هل القول بالعلم المطلق للائمة يلزم منه التنافي مع بعض الأفعال التي صدرت عنهم؟

بقلم: صباح عباس حسن الساعدي

هناك مجموعة من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، حكت لنا بعض المواقف الصادرة عنهم، تدل على أنها ناشئة عن عدم الدراية بعاقبة ما يصنعون، وهذه الروايات تنفي كون الأئمة يعلمون الغيب، وتنسفها من الأساس، ولعل من أوضح هذه الأمور هو ما صرح به الإمام الصادق عليه السلام في بعض الروايات، فقد ورد عنه أنه قال: «... قال يا عجباه لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ! ما يعلم الغيب إلا الله، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي، فما علمت في أي بيوت الدار هي...»([1]).

أو قوله عليه السلام في حديث: «قلت له: إن يحيى بن خالد سم أباك موسى بن جعفر صلوات الله عليهما؟ قال: نعم، سمه في ثلاثين رطبة. قلت له: فما كان يعلم أنها مسمومة؟ قال: غاب عنه المحدِّث.

قلت: ومَن المحدث؟ قال: مَلك أعظم من جبريل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع الأئمة صلوات الله عليهم، وليس كل ما طلب وجد. ثم قال: إنك ستعمر. فعاش مائة سنة»([2]).

أو ما ورد من أكل الإمام الرضا عليه السلام بيضة مقامر عليها؛ فقد ورد في الكافي عن عبد الحميد بن سعيد، قال: «بعث أبو الحسن عليه السلام غلاماً يشتري له بيضاً أو بيضتين، فقامر بها، فلما أتى به أكله، فقال مولى له: إن فيه من القمار، قال: «فدعا بطشت فتقيأ فقاءه»([3]).

فهذه تصريحات واضحة في عدم علمهم عليهم السلام، فيثبت أن هذه النظرية - أي: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون بالأشياء علماً حاضراً - أمر باطل لا يمكن الالتزام به.

ولعل ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره في المقام إشارة إلى هذه الشبهة؛ حيث قال رحمه الله: «...تظافرت الأخبار من طرق أئمة أهل البيت، أن الله سبحانه علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام علم كل شيء... وأورد عليه، أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر الناس، فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها، على ما يرشد إليه الأسباب الظاهرية، ويهدي إليه السبل العادية، فربما أصابوا مقاصدهم، وربما أخطأ بهم الطريق فلم يصيبوا، ولو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبداً، فالعاقل لا يترك سبيلاً يعلم يقيناً أنه مصيب فيه، ولا يسلك سبيلاً يعلم يقينا أنه مخطئ فيه...»([4]).


الجواب عن هذه الشبهة

أما في مقام الإجابة عن هذه الشبهة - التي طرحت منذ قرون متقدمة، وأجيب عنها من قِبَل العلماء أيضاً - فإننا نقول:

الجواب الأول: إن هذه الروايات ضعيفة السند

أما الرواية الأُولى، فهي ضعيفة السند بعباد بن سليمان؛ فإنه مهمل في كتب الرجال([5]).

وأما الرواية الثانية، فهي ضعيفة أيضاً بالحسن بن أحمد المالكي؛ كما ذكر بعض الأعلام([6]).

 وأما الرواية الثالثة، فضعفها من جهتين: جهالة عبد الحميد بن سعيد([7])، وضعف سهل بن زياد، فقد ذكر السيد الخوئي رحمه الله في مصباح الفقاهة ذلك بقوله: «... مجهولة لعبد الحميد، وضعيفة لسهل...»([8]).

وقال في موضع آخر من كتابه بعد أن ذكر توجيهاً لها: «... على أن الرواية المذكورة ضعيفة السند»([9]).

وقال السيد الروحاني فيها أيضاً: «... مع أنه محل نظر؛ لجهالة عبد الحميد المذكور...»([10]).

الجواب الثاني: هده الروايات تنفي علم الغيب المستقل لا الذي بتعليم من الله

إن الروايات الواردة في المقام إنما تنفي علم الغيب الحقيقي، لا المستفاد من الله عز وجل، والوجه في ذلك هو أن علم الغيب الحقيقي لا يطلق إلا على علم الله تعالى، وأما علم باقي المخلوقات، فإنه يطلق عليه علم الغيب من جهة تعلقه بالغائبات، ولكن ليس علماً غيبياً كعلم الله، بل هو علم مستفاد من ذي علم.

وقد ذكر بعض المحدثين هذا الوجه بقوله: «قوله: قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام: يعلم الغيب؟ فقال: لا. دل على أن علم الغيب علم غير مستفاد، كعلم الله تعالى، وعلم الإمام - لمَّا كان مستفاداً منه تعالى - لا يكون علماً بالغيب حقيقة، وقد يُسمَّى أيضاً علماً بالغيب؛ نظراً إلى تعلُّقه بالأمور الغائبة، وبه يُجمع بين الأخبار التي دلَّ بعضها على أنهم عالمون بالغيب، ودلَّ بعضها على أنهم غير عالمين به...»([11]).

وقال بعض المحققين: «... إن هذه الروايات - ونظائرها - ناظرة في الأصل إلى نفي الاستقلالية عن الله، بل إن علومهم (صلوات الله عليهم) هي تابعة عليه تبعية الفرع للأصل، وما تراه في الأحاديث المتواترة عنهم، بأنهم يعلمون علم الغيب، إنما يصح مع نفي الاستقلالية، وما من أحد يمكنه القول: بأن علمهم (صلوات الله عليهم) في المغيبات ناجم عن استقلالية عن علم الله جلت قدرته، ولهذا فإن قولهم عليهم السلام: بأنهم لا يعلمون الغيب ليس مطلقاً، وما يقيد هذا الإطلاق هو أقوال القرآن الكريم، المؤكدة لوجود مستثنيات في هذا المجال، كما في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} وهي مقيدة مرة ثانية بما تحدثوا عنه ومارسوه بالفعل بكونهم يعلمون...»([12]).

الجواب الثالث: ان هذه الروايات قد ورد في مقام التقية

هناك تضارب في بعض الروايات في نفسها، ففي صدرها تنفي العلم عنهم عليهم السلام، وفي ذيلها تثبت العلم لهم، كما هو واضح لمن راجع الرواية الأُولى بأكملها؛ حيث جاء فيها: «... قال سدير: فلما أن قام من مجلسه، وصار في منزله، دخلت أنا وأبو بصير وميسر، وقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول: كذا وكذا في أمر جاريتك، ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً، أوَ لا ننسبك إلى علم الغيب؟ قال: فقال: يا سدير، أما تقرأ القرآن؟.
قلت: بلى. قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ؟.
قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأت. قال: فهل عرفت الرجل، وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرني به.
قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم الكتاب. قال: قلت: جعلت فداك، ما أقل هذا. قال: فقال: يا سدير، ما أكثر هذا أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به، يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}؟
قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفْهَم من عنده علم الكتاب بعضه؟! قال: قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله. قال: فأومى بيده إلى صدره، وقال: علم الكتاب - والله - كله عندنا، علم الكتاب - والله - كله عندنا» ([13]).

بل يمكن أن يكون هذا الشق شاهداً على أن الشق الأول من الرواية قد ذكره الإمام عليه السلام في مقام التقية، فلا يبقى أي تضارب بين الشقين.


الجواب الرابع: ان هذه الروايات وردت مراعاة لحال السائل او لخطر محدق بالإمام أو الشيعة

 لو تنزلنا عن جميع الأجوبة المتقدمة، فلا بد من حمل هذه الروايات على التقية، أو مراعاة المصلحة في عدم إظهار علمهم عليهم السلام،؛ حيث صعب على السامعين تقبل هذا الأمر، كما هو الحال في بعض الروايات التي تُشكل خطراً على شخص الإمام، أو على الشيعة، أو على نفس محترمة، وقد تقدم ذكر بعضها في المبحث الأول من هذا الفصل، عند ذكر المحاولة الأُولى من محاولات الجمع بين النظريتين.

وقد قال بعض المحققين في المقام:«... مسألة علم الغيب والإنباء عن المغيبات مسألة لا تتحملها العقول العامة، وإنما هي مسألة من مسائل خاصة الناس، ولهذا فقد يأتي النفي وهو يتخذ من التقية ستاراً، خصوصاً وأن البواعث الموضوعية للالتزام بذلك كانت متوفرة بشكل كبير ودائم.

وهذه البواعث ليست بالضرورة تتخذ صفة سياسية، بل لربما تتخذ صفة اتقاء جهل بعض العوام من الذين لا تحمل إفهامهم قدرة النظر إلى هذه الأمور، بالطريقة التي ينبغي النظر فيها إليها، فيتجهون إما إلى التكذيب والتشنيع والاتهام، وإما إلى الغلو وكلاهما يتقيهما المعصوم عليه السلام، أو تتخذ صفة طائفية؛ فيرتد الأمر بصورة سلبية عليهم وعلى عقيدتهم (صلوات الله تعالى عليهم)...» ([14]).






([1]) الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص250. وأيضاً: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص257.
([2]) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشي)، ج2، ص864.
([3]) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص123.
([4]) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص 192.
([5]) أُنظُر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص293. وأيضاً: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، ص433. وأيضاً: ابن داوود، الحسين بن علي، رجال ابن داوود، ص114.
([6]) أُنظُر: البروجردي، السيد علي، طرائف المقال، ج1، ص232.
([7]) أُنظُر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج10، ص301.
([8]) الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة، ج1، شرح ص582.
([9]) المصدر نفسه، شرح ص583.
([10]) الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق، ج14، شرح ص405.
([11]) المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج6، ص35.
([12]) الصغير، جلال الدين، الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم، ص268.
([13]) الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص250. وأيضاً: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص257.
([14]) الصغير، جلال الدين، الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم، ص269.

الإمام وعلم الغيب، محاورة جميلة ما بين أنور وحسن

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي
 قال أنور:   السلام عليكم.
 فقال حسن:   وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 قال أنور:   هل لك ان تخبرني لماذا يجب أن يتصف الإمام بصفات الكمال فيكون أفضل من جميع الناس؟
 فقال حسن:   هذا سؤال رائع ينتج من جوابه إسكات من يدعي الإمامة دون التحلي بصفات الإمام ويكون رداً جيداً على من يبرر أخطاء الخلفاء الماضين، ولهذا لابد من الوقوف على أسباب وجوب اتصاف الإمام بالصفات الكاملة، وهي كما يلي:
1 - غرض النبوّة هو استكمال النفوس والوصول بها إلى كمالها، فكذلك هو غرض الإمامة لأنها امتداد طبيعي للنبوّة، وكما يلزم من ذلك ان يكون النبي في الصفات أكمل وأفضل من جميع الناس فلابد أن يكون الإمام كذلك.
2 - لقبح تقديم المفضول على الفاضل، أي لو كان الإمام أقل فضلاً من غيره لقبح تقديمه على ذلك الآخر عقلاً وشرعاً، ومن هذا نفهم لا بد أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه.
3 - لو لم يكن الإمام أفضل وأكمل من جميع الناس لامتنع انقياد الناس إليه ولنفرت منه النفوس ومن ثم لا يستطيع تحقيق الغرض الإلهي ألا وهو هداية الناس وحفظ الدين.
4 - لو جاز أن يصدر من الإمام المنكر لوجب نهيه عن ذلك مما يلزم أذيته وردعه، وهذا في ذاته مرفوض شرعاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (سورة الأحزاب، الآية: 58).
5 - لو كان الإمام أنقص من الرعية ما جاز تقديمه لقبح تقديم المفضول على الفاضل، ولو كان مساوياً لهم لا ستحال ترجيحه عليهم لعدم جواز الترجيح بلا مرجح، فينتج من هذا وجوب أن يكون الأفضل.
6 - وهناك الكثير من الأدلة على ضرورة كون الإمام أفضل من الرعية نتركها للاختصار.

 قال أنور:   جزاكم الله خيراً... استفدنا كثيراً بهذه الأبحاث الرائعة.
 فقال حسن:   في خدمتكم وخدمة المسلمين.

 قال أنور:   جاء دور السؤال الآخر الذي يرتبط بعلم الإمام عليه السلام وهو: ما هو مصدر علم الإمام عليه السلام؟ وهل انه يعلم الغيب؟ وما هو الفرق بين علمه وعلمنا؟
 فقال حسن:   هذه الأسئلة من الأسئلة التي يحتاج الناس إلى معرفة أجوبتها لأهميتها، ولابد لي أن أُجيب عنها واحداً تلو الآخر فأقول:
جواب السؤال الأول: إن مصدر علم الإمام عليه السلام هو الله تعالى ويصل إليه تارة عن النبي صلى الله عليه وآله وتارة ثانية عن طريق الإشراق وتنوير الباطن وثالثة عن طريق تحديث الملائكة، ولا بأس أن اذكر لك ما يؤيد ذلك ففي قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «علمني رسول الله ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب، فذلك ألف ألف باب حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب» (راجع بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص325)، فلو تأملت في هذا الحديث لوجدت الإشارة إلى الطريقين واضحة صريحة.

 قال أنور:   مداخلة صغيرة قبل أن تنتقل إلى الطريق الثالث: ماذا يقصد بالألف هل هي إشارة إلى العدد؟
 فقال حسن:   كلا تعبير عن الكثرة كقوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (سورة التوبة، الآية: 80).

 قال أنور:   أحسنت سيدي.
 فقال حسن:   والطريق الثالث ألا وهو تحديث الملائكة فعن أبي الحسن عليه السلام كما في (الكافي للكليني ج1 ص271): «الأئمة علماء صادقون مفهّمون محدّثون» مؤيد لما قلناه.
وهناك طرق أخرى كما في الرواية عن الحارث بن المغيرة: «قلت لأبي عبد الله أخبرني عن علم عالمكم؟ قال: وراثة من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن علي عليه السلام. قال قلت: إنا نتحدث أنه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم قال: أو ذاك» (الكافي للكليني ج1 ص264), وهذا تصريح بطريق رابع ألا وهو القذف في القلوب والنكت في الآذان، ولكي نختم الكلام في السؤال الأول فأضيف ان هناك مصحف فاطمة والجامعة والجفر وغير ذلك.

 قال أنور:   فهل لك أن تزودني بجواب السؤال الثاني؟
 فقال حسن:   سؤالكم كان هل أن الإمام عليه السلام يعلم الغيب؟
فأقول: لابد من بيان علم الغيب ثم نعرّج على جواب سؤالكم، فيا سيدي علم الغيب؛ هو الإحاطة بكل ما غاب عنا أو عن المخلوقات الأخرى، وهذا من شأن الله تعالى، ولكن إذا أراد الله سبحانه أن يهب ويعلّم عبداً من عباده فلا يمنع من ذلك شيء، كما حصل هذا للعبد الصالح الخضر عليه السلام كما في قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} (سورة الكهف، الآية: 65)، فالله تعالى يعلّم عبده الذي يريد له أن يكون حجة على الناس، فالإمام يعلم الغيب بقدر ما يعلمه الله تعالى وبحسب حاجته لذلك، لكي تتم حجيته على الناس.

 قال أنور:   ما دمنا نتكلم في علم الإمام فهل لي أن أسأل أسئلة خفيفة؟
 فقال حسن:   بكل سرور.

 قال أنور:   أولاً هل لديكم حديث عن علم الغيب الذي يعلمه الإمام؟
 فقال حسن:   نعم كقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن الله تعالى أحكم وأكرم وأجلّ وأعظم وأعدل من أن يحتج بحججه ثم يغيب عنهم شيئاً من أمورهم» وفي تعبير آخر قال عليه السلام: «من شك أن الله تعالى يحتج على خلقه بحججه لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه فقد افترى على الله».

 قال أنور:   سبحان الله تعالى كأن هذين الحديثين وضعا لما تفضلت به قبل قليل.
 فقال حسن:   وهل لدينا من غيرهم، فهم عليهم السلام النبع الصافي لكل العلوم.

 قال أنور:   سؤال آخر: عندنا علم مكتسب نتعلمه من المعلمين، وهناك قول يقول: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء... الخ» هل هناك اختلاف بين العلمين؟
 فقال حسن:   الجواب واضح فالعلم الأول يسمى بالعلم الحصولي المكتسب، وهذا متيسر لكثير من الناس، والعلم الثاني علم لدّني من قبل الله تعالى يختص به من ارتضى من عباده كما بينّا ذلك في الآية التي نزلت بخصوص الخضر عليه السلام: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} وهذا لا يحصل إلا إذا طهر القلب وصقل صقلاً جيداً لتشرق عليه الأنوار الربوبية فتجلو أثر الظلمة والجهل، فيكون عندها القلب وعاءً لتلقي الفيض الإلهي.

 قال أنور:   أراك بدأت تتحدث شيئاً جديداً فهل لك أن تزيدني؟
 فقال حسن:   كلا، هذا يكفي في الوقت الحاضر.

 قال أنور:   سؤال أخير هل إن الإمام كالإمام علي أو الحسين عليهما السلام أو الأئمة الطاهرين عليهم السلام يعلمون بنا عندما نزورهم، ويسمعون قولنا، ويحيطون بنياتنا؟
 فقال حسن:   هذا سؤال رائع: يا سيدي الكريم إنهم يعلمون بنا ويسمعون قولنا ويطلعون على نياتنا، وسأبين لك ذلك على شكل نقاط متسلسلة:
 أولاً -  إن طرق علم الأئمة عليهم السلام متعددة منها ما يكون عن طريق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ومنها عن طريق القذف في القلوب والوقر في الأسماع، ومنها عن طريق الإشراق وتنوير الباطن ومنها عن طريق تحديث الملائكة وقد تقدمت الأدلة على ذلك... كأنك نسيت ما ذكرناه؟

 قال أنور:   كلا لم أنسه، ولكن قصدي علمهم بعد وفاتهم.
 فقال حسن:   نعم ...أنا ذكرت لك النقطة الأولى وأما:
 ثانياً -   إن الأئمة أحياء عند ربهم يرزقون كما في قوله تعالى:{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. (سورة آل عمران، الآية: 169).
 ثالثاً -   هم حجج طاعتهم مفروضة علينا أحياء وأمواتاً، وهذا معناه إننا نطيعهم بعد وفاتهم كما نطيعهم في حياتهم وإلاّ إذا لم نفعل ذلك سنقع في الخطأ والبعد عن الله، كما أن هذا الحديث الوارد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام يوضح الأمر كله فيقول:«الله أجلّ وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه ثم قال: لا يحجب ذلك عنه»، فالإمام علي وأولاده الطاهرون طاعتهم مفروضة فلابد أن يكونوا محيطين بنا لكي يكونوا شهداء علينا يوم القيامة.
 رابعاً -   إن أعمالنا تعرض عليهم ليشهدوا عليها وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } (سورة التوبة، الآية: 105)، وكلمة {وَالْمُؤْمِنُونَ} في الآية الأئمة عليهم السلام وهناك أحاديث تؤيد أن أعمالنا تعرض عليهم، كقول الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «مالكم تسوءون رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوءوا رسول الله وسروه».
 خامساً -   ما المانع أن يطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام على زائريهم وأسمائهم وأعمالهم الباطنية؟ ليس هناك مانع طالما الأمر لا يتم إلا بإذن الله تعالى، ولا بأس أن أذكر لك الأحاديث التي تبين أنهم متواصلون معنا ومطلعون علينا وعلى نيتنا:

  ألف -  ما يدل على أن الله تعالى يوصل إليهم سلامنا، كقول أمير المؤمنين عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله من سلّم عليّ في شيء من الأرض أبلِغُتُه ومن سلم عليّ عند القبر سمعته»، ورواية أخرى «عن ابن مسعود قال: رسول الله صلى الله عليه وآله إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام».
  باء -  وقول الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فيه أدلة واضحة على ما قلناه فيقول: «إن الحسين بن علي عليه السلام عند ربه عز وجّل ينظر إلى زواره وهو أعرف بحالهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجّل من أحدكم بولده وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليه السلام أن يستغفروا له.... الخ».
ففي هذا الحديث إنه عليه السلام يسمع ويرى ويستغفر لأنه شهيد حي عند ربه، ويتضح من الحديث أن الإمام مطلّع على نيّة الزائر وليس على ظاهر العمل وإلا لو كان يعلم ظاهر العمل فقط، كيف له أن يعلم صدق النيّة وأن عمل الزائر لم يكن رياءً.

 قال أنور:   اليوم قد أتعبتك كثيراً.
 فقال حسن:   أنا في خدمتكم، إلى اللقاء.