قال لي صاحبي: هل صحيح ان علي بن أبي طالب أفضل من الأنبياء والرسل؟ فأجبته...

بقلم: أسامة إبراهيم
ذهبت وصاحبي إلى زيارة أرض النجف المشرفة، فلما دخلنا المرقد الطاهر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، خاطبت الإمام بعبارة: السلام عليك يا سيد الأنبياء والأوصياء، فأحسست بصاحبي قد توقف عن الكلام وهو متفاجئ بما سمع، وأراد أن يسأل عن صحة ما سمع ولكن الزحام قد منعه.
فلما أتممنا مراسيم الزيارة وخرجنا من المشهد المقدس رأيته مستعجلا يريد أن يجلس في مكان منعزل عن الناس، فوجدنا المكان المناسب وجلسنا.

  فقال صاحبي:   ما هذا الكلام الذي سمعته منك؟ ومن أين لك هذا؟
  فقلت لصاحبي:   وماذا قلت ليجعلك تغضب إلى هذا الحد؟.

  فقال صاحبي:   قلتَ وأنت تخاطب الإمام أمير المؤمنين: السلام عليك يا سيد الأوصياء والأنبياء. وهل الإمام علي عليه السلام أفضل من الأنبياء عليهم السلام، وهل هذا السلام ورد في الزيارات والأدعية؟.
  فقلت لصاحبي:   سؤالك هذا يحتوي على فرعين، الفرع الأول هو:أسلامي هذا مأخوذ من نصوص الزيارات والأدعية أم لا؟ وأنا أقول لك: لا، فهذا لم آخذه من الزيارات بل هو من إنشائي وخرج من قلبي وجرى على لساني؛ لأني اعتقد ذلك، وليس كل ما يخاطب به الإمام لابد أن يكون مأخوذا من نصوص الزيارات والأدعية، لان باب المخاطبة مع الإمام عليه السلام مفتوح وبإمكانك أن تقول له أي شيء وتبوح له بأي سر، بشرط أن لا يكون ذلك الخطاب محرما او فيه مخالفة عقائدية.
والفرع الثاني هو: هل ان الإمام أمير المؤمنين أفضل من الأنبياء والأوصياء؟ فأقول لك: نعم هو أفضل من جميع الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

  فقال صاحبي:   وآثار الذهول والحيرة مرتسمة على وجهه: وكيف يكون ذلك وهو ليس بنبي؟ وما هو دليلك على ذلك؟.
  فقلت لصاحبي:   هدّئ من روعك يا أخي وتعامل مع الأمر بهدوء وتعقل، واستمع إلى الدليل قبل أن تتعجب أو تنكر.

  فقال صاحبي:   حسنا سأهدأ ولكن أرجو منك الاستعجال وان تخبرني بالدليل بسرعة.
  فقلت لصاحبي:   هذه الأمور العقائدية المهمة وان كانت لا ينبغي فيها الاستعجال في الاستدلال ولكني مع ذلك سأختصر الأدلة وابسطها لك ليرتاح قلبك وتطمئن نفسك.

  فقال صاحبي:   تفضل وهات ما عندك.
  فقلت لصاحبي:   توجد أدلة كثيرة على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، ويمكن لنا أن نقسمها إلى قسمين:
القسم الأول: هي تلك الأدلة التي تتوافق وما يعتقده الشيعة الاثنا عشرية من الأحاديث والمباني العقلية والرجالية.
والقسم الثاني من الأدلة: هي ما يتوافق وينسجم مع متبنيات أهل السنة والشيعة وقواعدهم. فبأي قسم من الأقسام تريدنا أن نبدأ؟

  فقال صاحبي:   بما ينسجم مع أقوال الشيعة الإمامية وقواعدهم ومتبنياتهم طبعا.
  فقلت لصاحبي:   حسنا، ولنبدأ من قوله تعالى في (سورة آل عمران الآية رقم 110): {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ...}، وهذه الآية كما هو واضح لا تريد تفضيل كل أفراد الأمة الإسلامية بما يشمل فُساقها ورعاعها على جميع أفراد الأمم الأخرى، بل التفضيل كما لا يخفى هو للأفراد المتصفين بصفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله سبحانه، فهؤلاء هم المفضلون على من يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من باقي الأمم الأخرى.
ولا يخفى أيضا بان هذا التفضيل يكون كل بحسبه، بمعنى ان مؤمن هذه الأمة المتصف بتلك الشروط أفضل وأكمل من مؤمن تلك الأمم المتصف بنفس هذه الشروط، ووصي هذه الأمة أفضل من جميع أوصياء الأمم السالفة، ونبي هذه الأمة أكمل وأفضل من سائر أنبياء الأمم الغابرة، فيثبت بهذا التوضيح ان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أفضل من سائر الأوصياء؛ لأنه من هذه الأمة الموصوفة بالفضل على سائر الأمم الأخرى.

  فقال صاحبي:   فهمت من هذه الآية أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من جميع الأوصياء عليهم السلام، ولكن كيف لنا أن نستدل منها بأنه عليه السلام أفضل من الأنبياء عليهم السلام؟.
  فقلت لصاحبي:   يصبح هذا واضحا فيما لو عرفنا أن كثيرا من أوصياء الأنبياء كانوا يحملون مرتبة النبوة، فهو وصي وفي نفس الوقت هو نبي أيضا، فإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام سيدهم بوصفهم أوصياء فلابد أن يكون سيدهم أيضا وهم أنبياء لان الشخص نفس الشخص.

  فقال صاحبي:   هل توجد أدلة أخرى غير هذه الآية المباركة؟.
  فقلت لصاحبي:   ومن الأدلة التي تتوافق مع متبنياتنا كشيعة إمامية الحديث المشهور الذي أخرجه الشيخ المفيد في كتاب (تفضيل أمير المؤمنين للشيخ المفيد ص34): (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر)، وإطلاق لفظ البشر في هذه الأحاديث يشمل الأوصياء وغيرهم من أفراد تلك الأمم، بل يشمل حتى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لان جميعهم بشر، وإذا كانوا بشرا كان علي أفضل منهم وأكمل بنص الحديث النبوي فيكون سيدهم.
وكذلك هو أفضل أفراد الأمة الإسلامية من بداية الدعوة النبوية إلى آخر يوم من أيام الدنيا، لان جميعهم بشر فيكون علي أفضلهم وخير منهم وأكمل.

  فقال صاحبي:   هل كلامك هذا يعني ان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من النبي الأعظم صلى الله عليه واله؟ لان النبي الأعظم بشر أيضا فهل يشمله الحديث؟ أم أن في الأمر سرا لم افهمه؟.
  فقلت لصاحبي:   أعوذ بالله من هذا القول، فنحن لا نقول ولا نعتقد بأفضلية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وكيف نعتقد بذلك وقد اشتهر عندنا قول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: (إنما أنا عبد لمحمد)، وكيف يكون أفضل ونحن نعتقد بان عليا فرع من فروع نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله ولولاه لم يكن شيئا مذكورا، وعليه فيكون شخص النبي الأعظم مستثنى من هذا الحديث الشريف، فهو صلى الله عليه وآله وان كان داخلا تحت لفظ البشر إلا أن الدليل القطعي قام على أفضليته صلى الله عليه وآله على سائر أبناء آدم ومنهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

  فقال صاحبي:   اعتقد بأَن حديث (علي خير البشر) مروي أيضا عند أهل السنة، فلماذا جعلته من مختصات الشيعة الإمامية؟.
  فقلت لصاحبي:   نعم هذا الحديث مروي في كتب علماء أهل السنة ولكنهم ــ وللأسف ــ ضعفوا جميع طرق الحديث ورموها بكل عظيمة لذلك لم اجعله دليلا مشتركا كي لا يشكل علينا بان هذا الحديث ضعيف وليس بحجة.

  فقال صاحبي:   وهل توجد أدلة أخرى لإثبات هذا الأمر؟ وأرجو أن تذكر لي أدلة على قواعد أهل السنة مبانيهم.
  فقلت لصاحبي:   أوضح دليل لإثبات ذلك على وفق مباني أهل السنة هو قوله تعالى في (سورة آل عمران الآية رقم 61) : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَة اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.
فقد أجمع المفسرون على أن المقصود من قوله تعالى في الآية { وَأَنفُسَنَا} هو نفس النبي صلى الله عليه وآله ونفس الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد عدّهما القرآن الكريم نفسا واحدة، فتثبت تبعا لذلك المساواة ما بين النفسين في الكمال والصفاء وكل شأن رفيع باستثناء النبوة، والثابت القطعي ان النبي صلى الله عليه وآله أفضل من جميع الأنبياء والأوصياء فيكون علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل أيضا، لان المساوي للأفضل أفضل أيضا.

  فقال صاحبي:   أحسنت الاستدلال، وهل يوجد دليل آخر غير الآية؟.
  فقلت لصاحبي:   نعم يوجد، فحديث الطائر المشوي الذي دعا فيه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بقوله: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام) فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فأكل منه فثبت انطباق كونه أحب الخلق إلى الله عليه.
فعلي بن أبي طالب عليه السلام وبحسب هذا الحديث الذي صححه جميع علمائنا، وجملة كبيرة من علماء أهل السنة، هو أحب الخلق إلى الله من بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، فيكون أفضل من جميع الأنبياء والأوصياء وأممهم لان هؤلاء كلهم يجمعهم لفظ الخلق، وهو عليه السلام أفضل من جميع امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة لان الجميع يدخل تحت عنوان الخلق، وكذلك هو صلوات الله وسلامه عليه أفضل من جميع الملائكة حتى المقربين منهم لأنهم؛ جميعا مشمولون بلفظ الخلق.

  فقال صاحبي:   زدني من الأدلة إن كان عندك منها شيء؟.
  فقلت لصاحبي:   هنالك مجموعة من الأحاديث الشريفة التي وصفت كل نبي من أنبياء أولي العزم أو غيرهم بأوصاف امتاز بها عن غيره، وجعلت من أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه جامعا لكل تلك الفضائل، فيكون أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وفقا لهذه الأحاديث أفضل من جميعهم، لبداهة ان الجامع لكل صفات الكمال أفضل من الحائز على بعضها، ومن هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، والى نوح في فهمه، والى إبراهيم في خلقه، والى موسى في مناجاته، والى عيسى في سنته، والى محمد في تمامه وكماله فلينظر إلى هذا الرجل المقبل، فتطاول الناس فإذا هم بعلي بن أبي طالب كأنما ينقلع من صبب وينحط من جبل) وقد استقصى العالم النحرير العلامة الشيخ الأميني في كتابه الغدير (ج3 ص355 تحت عنوان حديث الأشباه في أمير المؤمنين عليه السلام ) جملة من طرق هذا الحديث بألفاظه المختلفة فان أردت فبإمكانك الرجوع إليها.

  فقال صاحبي:   وهل توجد أدلة أخرى؟
  فقلت لصاحبي:   قد تعبت وطال بنا المقام وعلينا الرجوع إلى بيتنا قبل أن يدركنا الليل ولكني لن أخيب ظنك، وسأتلو عليك دليلا أخيرا، وإذا أردت المزيد فعليك أن تذكرني حينما نرجع إلى بيتنا ونرتاح.

  فقال صاحبي:   اتفقنا، والآن هات ما عندك يا أخي.
  فقلت لصاحبي:   هنالك حديث اتفقت على صحته جميع طوائف المسلمين ومذاهبهم، وهو قوله صلى الله عليه وآله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما)، وفي هذا الحديث دليل على أفضلية الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام على سائر أهل الجنة وسكانها، لان أهل الجنة وسكانها شباب بأجمعهم ومنهم الأنبياء والمرسلون والأوصياء والشهداء وغيرهم، وليس فيهم كهول ولا عجائز.
وإذا كانوا شبابا بأجمعهم كان الحسن والحسين سادة لهم، لان السيد هنا بمعنى الأفضل، والآن نأتي إلى عبارة وأبوهما خير منهما، ففيها دليل على أفضلية الإمام أمير المؤمنين على ولديه، وإذا كان أفضل منهما فيكون أفضل من سائر أهل الجنة أيضا، لان الأفضل من الأفضل أفضل من الجميع قطعا.
طبعا لا أنسى أن أذكرك مرة أخرى بان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله خارج عن هذه القاعدة، لقيام الدليل القطعي على أفضليته صلى الله عليه واله على جميع الخلق بمن فيهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابناه الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

  فقال صاحبي:   جزيت خيرا والآن فهمت وثبت لدي أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل من جميع الأنبياء والأوصياء، بل وهذا الحديث الأخير يثبت بأن الحسن والحسين أفضل منهم أيضا.
  فقلت لصاحبي:   هذا صحيح، وأزيدك علما أن هذه الأفضلية لا تختص بمن ذكرت بل تمتد لتشمل سائر الأئمة التسعة من أولاد الإمام الحسين بل وحتى السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ولعل العمر يمتد بنا أكثر وأزيدك من تلك الأدلة التي تثبت ذلك صريحا.

  فقال صاحبي:   والآن حان موعد الاعتذار من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
  فقلت لصاحبي:   وكيف ذلك؟.

  فقال صاحبي:   هكذا، والتفت إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وخاطبه بقوله: السلام عليك يا سيد الأنبياء والأوصياء والمرسلين، ثم التفت إلي وابتسم وقال لي: الآن هيا لنذهب إلى الدار فإني مشتاق لرؤية طفلي الصغير.

قال لي صاحبي: ما علاقة عائشة بنت أبي بكر بالثريد؟ فأجبته...

بقلم: أسامة إبراهيم


  قال لي صاحبي  
وهو يأكل من طبق الثريد الذي كان بين يديه: لو كنت صنعت لنا طعاماً آخر غير الثريد لأني لا أحبه.
  فقلت له:  
كل يا أخي واشكر الله على هذه النعمة فإن أناساً كثيرين لا يجدون لقمة مما هو موضوع بين يديك.

  فقال صاحبي:  
الحمد لله ولكني أقول لو صنعت لنا طعاماً آخر لكان أطيب.
  فقلت له:  
أراك مصرا على الاعتراض على الثريد، ألا تخاف أن تغضب عليك عائشة بنت أبي بكر زوجة النبي الأعظم صلى الله عليه واله؟.

  فقال صاحبي:  
وما علاقة عائشة بنت أبي بكر بالثريد، وما دخلها في كوني أحب الثريد أم يحبني الثريد؟.
  فقلت لصاحبي:  
وكيف لا يكون لها ارتباط ألا تعلم إن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الأطعمة؟

  فضحك صاحبي  
من كل قلبه حتى كاد أن يغص، وهو يريد أن يسأل بصوت متقطع بالضحك، ولماذا الثريد، ومن هذا الذي يقول عنها ذلك؟.
  فقلت له:  
إننا نحن الشيعة لا نقول بذلك ولله الحمد، لكن إخواننا من أهل السنة يصححون حديثاً يروونه عن النبي الأعظم صلى الله عليه واله انه قال كما في مسند أحمد مثلا (ج3 ص156): (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).

  فسكت صاحبي  
عن ضحكه بعد أن علم أن الموضوع ليس مزحة كما قد توقع، وإن الأمر فيه حديث نبوي وإن أهل السنة قد صححوا هذا الحديث، وتوقف لحظة عن الكلام ثم التفت إلي مرة أخرى فقال: هل تصدق أن النبي الأعظم صلى الله عليه واله قال هذا فعلا؟ ثم لماذا الثريد دون غيره من الأطعمة اللذيذة؟.
  فقلت لصاحبي:  
نحن نعتقد بأن هذا الحديث وإن صحت بعض أسانيده عند أهل السنة إلا أن صدوره عن النبي الأعظم صلى الله عليه واله بعيد للغاية، لأننا نعتقد بان هذا الحديث شأنه شأن الكثير من الأحاديث قد وضع مقابل بعض الفضائل المجمع عليها والتي قالها النبي الأعظم صلى الله عليه واله في حق أهل البيت عليهم السلام.

  فقال صاحبي:  
لحظة من فضلك، عندي سؤالان قبل أن تسترسل في الكلام، الأول هو كيف يكون الحديث صحيحاً سندا لكنه غير صحيح متناً؟ والسؤال الثاني ما هو قصدك في ان حديث الثريد وضع في مقابل بعض أحاديث الفضائل التي قيلت في حق أهل البيت فهل تذكر لي أمام أي حديث بالذات قد وضع حديث الثريد؟.
  فقلت لصاحبي:  
أما السؤال الأول فان كلمة محدثي الشيعة والسنة قد اجتمعت على أن صحة السند لا تكون دليلاً لوحدها على صحة المتن، فكم من حديث صحيح السند عند محدثي أهل السنة قد أعرضوا عنه لنكارة متنه أو مخالفته لأحاديث أخرى أو وقائع تاريخية أخرى ثابتة، وفي هذا الصدد يقول ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح ج1 ص404): (صحة الحديث وحسنه ليس تابعاً لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة).
أما سؤالك الثاني: ثبت من البحث الطويل والمقابلة والتمحيص والتدقيق في روايات وكتب إخواننا أهل السنة أن هنالك أيادياً خبيثة قد تلاعبت في أحاديث الفضائل التي صدرت عن النبي الأعظم صلى الله عليه واله في حق أهل البيت وباقي الصحابة، وثبت أيضا أن كثيراً من أحاديث الفضائل التي قيلت في حق أهل البيت عليهم السلام قد سلبت منهم وسرقت وأعطيت لأناس آخرين وهذا موضوع طويل يحتاج إلى وقت طويل.

  فقال صاحبي:  
لنترك تفاصيل التلاعب والسرقة لفضائل أهل البيت عليهم السلام إلى وقت آخر، ولكن أخبرني فقط في قبال أي حديث من أحاديث الفضائل وضع حديث الثريد؟.
  فقلت لصاحبي:  
حديث الثريد وان فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وضع في مقابل تلك الأحاديث الكثيرة التي قالها النبي الأعظم صلى الله عليه واله في حق السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام والتي نصت على كونها فضلت على سائر نساء العالمين من الأولين والآخرين، أو انها سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء أهل الجنة، وغير ذلك من الألفاظ التي صحت سندا ومتنا عند أهل السنة قبل الشيعة.

  فقال صاحبي:  
سبحان الله فالقضية إذن أكبر من مجرد أكلة ثريد، ولكن لماذا لا يمكن لنا أن نصدق أن النبي الأعظم صلى الله عليه واله قد قال ذلك لعائشة؟ ألا يوجد احتمال ولو ضعيف يرجح أن النبي الأعظم قد جعل فضل عائشة كفضل الثريد؟
  فقلت لصاحبي:  
إن تفنيد هذا الحديث يحتاج إلى مقدمتين، المقدمة الأولى: هي إن عائشة كما هو معروف عنها كانت شديدة الغيرة من سائر نساء النبي الأعظم ومن إبنته وحتى من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وتوجد شواهد كثيرة على هذه الحقيقة لا مجال هنا لاستقصائها.
والمقدمة الثانية إن النبي صلى الله عليه واله كان كثير المزاح مع زوجاته وأصحابه وغيرهم، وهو أمر يستغني عن البرهان لشهرته، ولكني أقدم لك قول ابن هشام في (السيرة الحلبية ج 3 ص440) لتتأكد من ذلك: (كان صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم يمازح أصحابه قال وقد جاء إني لأمزح ولا أقول إلا حقا لكن جاء عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم مزاحا وكان يقول إن الله تعالى لا يؤاخذ المزاح الصادق في مزاحه وجاء عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما رأيت أحدا أكثر مزاحا من رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت في النبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم دعابة وعن بعض السلف كان للنبي صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم مهابة فكان يبسط الناس بالدعابة...).
والنبي الأعظم صلى الله عليه واله كان يعلم بشديد غيرتها التي كانت تشتد وتتعاظم كلما سمعت النبي الأعظم صلى الله عليه واله يصف السيدة خديجة ضرتها وإبنتها السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهما بأنهما سيدتا نساء العالمين تارة، وسيدتا نساء أهل الجنة تارة ثانية، وإنَّهما فضّلتا على سائر نساء العالمين من الأولين والآخرين حتى على مريم العذراء وآسية بنت مزاحم صلوات الله وسلامه عليهما.
فكان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يرى شدة الغيرة فيها والحرص على أن يكون لها ألقاباً نظير ما لسيدتي نساء العالمين من ألقاب، ومن شدة رحمة النبي صلى الله عليه واله وعطفه ورقة قلبه، قال لها حديث الثريد ليطيب قلبها من جهة، وليخفف غيرتها من جهة ثانية، وليوضح للأمة أن هذا الحديث بهذا اللفظ هو من قبيل دعاباته صلى الله عليه واله.
وإلا لو كان لعائشة فضل حقيقي تتفاضل به على سائر النساء لعبر النبي صلى الله عليه واله بغير هذا التعبير، ولقال فضلت بالتقوى أو بالعلم أو الطاعة أو الخلق أو غير ذلك من جهات الفضل التي يتفاضل بها أبناء آدم بعضهم على بعض، ولما عجز النبي الأعظم صلى الله عليه واله عن الإتيان بلفظ يشعر السامع بأن قصده جدي وليس بدعابة كما الحال بالنسبة لحديث الثريد، وكيف يعجز عن ذلك وهو سيد البلغاء وأفصح العرب لسانا وبيانا، فلما لم يفعل النبي صلى الله عليه واله ذلك، وجاء بلفظ يعلم كل من سمعه بأنه مزحة ودعابة من دعاباته صلى الله عليه واله ، علمنا انه لم يكن يقصد المعنى الحقيقي للتفضيل، وأن تفضيله لعائشة وتشبيهها بالثريد دون الجوهر أو الذهب أو الكبريت الأحمر وغير ذلك هو تفضيل صوري يقصد منه الدعابة وجبر الخاطر وتخفيف الغيرة.

  فقال صاحبي:  
فعلاً ما تقول لأن حديث الثريد لو تأمل فيه المتأمل لوجده للهزل هو أقرب منه إلى الجد، ولكن القوم استغلوا هذا المزاح ليقلبوه إلى حقيقة، والله يعلم كيف حاول أنصار عائشة الاستفادة منه لصالح عقيدتهم ومذهبهم.
  فقلت لصاحبي:  
صدقت يا أخي فالقوم حاولوا وبكل ما أوتوا من قوة الاستفادة من حديث الثريد ليصنعوا لعائشة صورة خيالية مبهرة، وليحولوا حديث الثريد من حديث هزلي إلى أعظم فضيلة من فضائلها، كما فعل المباركفوري في (تحفة الأحوذي ج10 ص260 ــ 261): (قوله «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»...فضرب به مثلا ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق والخلق وحلاوة النطق فصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها وحسبك أنها عقلت عن النبي ما لم تعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال).
وكما فعل ابن عبد الهادي في (حاشية السندي على النسائي ج 7 ص 68: (قوله كفضل الثريد هو أفضل طعام العرب لأنه مع اللحم جامع بين اللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ فيفيد أنها جامعة لحسن الخلق وحلاوة المنطق ونحو ذلك).

  فقال صاحبي:  
هذا الكلام والله مخجل جداً لا يصدر عن جاهل حتى وهو تحميل واستنتاجات من صنع الخيال، وليس في الحديث شيء يشير إلى ما استنتجوه لا من قريب ولا من بعيد، ولو رجع الإنسان وقاس بمنطق الإنصاف لا بمنطق التعصب والتحيز لوجد أن لكل نوع من أنواع الطعام فوائد ومنافع إن لم تكن أكثر من الثريد فهي مساوية له قطعاً، ولكن هل أقر جميع أهل السنة وعلمائهم بهذه التأويلات الباطلة؟
  فقلت لصاحبي:  
الحمد لله الذي جعل من محدثي أهل السنة من يقر بخطأ هذا التأويلات الباطلة كما أقررنا نحن، فابن حجر رد في (فتح الباري ج 6 ص 321) على هؤلاء المتفلسفين بقوله: (وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى).
ثم إن ثبوت الفضل للثريد على سائر الطعام لو ثبت فعلاً، لكان في ذلك الزمن فقط دون الأزمنة اللاحقة والحالية، فالثريد في هذا الزمن ليس هو الأفضل قطعاً ولا من أفضلها، فقد وجدت في هذا الزمن أصناف وأنواع للطعام تفوق الثريد جودة ولذة وذوقاً، والى هذا المعنى يشير العيني في (عمدة القاري ج 16 ص 251) بقوله: (والظاهر أن فضل الثريد على سائر الطعام إنما كان في زمنهم لأنهم قلما كانوا يجدون الطبيخ، ولا سيما إذا كان باللحم، وأما في هذا الزمان فأطعمة معمولة من أشياء كثيرة متنوعة فيها من أنواع اللحوم ومعها أنواع من الخبز الحواري، فلا يقال: إن مجرد اللحم مع الخبز المكسور أفضل من هذه الأطعمة المختلفة الأجناس والأنواع، وهذا ظاهر لا يخفى).
والمفروض إن حديث الثريد لو كان حقيقيا لانطبق صدقه على كل زمان، حتى زماننا، وهذا لم يحصل فيتبين لنا أن حديث الثريد المزعوم إما هو مكذوب على الرسول الأعظم صلى الله عليه واله ، وإما قد صدر عنه من باب المزاح،ٍٍ فصيره القوم حقيقة بعد أن عجزوا عن إيجاد ما يساوي أو يشابه أحاديث السيادة والسؤدد لسيدتي نساء العالمين وسيدتي نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهما.

  فقال صاحبي:  
صدقت وجزيت خيرا على هذا التوضيح، والآن أنا مصر على ترك أكل الثريد وأنا ادعوك إلى ذلك المطعم القريب من بيتنا الآن لنأكل بعض المشويات وليغضب مني من يغضب.