ثلاثون طريقة للتأثير بالآخرين

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي
أصبح التفاوض الاجتماعي والسياسي علما له أصوله ومناهجه ونظرياته وأساليبه، ومع أنه علم جديد آخذ في التشكل، إلا أنه يحظى باهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية، لتعلقه بقضايا جوهرية ومهمة لبناء المجتمعات على النحو الأفضل، وتفعيل عملية التواصل داخل المجتمعات وفيما بينها على المستوى العالمي.
فقد تشابكت مصالح بني البشر، وأصبحوا يعيشون في قرية كونية واحدة،مع تنوعاتهم المختلفة، واشتداد حدة التنافس فيما بينهم كأفراد ومجتمعات على المواقع والمكاسب والمصالح.
ومما يجعلهم بحاجة أكبر إلى تطوير قدراتهم على التفاهم، والتوفيق بين الإرادات المتنافسة، والتوجهات المختلفة، تجنبا للأزمات، وتفجير الصراعات والنزاعات.
وتنعكس آثار هذا العلم ونتائج بحوثه على ميادين كثيرة من النشاط الإنساني الاجتماعي، حيث يستفيد منه السياسيون في مجال المفاوضات الدبلوماسية، ورجال المال والأعمال في صفقاتهم الاقتصادية، والإداريون لإنجاح مهامهم القيادية، وسائر الحقول والميادين التي تتعدد فيها الإرادات والقوى.

 الخيار الصحيح 
إن البديل عن الحوار والتفاوض عند الاختلاف والتنافس، هو أحد خيارين:
إما هيمنة إرادة معينة وخضوع الآخرين لقوتها، لكن مع شعور بالغبن، وتحفز للانتقام والثأر، مما يجعل العلاقة بين الطرفين قلقة حذرة، تنعدم في ظلها فرص التعاون البناء، والانسجام الوثيق.
وإما سيادة ثقافة التناحر والتغالب، التي تكرس انغلاق كل طرف على ذاته، واهتمامه بالتحشيد والتعبئة ضد الآخر، حتى تجد الأطراف نفسها في مأزق حرب ونزاع قد يصعب عليها الخروج منه.
ولا شك أن التفاوض والحوار هو الخيار الصحيح، والبديل الأفضل،لأنه يعني اعتراف الأطراف ببعضها، ورغبتها في الوصول إلى توافق مشترك، يتيح لها فرصة التعارف المباشرة، وتحديد نقاط الاتفاق ومواقع الاختلاف.
وإذا كان الحوار هو سمة الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمعات المتقدمة، فإن حضوره ودوره في مجتمعاتنا لا يزال محدودا باهتا.
وقد دفعنا ــ ولا نزال ــ ثمنا باهظا لغياب الحوار الفاعل عن أجوائنا، يتمثل في الحروب بين الدول والحكومات، وفي الاضطرابات السياسية والأمنية الداخلية، وفي الصراعات القومية، والفتن الطائفية، والنزاعات الفئوية.
وحتى على المستوى العائلي والأسري فإن كثيرا من حالات التفكك والضياع ناتجة عن أسلوب الهيمنة والقمع، وغياب أسلوب التفاهم والحوار.
ونحن نضع بين يدي القاريء الكريم ثلاثون طريقة يستطيع أن يستفيد منها جميع الناس ومهما كان مركزهم الاجتماعي أو العائلي أو الإداري للوصول من خلالها إلى حل كثير من مشاكلهم الاجتماعية والأسرية والعملية وهي كما يلي:

 1 ــ امتنع من قول الكلام القاسي أو السلبي 
وانتبه لهذا خاصة حينما تُستثار أو تكون منهكًا. إن نجاحك في الامتناع عن هذا في الظروف المذكورة هو شكل راقٍ من ضبط النفس. إننا ننجح في عمل هذا حينما نمتنع من قذف الكلمات التي هي من صنع فورة الهيجان.

 2 ــ مارس الصبر مع الآخرين 
في أوقات الضغط النفسي، يكون فقدان الصبر لدينا طافيًا على السطح، متحفِّزًا ليجعلنا نقول ما لا نقصد. وقد يظهر فقدان الصبر على شكل التجهم والتقطيب، وقد لا يكون هذا أفصح من الكلمات. إن الصبر هو التعبير العملي عن الثقة والأمل والحكمة والحب. وليس الصبر شيئًا سلبيًا، بل هو سلوك عملي، إنه ليس الصمت الغاضب. إنه قبول لحقيقة التقدم والنمو الطبيعي. وفي الحياة مواقف كثيرة تظهر فيها قدرتنا على الصبر، مثل انتظار شخص متأخر، والاستماع الصبور للصغير وهو يفرغ عواطفه برغم إلحاح المشاغل.

 3 ــ ميز بين الشخص وسلوكه أو فعاليته 
إن من الواجب أن نبقى على التواصل مع الإنسان على فرض أن له قيمته الذاتية، وهذا لا يعني أن نغض النظر عن سلوكه الخاطئ أو الشائن.

 4 ــ قدم خدمات لا يدري أحد أنك أنت الذي قدمتها 
إننا كلما قدمنا أعمالاً طيبة للآخرين دون أن يدروا بمن قدمها فإن شعورنا بقيمتنا الأصلية يزداد، كما يزداد احترام الذات لدينا. كما إن مثل هذه الخدمة هي من أهم عوامل التأثير على الآخرين.

 5 ــ ليقع اختيارك على الرد الإيجابي 
لماذا يقصر ما يفعله أكثرنا عما يعمله؟ إن السبب أننا لا نمارس قدرتنا على اختيار استجاباتنا. إن الاختيار يعني أننا نحصل على رؤية للأمر المطروح ثم نقرر ما سنفعله، كما إن الاختيار يعني قبولنا للمسؤولية عن مواقفنا وسلوكنا، وأننا نرفض إلقاء اللوم على الآخرين أو الظروف.

 6 ــ حافظ على ما قطعته من وعود 
إن محافظتنا على الوعود تعني أن يكون لنا تأثير على الآخرين. وحتى نعطي الوعود التي سوف نفي بها نحتاج أن نفهم أنفسنا، وهذا يعني أننا نقوم بعملية انتقاء دقيق لما سنعطيه من وعود، إن قدرتنا على إعطاء الوعود والوفاء بها هو أحد مقاييس سلامة شخصيتنا.

 7 ــ ركز على دائرة التأثير 
حينما نركز على المجال الذي نستطيع أن نتحكم فيه فإن دائرة تأثيرنا تتوسع. مثال على ذلك: يشكو كثيرون أن رئيسهم في العمل لا يحاول فهم برنامجهم أو مشكلاتهم. ولكن نفس الذين يشكون قد لا يحاولون أن يعدلوا عرضًا يتوافق مع عقل الرئيس ومشكلاته، بحيث لابد أن يستمع إليه.

 8 ــ تمثل قانون الحب 
حينما نتمثل قانون الحب فإننا نشجع الناس على قبول قوانين الحياة، إن الناس لديهم جانب من الليونة في داخلهم، خاصة أولئك الذين يتظاهرون بالشدة. وحينما نعرف كيف نستمع ونصغي إليهم نحصل على تجاوبهم، ويزداد تأثيرنا إذا أبدينا حبًا غير مشروط، أما العلاقات السطحية ومحاولة التحكم فإنها تفقد الناس الثقة.
العلاقة: أن تفهم الآخر وتشعر بالاهتمام به.

 9 ــ افترض أفضل الاحتمالات في الآخرين 
إن افتراض حسن النية يؤدي إلى نتائج طيبة، وحينما يكون تعاملك مع الآخرين على افتراض أنهم يفعلون أحسن ما لديهم بحسب ما يرون الأمور يعطيك القدرة على أن تستثيرهم على فعل أفضل ما يستطيعون فعله. بينما بالمقابل حينما نجهد لنصنف الآخرين ونصدر عليهم أحكامنا فإن هذا يدل على أننا لا نشعر بالأمان. إن لكل إنسان أبعادًا كثيرة، بعضها ظاهر وأكثرها هاجع كامن، ويميل الناس إلى أن تكون استجابتهم لنا بحسب ما نعتقده عنهم. فلا تسء الظن في الأكثرين بسبب الأقلين.

 10 ــ حاول أولاً أن تفهم 
لتكن محاولتك أن تفهم الآخر قبل رغبتك في أن يفهمك الآخر. تقمص دور من أمامك، أي افهم كيف يفكر ولو لبعض الوقت. مثل هذا السلوك يتطلب شجاعة وصبرًا وشعورًا بالأمان.

 11 ــ كافئ الكلام والأسئلة المخلصة 
من المؤسف أن الناس يسيئون إلى من يتكلم بانفتاح واستقامة، وأكبر عقبة في العلاقات المثمرة المستقيمة إصدار الأحكام والانتقاد.

 12 ــ أشعر الآخر أنك تفهم عليه 
فحين تفعل ذلك تنبني علاقات الثقة في أثناء التواصل، ولكن مثل هذا التجاوب يجب أن يكون موقفًا صادقًا، وليس تلاعبًا بسحنة الوجه والكلام.

 13 ــ إذا أساء إليك أحد فكن المبادر بإصلاح العلاقة 
فإن من أحس بالإساءة وانكب بتفكيره عليها سوف يجعل المشكلة تتضخم حتى تخرج عن السيطرة، وحينما تصلح العلاقة فافعل ذلك بطيب نفس، دون أن يكون في قلبك غضب وغيظ.

 14 ــ اعترف بأخطائك، واعتذر، واطلب الصفح 
حينما تتأزم العلاقات فعلاً فقد يكون الحل أن نعترف أننا مسؤولون على الأقل عن الأزمة. ولا يكفي أن نشعر هذا في السر، بل كثيرًا ما يكون الحل الوحيد أن نعترف بالخطأ ونعتذر، ولا نقدم أعذارًا ودفاعات.

 15 ــ دع الجدال يفرغ نفسه بنفسه 
في حال صدور اتهامات غير مسؤولة وجدال متعنت من الآخر فلا تفعل مثله، دعه يتكلم حتى يفرغ ما في جعبته، استمر في عمل ما عليك عمله بهدوء، وهذا سيجعل الآخر يواجه النتيجة الطبيعية لجداله. أما إذا انسقت إلى دائرة الجدال فإنك ستذوق الحسرة مثلما سيذوقها الآخر، كما أن دخولك في ذلك سوف يهيئ بذور مزيد من التباعد في المستقبل.

 16 ــ أعط الأولوية للعلاقة الشخصية 
قد تجد مدير أعمال له نشاط كبير في عمله وفي مساعدة كثير من الناس، ولكنه لم ينجح في تطوير علاقة عميقة مثمرة مع زوجته أو مع أبنائه. إن النجاح في تطوير هذا يتطلب نبلاً في الشخصية وتواضعًا وصبرًا أكثر مما يتطلبه النجاح مع المجتمع. وقد يدافع المرء عن نفسه بقوله إنه أهمل الواحد لينجح مع عدد كبير، وهذا يخفي رغبته في الحصول على التقدير والامتنان.
إننا ندرك أننا بحاجة إلى أن نخصص وقتًا نعطي فيه كل اهتمامنا لشخص محدد.

 17 ــ أعد بلا ملل ذكر الجوانب التي تجمع بينك وبين الآخرين 
سلط الضوء على الجوانب التي توحد بينك وبين أصدقائك وعائلتك والعاملين معك. لا تجعل دور المشكلات أكبر من جوانب التوحيد وأعمق المشاعر.

 18 ــ اجعل تأثير الآخرين عليك سابقًا على تأثيرك عليهم 
إن تأثيرنا على الآخرين يوازي شعورهم بتأثيرهم علينا. إن اهتمامك بمشكلات الآخر الخاصة تجعله يعلم بتأثرك بشؤونه، وعندها سيفتح لك قلبه بشكل مدهش.

 19 ــ تقبل الشخص كما هو 
إن أول خطوة في تغيير الآخر أن تتقبله كما هو. فإذا لم تتقبله فإنه سيتخذ موقفًا دفاعيًا ويتوقف استماعه لك. ولا يعني التقبل أنك تقبل بالعيب الذي لديه، ولكنه يعني إدراك قيمته الأصلية.

 20 ــ كن مستعدًا في قلبك وعقلك قبل أن تكون مستعدًا بلسانك 
إن طريقة قولنا للأشياء قد تكون أهم مما نقوله، فقبل أن يعود أطفالك من المدرسة وكل منهم سيعرض حاجاته فكر واضبط نفسك، قرر أن تكون لطيفًا مرحًا، وقرر أن تستمع إليهم بكل اهتمام. وهكذا قبل أن تلقى زوجتك ( أو زوجكِ )، راجع قدراتك على أن تدخل على الآخر السرور، مثل هذا القرار سيمكنك من التغلب على عنائك ويستثير قدراتك.

 21 ــ تجنب مواقف الهجوم أو الدفاع 
في حالات الخلاف تجنب ما يفعله كثر من الناس حينما يحيلون الخلاف إلى عنف، سواء أكان العنف بالغضب الظاهر أو بالكلام الساخر أو بالعبارات الجارحة أو بالانتقاد. وتجنب كذلك الدفاع سواء أكان بصورة الانسحاب والحسرة، والدليل لكل ذلك هو الحديث الهادف لإنهاء الخلاف.

 22 ــ اختر الوقت الصحيح للتعليم 
ليس كل وقت مناسبًا للتعليم، فالناس مستعدون للتعليم حينما لا يشعرون أن هناك ما يهددهم، وحينما لا تكون أنت غاضبًا أو في حالة إحباط، وإنما تظهر احترامًا وعطفًا وتكون أنت في أمان في داخل نفسك، ولا يناسب التعليم كذلك حينما يحتاج الآخر إلى المساعدة، تذكر من جهة أخرى أننا نقوم بالتعليم غير المباشر كل الوقت ؛ لأننا نشع باستمرار ما يدل على حقيقتنا.

 23 ــ اتفق مع الآخر على الحدود والقواعد والتوقعات والنتائج 
إن شعورنا بالأمان يرجع إلى حد بعيد إلى شعورنا بالإنصاف والعدل، وبالعكس فإن الحياة يفقد فيها الأمان حينما تكون القواعد والتوقعات مفاجئة مزاجية.

 24 ــ لا تستسلم ولا تيأس 
ليس من الرفق بالناس أن نحميهم من نتائج أعمالهم، فمثل هذه الحماية تمكن للسلوك غير المسؤول وتعلم الناس أن يسمحوا لأنفسهم أن تكون رغباتهم هي النظام السائد، ومن جهة أخرى فحينما نتغافل عن محاولات الناس فنحن نثبط محاولاتهم.

 25 ــ كن حاضرًا عند مفترقات الطرق 
قد يتخذ من نحبهم ويهمنا أمرهم قرارات لها آثار بعيدة المدى على أساس رؤى انفعالية آنية، فكيف نحميهم؟ إن أول ما علينا فعله أن نفكر قبل أن نبدي رد فعلنا، فلا ننساق وراء الانفعال نحن كذلك، وإلا أضررنا بما لنا من تأثير عليهم، وعلينا ثانيًا أن نعرف أن المشاعر تحرك دوافع الناس أكثر من التفكير، فعلينا أن نتعلم اللغة التي تؤثر فيهم كما نتعلم لغة أجنبية، فلا ندينهم ولا ننبذهم.

 26 ــ استخدم كلاً من لغتي المنطق والمشاعر 
إن هاتين اللغتين تختلف إحداهما عن الأخرى كما تختلف اللغة العربية عن الصينية، حينما لا يحدث التواصل الجيد بينك وبين الآخر فامنحه الوقت الكافي وأصغ إليه بإخلاص، وعبر عن مشاعرك بصدق.

 27 ــ فوِّض الآخر بالعمل بثقة 
إن تفويضنا الآخر بالعمل ومنحه الثقة ليتصرف يدل على الشجاعة من قبلنا ؛ لأنه سيعمل أخطاء أثناء العمل، وسنتحمل بعض الخطأ نحن ن وإذا أحسن فسيأخذ من سمعتنا وربما ما لنا، ويجب أن يكون التفويض بالاتجاهين، أنت تعطيه المسؤولية، وهو يحمل المسؤولية.

 28 ــ أدخل الناس في مشاريع ذات قيمة 
إن مشاركة الإنسان في مشاريع ذات قيمة له أثر حميد على نفسيته، ولكن المشروع الذي له قيمة عند الرئيس قد لا يكون له قيمة عند المرؤوس، فالمشروع الذي له قيمة هو الذي يشارك فيه الفرد في التخطيط والتفكير، إن كلاً منا يحتاج أن يشارك في رسالة لحياته، وإلا فقدت الحياة معناها. فالحياة هي توتر بين ما نحن عليه وبين ما نصبو إليه.

 29 ــ دربهم على قانون الحصاد 
لنعلم من حولنا قانون إعداد الأرض ونثر البذور والعناية بالنبات وسقايته وإزالة الأعشاب الضارة والحصاد، فهذه الطريقة الطبيعية تعلمنا أننا نحصد ما زرعناه.

 30 ــ دع النتائج الطبيعية تُعلِّم من حولك السلوك المسؤول 
إن من أنفع ما نقوم به أن نترك النتائج الطبيعية لسلوك الناس تعلمهم السلوك المسؤول، قد لا يحبون أن يواجهوا هذا وقد لا يحبوننا حينما نتركهم لنتائج عملهم، ولكن كسب الشعبية أمر زائل لا يعتمد عليه، فليكن العدل هو مطلبنا، وحينما نترك العدل يأخذ مجراه فإننا نكون قد منحنا الآخرين حبًا أكثر من عرقلة طريق العدل، فترك العدل يترك مجراه الذي يؤمن نموًا سليمًا وأمانًا على المدى الطويل.


 ثلاثة أخطاء يجب التغلب عليها:  
هناك ثلاثة أخطاء شائعة في مجال التأثير على الآخرين:

 الخطأ الأول: أن ننصح قبل أن نفهم 
قبل أن تؤثر فيَّ لابد أن تفهمني، إنَّ لي وضعي الخاص ومشاعري الفريدة، فقبل أن تحاول التأثير عليَّ يجب أن تتأثر أنت بوضعي الفريد.

 الخطأ الثاني: محاولة إصلاح العلاقة من دون إصلاح الموقف أو السلوك 
لقد كان ( إيمرسون ) حكيمًا حينما قال: ( إن ما أنت عليه يصيح في أذني بصوت يمنعني من أن أسمع ما تقول ).

 الخطأ الثالث: افتراض أن القدوة الطيبة والعلاقة أمر كافٍ 
حينما نخطئ هذا الخطأ نغفل أهمية التعليم الواضح، والحل أن نتحدث كثيرًا عن الرؤية والمهمة والأدوار والغايات والمقاييس.
ونهاية المطاف هنا أن حقيقتنا هي ما يحقق التواصل بشكل أكثر فعالية وأكثر إقناعًا مما نقول.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته الطاهرين.

آثار زيارة مشاهد المعصومين عليهم السلام على الفرد والمجتمع

بقلم: شيخ جميل الربيعي
لم تكن زيارة قبور الأئمة المعصومين عليهم السلام مجرد تسلية للنفس، أو قضاء للوقت، ولا المقصود منها عبادة الموتى كما صورتها الوهابية الضالة، وإنما هي عملية تربوية يتذكر فيها الإنسان الأناس الذين اصطفاهم الله سبحانه وفضلهم على جميع البشر، وهي رحلة تربوية إيجابية للنفس، لتحد من طموحها الدنيوي وطول أملها، وهي عملية وعظ للنفس، وتطهير لها من الطمع والجشع وطول الأمل، وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة.
ويمكننا فيما يلي ومن خلال التأمل في الأحاديث الشريفة ونصوص الزيارات أن نذكر بعض فوائد الزيارة لمشاهد المعصومين عليهم السلام على النفس وعلى المجتمع وهي:
  1:   تجديد الصلة بالإسلام من خلال الإقرار بعهود يلزم الإنسان بها نفسه أمام روح المزور الذي يعتقد قدسيته، ورد في مقطع من زيارة أئمة أهل البيت عليهم السلام: «وأشهد الله تبارك وتعالى – وكفى بالله شهيداً – أني بكم مؤمن، ولكم تابع في ذات نفسي، وشرائع ديني، وخواتيم عملي، ومنقلبي ومثواي».
ونحن نرى في هذا إقرار وتعهد بالالتزام أمام الله تعالى، والإيمان والإتباع والسير على نهج الأئمة الطاهرين، فالزيارة تعهد، والتزام، بل إلزام الزائر لنفسه بأمور يفرضها عليها، ويلقنها بها، ويوحي لها بوجوب الالتزام بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه.
  2:   الزيارة تأكيد للميثاق الإلهي، والتعهد في التمسك والحفاظ على دينه والسير على نهجه، ورد في مقطع من الزيارة: «اللهم اجعلني في مقامي هذا ممن تناله منك صلوات ورحمة ومغفرة، اللهم اجعل محياي محيا محمد وآل محمد ومماتي ممات محمد وآل محمد... اللهم إني أشهدك بالولاية لمن واليت ووالته رسلك، وأشهد بالبراءة ممن برئت منه، وبرئت منه رسلك».
وهنا دلالة أخرى على أن الزيارة عقد وميثاق مع الله تبارك وتعالى بالولاية لأوليائه، والبراءة من أعدائه، والولاية لأولياء الله تعالى، والبراءة من أعداء الله عصب الحياة الرسالية، وقطب رحى التوحيد.
  3:   تحولت الزيارة وفق توجيهات الأئمة الطاهرين عليهم السلام وتأكيداتهم على شيعتهم بالتحلي بأخلاقهم، والحضور عند ضرائحهم، وتلاوة نصوص الزيارات التي أنشؤها هم إلى محطات هداية روحية، وسياسية، واجتماعية تبث الوعي الفكري والبناء الروحي، وهذه المحطات مفتوحة الأبواب على طيلة أيام السنة تغذي الزائرين بالعزم، والإرادة والبصيرة النيرة.
  4:   إن الزيارة تسلط الأضواء على الجهود التي بذلها المزور على مختلف الأصعدة، وبيان لعظمة الرسالة التي ضحى من أجلها، ودعوة صريحة للالتزام بما التزم به وإلى ما دعى إليه سواء كان في العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق؛ ولهذا تكرر المقطع التالي في مختلف الزيارات: «أشهد أنك أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر وجاهد في الله حق جهاده».
وفي هذا النص شهادات ثلاثة يسلط فيها الضوء على جهود الإمام التي بذلها، لتبليغ أحكام الله، وحفظ رسالته تعالى من خلال التأكيد على عقائد الإسلام، وأحكامه وأخلاقه في موقف تنتاب الإنسان فيه الرقة والخشوع، والضراعة، والتوسل بالله تعالى، وفي مثل هذه المواقف لابد أن تترسخ تلك المفاهيم في النفس، وتتحول إلى قوة تحد بوجه أعداء الله تعالى.
كما نلاحظ أن النص لم يسلط الضوء على شخص الإمام ذاتاً، إنما سلطه على شخصية الإمام الرسالية من خلال بيان جهود الإمام في تبليغ رسالة الله وحفظها من يد المحرفين، وإقامة أحكام الله، وتلاوة كتابه، والصبر على الأذى في سبيله، والجهاد في الله حق جهاده، والاستمرار على نهج الهدى الذي سلكه آباؤه الطاهرون والتضحية لله، وأداء الأمانة، واجتناب الخيانة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإخلاص في عبادة الله... وهكذا تكون الزيارة إبراز وإظهار لما دعى إليه الإسلام من عقائد وأحكام، وأخلاق.
  5:   ثم إن الزيارة تربط الإنسان بالمزور ومن خلاله توصله بخط الأنبياء، والمرسلين، وتشعره بأنه حلقة في سلسلة رتل الأنبياء والمرسلين، فهي عملية تواصل شعوري ووجداني بمسيرة الأنبياء والمرسلين والأئمة الأطهار.
وهذه الحقيقة نجدها ناصعة في الزيارة المعروفة بزيارة وارث للإمام الحسين عليه السلام: «السلام عليك يا وارث علم الأنبياء، ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث إسماعيل ذبيح الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله... الخ».
وهكذا تكون الزيارة عملية تواصل شعوري ووجداني برسالة الله على طول خط التاريخ في مسيرة رسل الله تعالى ونصبهم شعورياً رموزاً، ونماذجاً للاقتداء، والاحتذاء، والتأسي بهم في المجالات كافة، وهذا معنى أكد عليه القرآن الكريم في عملية توجيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإعداده ومن هنا وردت الكثير من الآيات لحثه صلى الله عليه وآله وسلم على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وعلى ذكرهم وتمثلهم الذهني من أجل الاقتداء بهم عملياً.
  6:   إن الزيارة ــ لاسيما زيارة الحسين عليه السلام ــ تشتمل على إدانة صريحة لكل الطغاة والمنحرفين عن خط الإسلام في كل زمان ومكان، وهذا المعنى واضح في نصوص الزيارات الواردة عنهم عليهم السلام، والتي يبرز فيها عنصر التولي لأولياء الله والتبري من أعداء الله بشكل جلي صريح ففي زيارة الزهراء سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها، وعلى أبيها وبعلها، وبنيها، يقول الزائر: « أشهد الله ورسله وملائكته أنّي راض عمّن رضيت عنه، وساخط عمّن سخطت عليه، متبرّئ ممن تبرأت منه، موال لمن واليت، معاد لمن عاديت، مبغض لمن أبغضت، محب لمن أحببت، وكفى بالله شهيداً، وحسيباً، وجازياً، ومثيباً...».
ومن خلال هذا النص وغيره من النصوص الواضحة الصريحة يتضح لنا أن الزيارة تحريك ثوري ضد قوى الطاغوت، وتحشيد لكل قوى الإيمان؛ لتقف سداً منيعاً في وجه امتداد قوى الكفر والشرك والنفاق.
وبناء على هذا الفهم تكون زيارة أهل البيت عليهم السلام عملية إعداد روحي، وبناء فكري، وترابط اجتماعي، وتصعيد ثوري...؛ لتحد قوى الطاغوت.
وبهذا نستطيع أن نفسر الحث المتواصل من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام لزيارة قبورهم وبالخصوص زيارة قبر الحسين عليه السلام واستنكارهم على شيعتهم إذا أحسوا منهم التقصير، أو التماهل عن زيارة الحسين عليه السلام، فعن سدير قال: «قال لي أبو عبد الله:يا سدير تزور قبر الحسين عليه السلام في كل يوم؟ قلت: لا، قال:ما أجفاكم؟ قال: تزوره في كل جمعة؟ قلت: لا، قال:تزوره في كل شهر؟ قلت:لا. قال: فتزور في كل سنة؟ قلت: قد يكون ذلك. قال: يا سدير ما أجفاكم بالحسين عليه السلام أما علمت أن لله ألف ملك شعثاً غبراً يبكون ويرثون لا يفترون زواراً لقبر الحسين عليه السلام، وثوابهم لمن زاره».
فلو لم يكن لزيارة الحسين عليه السلام تأثير بالغ في النفوس، وتغير للواقع النفسي والاجتماعي لما كان كل هذا التأكيد على زيارته. كما أننا من خلال ذلك نستطيع أن نفسر الموقف المتشدد من قبل حكومات الطاغوت على امتداد الزمن على زوار الحسين عليه السلام من قتل وسجن، وتشريد، وقطع الأيدي، وفرض الضرائب على من يزور الحسين عليه السلام، ولما لم ينفع كل ذلك هدموا قبر الحسين عليه السلام وأجروا عليه الماء، بل حرثوا أرضه وزرعوها كما عمل هارون العباسي «فقد أمر بهدم القبر المطهر، وكرب موضعه، وقص شجرة السدر التي كانت بجوار القبر من جذورها، ومنع من إقامة المآتم والمناجاة سواء على القبر، أو في بيوت الشيعة.
وفي سنة 236 هـ أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي عليه السلام، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وان يمنع الناس من إتيانه فنادى (عامل صاحب الشرطة) بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق...»( ابن الأثير، الكامل في التاريخ حوادث: 236).
وفي العصر الحديث تعرض قبر الحسين عليه السلام إلى هجمات الوهابيين وحاولوا هدمه ففي سنة 1216 هـ «تعرضت كربلاء والحرم الحسيني لهجمة بربرية قامت بها الجماعة الوهابية بقيادة سعود بن عبد العزيز، الذي أستغل ذهاب معظم أهالي كربلاء إلى النجف الأشرف لزيارة ضريح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في يوم الغدير... فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة وأخذوا يخربونها، فاقتلعت القُضب المعدنية والسياج ثم المرايا، ونهبت النفائس والحاجات الثمينة... والسجاد الفاخر والمعلقات الثمينة والأبواب المرصعة، وجميع ما وجد من هذا الضرب فسحبت إلى الخارج» ( تحسين آل شبيب، مرقد الإمام الحسين عبر التاريخ: 166).
فعلوا كل هذه الفضائع بعد أن هدموا قبور الأئمة الأربعة في البقيع، وإلى اليوم فهو هدف لهجوم الظالمين كان آخرها رميه بالمدافع الثقيلة من قبل الأوباش البعثيين سنة 1991م.
كل هذا؛ لأن الزائر للحسين عليه السلام عن إيمان، ووعي مجرد أن يدخل ضريحه المطهر فإنه يستلهم منه التحرر الثوري، والحماس الرسالي، وتتعبأ نفسه بالرفض لكل الطواغيت، لأن الحسين عليه السلام ثورة في قبره يبعث في النفوس العزة، والإباء، والثورة، والرفض لكل أشكال الطاغوت؛ ولهذا «نلاحظ من خلال بعض هذه النصوص أن من أهداف الأئمة عليهم السلام أن يخلقوا تياراً اجتماعياً لزيارة الإمام الحسين عليه السلام وكان هذا مرتبطاً بأهداف الثورة ونجاحها».
  7:   تأكيد الشعور بالإتمام والإقتداء: يقول الشهيد الشيخ حسين معن: «ونلاحظ أيضاً أن زيارة المشاهد ليست فقط محاولة لخلق جو إيماني... وإنما هي أيضاً استشعار لوجود القدوة... وتمثل معانيها الخيرة في الفكر، والروح والسلوك في العطاء والجهاد، تأكيداً للشعور بالإتمام والإقتداء» (راجع الشيخ حسين معن، نظرات حول الإعداد الروحي: 268).
فالمؤمن عندما يزور الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أو أحد أهل بيته إنما يؤكد إيمانه بنهجه وإقتدائه بسيرته، وامتثاله لأمره، متقرباً بذلك لله تعالى، فقد ورد في مقطع من أحد زيارات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «السلام عليك يا حجة الله على الأولين والآخرين... تسليم عارف بحقك، معترف بالتقصير في قيامه بواجبك، غير منكر ما انتهى إليه من فضلك، موقن بالمزيدات من ربك مؤمن بالكتاب المنزل عليه، محلل حلالك، محرم حرامك... بأبي أنت وأمّي يا رسول الله زرتك عارفاً بحقك، مقراً بفضلك، مستبصراً بضلالة من خالفك وخالف أهل بيتك، عارفاً بالهدى الذي أنت عليه، بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي وولدي ومالي... الخ» (راجع المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 100/171).
وبهذا تكون الزيارة تدعيم لإيمان الإنسان بالله تعالى، وتصعيد لحركته في كدحه إلى الله من خلال شعوره بالإتمام، وإقتدائه بالرسول أو الإمام، وهذا هو أهم ما تُبنى به شخصية المؤمن.
هذه بعض آثار زيارة المعصومين عليهم السلام على الفرد والمجتمع وما تركناه اكبر، نسأل الله زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة، وان نكون على خطاهم وفي طاعة دائمة لله سبحانه، آمين يا رب العالمين.