندها القلب وعاءً لتلقي الفيض الإلهي.

 قال أنور:   أراك بدأت تتحدث شيئاً جديداً فهل لك أن تزيدني؟
 فقال حسن:   كلا، هذا يكفي في الوقت الحاضر.

 قال أنور:   سؤال أخير هل إن الإمام كالإمام علي أو الحسين عليهما السلام أو الأئمة الطاهرين عليهم السلام يعلمون بنا عندما نزورهم، ويسمعون قولنا، ويحيطون بنياتنا؟
 فقال حسن:   هذا سؤال رائع: يا سيدي الكريم إنهم يعلمون بنا ويسمعون قولنا ويطلعون على نياتنا، وسأبين لك ذلك على شكل نقاط متسلسلة:
 أولاً -  إن طرق علم الأئمة عليهم السلام متعددة منها ما يكون عن طريق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ومنها عن طريق القذف في القلوب والوقر في الأسماع، ومنها عن طريق الإشراق وتنوير الباطن ومنها عن طريق تحديث الملائكة وقد تقدمت الأدلة على ذلك... كأنك نسيت ما ذكرناه؟

 قال أنور:   كلا لم أنسه، ولكن قصدي علمهم بعد وفاتهم.
 فقال حسن:   نعم ...أنا ذكرت لك النقطة الأولى وأما:
 ثانياً -   إن الأئمة أحياء عند ربهم يرزقون كما في قوله تعالى:{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. (سورة آل عمران، الآية: 169).
 ثالثاً -   هم حجج طاعتهم مفروضة علينا أحياء وأمواتاً، وهذا معناه إننا نطيعهم بعد وفاتهم كما نطيعهم في حياتهم وإلاّ إذا لم نفعل ذلك سنقع في الخطأ والبعد عن الله، كما أن هذا الحديث الوارد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام يوضح الأمر كله فيقول:«الله أجلّ وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه ثم قال: لا يحجب ذلك عنه»، فالإمام علي وأولاده الطاهرون طاعتهم مفروضة فلابد أن يكونوا محيطين بنا لكي يكونوا شهداء علينا يوم القيامة.
 رابعاً -   إن أعمالنا تعرض عليهم ليشهدوا عليها وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } (سورة التوبة، الآية: 105)، وكلمة {وَالْمُؤْمِنُونَ} في الآية الأئمة عليهم السلام وهناك أحاديث تؤيد أن أعمالنا تعرض عليهم، كقول الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «مالكم تسوءون رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوءوا رسول الله وسروه».
 خامساً -   ما المانع أن يطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام على زائريهم وأسمائهم وأعمالهم الباطنية؟ ليس هناك مانع طالما الأمر لا يتم إلا بإذن الله تعالى، ولا بأس أن أذكر لك الأحاديث التي تبين أنهم متواصلون معنا ومطلعون علينا وعلى نيتنا:

  ألف -  ما يدل على أن الله تعالى يوصل إليهم سلامنا، كقول أمير المؤمنين عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله من سلّم عليّ في شيء من الأرض أبلِغُتُه ومن سلم عليّ عند القبر سمعته»، ورواية أخرى «عن ابن مسعود قال: رسول الله صلى الله عليه وآله إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام».
  باء -  وقول الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فيه أدلة واضحة على ما قلناه فيقول: «إن الحسين بن علي عليه السلام عند ربه عز وجّل ينظر إلى زواره وهو أعرف بحالهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجّل من أحدكم بولده وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليه السلام أن يستغفروا له.... الخ».
ففي هذا الحديث إنه عليه السلام يسمع ويرى ويستغفر لأنه شهيد حي عند ربه، ويتضح من الحديث أن الإمام مطلّع على نيّة الزائر وليس على ظاهر العمل وإلا لو كان يعلم ظاهر العمل فقط، كيف له أن يعلم صدق النيّة وأن عمل الزائر لم يكن رياءً.

 قال أنور:   اليوم قد أتعبتك كثيراً.
 فقال حسن:   أنا في خدمتكم، إلى اللقاء.

هل للنبي صلى الله عليه واله والأئمة عليهم السلام إمكانية التشريع المطلق (الولاية التشريعية)

بقلم: السيد محمد علي الحلو
  التفويض... الشبهة والمفهوم  
قد فهم بعضهم أنّ التفويض يعني أن لا قدرة لله على أمر الخلق بل فوّض ذلك إلى النبي أو الأمام، أي أن الله صار بمعزلٍ عن أمر خلقه... تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذه الشبهة دفعت بالبعض إلى النفور عن مسألة التفويض واتهام القائلين به بالغلو. ولكي نقلل هوة التباعد في المفهوم بين القائلين بالتفويض وبين الرافضين له نتساءل على ضوء المعطيات التالية:

  أولاً: وحدانية الله تعالى  
هل يعني التفويض أن الله تعالى قد فرغ من الأمر بعد خلقه الخلق، وهل أن مقالة التفويض تضرّ في وحدانيته، أي تزاحم سلطنته وهيمنته على الأمور؟.
أم أن التفويض هو نحو من أنحاء السلطنة التي يتصرف صاحبها كيف يشاء وأنّى يشاء، ومنها أن يجعل بعض مهام أمور خلقه إلى بعض خلقه فيفيض عليهم من عطائه لمصلحة عباده؟.

  ثانياً: الغلو  
إنّ الغلو هو تجاوز الحد الذي حدده القرآن والروايات في مقامات الأولياء، وأن تجاوز هذا الحد يعني أن يكون الولي في مرتبة من مراتب الإلوهية التي هي الشرك بعينها.
إلا أن التفويض الذي يقول به الإمامية لا يعني إلا أنه محض العبودية لله، لأن الذي يفوض إليه أمرٌ من الأمور، لا يكون إلا بعد أن محّضُ العبودية لله محضاً ثم يختاره الله تعالى، على أنه تكامل في طاعته وتفانى في عبادته.
فالتفويض لا يعني أكثر من كون المفوَّض إليه عبداً خالصاً لله، وكلّ ما فوض إليه فهو من فيض لطفه تعالى وكرمه على عباده المنتجبين.
فإذن ليس التفويض الاستقلال عن سلطنته تعالى، بل هو محض التسليم والطاعة والعبودية. هذه هي شبهة الذين اتهموا الآخرين بالقول بالتفويض، وهي شبهة في غير محلها لعدم الركون إلى المفهوم الصحيح للتفويض.

  ثالثاً: المصلحة من التفويض  
إنّ ممارسة مهام النبي أو الإمام تتوقف على مدى صلاحياته في شأن أمته، فالناس ميالون لتصديق من له القدرة والقابلية على التصرفات الكونية أو الشرعية، فيكون التفويض ذا أثرٍ نفسي على توجهات الناس لقبولهم دعوة ذلك المبلغ الذي يستطيع أن يتصرف في التكوينات والتشريعات، إذ ذلك كاشفٌ عن مرتبة القرب إلى الله تعالى، حين لا يُنال ذلك إلا لدرجةٍ رفيعة ومقامٍ محمود يحظى به العبد عند ربّه، وبخلافه فستكون عدم الصلاحية في التصرفات سبباً في تنفير الناس وانفضاضهم من حوله، فالتفويض سببٌ لاستقطاب الناس كون المبلّغ هو القدوة، والقدوة بحاجةٍ إلى تسديدٍ رباني لانثيال الناس عليه، في حين خلو القدوة من ميزات التصرف يجعل التأثير قليلاً أو معدوماً.

  ما هي دائرة التفويض التشريعي؟  
هل التفويض التشريعي يشمل:
أولاً: التفويض في الأحكام الكلية؟.
ثانياً: هل التشريع هو إمضاء من قبل الله تعالى لبعض الأحكام الجزئية التي شرّعها النبي 2؟.
ثالثاً: هل التفويض يعني التفويض في إدارة أمور الأمة ووصولها إلى مراتب الكمال؟.
رابعاً: هل التفويض يقتصر على الأمر المالي حيث يعطي النبي لمن يشاء ويمنع من يشاء على أساس المصلحة؟.
خامساً: هل التفويض يعني بيان علل بعض الأحكام الخفية والوقوف على أسرارها تبعاً للمصلحة؟.
كل هذه الأسئلة تُطرح على أساس البحث الذي تتكفله الروايات الواردة في معنى التفويض، ويمكننا أن نقتنص المعنى الذي تكفلت الروايات في الإجابة عنه.

  روايات التفويض  
يمكن أن نقف على حدود الولاية التشريعية وبعض ماهياتها فيما إذا استعرضنا الروايات الواردة والتي تؤكد انّ دواعي التفويض هي لغرض التأكيد على طاعة الرسول في ما يأتيه من أحكام يجب الأخذ بها إظهاراً لطاعة العباد له ومتابعته كذلك منها:

  الرواية الأولى:  
يعقوب بن يزيد بسنده إلى أبي جعفر عليه السلام قال: إنّ الله خلق محمداً عبداً فأدّبه، حتى إذا بلغ أربعين سنة أوحى إليه، وفوّض إليه الأشياء فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. (راجع بصائر الدرجات للصفار القمي 2: 228 المكتبة الحيدرية 1426).
تتحدث الرواية عن عبودية النبي صلى الله عليه وآله المتقدمة على بعثته، أي أن العبودية لله تعالى التي امتاز بها النبي صلى الله عليه وآله أهلته إلى تحمل مسؤولية البعثة فأوحى إليه وفوّض، ويبدو أن التفويض كان مقارناً للإيحاء وليس رتبة متقدمة عليه، إلا أن الترتيب يفيد الوحي، ثم التفويض إلى النبي في أمر الدين.
ومعلوم انّ الرواية أعمّ من التفويض التشريعي والتفويض التكويني حيث قال: وفوّض إليه الأشياء، والأشياء إشارة إلى العناية التكوينية بها من قبل النبي2 فضلاً عن العناية التشريعية كذلك، إلا أن قرينة الآية تدل على الأول أي التفويض التشريعي لقوله تعالى: «ما آتاكم الرسول فخذوه» وهو أمر للامتثال بما يورده النبي 2 من أحكام وتشريعات يُلزم بها المكلّفون.

  الرواية الثانية:  
عن زرارة أنه سمع أبا عبد الله وأبا جعفر عليهما السلام يقولان: أن الله فوّض إلى نبيه صلى الله عليه وآله أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الآية: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. (نفس المصدر السابق).
تعلّل هذه الرواية الولاية التشريعية للنبي صلى الله عليه وآله وبيان المصلحة في ذلك، وظاهرها أنها تشير إلى حالة التسليم التي لابد أن يتحلى بها المؤمن حينما يأتيه عن النبي صلى الله عليه وآله أمرٌ ما، فالتسليم بما ورد عن النبي كاشف عن الطاعة التي يتحلى بها المكلف، إذن فالتفويض هو كشف عن حالة التسليم والمتابعة للمكلف التي لابد أن يمتاز بها عند تعاطيه مع ما يرد عن النبي صلى الله عليه وآله من أحكام.

  الرواية الثالثة:ً  
الحجال بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ان الله أدّب نبيه 2 على أدبه فلما انتهى به إلى ما أراد قال له: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ففوض إليه دينه فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وان الله فرض في القرآن ولم يقسّم للجد شيئا وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطعمه السدس فأجاز الله له، وان الله حرم الخمر بعينها وحرّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل مسكر، فأجاز الله له ذلك وذلك قول الله: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. (نفس المصدر السابق).
تكشف هذه الرواية عن العناية الخاصة التي أولاها الله تعالى لنبيه، فالتأديب يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصل إلى حالة الكمال والاندكاك بالإرادة الإلهية، حتى صارت أرادته تمثّل إرادة الله تعالى، فالأدب هو عنايته تعالى بأن يرقى نبيه إلى مراقٍ تكون إرادته هي إرادة الله تعالى، لذا فما شرّعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقره الله تعالى وأمضاه إذ إرادته لا تخالف إرادة الله ولا تتقاطع معها بحال، وبهذا فتكون إرادة الله تعالى متمثلة بإرادة رسوله، وتشريعه متمم لتشريعه تعالى لا للنقص بل للمصلحة التي تقتضيها حالات التشريع هذه، فبعضها منكشفة لدينا كالطاعة والتسليم والامتثال لأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخرى غير منكشفة إلا ما ينصّ عليها دليل.

  الرواية الرابعة:  
وفي حديث إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال لي جعفر بن محمد عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مفوضاً إليه، ان الله تبارك وتعالى فوّض إلى سليمان عليه السلام ملكه فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وان الله فوّض إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيه فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} فقال رجل: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفوّضاً إليه في الزرع والضرع، قال: فلوّى جعفر عليه السلام عنه مغضباً فقال: في كل شيء والله في كل شيء.
والرواية تبيّن إمكانية التفويض، فكما أن نبي الله سليمان فوّض إليه ملكه، فكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فوّض إليه أمر دينه، فالتفويض على أساس مهمة النبي التبليغية، فلما كانت مهمة سليمان محدودة في ملكه فالنبي مهمته تتسع بسعة رسالته الخاتمة للرسالات.
ثم أشارت الروايـة إلى سعـة دائرة هـذا التفويض لدى النبي صلى الله عليه وآله حيث لم يحدد الإمام عليه السلام هذه الدائـرة، فقـد جعلهـا مفتوحـة بقوله «في كل شي» أي لم تتحدّد بشيء دون شيء تبعاً لمهمته صلى الله عليه وآله.

  الوسطية... لا إفراط ولا تفريط  
أهم ما نسعى إليه في كل تعاملاتنا وتعاطينا مع الأشياء هي الوسطية، فقد أكد الإسلام على سلوك هذه الوسطية في كل شيء، حتى امتدح الأمة الإسلامية بأنّها أمةً وسطاً لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، فالإفراط مرفوض لأنه يضع الأشياء في غير محلها، والتفريط ظلمٌ لأنه يُقصي الحق عن محله، من هنا نظرة الإمامية إلى التفويض كما جاء على لسان أهل البيت الذين أوضحوا المقصود من التفويض لئلا يختلط المفهوم وتتباين الرؤى.
فالتفويض لا يعني عزل الأمر عنه تعالى، بل التفويض يعني هيمنته على الأمر وقيمومته له وقدرته أن يفوض بعض شؤون الخلق، إلى بعض أوليائه ولكن تحت رعايته وضمن عنايته تعالى، كما أن زعم البعض بأن التفويض مزاحمة حقه تعالى فهو غير ورادٍ في معنى التفويض، فالقول بالتفويض تنزيه الربوبية عن كل ما يشين القدرة والسلطنة، وإقرارٌ بالعبودية بكلّ ما يليق بالطاعة والمتابعة، لأنه إقرارٌ بالاحتياج إليه وعدم الاستغناء عنه، لأن المفوض إليه لا ينقطع عن فيض الله تعالى، الذي اجتباه للتفويض واصطفاه لتدبير أمور خلقه بعنايته تعالى فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قال: من زعم أنا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم ان إلينا الخلق والرزق فنحن منه براء كبراءة عيسى ابن مريم من النصارى.

  الولاية التشريعية في منظور أهل السنة  
هذا ما كان من أمر ولاية النبي التشريعية عند الشيعة، ولا يمكن أن ينكر ذلك أحدٌ من المسلمين، وإلا فلابد من تجريد النبي من مهامه التبليغية بل ومسؤوليته النبوية، ولا يبقى له من الصلاحيات إلا نقل الوحي فقط، وإلغاء دوره القيادي والإصلاحي بعد ذلك.
لذا فإننا نجد من خلال كلمات أهل السنة ما يشير إلى ضرورة تفويض النبي التشريعي وإن لم ينصوا على ذلك، أي انّ مقتضى تنظيرهم أن يكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاحية في التشريع، فقد ذكروا في تعريف الولاية العامة قولهم:
الولاية العامة: سلطة على إلزام الغير وإنفاذ التصرف عليه بدون تفويض منه، تتعلق بأمور الدين والدنيا والنفس والمال، وتهيمن على مرافق الحياة العامة وشؤونها، من أجل جلب المصالح للأمة ودرء المفاسد عنها، وهي منصب ديني ودنيوي شرّع لتحقيق ثلاثة أمور:
ــ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ــ وأداء الأمانات إلى أهلها.
ــ والحكم بينهم بالعدل.
قال ابن تيمية: والمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم فإنهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم (مجموع فتاوى ابن تيمية 28: 68 عن الموسوعة الفقهية الكويتية45: 140).
وللولاية العامة مراتب واختصاصات تتفاوت فيما بينها وتتدرج من ولاية الإمام الأعظم إلى ولاية نوابه وولاته ونحوهم، وبها يناط تجهيز الجيوش، وسد الثغور وجباية الأموال من حلها، وصرفها في محلها، وتعيين القضاة والولاة، وإقامة الحج والجماعات، وإقامة الحدود والتعازير، وقمع البغاة والمفسدين، وحماية بيضة الدين وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، ونصب الأوصياء، والنظار والمتولين ومحاسبتهم، وما سوى ذلك من الأمور التي يستتب بها الأمن ويحكّم شرع الله.
قال ابن تيمية: وأصل ذلك أن تعلم أنّ جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإنّ الله سبحانه انما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وله أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنون (راجع الحسبة: 8 عن الموسوعة الفقهية الكويتية).
هذا ما أفادته الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية لسنة (1427 هـ ــ 2006 م)، وبغض النظر عن محاولتهم في تأصيل فقه ابن تيمية والتأكيد على وجهات نظره، إلا أن المهم في الأمر أن التنظير الفقهي لدى أهل السنة يتجه باتجاه إعطاء الصلاحيات الواسعة للنبي صلى الله عليه وآله في إدارة شؤون أمته وإكمال رسالته، حتى ذكروا في تعداد مهامه النبوية أنها تشمل جميع المناحي الدينية والدنيوية، وهو أمرٌ يتطلب أن يكون للنبي صلى الله عليه وآله الولاية التامة في التشريع الذي من خلاله يستيطع أن يدير شؤون أمته، فإصلاح الأمة، وأن يكون الدين كلّه لله، وحماية بيضة الدين، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وبالتالي أن تكون كلمة الله هي العليا، كما ورد في تنظيراتهم، فإنّ ذلك يقتضي أن تكون يد النبي التشريعية مبسوطة وصلاحياته مفتوحة، وأن تشعر الأمة بأهمية دور النبي صلى الله عليه وآله التبليغي وأنّ طاعته وطاعة الله واحدة كل ذلك لا يتم بمعزل عن ولايته التشريعية التي لابد أن يفوّض بها من قبل الله تعالى، وإلا تبقى هذه العناوين تنظيرية جامدة قابعة في زوايا التمني والترجي، دون أن نجد لها تفعيلاً في الخارج ينسجم وحركة النبي الإصلاحية.
إذن فلا خلاف بين قول الإمامية من ثبوت الولاية التشريعية واستحقاقها للنبي صلى الله عليه وآله، وبين قول علماء أهل السنة من أن الفتوى النبوية هي من مراتب الإمامة، وهي ولايته وإمامته التشريعية.
إذا ثبت أمر الولاية التشريعية للنبي، فقد ثبت معه أمر الولاية لخليفته المتوفر على شروط الإمامة العظمى وأهمها العصمة، فإنها منشأ كل ولاية وأهلية كل إمامة، وإذا علمنا أن أئمة أهل البيت قد توفر فيهم هذا الشرط ــ شرط العصمة ــ فقد توفرت أهليتهم للإمامة والولاية التشريعية، وإلا فلا يمكن أن نقول بانقطاع ولاية التشريع بعد النبي صلى الله عليه وآله إذ الحاجة إلى شؤون الأمة التشريعية وقيادتهم إلى حيث رضا الله تعالى وعبادته يتوقف بالقيم على هذا الشرع الذي لا يمكن أن يخلو منه زمان دون زمان، ولا تتوفر لأحد إمكانية العصمة، ممن ادّعى خلافة النبي على مستوى الدعاوى السياسية غير المستندة إلى شرعية الوصية والاستخلاف.