العناصر التربوية الفذة في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

بقلم: الأستاذ المساعد الدكتور حاتم جاسم عزيز السعدي

المكونات التربوية


أثبتت الدراسات التربوية والاجتماعية المستفيضة الأثر الواضح للوراثة والمحيط الاجتماعي في تكوين شخصية الإنسان والتي تم تعريفها من قبل العالمين(اوجبورن ونيمكوف) على إنها (التكامل النفسي والاجتماعي للسلوك عند الإنسان، وتعبر عادات الفعل والشعور والاتجاهات والآراء عن هذا التكامل)[1]، إذ ينعكس هذا الأثر على جوانبها الجسدية والنفسية والروحية جميعها، فأغلب الصفات تنتقل من الوالدين والأجداد إلى الأبناء، أما بالوراثة المباشرة أو بخلق الاستعداد والقابلية للاتصاف بهذه الصفة أو تلك.

ثم يأتي دور المحيط التربوي ليقرر النتيجة النهائية للشخصية. ولمسألة الدور النسبي لكل من الوراثة والمحيط في النمو البشري مكان أساسي في كل فلسفة تربوية وذلك على اعتبار أن موضوع الوراثة والمحيط على صلة وثيقة بالتربية والعملية التربوية[2].

ولقد توافرت في الإمام الحسين عليه السلام العناصر التربوية الفذة جميعها التي لم يظفر بها غيره فأخذ بجوهرها ولبابها وقد أعدته لقيادة الأمة، ولحمل رسالة الإسلام بجميع إبعادها ومكوناتها، كما أمدته بقوى روحية لا حد لها من الإيمان العميق بالله، والخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن والخطوب.

ولقد ظفر الإمام الحسين بمكونات تربوية عملت على تقويمه وبنائه وتزويده بأضخم الثروات الفكرية والقيمية وهي:

اولاً: الوراثة


لقد قسمت الوراثة من قبل العلماء على نوعين هما الوراثة البايولوجية والتي تعني انتقال الخصائص الشخصية والاجتماعية من جيل إلى جيل أو من فئة إلى فئة أو من شخص إلى شخص والوراثة الحضارية إذ كما تنتقل بالوراثة الخصائص الحياتية والعضوية من جيل إلى آخر كذلك تنتقل الخصائص الحضارية والثقافية من جيل إلى آخر ومن فئة اجتماعية إلى فئة اجتماعية أخرى[3].

وقد حددت الوراثة بأنها مشابهة الفرع لأصله، ولا تقتصر هذه المشابهة في المظاهر الشكلية وانما تشمل الخواص الذاتية، والمقومات الطبيعية، كما نص على ذلك علماء الوراثة وقالوا: أن ذلك أمراً بيناً في الكائنات الحية جميعها، فبذور الفاصوليا تخرج الفاصوليا، وبذور القطن تخرج القطن وهكذا، فالفرع يحاكي أصله ويساويه في خواصه، وأدق صفاته احياناً، ويقول(مندل) في هذا الخصوص: (إن كثيراً من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة او تغير من أحد الاصلين أو منهما إلى الفرع)[4].

وتاسيساً على ذلك فأن الأبناء يرثون الوالدين في خصائصهم وصفاتهم الجسمية والعقلية والنفسية، وكذلك يرثون أجدادهم في بعضها، وفي هذا الصدد يقول فاخر عاقل: (أن وراثة المولود لا يحددها ابواه المباشران فقط بل هو يرث من جدوده وأباء جدوده وجدود جدوده وهكذا)[5] وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين أبيه إلى آدم، ثم خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولن أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي)[6].

ولقد أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله) دور الوراثة في نقل الصفات الجسمية والخلقية وذلك من خلال تأكيده حسن الاختيار في الزواج فقال: (تخيروا لنطفكم فأن العرق دساس)[7].

ومصطلح العرق يقابله في الاصطلاح المعاصر مصطلح الجينات (Genes)، وتحذير الرسول (صلى الله عليه وآله) من العرق الدساس ناتج من أن الصفات النفسية والروحية والخلقية تنتقل بالوراثة، أو يكون العامل الوراثي خالقاً للاستعداد في نفس الوليد للاتصاف بصفة من الصفات التي يحملها الوالدان أو الأجداد ويقول بيرون: (أن أبني وهو منسوب ألي، ولكني أرى أجداده الماضين ينازعوني هذا الملك العزيز لدي، فأنهم يشوهون طهارة نفسه، ويكدرون صفاء روحه بما رسب في أعماقهم من نزعات شريرة مجهولة انتقلت أليه بالوراثة)[8].

وأشار القرآن الكريم إلى دور الوراثة وما تنقله من أدق الصفات وذلك على لسان نوح عليه السلام إذ قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً*إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِراً كَفَّاراً)[9].

وبذلك تدلل الآية الكريمة بوضوح على انتقال الكفر والإلحاد بالوراثة من الأباء إلى الأبناء، وفي ضوء ما سبق فأن الحسين عليه السلام قد ورث من جده الرسول (صلى الله عليه وآله) صفاته الخلقية والنفسية، ومكوناته الروحية التي امتاز بها على سائر الأنبياء.

وقد حددت كثير من الروايات مدى ما ورثه الإمام الحسين وأخوه الحسن عليه السلام من الصفات الجسمية من جدهما محمد (صلى الله عليه وآله) فقد روي عن عقبة بن الحارث، انه قال: صلى أبو بكر ثم خرج يمشي فرأى الحسن عليه السلام يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعلي، وعلي عليه السلام يضحك[10]. 

وقد جاء عن علي عليه السلام أنه قال: (من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بين عنقه وشعره فلينظر إلى الحسن، ومن سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين)[11].

وكما ورث هذه الصفة من جده فقد ورث منه مثله وسائر نزعاته وصفاته فعن إبراهيم بن علي الرافعي عن جدته زينب بنت أبي رافع قالت: رأيت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتت بأبنيها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شكواه الذي توفي فيه فقالت: يا رسول الله هذان أبناك فورثهما فقال: أما حسن فأن له هيبتي وسؤددي وأما حسين فأن له جرأتي وجودي[12].

ثانياً: الأسرة


الأسرة هي المحيط التربوي الأساسي المسؤول عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الاجتماعية وتشترك كل من الوراثة والمحيط في بناء الإنسان تربوياً إذ لا يمكن فصل بعضهما عن بعض، لأنهما متكاملان متكاتفان، إذ تخلق الوراثة القابلية والاستعداد للاتصاف بهذه الصفة أو تلك أن وجدت المحيط التربوي المناسب، وتشترك الوراثة مع المحيط في خلق الشخصية بما في ذلك الجوانب العقائدية والقيم.

 وتعد الأسرة نقطة البدء التي يتم من خلالها إنشاء وتنشأة العنصر الإنساني، وتؤثر في كل مراحل حياته سلباً أو ايجاباً، إذ تساهم في تشكيل شخصية الطفل مساهمة فعالة وذلك من خلال إكسابه العادات والقيم التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الأولى في تكوين النمو الفردي والسلوك الاجتماعي، وهي أكثر فعالية في أيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الأخرى، فمنها يتعلم الطفل اللغة، ويكتسب القيم والتقاليد والعادات الاجتماعية.

 ولقد قامت الكثير من البحوث التربوية التي تؤكد مدى أهمية الأسرة في تكوين الطفل وتقويم سلوكه. ولقد حظي الإمام الحسين عليه السلام بأسرة ما لها نظير، أليها تنتهي كل مكرمة وفضيلة في الإسلام، فما أظلت السماء أسرة أسمى ولا أزكى من أسرة آل الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقد نشأ الإمام الحسين عليه السلام في ظل هذه الآسرة وتغذى بطباعها واخلاقها، فكانت النشأة الأولى في أحضان الرسول (صلى الله عليه وآله) فقام بدوره بتربية ريحانته فأفاض عليه بمكرماته ومثله وغذاه بقيمه ومكوناته ليكون صورة عنه فعن هاني بن هاني عن علي عليه السلام انه قال: (لما ولد الحسين سميته حرباً فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أروني أبني ما سميتموه؟ قلنا: حرباً قال: بل هو حسين)[13].

وهذا الحديث يؤكد مدى اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله) بالحسين من لحظة ولادته، فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته فيشمه عرقه وطيبه، ويرسم له محاسن أفعاله، ومكارم أخلاقه، وقد علمه وهو في غضون الصبا سورة التوحيد[14].

ولقد سقى الرسول(صلى الله عليه وآله) الحسين من لسانه عندما أشتد به العطش وقد روي عن أبى هريرة أنه قال: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله) يمص لعاب الحسن والحسين كما يمص الرجل التمرة[15]. وبهذا دليل على إن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) كان يغذي الحسين بريقه.

وبعد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) استمرت التربية الحسينية على النهج الرباني وذلك على يد الإمام علي عليه السلام الذي يعد المربي الأول بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو واضع أصول التربية، ومناهج السلوك، وقواعد الآداب، فقد غذى الإمام الحسين عليه السلام بالحكمة والعفة والنزاهة، ورسم له مكارم الأخلاق والآداب، وغرس في نفسه معنوياته المتدفقة فجعله يتطلع الى الفضائل من حق وخير وذلك من خلال كم هائل من الوصايا الحافلة بالقيم الكريمة والمثل الإنسانية التي رسم من خلالها الأسس التربوية التي تبعث على التوازن والاستقامة في السلوك والتي منها هذه الوصية-على سبيل المثال لا الحصر- إذ قال عليه السلام وهو يوصي ولده عليه السلام: (يا بني أوصيك بتقوى الله عز وجل في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله تعالى في الشدة والرخاء. . . . ).

وهي وصية طويلة جداً حفلت بآداب السلوك وتهذيب الأخلاق، والدعوة إلى تقوى الله التي هي القاعدة الأولى في وقاية النفس من الانحراف والآثام وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالهدى والرشاد[16].

 ومثلما يعلم الجميع ان الأسرة بمفهومها العام لا تعني الوالد فقط وإنما تضم الوالدة أيضا، لذا فقد عنت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء تلميذة القرآن والمدرسة المحمدية بتربية وليدها الحسين، فغمرته بالعطف والحنان لتكون له بذلك شخصيته الاستقلالية، والشعور بذاتياته، لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها، وفي جو تلك الأسرة الكريمة التي ما عرف التأريخ الإنساني لها نظيراً في أيمانها وهديها نشأ الإمام الحسين عليه السلام ، وقد صار عليه السلام بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الإنساني ومن أبرز أئمة المسلمين.

ـــــــــــــــــ
[1]. وصفي، عاطف: الثقافة الشخصية، بيروت، دار النهضة العربية، 1981، ص103
[2]. عاقل، فاخر: علم النفس التربوي، ط3، بيروت، دار العلم للملايين، 1976، ص31.
[3]. الأصفى، الشيخ محمد مهدي: وارث الانبياء؛ دراسات وبحوث مؤتمر الإمام الحسين، طهران، المجمع العلمي لاهل البيت، 1424هـ، 260: 1.
[4]. القريشي، باقر شريف: حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، ط1، بيروت، دار البلاغة، 1993، 33: 1.
[5]. عاقل، فاخر: علم النفس التربوي، المصدر سابق، ص36.
[6]. الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي: علل الشرايع، النجف، المكتبة الحيدرية، 1385هـ، ص103.
[7]. الكاشاني، محمد بن المرتضى الفيض: المحجة البيضاء، ط2، قم، جامعة المدرسين، د. ت، 93: 3.
[8]. القريشي، باقر شريف: النظام التربوي في الإسلام، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1408هـ، ص57.
[9] سورة نوح، الآيتان: 26، 27.
[10]. ابن حجر، شهاب الدين ابي الفضل العسقلاني: فتح الباري في شرح البخاري، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1378هـ، كتاب بدء الخلق في باب صفة النبي(صلى الله عليه وآله).
[11]. القريشي، باقر شريف: حياة الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، المصدر السابق، 45: 1.
[12]. ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد: أسد الغابة في معرفة الصحابة، كتاب النساء، مصر، مطبعة الوهبية، 1285هـ. 467: 5.
[13]. الفيروزآبادي، مرتضى الحسيني: فضائل الخمسة من الصحاح الستة،، ط1، قم، المجمع العلمي لآهل البيت، 1422هـ. ، 203: 3.
[14]. القريشي، باقر شريف: حياة الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، المصدر السابق، 70: 1.
[15]. الفيروزآبادي، مرتضى الحسيني: فضائل الخمسة من الصحاح الستة، المصدر السابق، 217: 3.
[16]. القريشي، باقر: حياة الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، المصدر السابق، 75: 1. 

إرسال تعليق