مشروعية البكاء على الميّت بقلم أحد المستبصرين


هل البكاء على الميت بدعة؟

قد أشاع البعض متوهّماً أنَّ البكاء على الميّت بدعة دخلت حياة المسلمين فيما بعد، ثمّ عمد إلى زرع الشكّ في الأذهان، لكن هذا التوهّم يرتفع بمجرَّد أن يراجع الباحث سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.

فقد ورد أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام وأصحابه والتابعين بكوا لفقدهم الأعزَّة والأحبّة، والمصائب حلَّت بهم أو بغيرهم من المقرَّبين!

غفلة الناهين عن الفطرة والسيرة النبوية

وفي الحقيقة أنَّ الذين قالوا بحرمة البكاء وجعلها ذريعة للتوهين والطعن، غفلوا أو تغافلوا عن الفطرة التي أودعها الله في الإنسان، فالإنسان إن تحقَّقت آماله شعر بالفرح والسرور، وإن أخفق في ذلك أو أصيب بنائبة فإنَّه يحزن ويغتمّ وقد ينهار أمام ذلك، ولهذا نجد أنَّ سيّد الكائنات نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بكى على ابنه إبراهيم، وعلى خديجة، وعلى عمّه أبي طالب، وعلى أُمّه آمنة بنت وهب، وعلى عمّه حمزة بن عبد المطَّلب، وعلى جعفر الطيّار وعلى الإمام الحسين عليهم السلام، وغيرهم.

بعض النماذج من سيرة سيد البشر صلى الله عليه وآله

فقد ورد عن أنس أنَّه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!؟ فقال: «يا بن عوف، إنَّها رحمة».

ثمّ أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلاَّ ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»([1]).

وورد عن أبي هريرة أنَّه قال: زار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله([2]).

وورد أيضاً: أنَّه لمَّا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بعد غزوة أُحُد - البكاء من دور الأنصار على قتلاهم، ذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكى، وقال: «لكن حمزة لا بواكي له!».

فسمع ذلك سعد بن معاذ، فرجع إلى نساء بني عبد الأشهل فساقهنَّ إلى باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا لهنَّ وردَّهنَّ، فلم تبكِ امرأة من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميّت إلاَّ بدأت بالبكاء على حمزة، ثمّ بكت على ميّتها([3]).

وورد أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال في حقّ جعفر الطيّار: «على مثل جعفر فلتبكِ البواكي»([4]).

وورد عن عائشة: أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دخل على عثمان بن مظعون - وهو ميّت - فكشف عن وجهه، ثمّ أكبَّ عليه فقبَّله وبكى، حتَّى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه([5]).

وورد أيضاً أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على غيره من الصحابة([6]).

وفي الحقيقة أنَّ شبهة حرمة البكاء على الميّت قد نشأت ممَّا ورد عن عمر وابنه عبد الله!

فقد ورد في صحيح مسلم عن عبد الله: أنَّ حفصة بكت على عمر، فقال: مهلاً يا بنيّة! ألم تعلمي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّ الميّت يعذَّب ببكاء أهله عليه»([7]).

وعن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «الميّت يعذَّب في قبره بما نيح عليه»([8]).

عائشة ترد على توهمات وادعاءات عمر بن الخطاب

والجدير بالذكر أنَّ عائشة استدركت على عمر وابنه لمَّا بلغها من مقالتهما، فقالت: «إنَّكم تحدّثوني عن غير كاذبين ولا مكذّبين، ولكن السمع يخطئ»([9]).

وعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميّت يعذَّب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم يحفظه، إنَّما مرَّت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: «أنتم تبكون وإنَّه ليعذَّب»([10]).

وقد قال النووي في شرح صحيح مسلم عن روايات النهي عن البكاء المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطّاب وابنه عبد الله. وأنكرت عائشة، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك»!([11]).

كما أثبت في سيرة الرسول أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم بكى في بعض الحالات على من رآه مشرفاً على الموت، وعلى من استشهد، وعلى قبر الميّت، بل إنَّه بكى على ما سوف يجري من مصائب على الأحياء!

بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على سبطه الحسين عليه السلام

أكَّد أصحاب السنن وأرباب السير في كتبهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكى عدَّة مرَّات على سبطه وريحانته الإمام الحسين عليه السلام: كالطبراني، والهيثمي، والخوارزمي، وأحمد، والنيسابوري، وأبي نعيم، والمحب الطبري، وابن عساكر، وابن حجر، وعبد الرزّاق الصنعاني، وأبي يعلى، وابن كثير، وابن الصبّاغ المالكي، والمتّقي الهندي، والقندوزي الحنفي وآخرين، وحثَّ على البكاء عليه، وكيف لا وقد حثَّ أصحابه على البكاء على جعفر الطيّار!؟

فقد روى الطبراني بسنده عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل الحسين بن علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله وهو منكبّ، ولعب على ظهره، فقال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أتحبّه يا محمّد؟»، قال: «يا جبرئيل وما لي لا أحبّ ابني!؟»، قال: «فإنَّ أمّتك ستقتله من بعدك!»، فمدَّ جبرئيل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال: «في هذه الأرض يقتل ابنك هذا يا محمّد واسمها الطفّ»، فلمَّا ذهب جبرئيل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتربة في يده يبكي...([12]).

وروى أيضاً بسنده عن أُمّ سَلَمة رحمها الله أنَّها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: «لا يدخل عليَّ أحد».

فانتظرت فدخل الحسين عليه السلام، فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي، فاطَّلعت فإذا حسين في حجره والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل، فقال: «إنَّ جبرئيل عليه السلام كان معنا في البيت فقال: تحبّه؟ قلت: أمَّا من الدنيا فنعم، قال: إنَّ أمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها: كربلاء...»([13]).

وروى المحبّ الطبري بسنده عن أسماء بنت عميس أنَّها قالت: عقَّ رسول الله عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين... فلمَّا كان بعد حول ولد الحسين فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ففعل مثل الأوّل، قالت: وجعله في حجره فبكى صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: فداك أبي وأُمّي ممَّ بكاؤك؟! فقال:

«ابني هذا يا أسماء، إنَّه تقتله الفئة الباغية من أمّتي، لا أنالهم الله شفاعتي...»([14]).

وإنَّ ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام من فجائع ومآسي يوم عاشوراء لم يبكِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، بل أبكى الملائكة والجنّ والجماد! وآل الأمر إلى بكاء أعدائه عليه عليه السلام!

فقد ورد عن ابن عبّاس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار، أغبر أشعث وبيده قارورة فيها دم! فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما هذا؟! قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه»، فأُحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذٍ([15]).

وقال ابن سيرين: لم تبكِ السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا، إلاَّ على الحسين بن علي([16]).

وقال خلف بن خليفة، عن أبيه: لمَّا قتل الحسين أسودَّت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتَّى رأيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر([17]).

وقال معمّر: أوّل ما عرف الزهري أنَّه تكلَّم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي؟ فقال الزهري: بلغني أنَّه لم يقلب حجر إلاَّ وجد تحته دم عبيط([18]).

وقالت أُمّ سَلَمة: سمعت الجنّ تنوح على الحسين يوم قتل، وهنَّ يقلنَّ:

أيّها القاتلون ظلماً حسيناً *** أبشروا بالعذاب والتنكيل

كلّ أهل السماء يدعو عليكم *** من نبيّ ومرسل وقتيل

قد لُعنتم على لسان ابن داود *** وموسى وصاحب الإنجيل([19])

أمَّا بكاء أعدائه عليه، فقد ورد أنَّه عندما دنا عمر بن سعد من الحسين عليه السلام، قالت له زينب العقيلة عليها السلام: (يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر؟)، فبكى وصرف وجهه عنها([20])!

وذكر الذهبي أيضاً بكاء أعداء الحسين عليه السلام عليه، فقال: ... أخذ رجل حُليّ فاطمة بنت الحسين، وبكى، فقالت: لـِمَ تبكي؟! فقال: أأسلب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري([21])!

فيا ترى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ويسمع نشيجه - وهو صاحب الشريعة - فلماذا لا نقتدي به ونتأسّى بفعله الشريف؟!

وإذا كان البكاء مصحوباً بصوت عالٍ محرَّم، فلماذا انتحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عمّه حمزة حتَّى بلغ به بكاؤه حدّ الشهيق([22])؟!

أضف إلى كلّ ذلك ما ورد من أنَّ المسلمين ضجّوا بالبكاء كضجيج الحجيج على فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([23])، وأنَّ أجواء المدينة ارتجَّت من الصياح على الإمام الحسن المجتبى عليه السلام يوم وفاته([24]).

وذكر أنَّ عائشة بكت على أبيها بعد رحيله وناحت عليه([25]).

والحاصل أنَّ البكاء والنياحة إذا لم يكونا مشمولين على ما لا يرضي الله تعالى فلا إشكال في جوازهما.



...............................................
الهامش:


([1]) صحيح البخاري 2: 85؛ سنن أبي داود 2: 64/ ح 3126.


([2]) مسند أحمد 2: 441؛ صحيح مسلم 3: 65؛ سنن ابن ماجة 1: 501/ ح 1572.


([3]) أنظر: مسند أحمد 2: 40 و84 و92؛ سنن ابن ماجة 1: 507/ ح 1591؛ مستدرك الحاكم 1: 381.


([4]) الاستيعاب 1: 243؛ تاريخ اليعقوبي 2: 65؛ أُسُد الغابة 1: 289.


([5]) سنن البيهقي 3: 407.


([6]) أنظر: مستدرك الحاكم 2: 119؛ المعجم الكبير للطبراني 3: 142/ ح 2932.


([7]) صحيح مسلم 3: 41.


([8]) مسند أحمد 1: 50؛ صحيح البخاري 2: 82؛ صحيح مسلم 3: 41.


([9]) مسند أحمد 1: 42؛ صحيح مسلم 3: 43.


([10]) صحيح مسلم 3: 44.


([11]) شرح صحيح مسلم 6: 228.


([12]) المعجم الكبير للطبراني 3: 107/ ح 2814.


([13]) المعجم الكبير للطبراني 3: 108 و109/ ح 2819.


([14]) ذخائر العقبى: 119.


([15]) تاريخ مدينة دمشق 14: 237.


([16]) تاريخ مدينة دمشق 14: 225.


([17]) تاريخ مدينة دمشق 14: 226.


([18]) تاريخ مدينة دمشق 14: 229.


([19]) تاريخ مدينة دمشق 14: 240.


([20]) أنظر: تاريخ الطبري 4: 345؛ الكامل في التاريخ 4: 78؛ البداية والنهاية 8: 204.


([21]) سير أعلام النبلاء 3: 303.


([22]) أنظر: مستدرك الحاكم 2: 119؛ المعجم الكبير للطبراني 3: 142/ ح 2932.


([23]) أنظر: تاريخ مدينة دمشق 17: 54.


([24]) أنظر: تاريخ مدينة دمشق 13: 291.


([25]) أنظر: طبقات ابن سعد 3: 196.

إرسال تعليق