متى كانت عنونة الدواوين والقصائد الحسينية وتأريخها

بقلم: د. علي حسين يوسف

توطئة


البناء: مصدر للفعل (بنى)، وهو نقيض الهدم، والبناء: الشيء المبني، وجمعه أبنية[1].

وعلى هذا فإنَّ البناء هو الشيء المنجز، والمتحقق في الوجود، وهو بهذا يرادف مفهوم البنية، التي تعني: " تلك المنظومة ذات العناصر المتفاعلة، حيث كل عنصر يؤدي وظيفة داخل المنظومة، وتتحدد قيمته بهذه الوظيفة"[2].

وتعد القصيدة وحدة بنائيَّة، أو بنية تتضافر مجموعة من العناصر على إبراز الطابع الهيكلي لها، على وفق خطوات عملية كانت موضع اهتمام المحللين النفسيين، ونقّاد الأدب[3]، والهيكل المنجز من تلك العناصر، والذي عرَّفته نازك الملائكة بأنَّه "الأسلوب الذي يختاره الشاعر لعرض الموضوع"[4] يمثل الصورة الخارجيَّة، أو الشكليَّة للقصيدة، وهو – كما مرَّ – يتوفَّر على أجزاء مكونة له – كأي بناء آخر - ومن البديهي أنَّ إضاءة أي جزء من هذه الأجزاء، ستصب – حتماً – في فهم مجموع الأجزاء الأخرى، وما يتضمنه ذلك المجموع من قيم موضوعية وفنية، مما يؤدي إلى كشف العلاقة البنيوية بين تلك الأجزاء؛ هذه العلاقة التي كانت مدار خلاف كبير بين النقّاد في مدى تحقيقها للوحدة العضوية في القصيدة العربية[5]، قد تبدو واضحة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ تنتظم كل أجزاء المرثية في خيط واحد من الحزن الذي يلف المرثية من البداية حتى نهايتها، وإن بدا الشاعر متغزلاً، أو ذاكراً لأحبته، وأيام شبابه، الأمر الذي يمكن القول معه، إنَّ الوحدة العضويَّة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) ربَّما كانت أكثر وضوحاً لارتكازها على أساس نفسي قد لا نجد ما يماثله في القصائد الأخرى.

ومما يعزز ما تقدَّم قوله؛ شيوع المراثي الحسينيَّة الطويلة، وغياب المقطوعات في النصف الأول من القرن العشرين، بوصف المرثية الطويلة تمثل وحدة موضوعية تستوعب أحزان الشاعر، وإن تباينت أسباب ذلك الحزن في الظاهر.

ومن المؤكد أنَّ بناء المرثيَّة واختيار شكل دون آخر لا بد أن يستند إلى موضوعية تتعلَّق بالموروث الأدبي بقدر استناده إلى الأسس الذاتيّة المتمثلة بموهبة الشاعر، وقدرته على الإبداع، فإذا كان الشعر" استعمالاً خاصّاً للغة "[6] يفصح عن ذات الشاعر، فإنَّ هذا لا بدَّ أن ينسجم مع الموروث الذي مثَّل جزءاً مهماً من ثقافة الشعراء العراقيين، مما أدّى " إلى بقاء بصمات التراث اللغوي واضحة "[7]، لذا فإنَّ مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) كانت صدى لهذين العاملين، مع لحاظ غلبة الطابع التراثي عند الشعراء المقلدين، وبروز الملامح التجديديَّة عند الشعراء الذين تأثروا بالثقافات الجديدة.

وقبل التطرق إلى وحدات البناء الهيكلي لمراثي الإمام الحسين (عليه السلام) لا بدَّ من معالجة مسألة عنونة الدواوين والقصائد وتأريخها، وهي من مستجدات هذه الحقبة، نظراً لأهميتها الفنية والعضويَّة.

العنوان والتأريخ


لم يكن معتاداً بين الشعراء – قبل القرن العشرين – أن يضعوا عناوين لدواوينهم، أو قصائدهم، جرياً على منهج القدماء، فقد كانت القصيدة حينما يراد الإشارة إليها، تذكر بالمناسبة التي ارتبطت بها، أو الموضوع الذي قيلت فيه، أو تسمى بحرف الروي الذي بنيت عليه، أو تعرف بنسبتها إلى مجموعة قصائد معروفة، كأن يقال معلقَّة زهير، نسبة إلى المعلقات،وقد لا يكون للشاعر سوى قصيدة واحدة، عندئذ لا يحتاج إلى قرينة أخرى لتعريفها، مثل أصحاب الواحدة، وربما كان للشاعر قصائد عدَّة، لكنه عرف بواحدة منها.

وفي العصر الحديث، ظهرت فكرة العناوين، وأصبح العنوان جزءاً مهماً في دلالة القصيدة، و"أحد العناصر الفنية الإبداعيَّة... وتنحصر وظائفه في عدَّة نقاط، هي: التعيين، والوصف، والإيحاء، والإغراء، فيشكل جزءاً مهماً من بنية القصيدة، ويسجل حضوراً نصيّاً في أغلب قصائد الشعراء"[8].

ويبدو أنَّ أثر الثقافات الجديدة كان له دورٌ في بروز أهميَّة العنوان عند الشعراء المجددين، بدليل أنَّ شعراء القصيدة التقليديَّة لا تجد صدى في دواوينهم يعكس اهتمامهم بعنونة قصائدهم، فشعراء مثل كاظم آل نوح، وكاظم سبتي، وسيد رضا الهندي، ويعقوب الحاج جعفر، ومحمد حسن أبي المحاسن، وعبد الحسين الحويزي، ومهدي الطالقاني، لم يعنوْا بوضع العناوين لدواوينهم، أو لقصائدهم، على عكس الشعراء الذين تزوَّدوا من الثقافات الحديثة، مثل الجواهري، وإبراهيم الوائلي، ومحمد صالح بحر العلوم، ومظهر إطيمش، ومصطفى جمال الدين، وحسين آل بحر العلوم، وطالب الحيدري، وخضر عباس الصالحي، وصالح الجعفري، وبدر شاكر السيّاب، فقلَّما نجد قصيدة عند هؤلاء لم ترتبط بعنوان معيَّن.

والعنوان عند هؤلاء مرتبط ارتباطاً إيحائيّاً بالموضوع، لذلك فإنَّ أغلب عناوين المراثي في هذه الحقبة مستوحاة من واقعة الطف[9]، ومجسدة لما عاناه الحسين في ذلك اليوم[10]، والإشادة بموقفه البطولي[11]، أو معبرة عن وجهة نظر الشاعر في مأساة الحسين (عليه السلام)[12].

وقد حاول طالب الحيدري أن يجعل عنوان إحدى مراثيه الحسينيَّة مرتبطاً بالبيت الأول، وكانَّه جزءٌ منه، فعنوان المرثيَّة هو(أميّة)، والبيت الأول منها[13]: (من المنسرح)

أولها فاسق وآخرها*** لا سقيت بالحيا مقابرُها

أما التحديد الزمني لمراثي هذه الحقبة، فقد تفاوت الشعراء في العناية به، فنجد من بين الشعراء المقلدين من التزم بتاريخ ما نظمه من المراثي الحسينيَّة[14]، ومنهم من لم يلتفت إلى هذه المسألة[15]، لكننا وجدنا حرصاً من الشعراء المجددين على العناية بتحديد زمن قصائدهم.

وقد أصبح التاريخ يحمل أهميَّة بالنسبة إلى الشاعر، والقارئ الناقد، فهو دليل، يمكن من خلاله معرفة التطور الإبداعي الذي واكب الشاعر في مسيرته الأدبيَّة، ومعرفة العوامل التاريخيَّة التي أثَّرت على إنتاجه، مع ما فيه من فائدة في ربط القصيدة بمرحلتها التاريخيَّة.

ــــــــــــــــ
[1] ينظر: لسان العرب: 1 / 365.
[2] نوافذ الوجدان الثلاث، دراسة في شعرية الخطاب الأدبي: 195.
[3] ينظر: الأسس النفسية للإبداع الفني – في الشعر خاصّة -: 295، وبناء القصيدة الفني في النقد العربي القديم والمعاصر: 5، وبناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث: 71، والبناء الفني للقصيدة العربية: 49.
[4] ينظر: قضايا الشعر المعاصر: 202.
[5] ينظر: وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي: 59.
[6] الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 125.
[7] أثر التراث في الشعر العراقي الحديث: 229.
[8] كربلاء في الشعر العراقي الحديث (رسالة ماجستير): 191.
[9] مثل: قصيدة فاجعة الطف لمحمد علي اليعقوبي، ينظر: الذخائر: 36، وقصيدة يوم عاشوراء لعباس الملا علي، ينظر: من وحي الزمن: 194، وقصيدة شهر الدموع لمحمد جمال الهاشمي، ينظر: مع النبي وآله: 1 / 186، وقصيدة مصرع الحق لحسين آل بحر العلوم، ينظر: زورق الخيال: 17.
[10] مثل: قصيدة الذكرى الدامية لمحمد جمال الهاشمي، ينظر: مع النبي وآله: 1 / 186، والدمعة الخرساء للسياب، ينظر: أزهار ذابلة: 88، ويا ناعي الطف للجزائري، ينظر: ديوان الجزائري: 75، والذكريات الدامية لمظهر اطيمش، ينظر: أصداء الحياة: 1 / 73.
[11] مثل: ذكرى استشهاد الحسين لمحمد صالح بحر العلوم، ديوانه: 2 / 121.
[12] مثل قصيدة آمنت بالحسين للجواهري، ديوان الجواهري: 3 / 291، والشعلة الخالدة لطالب الحيدري، ينظر: من وحي الحسين: 10، وقصيدة اشدو للحسين لمصطفى جمال الدين، ينظر: الديوان 2 / 161.
[13] من وحي الحسين (ديوان شعر): 29.
[14] للشاعر كاظم آل نوح ما يقرب من خمسين مرثيَّة في الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، التزم الشاعر بكتابة تاريخ كل منها.
[15] وهم عامة الشعراء المقلدون مثل: كاظم سبتي، ويعقوب الحاج جعفر الحلي، ومهدي الطالقاني، ورضا الهندي، وعبد الحسين الحويزي.

تأثير الجمال اللفظي على المرثية الحسينية

بقلم: د. علي حسين يوسف

للفظة في المعجم العربي معنى محدد تشير إليه، ويمكن أن يفهمه عامَّة الناس، وفي الوقت نفسه لا تخلو الكلمات من إمكانية التوسع في المعاني عن طريق المجاز والتشبيه والاستعارة[1]، وكلها تعتمد على قوة الخيال الذي يتمتع به الشاعر، فدور الشاعر نقل الكلمات من حيز المباشرة والتقريرية إلى عالم التأويل، فالشاعر حينما يتعامل مع اللغة فإنه يتعامل مع "كائن حي يتجدد"[2].

وبما أنَّه يشعر أكثر من غيره بالقيم الإيحائية للألفاظ، ويعرف مكامن الجمال فيها، ومواضع التأثير في الكلام، فإنه وفي أغلب الأحوال يسخر كل ما للألفاظ من إيحاءات، وإمكانات تعبيرية، يشحنها بدلالات غير دلالاتها المعجمية المألوفة.

والألفاظ إشارات تدل على الحالة النفسية التي يمر بها الشاعر في أثناء تجربته الشعرية، ونجد مصداق ذلك في مراثي الإمام الحسين(عليه السلام)، فإن الألفاظ تتنوع بتنوع الموضوع الذي يعالجه الشاعر، فإنه حينما يكون في موضع الحزن على الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته، فالغالب ما يختار من الألفاظ اللين الرقيق[3]. يقول السيد مصطفى جمال الدين[4]: (من الكامل)

مولاي إن الدمع يهزأ بي*** لما ابتسمت ليومك الذهبي
وخَبتْ على وجهي بشاشته*** لما رأيتك جدَّ مكتئبِ
تتصفح الأجساد طيبة*** أعراقها وتجد في الطلبِ
حتى مَ تبحث عن وليدك في*** رهط متى تنظره يضطربِ

لكن الحال يختلف حينما يكون الشاعر في موضع ذم الأعداء وهجائهم أو حينما يستنهض الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فإن الألفاظ حينئذ تكون جزلة قوية[5]. يقول عبد المنعم الفرطوسي[6]: (من الطويل)

بني غالب ثوروا عجالا بنهضةٍ*** تطير بقلب الدهر من لجب ذعرا
بحيث ترى الدنيا بآل محمد*** وقد ملئت عدلا كما ملئت جَوْرا
ونبصر آل اللهِ بالنصرِِ ترتدي*** وآل بني سفيان صرعى على الغبرا

وفي الحالين، فإن الشاعر ينهل من موارد ثقافته الأدبية فتتأتي الألفاظ بنوعيها معبرة عن مزاجه الشخصي، ونوع الثقافة التي تأثر بها، فاختيار الشاعرلألفاظه "يعتمد على سعة ثقافته اللغوية المتعلقة بمظاهر اللغة المختلفة كالاشتقاق والترادف والتضاد والتكرار والتكثيف والاختزال والتضمين"[7].

 أما غموض الألفاظ ووضوحها، فنجد أن الشعراء العراقيين في الحقبة موضوع الدراسة من أعجبته الألفاظ القاموسية والصعبة – ولاسيما في مقدمات المراثي، يقول ميرعلي أبو طبيخ في مقدمة إحدى مراثيه الحسينية واصفا ناقته[8]: (من مجزوء الكامل)

تطوي الذميل على الرسيم*** وتفل ناصية الأديمِِ
إن أرقلت بمناسم *** زفت بقادمة الظليمِِ
تدع البروق وراءها*** وتجر أرسنة النسيمِِ[9]

فهذا الميل إلى الغريب لا يمكن أن يفسر إلا بثقافة الشاعر التقليدية ورغبته في إظهار مقدرته الأدبية، وتمكنه من اللغة، لكن هذه الظاهرة قد لا نجد لها اثراً واضحاً عند الشعراء الذين مالوا إلى التجديد، أو تأثروا به[10]، ولا عند الشعراء الخطباء[11]، ومن الشعراء من حاول تضمين مراثيه ألفاظاً تدل على معرفته بحقل معرفي معين – كالفلسفة – مثلا، يقول الشيخ محمد جواد الجزائري[12]: (من الكامل)

لكنْ رزايا الطفِّ ليس لها*** في مثلها نوعٌ ولا ندُّ
طوت الحقوب حدودها ولها*** في كل أونة لنا حدُّ
هل إنها (نوع) وكان له*** في قلب كل موحد فردُ
أو إنها (فرد) وكان له*** بعد ليوم الحشر ممتدُّ

إن الألفاظ (نوع، حد، فرد) مما يتداوله الفلاسفة، لكن الشاعر حاول توظفيها في مرثيته لتكسبها بعدا تأمليا عميقا في إشارة إلى تفرد مآساة الحسين عليه السلام بمعان قد لا تستوعبها تلك الألفاظ بمعانيها المباشرة.

وفي الأحوال كلها فإن الشاعر العراقي في رثائه سيد الشهداء قد تفنن في استعمال الألفاظ اللائقة لمقام الرثاء الحسيني.

ومهما يكن من أمر فإن ألفاظاً، مثل (البكاء، الدموع، الحزن، الفراق، السهاد، الموت، المصيبة، البأس، المنون، الدهر، الجزع، القتيل، الثكالى، الردى، الحمام، الأسر، يذوب)[13] كانت شائعة جدا في مراثي الإمام الحسين عليه السلام وهو أمر طبيعي، فكيف يقوم الرثاء بدون تلك الألفاظ؟ قال القرطاجني: " وأما الرثاء فيجب أن يكون شاجي الأقاويل، مبكي المعاني، مثيرا للتباريح، وأن يكون بألفاظ مألوفة سهلة "[14].

ومن البديهي أن يكون المعجم الشعري في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) يستمد دلالاته من واقعة الطف، من خلال استيحاء رموزها المتمثلة بأسماء الأعلام والأمكنة والأزمنة والأسلحة، التي شكلت معجمًا خاصًّا لتلك الواقعة، إلا أنَّ هؤلاء الشعراء لم يستعملوا تلك الألفاظ بصيغها التقريرية، وإن كان صدى الحقائق التاريخية المباشرة حاضراً في أذهانهم بدرجات متفاوتة.

ومن الطبيعي أن يكون اسم الإمام الحسين (عليه السلام) في مركز الصدارة من بين أسماء الأعلام التي وردت في مراثي الإمام، بوصفه المقصود بالرثاء، والملاحظ أنَّ الشعراء العراقيين حينما وظفوا الصفات اللائقة بالإمام، مثل: (الشهيد، والبطل، والهمام، وابن فاطمة، وابن بنت الرسول، وأبي الأحرار، وسيد الشهداء)[15] فقد أرادوا منها أقصى ما تتحمله من دلالات، فإذا كانت البطولة على درجات، فإنَّ الإمام بوقفته تلك قد بلغ أقصى درجاتها، وإذا كان الشهداء ليسوا بمنزلة واحدة، فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان سيد الشهداء جميعاً، وكان الشعراء – وما زالوا – يستمدون تلك المعاني مما روي من أحاديث نبوية في فضله (عليه السلام)[16]، فكان مجرد ذكر الاسم الشريف مدعاة للتضحية بكل معانيها، والشهادة بأقصى درجاتها، فهو القدوة لكل الأحرار، كما يقول عبد الحسين الأزري[17]: (من الكامل)

ما كان للأحرار إلا قدوةًً*** بطلٌ توسَّدَ في الطفوفِ قتيلا
بعثتهُ أسفارُ الحقائقِِ آيةًً*** لا تقبلُ التفسيرَ والتأويلا
ما زالَ يقرأُها الزمان معظماً*** من شأنها ويعيدها ترتيلا
دوّى صداها في المسامع زاجراً*** مَنْ عُلَّ ضيماَ واستكان خمولا

وعلى الرغم من أنَّ الشاعر أضمر اسم الإمام، لكنه أسس جملة من الحقائق استمدها من الإمكانات الدلالية التي يزخر بها ذلك الاسم، ليكون المعادل الموضوعي لكل الصفات التي يفترض أن تتوفر في الأحرار والمضحين من أجل مبادئهم.

وقد اقترنت لفظة (الشهادة) باسم الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها إحدى الألفاظ المفعمة بالدلالات الموحية، وبديلاً عن لفظة (الموت)، التي لم تطلق على الإمام فيما نظم من مراثٍ، فكان الموت في واقعة الطف يعني الشهادة بكل معانيها، وقد حقق الشعراء بذلك أكثر من قيمة فنية وتاريخية، تتفق كلها والمبادئ الإسلامية، فالشهداء أحياء عند ربهم[18]، وهم في أعلى الدرجات في روضات الجنان، فضلاً عن الابتعاد عن الصفة التقريرية للفظة (الموت)، ثمَّ إنَّ لفظة (الشهادة)[19] تشير بوضوح – عند الشعراء – إلى عدالة القضية التي استشهد من أجلها سيد الشهداء، يقول مظهر اطيمش[20]: (من الوافر)

أبا الشهداء يا سبط النبيِّ*** ويا أرج الفضائل من عليِّ
ويا نفح البتول ويا شذاها*** وإشعاع المفاخر من لؤيِّ
..........
تطلَّع للوجود عليك تسمعْ*** نواحاً في البكور وفي العشيِّ

فالصفات التي أطلقها الشاعر على الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن للمديح بقدر كونها إثباتاً لمشروعية المبادئ الحسينية المستندة إلى نبي الإسلام والإمام علي، وسيدة نساء العالمين (عليهم السلام).

ومن أسماء الأعلام التي لازمت اسم الإمام الحسين (عليه السلام) اسم السيدة زينب بنت علي (عليها السلام)[21] لما يوحي ذلك الاسم من قيمة فنية كبرى تتمثل في إضفاء الطابع التراجيدي الحزين المعبر عن حيرة تلك السيدة وهي تنوء بأعباء تلك المصيبة، يقول قاسم حسن محيي الدين[22]: (من السريع)

لهفي على زينبَ بين العدا*** بارزة ليس لها من خمارْ
تدعو بآل المصطفى والحشا*** تجري بعينيها دموعاً غزارْ
أين بنو فهرٍ وغُلبُ الورى*** من غالبٍ أم أين عني نزارْ

إنَّ هذه الصورة الحزينة لزينب تتضمن في الوقت نفسه وجهاً يتمثل في دور هذه السيدة الكريمة في تأجيج النفوس للثورة على الظلم، فضلاً عن موقفها الريادي في قيادة عائلتها، ذلك الموقف الذي يمكن أن يكون درساً صالحاً للمرأة العراقية في حقبة كانت تناضل من أجل إثبات وجودها في مجتمع طالما تجاهلها.

أما أسماء الأمكنة، فقد تمحورت حول اسم كربلاء، مثل (الطف، والغاضرية، ونينوى، والكوفة، والعراق)[23] لارتباطها المباشر بالحدث، فضلاً عن ان تلك المواضع تحولت إلى رموز مجسدة للصراع بين الخير والشر، على الرغم من دلالتها الجغرافية المباشرة، فضلاً عن ارتباطها المباشر بموقف الحسين (عليه السلام)، مما جعل الشعراء يتشبثون بتلك البقاع بوصفها شواهد لتاريخ من الألم والحزن والثورة، ثمَّ إنَّ قرب الشعراء العراقيين من تلك الأماكن ساعد في أن تكون ملاذاً لتجاربهم الشعورية الحزينة في ظل إحساس بأنَّ الحسين (عليه السلام) قريب منهم، يشعرون بوجوده، فكانت حقاً (كرب وبلاء) كما جاء في أصل تسميتها[24]، يقول رشيد ياسين[25]: (من الخفيف)

إيهِ يا كربلاء عودي بها تيـ*** ـكَ المآسي من نائبات العصورِ
وصفي موكبَ الحسين وقد قا*** مَ يلبي ضراعةَ المستجيرِ

إنَّ دلالة اسم كربلاء تخطَّت المعنى المجسَّد إلى معنى حي حاول الشاعر من خلاله ان ينطقها بما شهدت من مآسٍ، فكانت رمزاً لا تنضب دلالاته.

أما أسماء الزمان، فإنَّ تعامل شعراء المراثي مع مفاهيم الزمن استند إلى التفسير الديني الذي يؤمن بأنَّ الزمن الدنيوي ما هو إلا مقدمة لزمن آخر لا ينقضي، إنَّه الزمن السرمدي الخالي من الشوائب التي يحفل بها زمن الحياة الدنيا، فكان للشعراء إزاء ذينك المفهومين للزمن موقفان متضادان؛ موقف الذم والتذمر لزمن غادر لم يرعَ لأهل البيت حرمة، وموقف التفاؤل من زمن أخروي يعيش فيه الشهداء سعداء، لا تعكر صفو سعادتهم شائبة.

ومثَّلت الموقف الأول ألفاظ مثل (يوم، شهر، دهر، زمن)[26]، أما الموقف الآخر فقد مثلته ألفاظ (الآخرة، الحياة الأخرى).

إنَّ هذا الفهم للزمن لدى الشعراء قد استوعب اتجاهي الرثاء: الحزين المتفجع، والرافض المتحدي، يقول محمد بندر النبهاني[27]: (من الخفيف)

قمْ فهذا محرم قد غشانا*** فلتحرِّمْ في عشره الأفراحا

ويقول كاظم آل نوح[28]: (من الكامل)

تباً لهذا الدهر شيمته الهوى*** وبكل منقصة هو المفتونُ
دهر به آل الدعي أمية*** ولهم عداء ظاهر ودفينُ

فالزمن عند شعراء المراثي – زمن الدنيا – أصبح مصدر قلق؛ لأنه " قوة قاهرة تهيمن على الحياة"[29]، قد تقلبت صروفه ضد آل البيت، لذلك كثيراً ما وصف بالغادر، والخؤون، والمخادع الذي لا يؤمن جانبه.

وكانت ألفاظ السلاح كالسيف، والرمح، والسهم[30]، قد حظيت باهتمام شعراء مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، بوصف تلك الألفاظ تحمل في طياتها مفهومين متقابلين، فحين يذكر الحسين وأصحابه فسلاحهم سلاح الحق، لكن حينما يذكر أعداؤهم فالسلاح حينئذ سلاح بغي وضلال. وتبعاً لذلك اختلفت أوصاف الأسلحة لدى كل طرف، مما استدعى تبيان وظيفة كل منهما، فالشاعر حينما يصف سيف الحسين (عليه السلام) أو سيوف أصحابه – مثلاً – يسبغ عليه الصفات المستحسنة عند العرب مثل: (المهند، والصارم، والبتار)[31]، والتي تشرع من أجل مقارعة الظلم، لكنه حينما يذكر سيوف الأعداء فإنه يصفها بأوصاف لا تتفق ومبادئ الإسلام مثل: (سيوف البغي، وسيوف الشرك، وسيوف الباطل)[32]، يقول محمد حسن سميسم[33]: (من البسيط)

واهتزَّت الأرضُ لمَّا هزَّ صارمه*** والهُضْبُ من وحشٍ تنصك بالهُضُبِ

فقد عقد الشاعر الصلة بين اللفظة (صارم) وصرامة الحق الذي يقاتل دونه الإمام الحسين، وهناك نجد أن دلالة اللفظة اتسعت لجوانب إيجابيَّة، لكنَّ الشاعر محمد حسن أبي المحاسن يرى أنَّ وظيفة الأسلحة عند جيش العدو كانت على الضد من ذلك تماماً، حينما فتكت بأهل البيت، يقول[34]: (من الطويل)

وفوق القنا تزهو الرؤوس كأنَّها*** أزاهيرُ لكن الرماحَ القواطفُ

فوظيفة الرماح قطف رؤى أهل البيت، ثم رفعها عليها، وشتان ما بين الوظيفتين.

ــــــــــــــــ
[1] ينظر: علم الدلالة: 235.
[2] لغة الشعر الحديث في العراق: 161.
[3] ينظر: مع النبي وآله: 1 / 186، وديوان الشعر الواله في النبي وآله: 99، وسقط المتاع: 1 / 241، ومعين الحاج معين: 1 / 163.
[4] الديوان: 2 / 165.
[5] ديوان حسين الكربلائي: 62، وديوان الربيعي: 1 / 91، ومنتقى الدرر في النبي وآله الغرر: 1 / 17، والقصائد البهيَّة في النصائح المهدوية (مخطوط): 3، وزورق الخيال: 17، وديوان الشيخ كاظم آل نوح: 1 / 3، 24، 72، 2 / 443، 3 / 582، 589، 650.
[6] ديوان الفرطوسي: 1 / 78.
[7] عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر: 119.
[8] الأنواء: 178.
[9] الذميل والرسيم والأرقال ضروب من سير الإبل، والظليم: ذكر النعام، والرسن: الحبل، والمنسم: خف البعير، ينظر: الصحاح: 4 / 1392، 1569، 1401، 1604، 1711 و 5 / 1650.
[10] مثل محمد صالح بحر العلوم، ينظر: ديوان بحر العلوم: 2 / 84، وطالب الحيدري، ينظر: ديوانه: من وحي الحسين: 10، 16، 19، 22.
[11] مثل قاسم حسن محيي الدين، ينظر: ديوانه الشعر المقبول في مدائح ومراثي آل الرسول: 2 / 39 – 44.
[12] ديوان الجزائري: 74، والبيتان الثالث والرابع غير موجودين في الديوان، بل في منشور: رسالة الحسين: 9، وفيه عجز البيت الأول: (في نوعها مثل ولا ند).
[13] ينظر: ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 1 / 3، 18، 24، 2 / 281، 3 / 748، وديوان يعقوب الحاج جعفر الحلي: 36، 67، وديوان الفرطوسي: 1 / 76، وأزهار الريف: 56، وخير الزاد ليوم المعاد: 21، والشعر المقبول في مدائح ومراثي آل الرسول: 2 / 25، 41.
[14] منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 351.
[15] ينظر: ديوان الوائلي: 1 / 178، وديوان السماوي: 361، 367، وديوان أبي الحب: 141، والأنواء: 174، وخير الزاد ليوم المعاد: 21 ومن وحي الحسين: 13، 17، 22، وديوان الشعر الواله في النبي وآله: 100.
[16] قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحبَّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط " المعجم الكبير: 3 / 33.
[17] ديوان الحاج عبد الحسين الأزري: 339.
[18] قال تعالى: ((ولا تحسَبَنَّ الذينَ قتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون)) آل عمران: 169.
[19] ينظر: ديوان الوائلي: 1 / 178، ومع النبي وآله: 190، وديوان بحر العلوم: 2 / 184، 121، ويوم الحسين: 97.
[20] أصداء الحياة: 1 / 94 – 95.
[21] ينظر: ديوان السيد رضا الموسوي الهندي: 48، وسحر البيان وسمر الجنان: 178، وأزهار ذابلة وقصائد مجهولة: 89، وديوان الشيخ هادي الخفاجي الكربلائي: 41، وديوان حسين الكربلائي: 64.
[22] الشعر المقبول في مدائح ومراثي آل الرسول: 2 / 33 – 34.
[23] ينظر: ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 2 / 285، 417، 453، ومجلة البيان، ع (57، 58) لسنة 1948: 212، وديوان الربيعي: 1 / 140، وخير الزاد ليوم المعاد: 26، وأدب الطف: 8 / 237.
[24] ينظر: كتاب معجم البلدان: 7 / 229، والأدب العربي في كربلاء: 9.
[25] يوم الحسين: 179.
[26] ينظر: ديوان السيد مهدي الطالقاني: 77، 81، وديوان الربيعي: 1 / 114، وخير الزاد ليوم المعاد: 16، 17، 25، 33، وديوان الياسري: 19.
[27] أزهار الريف: 56.
[28] ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 3 / 748.
[29] الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام: 13.
[30] ينظر: ديوان الحويزي: 1 / 14، 44، 2 / 86، 88، 92، 98.
[31] ينظر: القصائد البهية في النصائح المهدوية (مخطوط): 2، 3، 41.
[32] ينظر: ديوان حسين الكربلائي: 62، والشعر المقبول في مدائح ومراثي آل الرسول: 2/41.
[33] سحر البيان وسمر الجنان: 176.
[34] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 142.

تأثير الوظيفة النفسية للشاعر على المراثي الحسينية

بقلم: د. علي حسين يوسف

توطئة


ينطلق الباحث في هذا الفصل – والفصول الأخرى أيضاً – من ان الادب عامة، والشعر خاصة، لابدَّ أن يكون هادفاً لتحقيق غاية منشودة؛ نفسية أو اجتماعية أوأخلاقية أو سياسية مستنداً في ذلك إلى أمرين: مبدأ الالتزام في الأدب الذي يقابل مبدأ (الفن للفن)[1]، وإلى استقراء مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) في الحقبة موضوع الدراسة، إذ إن تلك المراثي لم تنفك تعالج قضايا الإنسان العربي، فقد عبرت عن هموم الجماهير وطموحاتها، إذ حاول الشعراء توظيف الحقائق التاريخية المتمثلة بأحداث معركة الطف من أجل ربط الحاضر بالماضي لمنحه قوة وثراء، ولتأكيد عمق الانتماء التاريخي المتمثل بأنصع صفحات التاريخ، صفحة الثورة الحسينية.

إن أهم ما ميز مراثي الإمام الحسين في العراق خلال النصف الأول من القرن العشرين تلك النظرة النقدية للواقع العراقي وهو أمر يدل على إدراك واعٍ عند الشعراء بمسؤوليتهم التاريخية، وشعورهم بأن غائية الأدب لا تتعارض مطلقاً مع قيمه الفنية الخاصة، وقد وجد هؤلاء الشعراء أنَّ الأدب " يجب أن يندغم في مشكلات المجتمع... حتى يحيل حياتنا الفردية إلى حياة اجتماعية تترفع عن الهموم الشخصية الصغيرة، وتضطلع بالهموم الإنسانية الكبرى "[2]، لذلك كان التزام هؤلاء الشعراء بقضايا أمتهم وهم يرثون الإمام الحسين (عليه السلام) معبراً عن التزامهم بمبادئ الثورة الحسينية، لأن تلك المبادئ خير ما ينهض بالإنسان إلى عالم السمو الروحي والأخلاقي[3]، فضلا عمّا يؤديه رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) من رؤية ذاتية تتمثل في رجاء التقرب إلى الله عن طريق الإمام الحسين (عليه السلام) وما ينتج من ذلك الأمر، من شعور بالراحة النفسية، والأمان الداخلي وهكذا نجد إن " الشاعر يهدف إلى خلق عالم أفضل من العالم الذي نعيش فيه"[4], وهذا المنحى في التوظيف الشعري يعكس اهتمام الشعراء بالقضايا الانسانية التي اكدتها الاداب العالمية وافرزتها المتغيرات التاريخية[5] فظهر ذلك واضحا في الموضوعات الجديدة , ولا سيما السياسية الاجتماعية منها , واستعمال المفردات المعبرة عن تلك الافكار الجديدة الامر الذي دفع الشعراء الى ان تكون مراثيهم الحسينية معبرة عن رسالتهم الانسانية والقومية فضلا عن ما تضمنته تلك المراثي من قيم دينية واخلاقية وتربوية.

الوظيفة النفسية


تتمثل الوظيفة النفسية للشعر عامة – والرثاء خاصة – في ما تثيره من عواطف كامنة في النفس، وما يتولد من ذلك من استقرار نفسي، فالنصوص الأدبية المؤثرة "تكشف من أمامنا آفاقا فسيحة من الخيال المجنح، والعاطفة المتقدة"[6]، ويبدو هذا الأمر جلياً في النصوص التي ترتبط بعقيدة الإنسان يقول أحد الباحثين المعاصرين "إن قراءة القرآن – مثلا – لا تتحفني بطائفة من الأفكار ولا تحلق بي في أجواء من التأملات فحسب، ولكنها إلى ذلك تنفحني نسائم من العواطف، وتثير عندي طائفة من الانفعالات، وقد تفرض علي سلوكا معيناً"[7].

إن الإنسان إذا ما آمن بعدالة قضية فإنه يكون من الناحية النفسية مستعدا لتقبل كل ما يدعم ويعزز تلك القضية، وحينما يكون النص الأدبي موظفا لتلك القضية، فإنه سيكون محور التقاء بين المبدع والمتلقي، طالما أن هناك اتفاقاً ضمنياً مشتركاً على قضية واحدة " فالمتلقي حين يتعرض لمادة من هذه المواد فإنه يتحرك باتجاه إصدار حكم عليها والاستجابة لها "[8].

والنقطة الأساسية التي يلتقي عندها الشاعر والمتلقي في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) هي المنزلة العظيمة للإمام، وعدالة قضيته وتضحيته في سبيلها مما ترتب على ذلك أن يكون الإمام الحسين (عليه السلام) شفيعا لمحبيه وأنصاره.

إن مبدأ الشفاعة من أهم الأسباب التي دفعت الشعراء إلى القول، وجعلت المتلقي يعيش حالات التأثر والتصديق لما يحققه مبدأ الشفاعة من شعور بالأمان النفسي عند المسلم، من هنا كان الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) خيارا يميل إليه الشعراء من أجل نيل شفاعته، للوصول إلى مرضاة الله، وهذا وحده يمكن أن يكون كافياً لبعث الراحة النفسية للشاعر والمتلقي معاً، فالكل بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم يوم القيامة، يقول عبد الحسين الحلي[9]: (من الرمل)

أنت لي ركنٌ شديدٌ يوم لا*** يُلْتجى إلاّ إلى ركن شديدِ
هذه مني يدٌ مُدت فخذْ*** بيدي منك إلى ظل مديدِ

فالإنسان بما هو كائن تتجاذبه الغرائز والنزوات، فإنه سيظل عرضة للخطيئة والتقصير، مما يولد في داخله أنواعاً من الصراعات التي تزعجه وتقض مضجعه باستمرار، ولاسيما حينما يترائ له ذلك الموقف الرهيب، وهو يعرض للحساب الإلهي، يوم القيامة فيأتي دور الشفيع – الإمام الحسين (عليه السلام) ليخفف من تلك الصراعات الداخلية، وليكون بارقة أمل في النجاة، وفي الأبيات تأثر واضح بالقران لاسيما في قول الشاعر (ركن شديد) ويقول محمد علي اليعقوبي[10]: (من الخفيف)

لست أرجو سوى حضوركم يو*** م وفاتي وفي الحساب خلاصي

إن ملازمة الحزن لطلب الشفاعة في المرثية الحسينية دليل واضح على إيمان الشعراء بشفاعة الإمام الحسين (عليه لسلام)، فقد " ارتبطت ثورة الحسين وشخصيته، ومبادئه وبطولته وتضحيته بالألم، والألم بالأمل، والأمل بالإنقاذ والخلاص النهائي، لأن البشرية لا تستطيع لوحدها أن تتغلب على الألم البشري، وبذلك أصبح الاستشهاد طريق الشفاعة والخلاص "[11]، فالإمام حينما ضحى بنفسه وأصحابه، فإن ذلك كان من أجل خلاص المسلمين، حتى إن تضحيته في سبيل الإسلام لم تقف عند حد، فقد أعطى الله كل شيء، فأعطاه الله كل شيء، ومما أعطاه الله للحسين، أن يغفر لمن نصره، ولو ببيت شعر، أوبدمعة حزن[12]. يقول محمد علي النجار[13]: (من الكامل)

وأرى ببعدي عن رثائك جفوةً*** فنظمت أبياتا على مقداري
لأكونَ مصداقَ الأحاديثِ التي*** تُروى لنا في جملة الأخبارِ
من قال فينا بيت شعرٍ واحدٍ*** فله جنان الخلد دار قرارِ

ويقول عباس رشيد الخزاعي[14]: (من الخفيف)

تدخلون الجنات من قال فيكم*** بيت شعر وقلبه مسرورُ
وشعوري لديكم والقوافي*** هي لي عندكم شفيع نصيرُ

فقد جعل الشعراء من شفاعة الإمام الحسين (عليه السلام) وسيلة للخلاص الأخروي، وكانوا يتكلمون بلهجة الواثق المطمئن لرسوخ ذلك المبدأ عندهم، فكان خير وسيلة حاول الشاعر من خلالها الانتقال من "حالة إحساسه الحاد بالواقع؛ واقعه النفسي لذي يموج بألوان الصراع... وعندئذ يكون الدافع إلى الإبداع هو الرغبة في التخلص من هذا الواقع "[15]. ويقول عبد المنعم الفرطوسي[16]: (من البسيط)

أنت الشفيعُ وما عندي لما اكتسبت*** يداي غيرك يوم الحشر من أملِ

فقد حاول الشاعر من خلال الكلمة الصادقة تحقيق غايتين تتمثل الأولى بالاستجابة لدافع القول بوصفه إنسانا مبدعا، فيما تتمثل الثانية في رجائه بنيل شفاعة الإمام الحسين (عليه السلام) لتتوحد الغايتان في تحقيق جو من الأمان النفسي والاطمئنان الداخلي.

والملاحظ أن الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته عليهم السلام لم يكونوا شفعاء في الآخرة فحسب، بل إن الشعراء استنجدوا به للخلاص من صعوبات الدنيا ومصائبها، أو لطلب النجاح في حياتهم يقول يعقوب جعفر الحلي[17]: (من البسيط)

إني لأرجوكمُ في كل نائبةٍ*** فإنكم خيرُ مرجوٍ ومنتدبِ

ويقول محسن أبو الحب[18]: (من البسيط)

أنتم رجائي وأنتم عدتي وبكم*** أرجو النجاةَ فأنتم علةُ العللِ

ويقول عبد القادر رشيد الناصري (من الخفيف)

يا ابن رب البيان كن لي شفيعا*** يوم لا شافعَ سواكم ومطلبْ
واذكُرَنّي لدى إلهك إن جئـ*** ـتَ ومن حوله التسابيح تسكبْ
قل له... عبدك المشرد يحيا*** في زحام الحياة من غير مأربْ
غيره ناعم بدنيا الأماني*** وهو في عالم الشقاء معذبْ

إن هذا المنحى في طلب الشفاعة والنصرة يكاد يكون ظاهرة عامة في خواتيم المراثي في إشارة من الشعراء الى إن حزنهم على سيد الشهداء دليل على إخلاصهم لمنهج أهل البيت عليهم السلام لذلك فمن حقهم أن يتوسلوا به لتحقيق مطالبهم التي تعبر عن نفوس أرهقها الزمن، فلم تجد سوى اللوذ بحمى الحسين (عليه السلام) لاستعادة الثقة بالنفس، وليكون ذلك للشاعر " طريقا في المثوبة على شعره وقصائده.... كي ينال الشفاعة والأجر والمثوبة "[19].

وقد تلبي المرثية الحاجة النفسية للاقتصاص من أعداء الدين – ممثلين بقتلة الإمام الحسين – في إشارة إلى حنق الشاعر وغضبه عليهم، وذلك من خلال التحريض على أخذ ثأر الإمام لتحقيق العدالة الإسلامية، يقول عبد المنعم الفرطوسي[20]: (من الطويل)

أما آن للموتور أن يطلب الوترا*** فيشفي بأخذ الثأر أفئدة حرىَ
وللحق أن تطغى به عزماتهُ*** فتنذر أهل الشرك بالبطشةِ الكبرى
وللعلم المنصور أن يبلغ المنى*** فيخفق منشورا على الطلعة الغرّا

إن القراءة النفسية لمثل هذه النصوص يمكن أن تكشف عن رغبة الشاعر في تطبيق العدل الالهي (وللحق ان تطغى به عزماته)، مثلما تكشف عن المزاج الشخصي للشاعر، ولاسيما إذا عرفنا أن الشاعر – أي شاعر "يقضي عمره في جهاد ونضال وعراك مع الدنيا والناس ومع الأوهام والأباطيل والأضاليل"[21]، فالفرطوسي الذي عاش حياة بائسة[22].

يمكن أن تعبر أبيات التحريض المتقدمة التي بلغت حوالي 37 بيتاً من أصل 67 بيتاً أي أكثر من نصف المرثية على إعادة الموازنة النفسية للطبقة التي ينتمي لها الشاعر بحكم ما تعرضت له من عوامل القهر والاضطهاد، فمثل هذه الأبيات يمكن أن تكون ردة فعل تتناسب وجسامة القلق الذي يعيشه الشاعر[23]، وقد يحاول الشاعر من خلال التحريض أن يعبر عن ولائه لأهل البيت انطلاقا من التبرء من أعدائهم، فيكون ذلك جزءً من رسالته الأدبية التي تمثل " رسالة التزام هادف يدعم القيم القومية والإنسانية ويدافع عن الإنسان كلما لحقه لون من شتى ألوان الاضطهاد"[24]. من هنا يمكن أن تفسر دعوات التحريض بأنها دعوات ولائية لا دعوات انتقام من الآخرين، ولاسيما وأن مبادئ الثورة الحسينية تأبى ذلك وقد تنعكس الحالة النفسية للشاعر في المرثية بصورة تساؤل وشك في حقائق التاريخ، يقول محمد مهدي الجواهري[25]: (من المتقارب):

وقلت: لعل دوي السنينِ*** بإصداء حادثك المفجعِ
وما رتل المخلصون الدعا*** ة من مرسلين ومن سجعِ
.....................
يدا في اصطناع حديث الحسين*** بلون أريد له ممتعِ
.....................
أريد الحقيقة في ذاتها*** بغير الطبيعة لم تطبعِ

إن نفس الجواهري في هذه الأبيات غير مطمئنة لما يراه الشاعر ويسمعه من الدعاة بشأن قضية الحسين (عليه السلام) فيذهب به الشك إلى الشك فيما عنده من مسلمات متوارثة بشأن حديث الحسين (عليه السلام)، يقول الجواهري[26]:

وجاز بي الشكُّ فيما مع الـ*** ـجدود الى الشك فيما معي

 لكن شك الشاعر لم يكن سلبياً بل كان سبيلاً إلى الوصول إلى حقيقة الثورة الحسينية الناصعة إنه أشبه بشك ديكارت حينما قاده إلى الإيمان بالله[27]، يقول الجواهري حينما يتجاوز مرحلة الشك[28]:

فأسلم طوعا إليك القياد*** وأعطاك إذعانة المهطعِ[29]

فقد حاول الشاعر خلق جو من الاطمئنان الداخلي،الذي قد ينتقل إلى المتلقي، لأن النص الأدبي المؤثر حين يخرج من حوزة المبدع فإنه يتحول إلى ملك مشاع بين المتلقين، فيؤدي الوظيفة نفسها والأثر ذاته، فقد يشعر المتلقي بما يشعر به المبدع إلى درجة أنه يتماهى مع النص في حال من (الاتحاد الفني) أي "أن تحس نفسك، والصورة التي تراها، أو الموسيقى التي تسمعها شيئاً واحداً"[30]، وهذا وجه مهم من أوجه الوظيفة النفسية في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، لأن هذه الوظيفة لا يمكن أن تفهم إلا ببيان الصلة بين (أنا) الشاعر و(النحن) الذي يمثل المتلقين "من حيث إنها عملية تمضي نحو إدماج ال (أنا) مع الاخرين في بناء اجتماعي متكامل هو (النحن)"[31].

وقد تتمثل الوظيفة في الكشف عن الأبعاد الخفية لحزن الشاعر، ما يسهل فهمه وتفسيره، ولاسيما أن شعراء المراثي الحسينية في النصف الأول من القرن العشرين لم يكن حزنهم على الإمام الحسين مجرداً من غاياته، فلعل القارئ لا يجد مرثية تخلو من بارقة أمل توحي بأن دولة العدل لا بد من أن تحقق يوما، فالحزن بهذا المعنى حزن إيجابي لا حزن خضوع وانهزام، فقد يكون " الحزن علامة قوة، لا علامة ضعف؛ لأنه يشهد بإدراكنا لقيمة ما نفقد، ولا نكون كذلك إلا ونحن أصحاء.... "[32].

إن هذا المزيج الغريب من الحزن والأمل، ربما لا نجد ما يماثله في أي نوع من الأدب ما خلا مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، فالشاعر يعي حزنه، محاولا في أغلب الأحيان تبريره بأسباب منطقية يقول عبد الحسين الازري[33]: (من الكامل)

لا غرو إن طوت المنيةُ ماجدا*** كثرت مآثره وعاش قليلا

فهذه خصيصة الإنسان المؤمن الذي ينطلق من الحزن ليصنع الفرح، أو في حزنه يكمن الفرح.

ويصور يعقوب جعفر الحلي حزن عدد من الأنبياء على الإمام الحسين (عليه السلام)، لإضفاء الشرعية على حزنه، فيقول[34]:  (من الوافر)

وموسى راح وهو به كليمٌ*** وفيه أسىً بكى عيسى المسيحُ
وأكرم أنبياء الله طه*** وأشرفهم غدا فيه ينوح ُ
ألا تهوي السماء وذا حسين*** على الغبراء منعفر طريحُ

فالشاعر في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) لا يكتفي بالحزن، بل يحاول أن يسجل أسبابه، وقد يتعدى الأمر إلى المطالبة، والحث على الحزن، يقول محسن أبو الحب[35]: (من البسيط)

فرضٌ علينا ثياب الحزن نلبسها*** على الحسين بن طه سيد الرسلِ
ونذرف الدمع حزنا لأبن فاطمةٍ*** من القلوب دماءً لا من المقلِ

فقد حاول هؤلاء الشعراء أن يكون حزنهم على الإمام الحسين (عليه السلام) منسجما مع حزن الأنبياء والوجود على سيد الشهداء أنه جزء من الحزن العظيم الذي " لا يكون إلا من نصيب الرجل العظيم، ولو كان البكاء عيباً لنزه الله الأنبياء عن البكاء "[36].

إن هذه النصوص الحزينة تكشف عن الواقع اللامرئي المتمثل بخبايا النفس الإنسانية، ولاسيما عند النفوس التي تتحسس مرارة الواقع، فليس كل إنسان بقادر على الرؤية الفاحصة والدقيقة لواقعه، فالإنسان غير الفنان لا يرى ما يراه الفنان أو الشاعر، أو لا يستطيع أن يعبر عما يراه بالطريقة نفسها التي يعبر بها الشاعر فخلف كل بيت شعر يوجد العديد من المعاني والصور، وخلف كل كلمة حزن يكمن واقع مرير، واقع الشاعر نفسه وقد يفرغ الشاعر كل آلامه وأحزانه في رثائه للإمام الحسين (عليه السلام) يقول الشيخ كاظم آل نوح[37]: (من الخفيف)

سئمتْ نفسهُ الحياةَ ليحيى الـ*** ـدين إذ قتله به إحياءُ
نصر الدينَ دينَ احمد إذ سا*** قت جيوشا لحربه الطلقاءُ

إن الشاعر يستشرف الواقع من خلال تحسسه لما يثيره هذا الواقع في نفسه من هموم ومتاعب، يحاول إفراغها في البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وكأن الإمام الحسين (عليه السلام) بما شهد من مآس يمثل المثل الأعلى لأحزان الشاعر كلها " فلكي يعقل الإنسان العالم ونفسه لا بد له من أن يخرج عنهما، وأن يحتل منهما برج المراقبة....... "[38]، فإن التعبير (سئمت نفسه) يمكن أن يكون إشارة واضحة لما يشعر به الشاعر نفسه، لذلك فإن مثل هذه المعاني تجسد قصة النفوس التي حاصرها عبء الواقع فلم تجد سوى الحسين (عليه السلام) ملجأ تلوذ برياض ذكره العطرة، وهذا لا يعني هروباً من مواجهة ذلك الواقع أو نكوصاً من الشاعر بل محاولة لاكتشاف الذات من جديد، الذات التي لا تجد نفسها إلا بحضرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذا ما يطلق عليه علماء النفس بالوقاية النفسية التي يلجأ إليها الإنسان للوذ " بتلك الأنماط السلوكية التي سبق للشخص أن ألفها واطمأن إليها "[39]، يقول السيد محمد جمال الهاشمي[40]: (من الطويل)

فعذرا أبا السجاد طفحةَ شاعرٍ*** يحاول أن يرمي إليك بسلمِ
وأنت الذي قد حاول الفكر سبره*** ففاض ببحر من معانيك مفعمِ
لذاك اتخذت الدمع للشعر مجهرا*** يرى فيه أسرار الوجود المطلسمِ
فما كنت إلا عالما متراميا*** يشع بأقمارٍ ويزهو بأنجمِ

إن الشاعر بوصفه إنساناً فناناً لا بد وأن حاجاته النفسية تبقى بلا إشباع في الأغلب، وأن الخيارات المطروحة أمامه، قد لا تتناسب ومزاجه، مما يؤدي به إلى حالة من التوتر التي لا يستطيع تحملها، لذلك يعمل جاهدا لخفض ذلك التوتر باللجوء إلى رحاب الشخصيات العظيمة كالإمام الحسين (عليه السلام) الذين يمثلون له عالماً من الأمان، وقدوات أنموذجية " وهكذا تتجسد في الفنان المبدع همومه وهموم عصره، ويستقطب قلقاً إنسانياً، فيتفاعل في داخله قلقه الذاتي، وقلق مجتمعه وأمته، وقلق إنساني عام "[41].

إن قنوات الاتصال بين الشاعر والمتلقي مهيأة تماما في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال اشتراكهما في هم واحد، ومأساة واحدة مما يخلق " تطابقاً بين محتوى الاتصال (موضوع الرثاء) ومحتوى العملية الإبداعية التي تتنقل نتائجها عن طريق العمل الفني المنجز "[42]، ويبدو ذلك واضحاً من خلال عنصر المأساة في الحدث الحسيني، الذي يمثل عاملا مشتركا بين الشاعر والمتلقي مما يخلق جوا من التلاحم بين العمل المنتج والمستقبل، يقول السيد مسلم الحلي[43]: (من البسيط):

لقد مضيتَ وقد خلفتها مُثُلا*** بقين فينا مثال العز والعظمِ
دروس تضحية للمؤمنين بها*** إذا مضت أمم تلقى إلى أممِ

ويقول حسين علي الأعظمي[44] (من الرمل):

دمه الذكرُ الذي ننشده*** كلما لاح صباحٌ ومساءُ

فقد حاول الشاعران أن يتكلما بلسان الجمع في إشارة إلى اشتراك الآخر – المتلقي – في الحزن، فالشاعر يحاول في أغلب الأحيان أن يكون أدبه جماعياً لم " ينظمه... لمجرد أنه الرأي السائد في جماعته، بل لأنه أحس هو إحساساً عنيفاً قاهراً بهذه العاطفة، وهذا الإحساس هو الذي أرغمه على أن ينتج أدبه "[45]، وهذا يعني أنَّ الشاعر العراقي في رثائه الإمام الحسين (عليه السلام) يحمل بين جنباته هموم قطاعات واسعة من الناس تشترك كلها في الإيمان بعدالة القضية الحسينية، وهذا واضح في استعماله بكثرة لضمائر الجمع (نا، نحن).

ــــــــــــ
[1] ينظر: الالتزام في الشعر العربي: 12، الهامش 1، والأدب وقيم الحياة المعاصرة: 165.
[2] الأدب للشعب: 4.
[3] ينظر: الأدب السياسي الملتزم في الإسلام: 41.
[4] في نقد الشعر: 40.
[5] ينظر, تطور الفكرة والاسلوب في الادب العراقي الحديث:77-81.
[6] مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي: 103.
[7] م. ن: 103.
[8] سيكولوجية التذوق الفني: 67.
[9] أدب الطف: 10 / 96.
[10] الذخائر: 40.
[11] تراجيديا كربلاء: 308.
[12] روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: " من قال فينا بيت شعر بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة ". عيون أخبار الرضا: 2 / 15.
[13] الحسين في الشعر الحلي: 451.
[14] م. ن: 372.
[15] التفسير النفسي للأدب: 37.
[16] ديوان الفرطوسي: 1 / 103.
[17] ديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر الحلي: 40.
[18] ديوان أبي الحب: 143.
[19] طفيات الشيخ صالح الكواز الحلي (بحث / مجلة جامعة كربلاء): 193.
[20] ديوان الفرطوسي: 1 / 76.
[21] رسالة الأديب: 218.
[22] ديوان الفرطوسي: 1 / 18.
[23] ينظر: نقد الشعر في المنظور النفسي: 183.
[24] الشعر والمجتمع: 69.
[25] ديوان الجواهري: 3 / 235.
[26] م. ن: 3 / 236.
[27] ينظر: تاريخ الفلسفة الحديثة: 63، والمعجم الفلسفي: 1 / 705.
[28] ديوان الجواهري: 3 / 237.
[29] وردت الكاف في (إليك) مكسورة في الديوان، والصحيح فتحها.
[30] من الوجهة النفسية في دراسة الأدب: 64.
[31] الأسس النفسية للإبداع الفني: 339.
[32] رسالة الأديب: 248.
[33] ديوان الحاج عبد الحسين الأزري: 339.
[34] ديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر الحلي: 66.
[35] ديوان أبي الحب: 141.
[36] رسالة الأديب: 248.
[37] ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 1 / 5.
[38] علم النفس والأدب: 144.
[39] موسوعة علم النفس: 144 – 145.
[40] مع النبي وآله: 1 / 194.
[41] الإبداع في الفن: 66.
[42] علم النفس الفني: 212.
[43] يوم الحسين: 48.
[44] مجلة البيان (ع 11 - 14) لسنة 1947: 39.
[45] وظيفة الأدب: 88.

مقدمة المراثي الحسينية التقليدية والتجديدية

بقلم: د. علي حسين يوسف

تكتسب المقدمة في المرثية أهميتها، بوصفها نابعة " من حالة الحزن التي يعيشها الشاعر "[1]، لذا فهي الخطوة ألأولى التي يحاول الشاعر من خلالها التنفيس عن آهاته، ولتعبر عن أوليات مشاعره، وفي رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تعد المقدمة مدخلاً طبيعيّاً للدخول إلى عوالم الذكرى الحسينيَّة.

ويلاحظ أنَّ شعراء المراثي الحسينيَّة قد سلكوا في بناء مقدماتهم اتجاهين فنيَّين، الأول: تقليدي، يستوحي الموروث البنائي الشعري، والآخر: يستبطن شيئاً من التجديد، وبدرجات متفاوتة.

وتمثل المقدمة التقليديَّة استجابة طبيعيَّة لسيطرة الموروث الشعري على ثقافة الشعراء العراقيين في النصف الأول من القرن العشرين، وقد تكون نتاجاً لغياب البديل، وعدم توفر الجرأة للخروج على المألوف الأدبي.

أما ما قيل في تفسير هذه المقدمات من أنها تعبِّر عن القلق الوجودي الذي يعانيه الشعراء، والذي يدفعهم إلى التشبث بالحياة، التي تتمثَّل بالحب والغزل، والحنين إلى ذكريات الصبا[2]، قد لا تتفق هذه التفسيرات مع التوجهات العقائديَّة لأغلب الشعراء العراقيين الذين رثوا الإمام الحسين (عليه السلام) في الحقبة موضوع الدراسة، ولاسيما أنَّهم ينطلقون في رثائهم له على وفق رؤى إسلاميَّة، تتعارض أساساً مع كل أسباب القلق السابقة ونتائجه، لذلك إنَّ لهذه المقدمات أسباباً فنيَّة يمكن أن تفسرها، وتتمثَّل في عوامل التقليد، وسيطرة الثقافة التراثيَّة، ونظرة التبجيل إلى الماضي الأدبي.

وفي إحصاء أجراه الباحث لما يقرب من (250) مرثيَّة، وجد أنَّ أكثر المقدمات التقليديَّة نسبة مقدمة الحكمة، ويبدو أنَّ ميل الشعراء إلى الابتداء بمقدمة الحكمة كان نابعاً من انسجام هذا النوع من المقدمات مع رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) الذي جسَّد في وقفته مع أصحابه في كربلاء الحكمة البالغة، وهي أن يضحي بنفسه وأنصاره من أجل مبادئه السامية. يقول محمد حسن أبو المحاسن في مقدمة إحدى مراثيه[3]:  (من البسيط)

دع المنى فحديث النفس مختلقُ*** واعزم فإنَّ العلى بالعزم تستبقُ
ولا يؤرّقْكَ إلاّ همُّ مكرمةٍ*** إنَّ المكارم فيها يحمد الأرقُ

إنَّ ذم الهوى، والحث على طلب المكارم مدخل ملائم لما سوف يأتي بعد هذه الأبيات في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي هجر الدنيا طلباً لنيل الشهادة، وقد تكون مثل هذه المقدمات إشارة إلى أنَّ الشاعر في رثائه الإمام الحسين (عليه السلام) إنما يسلك طريق المكارم، وهذا قريب من قول عبد الحسين الأزري في إحدى مقدماته[4]: (من الكامل)

عشْ في زمانك ما استطعت نبيلا*** واستبق ذكرك للرواة جميلا
ولعزك استرخص حياتك أنَّه*** أغلى وإلاّ غادرتك ذليلا
شأن التي أخلفْتَ فيك ظنونَها*** فجفتك واتخذتْ سواك خليلا
تعطي الحياة قيادها لك كلما*** صيَّرتها للمكرمات ذلولا

يتجسَّد المفهوم الأخلاقي في مقدمة الشاعر منذ البيت الأول، ليصب في معنى تربوي خلاصته أنَّ العيش بنبل ما هو إلاّ مقدمة لذكرى جميلة لا تزول، وكأنَّ الشاعر يستوحي معناه من خلود الذكرى الحسينيَّة الذي ما كان ليتحقق لولا تضحيته وصبره، وهذا ما يؤكد الأبعاد التربويَّة لمراثي الإمام الحسين (عليه السلام) في إبراز الأنموذج القدوة لكل من يطلب الحياة المثاليَّة التي لا تنتهي بالموت. ويقول محمد مهدي الجواهري[5]: (من الطويل)

هي النفس تأبى أن تُذلَّ وتقهرا*** ترى الموت من صبرٍ على الضيم أيسرا
وتختار محموداً من الذكر خالداً*** على العيش مذموم المغبَّة منكرا

إنَّ سيطرة الوقفة المبدئيَّة للإمام الحسين (عليه السلام) على مخيِّلة الشعراء، قد تفسِّر مثل هذه الصيغ التقريريَّة التي بدأ الجواهري مرثيَّته بها، بوصفها أسلوباً ناجحاً في الوعظ، يستند إلى دروس واقعة الطف، يقول محسن أبو الحب[6]:(من البسيط)

يا صاح دع عنك ما تهواه من أملِ*** واقصد إلى ما يحب اللهُ من عملِ
هذا المحرَّم قد لاحت لوائحهُ*** فلا يكن لك غير النوح من شغلِ

فالابتداء بمثل هذه المقدمات مما يناسب مجالس الوعظ والإرشاد الحسينيَّة، فهي دروس ونصائح اكتسبت قوَّة تأثيرها من الصبغة العقائديَّة التي طالما حاول الشعراء أن تكون مستمدَّة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

وتأتي المقدمة الطلليَّة بعد مقدمة الحكمة، وهي من أكثر المقدمات شيوعاً في الشعر العربي التقليدي، بوصفها تمثيلاً للواقع الموضوعي لحياة البداوة العربيَّة القائمة على التنقل والترحال، حتى أصبحت تلك المقدمات تقليداً محبباً عند الشعراء العرب، وإن كان الشاعر من سكان الحاضرة[7]، لوجود رواسب البداوة، ولأنَّ الأطلال تمثل أهم مظاهرها[8].

ويمكن أن تفسر المقدمة الطلليَّة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) بأنَّها مظهر من مظاهر الإشادة بالماضي، والتلذذ بذكره، بوصفه ردَّ فعلٍ لقسوة الواقع الذي لم يلبِّ طموحات الشعراء، وبهذا فإنَّ المقدمة الطلليَّة تمثل استجابة نفسيَّة لحاجة ملحَّة في الإنسان في الحنين إلى الماضي بوصفه الأنموذج المثالي الذي لا يتكرر، وهي نوع من حنينه إلى طفولة الحياة، ببساطتها، وعفويتها، وبعدها عن التعقيد، ولاسيما أنَّ الطلل في المرثيَّة الحسينيَّة لم يعد ذلك الرسم الداثر، والخرائب التي عفا عليها الزمن، فلم يبقَ منها إلاّ الأثافي والنؤى، وكلها توحي بالموت والفناء، بل كان شيئاً آخر يفيض بالحياة والنور، ينمو ويتوهج مع مرور الزمن، يقول عبد الحميد السماوي في مقدمة إحدى مراثيه الحسينيَّة[9]: (من الكامل)

لمن النواهد لا برحن نواهدا*** يفنى الزمان ولا تزال رواكدا
طفقتْ تُصعّد في الفضاء كأنَّها*** اتخذت بآفاق السماء قواعدا
نتئت على هام القرون فخلتها*** في مبسم الدهر الجديد نواجدا
ومشت تحيي الفرقدين فأطْلعَتْ*** بالرغم من وضح النهار فراقدا
نطحت بصخرتها الوجودَ وأصحرتْ*** لتظلَّ من بعد الحدوث أوابدا
ركدت كرابعة الكرات على الثرى*** فهوت لها الست الجهات سواجدا

هذه المعالم التي يخاطبها الشاعر، والتي صارعت الوجود على البقاء، معالم حيَّة، تفيض بالنور، فالشاعر حين يخاطبها، يخاطب عالماً مليئاً بالأرواح النورانيَّة التي من الممكن أن تستجيب له في أيَّة لحظة، هذا التوظيف الجديد للطلل يفسر العلاقة التي تربط الشاعر بتلك المعالم، مثلما يفسِّر العلاقة بين المقدمة والغرض، فلم تعد علاقة الشاعر بما يخاطبه علاقة الذكرى اليائسة التي ربطت الشاعر الجاهلي بطلله القديم، وإنما صارت علاقة مستمرة بين روحين يمكن أن يتجاوبا، فيما أصبحت الرابطة بين المقدمة وغرض المرثيَّة، رابطة انسيابيَّة ممتدَّة غير متكلَّفة، بل اكثر انسيابية مما كانت عليه عند الشاعر الجاهلي. يقول السيد رضا الموسوي الهندي[10]: (من الكامل)

إنْ كان عندك عبرة تجريها*** فانزل بأرض الطف كي نسقيها
فعسى نبلَّ بها مضاجع صفوةٍ*** ما بلَّت الأكباد من جاريها
ولقد مررت على منازل عصمةٍ*** ثقل النبوَّة كان القى فيها
فبكيت حتى خلتها ستجيبني*** ببكائها حزناً على أهليها

فالطلل هنا غير منفصل عن غرض القصيدة، وهذه من أهم سمات المقدمة الطلليَّة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، فالسيد رضا الهندي أضفى على مقدمته طابعها الطفّي الخاص بدلالة الألفاظ (أرض الطف، مضاجع صفوة، منازل عصمة، ثقل النبوَّة...) التي أصبحت البديل المثالي لبقايا الطلل الجاهلي، التي كان يخاطبها وهو يعلم أنها لا تجيبه، لكن منازل أهل البيت كادت تجيب السيد رضا الهندي، فكانت هذه المنازل مهوى لأفئدة الشعراء، لذلك كثيراً ما كان الطلل الجاهلي موضوع رفض عندهم، يقول باقر حبيب الخفاجي[11]:(من الطويل)

خليليَّ عوجا بي على وادي نينوى*** ولا تذكرا لي عهد حزوى ولا اللوى
................
قفا بي على وادي الطفوف سويعةً*** لعلي أناجيه أيدري لمن حوى
حوى سيداً شاد الهدى في جهاده*** غداة على متن الجواد قد استوى

فالغاية عند الشاعر في هذه المقدمة تستند إلى رؤية عقائديَّة، تؤمن بخلود الشهداء، لذا أصبحت مناجاته لأرواح شهداء الطف، بعد أن كانت عند الجاهلي وقفة يأس لذكريات شاحبة.

وقد تكون الغاية من الوقوف على الطلل، مباشرة الغرض، حينئذ تمتزج المقدمة بالغرض، فتنعدم الفواصل بينهما على نحو جعل من ذلك سمة انفردت بها مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، لتعبِّر عن وحدة موضوعيَّة تتمثَّل في الحزن على الإمام وبكائه، ووحدة فنيَّة تتمثَّل في انتفاء الحاجة إلى التخلص من المقدمة إلى الغرض، يقول الشيخ محمد بندر النبهاني[12]: (من الوافر)

ألا عوجا على تلك الطلالِ*** بها نبكي لأحمد خير آلِ
فهذي كربلاء بها حسين*** أحاطت فيه أجناد الضلالِ

وتأتي بعد ذلك المقدمة الغزليَّة، التي لم تكن في غرض الرثاء أصيلة، كأصالتها في الأغراض الأخرى، إذ لم يألف العرب أن تبدأ مراثيهم بالغزل لانشغال الشاعر بالحسرة والمصيبة على رأي ابن رشيق، الذي نقل أنَّ دريد بن الصمَّة أول من فعل ذلك[13]، ثمَّ صار أمراً مقبولاً عند الشعراء فيما بعد.

ولعلَّ ما ذكر في تفسير هذه المقدمات أنها تمثل هروباً من الموت إلى الحياة المتمثلة في عاطفة الحب، أو أنها دليل على صدق تجارب الشعراء العاطفيَّة[14] غير كافٍ لتفسير وجودها في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) ما لم يضف إلى ذلك عامل التقليد للموروث، إذ إنَّ تلك المقدمات تعد جزءاً من المتطلبات الفنيَّة التي يحاول الشعراء من خلالها إظهار مقدرتهم الأدبيَّة، بطريقة استعراضيَّة، ربما لا تعبر عن واقع حقيقي لانشغال الشعراء بما هو أهم من الغزل، وهم يرثون الإمام الحسين (عليه السلام).

ومهما يكن من أمر، فإنَّ أهم ما يميز الغزل في مقدمة الرثاء الحسيني نقطتان:

الأولى: إنَّه غزل عفيف، ليس فيه شيء من ذكريات اللهو والتصابي، أو وصفٌ للنساء، ويمكن تعليل ذلك بعدم مناسبة تلك الذكريات لرثاء الإمام الحسين (عليه السلام)[15]. يقول محمد حسن أبو المحاسن[16]: (من الطويل)

أقلاّ عليَّ اللوم فيما جنى الحبُّ*** فإنَّ عذاب المستهام به عذبُ
وصلت غرامي بالدموع وعاقدتْ*** جفوني على هجر الكرى الأنجم الشهبُ
تقاسمن مني ناظراً ضمنتْ له*** دواعي الهوى أن لا يجف له غربُ
فليت هواهم حمَّل القلب وسعهُ*** فيقوى له أو ليت ما كان لي قلبُ
فابعد بطيب العيش عني فليس لي*** به طائلٌ إن لم يكن بيننا قربُ

فعلى الرغم من وجود ألفاظ (الحب، المستهام، الغرام، دواعي الهوى، القرب)، فإنَّها لم تدل على ترف الشاعر، وتصابيه، بل إنَّ تلك الألفاظ وجهت النص إلى دلالات الشكوى (وصلت غرامي بالدموع)، مما جعل المقدمة منسجمة مع الأجواء الحزينة للمرثيَّة.

أما النقطة الأخرى التي ميَّزت الغزل في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) انَّ ذلك يقوم على أساس النفي، أي نفي الشاعر، ورفضه أن يعود إلى تلك الأيام[17]، يقول باقر حبيب الخفاجي[18]: (من السريع)

لست إلى نجد وللرقمتينْ*** أحن أو أهوى إلى الأبرقينْ
منازل تأوى (بثينٌ) لها*** أين أنا يا صاحبي وهي أينْ
دع عنك عهداً للتصابي مضى*** إني بشغلٍ شاغلٍ عن (بثينْ)

إنَّ رفض الشاعر ذكريات الصبا يعد دليلاً على الاستعداد النفسي وهو يهيئ نفسه للدخول إلى رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) مما يجعل القارئ يتأمَّل ما يروم إليه الشاعر، ويضعه في حال من الترقب لما سيأتي بعد المقدمة.

ولإضفاء طابع الحزن على المرثيَّة منذ البداية أكثر الشعراء من ألفاظ الفراق والشكوى والوجد والكمد والرقاد، ونار الصبابة، يقول محمد بندر النبهاني[19]: (من الطويل)

دعاني الهوى أني أهيم بكم حبّا*** فكنت كما شاء الغرام بكم صبا
وحملتموا قلبي من الوجد فوق ما*** ينوء به ثقلاً فأجهدتم القلبا
وأضرمتمو في اللبِّ نار صبابةٍ*** ببينكم حتى أذبتم بها اللبا

ويقول السيد جواد الهندي[20]: (من المتقارب)

رحلتم وما بيننا موعدُ*** واثركم قلبي المكمدُ
وبتُّ بداري غريب الديارِ*** فلا مؤنس لي ولا مسعدُ
وفارق طرفي طيب الرقادِ*** وفي سهده يشهد المرقدُ

فهذه المقدمات، مقدمات حزن، وما يجمعها بغرض القصائد ذلك الهم الذي يتعلَّق بأسبابها المباشرة (الرحيل، البعاد، الفراق) وغير المباشرة (الحزن على الإمام الحسين)، مما يجعل من تلك المقدمات ركائز حزن تشد المرثيَّة من أول أبياتها إلى نهايتها[21].

تأتي بعد ذلك مقدمة وصف الظعن، وهذا النوع من المقدمات مرتبط بالمقدمات الغزليَّة، لاشتراكهما في الموضوع نفسه، لكن كثرة وروده في الشعر العربي، جعلت النقّاد يفصلون بينهما[22].

وصورة الظاعنين مما يبعث الأسى، فهو مشهد إيذان بالفراق، وانفصام لرابطة الإنسان بأرضه، وهذا كافٍ لإثارة مكامن الشعور بالقلق من الفراق الذي يهدد الإنسان في كل لحظة، إنَّه صورة أخرى للموت[23]، وفي مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) ربما كانت هذه المقدمات تعبر عن شعور خفي بحضور صورة ظعن الإمام الحسين (عليه السلام) في مخيلة الشاعر، وهو يقطع الفيافي والقفار محملاً بالبدور من آل هاشم، مؤذناً بفراق مؤلم، حيث انتهى بمصرعهم في كربلاء، وقد جسَّدت تلك المقدمات ذلك من خلال إشارات لا واعية من لدن الشاعر، حينما تكشفت فلتات لسانه، ان ظعنه المقصود، لم يكن سوى ظعن الحسين (عليه السلام)، يقول الشيخ كاظم آل نوح[24]:(من الكامل)

بالعيس حادي العيس يطوي البيدا*** ويجوب أغواراً بها ونجودا
تخذى إذا ما زجَّها بهوادج*** قد ضمنت هيفا حساناً غيدا
اما تجلَّت في الدجى أنوارها*** أهوت لهن بنو الغرام سجودا

إنَّ الألفاظ (أنوارها، سجودا) تخفي خلفها دلالات أعمق من دلالتها الظاهرة، وتشير إلى صورة لظاعنين لا يستبعد الظن أنها صورة أهل البيت الذين يمثلون امتداداً للنور الرسالي المحمَّدي.

وقد يكون الظعن المقصود في المقدمة، ظعن الحسين (عليه السلام) حينئذ يتحوَّل وصف الظاعنين من ألفاظ الغزل إلى الإجلال والتعظيم والتقديس، مما يجعل المقدمة، مقدمة ظعنيَّة حسينيّة، قد لا يحتاج الشاعر معها إلى وسيلة للتخلص إلى غرضه[25]، يقول كاظم سبتي[26]: (من الوافر)

برغم المجدِ من مضر سراةُ*** سرت تحدو بعيسهمُ الحداةُ
سرت تطوي الفلا بجبال حلمٍ*** أسُيِّرتْ الجبالُ الراسياتُ؟
...............
يرقصها الجوى أنّى ترامت*** تجيب البيد فيها الراقصات
تخب بها ركائبها خفافاً*** فترجع وهي منك مُوَقَّرات

الدلالة العامة للمقدمة تشعر بالهيبة والوقار، لأنَّ الشاعر تحدَّث عن ظاعنين استحقوا تلك المعاني، فهم (جبال حلم)، وهم من علاة مضر، فلم تكن تلك الظعائن تحمل ما كانت تحمله ظعائن الشاعر الجاهلي.

وأخيراً تأتي مقدمة بكاء الشباب، فقد ذكر المرزباني أنَّ أول من سنَّ ذلك في مقدمات القصائد عمرو بن قميئة[27]، ثمَّ صار ذلك تقليداً سار عليه الشعراء، ولاسيما المعمرون منهم[28]، بوصفه إحساساً طبيعياً عند الإنسان الذي تقدَّم به العمر، ولم يبق لديه سوى ذكريات طالما كانت مثاراً للأسى والتحسر.

لكن تلك المقدمات تميَّزت بطابعها الخاص في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد تميَّزت بالرؤية الحكيمة التي تنسجم ورثاء الإمام الحسين (عليه السلام)، فلم يعد الشاعر يبكي شبابه ويتحسَّر عليه فحسب، وإنما مثل له انقضاء الشباب فرصة للتأمّل لخلو نفسه من نزوات الشباب لتنشغل بما هو أسمى من ذلك، أي برثاء سيد شباب أهل الجنة، يقول محمد علي اليعقوبي[29]: (من المتقارب)

تناسى ببابل أوطارهُ*** فتىً أوضح الشيب أعذارهُ
أمِنْ بعدما جاوز الأربعين*** يطاوع باللهو أمّارهُ
إذا ما الشباب انطوى سفره*** فخل الهوى واطوِ أسفارهُ
فما أنا من بعدها ذو هوىً*** يقاسي من الحب أطوارهُ
يناجي نجوم الدجى ساهراً*** وكان ينادم أقمارهُ
إذا ما صفى عيشه برهةً*** أتاح له الدهر أكدارهُ
فدع ذكريات الصبا أنني*** ذكرت الحسين وأنصارهُ

فالشاعر يربأ بنفسه عن أن يتصابى بعد أن جاوز الأربعين، فلم يعد ذلك لائقاً بعد أن شغل بذكرى الحسين (عليه السلام) وأصحابه، لذلك كثيراً ما قرنت تلك المقدمات بحزن الشاعر، فلم تعد الذكريات تؤنسه بالقدر الذي كانت تثير في نفسه دواعي الإشفاق على عمره الماضي، يقول السيد رضا الموسوي الهندي[30]: (من الكامل)

أو بعد ما ابيضَّ القذال وشابا*** أصبو لوصل الغيد أو أتصابى
هبني صبوت فمن يعيد غوانيا*** يحسبن بازي المشيب غرابا
قد كان يهيدهن ليل شبيبتي*** فضللن حين رأين فيه شهابا
............
ولقد وقفت فما وقفن مدامعي*** في دار زينب بل وقفن ربابا

فالمقدمة لم تعد وصفاً لمغامرات الصبا، ولا تذكراً لتجارب الشباب، إنما أصبحت حسرة وأسفاً وبكاءً على عمر تولى.

ومهما يكن من أمر فإنَّ مقدمات بكاء الشباب كانت قليلة العدد في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، ولعلَّ السبب في ذلك يعود إلى دواع نفسيّة تتمثّل بالغرائز المتأصلة في النفس الإنسانيَّة، والتي تدفع الإنسان إلى الهرب من كل ما يثير في داخله لحظات الموت، ودنو الأجل[31]، ولاسيما أنَّ التقدم في العمر علامة دالة على ذلك، فالتشبث بالحياة طالما دفع ذو الشيبة إلى إخفاء شيبته، والظهور بمظهر الشباب، وإن كان الأمر خلاف ذلك.

التخلص


إنَّ توظيف المقدمات السابقة التي تطرَّق إليها البحث، بما يتلائم ورثاء الإمام الحسين (عليه السلام) قلَّل من أهميَّة التخلّص في مراثي هذه الحقبة، ولاسيما التخلّص بالأداة، مما نتج عن ذلك أن لا يحتاج الشاعر إلى وسيلة للانتقال إلى غرضه في أحوال كثيرة، لكنه في الحالات القليلة قد يلجأ إلى التخلص الانسيابي، الذي قد لا يستشعره إلاّ المتلقي الفطن، يقول محمد حسن أبو المحاسن[32]: (من الطويل)

عدمناك من دهر خؤون لأهله*** إذا ما انقضى خطبٌ له راعنا خطبُ
على أنَّ رزء الناس يخلق حقبةً*** ورزء بني طه تجدده الحقْبُ

فقد لا يشعر المتلقي بشيء من التكلّف في انتقال الشاعر من المقدمة إلى رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) لوجود البعد النفسي ذاته في المقدمة والغرض الذي تجسَّد بسخط الشاعر على الزمان الذي لا يؤمن جانبه، وقد غدر بأهل البيت، مما يسمح بالقول إنَّ انتقال الشاعر كان منسجماً مع ما أطلق النقاد عليه تسمية حسن الخروج[33]، وحسن التخلص[34]، لكن الشعراء حين يضطرون إلى استعمال الصيغ التقليديَّة للتخلص (دع ذا، دع عنك، عد...)، فإنهم – في حالات كثيرة – تعاملوا مع ذلك الموروث على وفق رؤية منطقية تسوغها مشروعيَّة العقيدة الراسخة لديهم في رفض موضوع المقدمة لأهميَّة ما يتضمنه الغرض من المرثية، يقول محمد علي اليعقوبي[35]: (من المتقارب)

فدع ذكريات الصبا إنني*** ذكرت الحسين وأنصارهُ

فقد جاء انتقال الشاعر مسوغاً لوجاهة القضيَّة التي انتقل إليها، والتي تستند إلى العقيدة التي يتفق الشاعر والمتلقي على عدالتها، مما يعني أنَّ التخلص في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) وظِّف هو الآخر على نحو يتلاءم ومتطلبات رثاء الإمام، فالشاعر في تخلصه يقيم معادلة بين طرفين، ثمَّ يغلب الطرف الثاني الذي يتمثَّل في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) في الأحوال كلها.

وقد يكون الانتقال بطريقة حواريَّة، حينئذ لا بدَّ أن يعتمد على مبدأ الإقناع؛ إقناع الطرف الأول (الشاعر) للطرف الثاني (العاذل في أغلب الأحوال)، يقول مجيد خميس[36]: (من الطويل)

وعاذلة لما رأتني مولَعاً*** أحنّ إلى رَبعٍ خلا منه مربعُ
تقول: أرى للحزن قلبك مقْسَماً*** وجسمك للأسقام أضحى يوزعُ
فقلت لها والهم يلبسني الشجى*** أقرّ وآل الله بالطف صرعوا

إنَّ المتلقي لا يشعر بانتقالة مفاجئة أو متكلَّفة في تخلص الشاعر، بفضل انسيابية التخلص، والنفس الهادئ الذي جسَّدته المحاورة بينه وبين العاذلة، التي بدت مستفهمة عن سبب سقم الشاعر، وسرعان ما كان الجواب المقنع، إنَّه مصرع آل الله (الحسين وأصحابه).

ـــــــــــــــــ
[1] المراثي الشعرية في عصر صدر الإسلام: 186.
[2] ينظر: العمدة: 1 / 225، ومقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 217 – 221.
[3] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 146.
[4] ديوان الحاج عبد الحسين الأزري: 339.
[5] ديوان الجوهري: 2 / 271.
[6] ديوان أبي الحب: 141.
[7] ينظر: العمدة: 1 / 226، ورثاء الإمام الحسين في العصر العباسي (رسالة ماجستير): 33، ومقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 116.
[8] ينظر: وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي: 197.
[9] ديوان السماوي: 362.
[10] ديوان السيد رضا الموسوي الهندي: 47.
[11] خير الزاد ليوم المعاد: 26.
[12] أزهار الريف: 63.
[13] ينظر: العمدة: 2 / 152.
[14] ينظر: وحدة القصيدة العربية في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي: 182.
[15] ينظر: رثاء الإمام الحسين في العصر العباسي (رسالة ماجستير): 33.
[16] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 5.
[17] ينظر: رثاء الإمام الحسين في العصر العباسي (رسالة ماجستير): 33.
[18] خير الزاد ليوم المعاد: 19.
[19] أزهار الريف: 58.
[20] ديوان السيد جواد الهندي (مخطوط): 1.
[21] ينظر: ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 1 / 151، 3 / 541، وديوان حسين الكربلائي: 59، وديوان أبي المحاسن الكربلائي: 39، وديوان يعقوب الحاج جعفر الحلي: 77.
[22] ينظر: مقدمة القصيدة في الشعر الجاهلي: 137.
[23] ينظر: الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي: 243.
[24] ديوان الشيخ كاظم آل نوح: 1 / 174.
[25] ينظر: م. ن: 2 / 453، وديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر الحلي: 67.
[26] منتقى الدرر في النبي وآله الغرر: 1 / 20.
[27] ينظر: معجم الشعراء: 4.
[28] ينظر: مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 149، ومقدمة القصيدة في الشعر الأندلسي: 78.
[29] الذخائر: 32.
[30] ديوان السيد رضا الموسوي الهندي: 41.
[31] ينظر: موسوعة علم النفس: 230.
[32] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 5.
[33] ينظر: كتاب البديع: 60.
[34] ينظر: معجم النقد العربي القديم: 1 / 274.
[35] الذخائر: 32.
[36] أدب الطف: 10 / 185.

تأثير العوامل الاجتماعية والأخلاقية على الرثاء الحسيني العراقي

بقلم: د. علي حسين يوسف

لقد أكد عدد من النقاد على أهمية العوامل الاجتماعية في إنتاج الأدب؛ هذه العوامل تتمثل عندهم بجملة من الأمور منها: الوضع الاقتصادي للمؤلف، والوضع المهني وطبقته الاجتماعية، ونظرته للتراث[1].

ومن خلال تلك العوامل يمكن فهم الوظيفة الاجتماعية للأدب، وتفسير أهدافه وغاياته.

إما في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنه يصعب فهم عدد من الموضوعات التي يؤكد عليها الشعراء، ما لم يتم فهم العوامل الاجتماعية التي تؤثر في الشعراء، ومن تلك الموضوعات؛ دعوة الشعراء إلى أخذ الثأر والتحريض واستنهاض الإمام الثاني عشر على وجه الخصوص فبدون الرجوع إلى الخلفية الاجتماعية للشاعر، ومنابع ثقافته، واتجاهه العقائدي، لا يمكن إيجاد معنى منطقياً يفسر تلك المفاهيم، لكن المتلقي المعين، والمقصود من قبل الشاعر قد لا يرى في الأمر مشكلة في فهم مثل تلك الدعوات، إذ إن الفهم المشترك بين الشاعر والمتلقي يساعد على إدامة عملية التواصل بينهما، محدثا تأثيرا وتأثرا بين الطرفين، مما انعكس على أن تكون المرثية عاملا مهما من عوامل توجيه الجماهير، وزيادة تفاعلهم مع الحدث الاجتماعي والسياسي.

ويمكن القول إن الوظيفة الاجتماعية لمراثي الإمام الحسين (عليه السلام) تتمثل في إبرازها لحقيقة الصراع بين الخير والشر، هذا الصراع الذي وجد مع وجود الإنسان، وسوف يستمر ما شاء الله له الاستمرار، ولكل طرف من طرفي هذا الصراع من يمثله، فالأبطال والشهداء والمضحون من أجل المبادئ الإنسانية، يمثلون الطرف الأول – الخير – أما الظالمون والأشرار، الذين يحاولون إعاقة مسيرة البشرية نحو الكمال، فإنهم يمثلون طرف الشر، هذا المعنى جسده الشعراء العراقيون في مراثيهم الحسينية، بشكل لا يقبل اللبس، فالحسين الذي جسَّد معالم الفضيلة كان رمزاً سامياً كاملاً لمفاهيم الخير، فقد كان " أنموذجا لأفضل المزايا الهاشمية "[2] فضلا عن إنه ابن بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقرب الناس إليه، وأكثرهم محبة له، أما يزيد الذي لم يكن " نموذجا لأفضل المزايا الأموية، بل كان فيه الكثير من عيوب أسرته ولم يكن له من مناقبها المحمودة إلا القليل"[3]، فكان يمثل طرف الشر.

كان هذا التقابل بين طرفي معركة كربلاء محورا مهما حاول الشعراء العراقيون في النصف الاول من القرن العشرين استثماره في إبراز إن ذلك الصراع لم ينته ما زالت هناك نفوس خيرة وأخرى شريرة، ففي كل زمان حسين (عليه السلام) وفي كل مكان كربلاء. يقول محمد صالح بحر العلوم[4] (من الطويل)

فجيعة يوم الطف تروي فصولها*** أصولُ حياةٍ طورها يتجددُ
وتضحية الحر الشهيد بنفسهِ*** شهادة حق باسمها الحقُّ ينشدُ

وقريب من هذا المعنى قول السيد محمد جمال الهاشمي[5]:  (من الخفيف)

حادثٌ أفجعَ القرونَ فلا تن*** فكُّ من هول يومه تتبرمْ
هكذا سنة الزمان، فحق*** مستضام وظالم يتظلمْ

فالثورة التي أعلنها الإمام الحسين (عليه السلام) نجد صداها في ثنايا الأيام، إلى الأبد، حينما يطل الشر برأسه بين الفينة والأخرى لتدمغه وتكبح جماحه، بقوة المبادئ التي استشهد من أجلها سيد الشهداء (عليه السلام) لتؤكد حقيقة غلبة الخير في آخر الأمر، يقول عبد الحميد السماوي[6]: (من الطويل):

سلي كيف أودى في أمية بغيها*** وكيف انطوى سلطانها المتوغلُ
وكيف تلاشى رمزها بعدما رنا*** إلى مجدها طرف من الدهر أحولُ
هوى صرحها الأعلى فأضحى بجنبه*** يرن من العدل الإلهي معولُ

فالشاعر يؤكد حتمية العدل الإلهي، كوظيفة اجتماعية أخلاقية فقد يمهل الإله من تسول له نفسه الظلم والطغيان، لكنه لا يهملهم يعيثون في الأرض فساداً، فسرعان ما يفتك بهم ويجعلهم نسياً منسياً، بعكس الصالحين والخيرين، وقد كان ذلك من أهم الحقائق التي أكدها القرآن الكريم.

والشاعر حينما يضع تلك الحقيقة نصب عينيه، ويوظفها فنيا، فإنما يعبر بذلك عن آمال الجماهير، ويرضي خواطرهم في الاقتصاص من الظالمين، فالشاعر في الرثاء الحسيني معبر عما يختلج في الذاكرة الجمعية للجمهور، إذ ليس من المبالغة القول إن الجمهور مدين للشاعر بوصفه الناطق باسمه، المعبر عن طموحه وقد ينصهر صوت الشاعر مع صوت الملايين من الشعب، حتى ليبدو الخطاب باسم الجماعة يخفي من ورائه هموم شعب بحاله، وفي إحدى مراثيه الحسينية يقول محمد صالح بحر العلوم معبرا عن تلك الحقيقة[7]: (من الكامل)

أنا صورة الشعبِ الذي نفض الكرى*** عن مقلتيه وثار ليثا مرعبا
ناغيته طفلا وصنت لواءَهُ*** كهلا وارفع فيه رأسي أشيبا
وأقمت في بيتي تجاربَ أمسهِ*** عينا تقيه تصدّعا وتشعبا
البيتُ بيتي والحفيظةُ في دمي*** والشعبُ قوّتي التي لن تغلبا

فالشاعر يظهر إيمانه بالشعب كقوة لا تغلب، وهو قادر على تحقيق ما يصبو إليه " لذا فإن الشاعر حاول أن يجعل من تجربته الذاتية تجربة جماعية تعبر عن تطلعات المجموع وهمومهم "[8]، وهذا الارتباط بين (أنا) الشاعر و(النحن) وتعبيره عن هموم الطبقات المحرومة كان حافزا مهما للطرفين: الشاعر والجمهور في إدامة التفاعل في ظل خيمة القضية الحسينية، فكان ذلك سببا وراء هذا الكم الهائل من المراثي، وإذا كان أحد الباحثين يقول أنه لم يعلم أنَّ " شاعراً عربياً حتى اليوم لم يعرض في شعره – ولو جزئياً – إلى الحسين وثورته إلا نادراً "[9]، فكيف بالشعراء العراقيين الذين حلَّت بين ظهرانيهم فاجعة كربلاء، وسالت تلك الدماء الزكية على أرضهم، لذلك فقد تميز بالاصالة، وأصالة المرثية الحسينية لا تعني التفرد المطلق في الرثاء، بل تعني شدة الولاء، وصدق الإخلاص للقضية التي آمن بها الشعراء الحسينيون، فالفكرة الأصيلة " لا تعني أن أحداً لم يفكر فيها أبدا من قبل....."[10]، إذ إن الأصالة في الإبداع نسبية ومشروطة بظروفها التاريخية والاجتماعية، فشخصية الشاعر " تعيش في بيئة ذات مضمون ثقافي تاريخي اجتماعي، تتبادل معها الأثر والتأثير بطريقة دينامية متفاعلة من خلال إطار نوعي اكتسب مضمونه من الخارج "[11]، ترى ذلك واضحاً في الأثر الاجتماعي التي تتسم به مفردات المراثي الحسينية، إذ إن العلاقات الاجتماعية بين الشاعر ومعارفه تأثرت بقضية استشهاد الإمام (عليه السلام)، فاصطبغت المراثي بين الأصدقاء بالطابع الحسيني، فالفن يعد مجهودا مشرقا لأجيال من المبدعين الذين يتعاقبون جيلا بعد جيل، يؤثرون في المجتمع، ويؤثر المجتمع فيهم، وفي هذا التفاعل بين الطرفين كمن سر بقاء الادب وديمومته.

وهذا السيد محمد سعيد الحبوبي يتأثر بوفاة أحد أصدقائه[12]، فيرثيه بمرثاة أقرب إلى رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) يقول[13]: (من الكامل)

كان المحرم مخبرا فاريتنا*** يا جعفر فيه الحسين قتيلا
فكأن جسمك جسمه لكنه*** كان العفير وكنت أنت غسيلا
وكأن راسك راسه لو لم يكن*** عن منكبيه مميزا مفصولا
وجبينك الوضاح مثل جبينه*** بلجاً وليس كمثله تجديلا
وحملت أنت مشرفا أيدي الورى*** وثوى بنعش لم يكن محمولا
إن تنأ عنا راحلا كرحيله*** فلرب سجاد تركت عليلا

فقد كان الحدث الحسيني حاضراً في ذهن الشاعر، لم يغب عن باله، إذ إنه يراه مجسداً في كل ما يثير أشجانه ولواعجه إن هذا التماهي بين حزن الشاعر وهمومه الاجتماعية وحزنه على الإمام الحسين (عليه السلام) يؤكد الأثر العميق للأبعاد الاجتماعية في الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أمر يكاد يكون طبيعيا " فالأعمال الفنية تتألف دائما من موضوعات لها دلالة اجتماعية، وللألفاظ والأنغام والأشكال ارتباطات انفعالية تتسم بأنها اجتماعية "[14]، ويبدو أن رؤية الشعراء لخلود المأساة الحسينية كانت تعود في أحوال كثيرة إلى عوامل اجتماعية يمكن تفسيرها " في التطابق الذي يوجد بين الموضوعات الرئيسة والاجتماعية والعاطفية والقيم والنماذج التي يصورها العمل الأدبي، وبين القيم والنماذج المتمثلة تمثيلا قويا عند الجمهور المتلقي"[15].

يقول السيد مصطفى جمال الدين[16]: (من الكامل)

مولاي... رزؤك خالد أبدا *** كخلود هذا الفتح في الحقبِ

إن أحزان الشعراء لا تنفصل عن واقعهم الاجتماعي، لذلك فقد وجد الشعراء العراقيون في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) إطاراً يغلفون به أحزانهم، ويبثّون شكواهم، فالشاعر يستجيب لنداء ذاته الكئيبة على الإمام الحسين (عليه السلام) بقدر ما يستجيب لضغوط العوامل الاجتماعية المؤثرة عليه، فالشاعر – أي شاعر " ابن المجتمع، مصنوع بوجدانه ومضغوط بعناصره في النواميس والأعراف والقيم، ولكن الشاعر الحقيقي هو ابن ذاته أيضاً "[17].  يقول محمد حسن أبو المحاسن[18]: (من البسيط)

دنيا لآل رسول الله ما اتسقتْ *** أنى تؤملها تصفو وتتسقُ

فالشاعر في حضرة الإمام الحسين (عليه السلام) – وأهل بيته – وجد الظلم وغياب العدل، قد أصبح حداً وغاية لما في المجتمع من ظلم وقسوة، لكن الشعراء وبرغم أحزانهم حاولوا التأسي والصبر إقتداءً بسيد الشهداء فلم تكن المراثي حزنا كلها، إنما وجد الشعراء إن الظلم والحيف الذي لحق بالإمام الحسين (عليه السلام) كانت تقابله الشجاعة بأزهى صورها ومن ذلك التناظر استحث الشعراء قرائحهم لخلق حالة من الاستنفار مشفوعة بالحزن، ليكون رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) عبرة واعتباراً لكل من يؤمن بعدالة قضيته، يقول حسين علي الأعظمي (من البسيط)[19]:

رأى الحسين إلى الدنيا التي غدرت*** به وعاثت بآل البيت في نكدِ
فودع الأهل والدنيا وصال على*** أعدائه مستميتا صولة الأسدِ

إن رفض الحسين (عليه السلام) لواقع الحال المرفوض، وبتلك النفس الأبية، وتضحيته بنفسه وأصحابه لهو درس نموذجي لا يمحى أثره، ولا ينضب مفعوله ومثل " هذا الشعر ليس تقريراً لواقع الحال فقط وإنما هو دعوة لما يجب أن يكون، ولما يريده الشاعر أن يكون الأمر عليه بلا شك "[20]، لذلك يقول الشاعر نفسه – الأعظمي – في المرثية ذاتها[21].

إن مت احييتَ آمالا موحدةً*** وأمةً مالها في الدهر من بددِ

فقد قرن الشاعر بين استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وإحياء الأمل في النفوس في إنقاذ الأمة من الظلم، ولا شك أن ذلك هدف اجتماعي مهم، حاول الشاعر الالتفات إليه، فحساسيته بوصفه فنانا"تمكنه من الالتفات إلى ما لا يلتفت إليه الجمهور، كما تمكنه من الكشف عن جوانب إنسانية لا تبرز عادة إلى مستوى الوعي العادي"[22].

ومن القيم التي أكد عليها الشاعر؛ قيمة الصبر، بوصفها قيمة ارتبطت بالواقع الاجتماعي للعراق في النصف الأول من القرن العشرين فالتقلبات السياسية وما تبعها من عدم استقرار الأحوال المادية والمعاشية، وما رافق ذلك من هيمنة أجنبية، فرض على الشعراء أن يروا في الصبر شراً لا بد من قبوله، والصبر من الأمور الحميدة عند العرب، وقد قيل " خير الأمور مغبة الصبر"[23]، فالشاعر في الرثاء الحسيني يتأسى بصبر الحسين (عليه السلام)، ثم إنه لا يرى خياراً غير الصبر لما هو فيه، يقول يعقوب الحاج جعفر الحلي[24]: (من الطويل)

أرى كلَّ رزءِ يجملُ الصبرُ عنده*** وما الصبر في رزء الحسين جميلُ

فالمعنى الضمني في البيت يؤكد على تهوين الصبر وقبوله فللإنسان أن يصبر على ما ينوبه، لكنه مع نائبة الحسين (عليه السلام) قد يتعذر عليه الصبر، وقد يظهر الشاعر اهتمامه بقيمة الصبر على لسان حال الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو يقوي من عزيمة أهل بيته، يقول يعقوب الحاج جعفر الحلي في مرثية أخرى[25]: (من الطويل)

فقال اصبروا فاللهُ خيرُ خليفةٍ*** عليكم وأبقى بل أبرّ وأرفقُ

هنا تبين عاقبة الصبر في توجيه الإمام لأهل بيته، فالصابرون على ما يريد الله لا بد إنهم سيجازون الثواب العظيم، وهذا المعنى طالما أكّد عليه القرآن الكريم.

وقد يذكر الشاعر صبر أصحاب الحسين (عليه السلام) في ساحة المعركة، لما في ذلك من قيمة توجيهية للشباب المسلم، يقول محمد حسن أبو المحاسن[26]: (من البسيط)

والصبر أثبت في يوم الوغى حلقا*** إذا تطاير من وقع الضبا الحلقُ
رسوا كأنهم هضب بمعتركٍ*** ضنكٍ عواصفه بالموت تختفقُ
ولابسين ثياب النقع ضافية*** كأن نقع المذاكي الوشي والسرقُ[27]

فقد أكد الشاعر صعوبة الصبر في ساحات القتال، وكأنه يهيب بأبناء جلدته أن يجعلوا الصبر وسيلة لتحقيق ما يصبون إليه. ويقول حسين علي الأعظمي[28] (من البسيط):

ألهمْتَنا الصبرَ في الأحداث وهو كما*** تراه في كل ضيق خير مستندِ

فالشاعر يؤكد إن أهم ما في الثورة الحسينية هو صبر الإمام الذي أصبح درسا لكل الصابرين والمثابرين من أجل تحصيل مراضيهم.

ومن القيم الأخرى التي أكد عليها الشعراء: العدل، فقد حاول الشعراء نقد الواقع الاجتماعي من خلال تصويرهم لغياب العدل فيه، يقول الشاعر إبراهيم الوائلي[29]: (من المتقارب)

امور تدار ولكنها*** على غير ما سُن او شرعا
وحكم يناط برأي الجهول*** ليصنع ما شاء ان يصنع

فالإحساس بالظلم والإحباط نتيجة غياب العدل دفع الشاعر إلى التوجه إلى الإمام الحسين (عليه السلام) شاكياً له حال الأمة، ولا يخفى ما في البيت من قيمة نقدية لاذعة للمجتمع، فإن إنسانية أي مجتمع تقاس بمدى توفر العدل بين أفراده، فإن غاب عنه العدل فإنه سيصبح لا محالة مجتمعاً يفرق بين الناس فيتفشى الظلم وتسود الجاهلية.

أما قيمة الشجاعة فقد اكتسبت مشروعيتها وأهميتها في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها أهم ما يرغب العربي أن يتحلى به من صفات، ففي مجتمع – كالمجتمع العراقي – وقد تجاذبته الأحداث السياسية، والتيارات الثقافية والفكرية، لا بد أن تكون الشجاعة هي الحل الأمثل لأغلب مشكلاته؛ هذه الشجاعة يمكن أن تسمى شجاعة الحق، إذ إنها لسيت موجهة للانتقام من أحد بل "هي قيمة تكتسب اجتماعيا، وهي تقدم فكري، بقدر ما هي تقدم أخلاقي، وهي فضيلة اجتماعية في روحها"[30]، فلا غرابة أن يتوجه الشعراء إلى رحاب الحسين (عليه السلام) مشيدين بشجاعته وشجاعة أصحابه، مستنهضين شباب الأمة، ليبثوا فيهم الروح المعنوية التي من خلالها يثبت الشعب وجوده ويحقق هويته بعد عقود طويلة من الاستلاب وغياب الشخصية. يقول محمد جواد الغبان[31]: (من الكامل)

فأعد أبا الشهداء نهضتك التي*** قد قمت فيها بالفضيلة صادعا
لترد للنشئ الغرير رشاده*** وله تكون عن الغواية صادعا
واهتف بهم: جدوا بحزم واعملوا***(أن ليس للإنسان إلا ما سعى)[32]

فقد أكد الشاعر على أهمية العزم لتحقيق المطالب والذي لا يكتمل من دون أن يكون الإنسان شجاعاً، لذلك راح الشاعر يخاطب الإمام أبا عبد الله بأن يلهم الشباب مبادئ ثورته وشيئاً من شجاعته، ليوفقوا في مساعيهم من أجل بناء أوطانهم. إن هذه الشجاعة المستوحاة من وقفة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء حاول الشعراء من خلالها رسم النموذج القدوة لما يجب أن يكون عليه المرء ليكون دوره فاعلاً في مجتمعه.

وأكد الشعراء عدم اهابة الموت، لأن الموتَ أجل عند الله إذ لا يموت الإنسان إلا بيومه الذي قرره الله، ولا دخل للإنسان في ذلك، فالقضاء مقدر، والإقدام والشجاعة لا علاقة بها بأجل الإنسان، فكم مقاتل مغامر عاش طويلاً، وكم من خائف مات في أتفه الأسباب، لذلك فإن شعراء المراثي طالما أكدوا على هذه الحقيقة من خلال تصويرهم لاستشهاد الإمام (عليه السلام) الذي كان نتيجة للإرادة الإلهية، ولم يمت الإمام (عليه السلام) غلبةً، من ذلك قول السيد مهدي الطالقاني[33]: (من الكامل)

أفديه حيث يصولُ صولة جده*** فيغوصُ في جمع الأعادي مفردا
..............
حتى إذا شاء الإله بأن يرى*** ذاك الهمام مجدلاً بين العدى
نادته داعية القضاء فخر عن*** ظهر الجواد ملبياً ذاك الندا

فقد أكد الشاعر إن الإمام الحسين (عليه السلام) حينما سقط شهيدا فإنما كان ذلك لأمر الله وإرادته، وليس لأسباب خاصة بظروف المعركة، وهذا درس لمن يخافون الإقدام، وقد قالت العرب "إن الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، ولذلك من يقتل مدبراً أكثر ممن يقتل مقبلاً"[34].

وقد يستنهض الشاعر الشباب من خلال بث روح الشجاعة فيهم مستوحياً مبادئ الإمام الحسن (عليه السلام) التي علمت الإنسانية معنى الشجاعة والعزم، من ذلك قول السيد راضي الطباطبائي[35]: (من الطويل)

فهيا شبابَ العصرِ وانهج كنهجهم*** فإن حسيناً لا يريدُ لك اللطما
أليس أبى الضيم ضحى بنفسهِ*** وقد علَّم الناس الشجاعة والعزما

فقد أكد الشاعر أهمية الشجاعة في تغير الواقع من خلال تأكيده على الإقتداء بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) التي تأبى الضعف والوهن، والتي علمت الإنسانية كيف تصبر لكي تنتصر ومما يرتبط بالشجاعة، مسألة أخذ الثأر، وذلك باستنهاض الأئمة لينتصفوا ممن ظلمهم، لذلك لم يعد طلب الثأر يتجه لتلبية غايات محدودة وضيقة، كما كان قبل الإسلام[36]، بل أصبح في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) يتجه إلى الاقتصاص من أعداء الإسلام الماثلين في كل مكان وزمان، يقول إبراهيم الوائلي[37] مخاطبا الإمام الحسين (عليه السلام): (من البسيط)

قل للكتائب تنهض من مراقدها*** فقد خلت من صهيل الخيل بيداءُ
ولب للحق يا ابن الحق دعوته*** فقد عراه من التضليل إعياءُ
كتيبة الله لم تهدأ على ترة*** أو تستجب للتغاضي وهي خرساءُ

هذه الأبيات تعبر عن حاجة الجماهير إلى من يأخذ بيدها لإعادة الأمور إلى نصابها، وقد وجد الشاعر بأن القيادة الحقة، هي القيادة الإلهية المتمثلة في أئمة أهل البيت عليهم السلام، فهم القادة وهم الأمناء على المسلمين ويقول عبد المنعم الفرطوسي مستنهضاً الإمام المهدي[38] (عليه السلام): (من السريع)

فاظهر فدتك النفس من غائب*** لأنفس ملّت من الانتظارْ

إن مثل هذه الدعوات تعبر عن إيمان الشعراء بأن الأئمة حاضرون بينهم، وتشير إلى وطأة الواقع الذي لا يمكن تخفيفها إلا بظهور الإمام المهدي، وتؤكد على تفاعل الشاعر مع مشكلات عصره لأن " المشكلات الاجتماعية الحيوية للعصر الذي بعيش فيه الفنان هي التي تحفزه على الإنتاج الفني "[39].

وقد حاول الشعراء إبراز حقيقة إن ما اصاب الأمة كان بفعل إهمالها لمبادئ الإسلام التي جسدها بشكل واضح الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يقول مظهر اطميش[40]: (من مجزوء الرمل)

إنها ذكرى تسامت *** بالإبا معنى ومبنى
إنها ذكرى صراع*** هد للطغيان حصنا
.............
إنها الذكرى التي*** من أجلها نحن اجتمعنا
ما اجتمعنا لبكاء*** فالبكا يورث حزنا
كم لنا فيها عظات*** ليتنا فيها اتعظنا
وترسمنا طريقاً*** خطَّه السبط إلينا
لعرفنا كيف نبني*** وطنا فيه خلقنا
وعلمنا كيف ننشئ*** أمة المجد لنهنا

فالشاعر يؤكد أن ما يوجد من سلبيات يمكن أن يعزى إلى إهمال دروس الثورة الحسينية، وقد جمع الشاعر بين الشكوى والتحسر على ما وصل إليه واقع الأمة جراء إهمالها لذلك التاريخ المجيد الذي لم يستثمره أبناء العصر من أجل بناء مجتمع صحيح، وقريب من هذا المعنى قول محمد جواد الغبان[41]: (من الكامل)

إيهٍ أبا الشهداءِ دعوة صارخٍ*** ينعى إليك عُلا ومجدا ضائعا
لو كنت تلقي نظرةً في وضعنا*** لرأيت منه ما يردك جازعا
نشء غرير لم يسرْ نحو العلى*** الا تقهقر للضلالةِ راجعا
نبذ التآزرَ والتكاتفَ مذْ غدا الـ*** ـعدوان والخذلان فيه شائعا
وجنت عليه مبادئ هدامةٌ*** نشروا بهن مخازيا وفضائعا
كم بائع لضميرهِ وضميرهُ*** يدعو بحزن ما أخسك بائعا

فهذه الأبيات تدل بوضوح على نظرة الشاعر النقدية لمجتمعه والحال الذي وصل إليه الشباب الذي ترك الإقتداء بعظماء المسلمين وتمسك بتلك الثقافات البعيدة عن الواقع العراقي – بحسب ما يراه الشاعر – فهذه شكوى وفي الوقت ذاته نقد لاذع من هنا يمكن القول بأن شاعر المراثي حاول تعرية الواقع وإظهاره في صورته الحقيقية، وإبراز ما فيه من مساوئ وعيوب. ويقول عبد الحميد السماوي[42]: (من الكامل)

ما كنتُ أحسبُ والمقدَّرُ كائنٌ*** أن العقول تصاب بالإغماءِ

فالشاعر يحاول أن يشخص الداء، وهو عنده يتمثل بتخلف طرق التفكير، فالواقع " مشلول بالتخلف والركود، واقع يعاني من هبوط مادي وروحي يكاد يعم شؤون الحياة جميعاً"[43].

إن هؤلاء الشعراء الذين نظروا للواقع العراقي آنذاك بعيون نقدية من خلال تشخيصهم لما يعاني منه المجتمع ومن خلال الشكوى واستنهاض الأئمة، فإنهم يؤكدون جملة أمور: منها حاجة المجتمع إلى قيادة تنصف المظلوم وتردع الظالم، مما دفعهم إلى تأكيد حضور شخصية الإمام المهدي في أغلب المراثي، لأن ظهوره يمثل الثورة التي يكون معها الحل لأزمات الواقع الاجتماعية والأخلاقية، وهذا الأمر يشير إلى أن الشاعر الحسيني حريص على سلامة المجتمع حرصاً نابعاً من عقيدة دينية راسخة وإيمان ثابت بأن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل المعادل الموضوعي، لثورة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما صدح بأمر الله محرراً العرب من جاهليتهم ووثنيتهم، لذلك يقول مظهر اطميش[44]: (من الكامل)

أسليل بيت لايزال كتابهم*** سفراً جليلا للبرية هاديا
أبقيت للأجيال درساً خالدا*** ما زال فيه فم الأعاصر شاديا

ويقول طالب الحيدري[45]: (من المتقارب)

حريٌّ بمثلك أن يخلدا*** وأن يصبحَ البطلَ المفردا
ضربت لنا مَثلا في الإباءِ*** يعلمنا النبل والسؤددا
...................
تعلمنا كيف يحيا وكيف*** يموت الفتى شامخا اصيدا

فمع الحسين (عليه السلام) يكتسب الوجود معناه، فالإيمان بقضية ما يعني العيش من أجل تلك القضية، والاستعداد للموت والتضحية من أجلها، فلا بد من وجود معنى " فاللامعنى يحرم الحياة من الامتلاء وبالتالي فهو يعادل المرض، فالمعنى يجعل الكثير من الأشياء ممكنة التحمل، وربما يجعل كل شيء محتملا.... "[46]، يقول محمد مهدي الجواهري[47]: (من الطويل)

هي النفس تأبى أن تذِلَّ وتُقهرا*** ترى الموت من صبر على الضيم ايسرا
وتختار محمودا من الذكر خالداً*** على العيش مذموم المغبة منكرا
مشى ابن علي مشية الليث مخدرا*** تحدته في الغاب الذئاب فاصحرا

ثم يقول في خاتمة القصيدة[48]: (من الطويل)

أقول لا قوام مضوا في مصابه*** يسومونه التحريف حتى تغيًّرا
دعوا روعة التاريخ تأخذْ محلها*** ولا تجهدوا آياته أن تحورا
وخلوا لسان الدهر ينطقْ فإنَّه*** بليغ إذا ما حاول النطق عبًّرا

فمواجهة الحياة لا تتأتى إلا لمن يتأسى بعظماء الرجال ومن الصعوبات التي تخلق الهموم في النفس والإرادة في إثبات الذات ينشأ التوتر الفعال " التوتر الذي ينشأ عن الألم الذي ينبثق بدوره عن عدم الانسجام بين الإنسان والعالم، هذا التوتر قدم لنا شخصيات كبيرة من الإبداع "[49]، والأبيات تتضمن في دلالاتها مسوغاتها التوجيهية من خلال تأكيد الشاعر على الإفادة من دروس التاريخ، وهذا يؤكد أن نصوص المراثي في أغلب الأحوال، توظف من أجل المتلقي، وتوجه تبعاً لذلك. ولابد من الاشارة الى ان الشعر العراقي عامة في النصف الاول من القرن العشرين قد اتجه الى معالجة الجوانب الاجتماعية كردة فعل على تركة القرن التاسع عشر[50] الأمر الذي كان واضحا في النصوص المتقدمة فقد اظهرت اهتمام شعراء المراثي الحسينية بمشكلات مجتمعهم , فقد طغى الاهتمام بالجانب الاصلاحي والتوجيهي على الاهتمام بالجوانب الفنية , وحظي المضمون بالعناية الاولى على حساب الاهتمام باللغة , لذا كثر استعمال صيغ الامر للمطالبة بالاصلاح والتغيير مما جعل عددا من تلك المراثي تميل الى النثرية.

ــــــــــــــ
[1] ينظر: التحليل الاجتماعي للأدب: 117.
[2] أبو الشهداء الحسين بن علي: 50.
[3] م. ن: 50.
[4] ديوان بحر العلوم: 2 / 122.
[5] مع النبي وآله: 1 / 188.
[6] ديوان السماوي: 378.
[7] ديوان بحر العلوم: 2 / 86.
[8] القيم الإسلامية في الشعر العراقي الحديث، رائد فؤاد الرديني، (رسالة ماجستير، كلية الاداب – جامعة بغداد، 2002): 21.
[9] الإمام الحسين (عليه السلام) عملاق الفكر الثوري: 355.
[10] الإبداع والشخصيَّة، دراسة سيكولوجية: 316.
[11] مشكلة الإبداع الفني رؤية جديدة: 279.
[12] هو السيد جعفر القزويني، ينظر: ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي: 423.
[13] م. ن: 424.
[14] في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات: 176.
[15] التحليل الاجتماعي للأدب: 144.
[16] الديوان: 2 / 166.
[17] نقد الشعر في المنظور النفسي: 91.
[18] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 147.
[19] مجلة الغري ع6 لسنة 1945: 81.
[20] الأدب السياسي الملتزم في الإسلام: 53.
[21] مجلة الغري ع6 لسنة 1945: 82.
[22] مفهوم الشعر: 274.
[23] جمهرة وصايا العرب: 1 / 120.
[24] ديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر الحلي: 142.
[25] م. ن: 133.
[26] ديوان أبي المحاسن الكربلائي: 148.
[27] في الطبعة الثانية من الديوان وردت (والمزق)، ينظر: ديوان محمد حسن أبي المحاسن: 136.
[28] مجلة الغري: ع 6 لسنة 1945: 82.
[29] ديوان الوائلي: 1 / 178.
[30] القيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرية في وصايا عصر قبل الإسلام الشعرية والنثرية، سهام حسين جواد، رسالة ماجستير، كلية التربية للبنات - جامعة تكريت، 2002: 24.
[31] مجلة الغري (ع 9 – 10) لسنة 1948: 23.
[32] سورة النجم، الآية / 39.
[33] ديوان السيد مهدي الطالقاني: 79.
[34] العقد الفريد: 1 / 100.
[35] مجلة البيان: ع (57 – 58) لسنة 1948: 234.
[36] القيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرية في وصايا عصر قبل الإسلام الشعرية والنثرية (رسالة ماجستير): 8.
[37] ديوان الوائلي: 1 / 171.
[38] ديوان الفرطوسي: 1 / 96.
[39] في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات: 175.
[40] أصداء الحياة: 74 – 76.
[41] مجلة الغري، ع (9 – 10) لسنة 1948: 23.
[42] ديوان السماوي: 361 .
[43] لغة الشعر الحديث في العراق: 111.
[44] أصداء الحياة: 90.
[45] ألوان شتى (ديوان شعر): 109 – 110.
[46] ذكريات، أحلام وتأملات: 330، وردت في النص (وبالتالي)، والأصح أن يقال: (ومن ثمَّ).
[47] ديوان الجواهري: 2 / 271.
[48] ديوان الجواهري: 2 / 274.
[49] في النقد الإسلامي المعاصر: 26.
[50] ينظر: الشعر العراقي الحديث , مرحلة وتطور: 53-56.