مكانة النهضة الحسينية في تاريخ القومية العربية

بقلم: توفيق الفكيكي

كان العرب قبل فجر النهضة المحمدية المباركة وبزوغ شمس الاسلام في سماء اباطح الحجاز وديار العروبة يتجشمون الرحلتين رحلة الشتاء والصيف لا تربطهم رابطة قومية بمعناها الصحيح ولا تجمعهم عقيدة دينية في سلك واحد او تؤلفهم وحدة ثقافية يستطيلون بها على غيرهم وانما كانوا قبائل متفرقة و بيوتات متشتتة تملكهم الاكاسرة وتستخدمهم القياصرة يحتازونهم عن ريف الافاق ونعيم الدنيا الى منابت متناحرة الشيح ومهافي الريح اخوان دبر ووبر وكانت حالتهم الاجتماعية كما وصفهم سيد البلغاء ابو تراب (عليه السلام):

((كانوا اذل الامم داراً واجدبهم فواراً لا يأوون الى جناح دعوة يعتصمون بها ولا الى ظل الفة يعتمدون عليها عزها فالاحوال مضطربة والايدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء ازل واطباق جهل من بنات موؤدة واحشام معبودة وارحام مقطوعة وغارات مشنونة)).

وان كل امة من الامم مهما كانت كذلك من اضطراب في النظام وتفكك في عرى الاتحاد ووحدتها الروحية معدومة في نفوس افرادها وجماعاتها فلا قومية مثالية لها في الحقيقة ولابد لها من مثل اعلى تتجة بشعورها العام نحوه لتقديسه وتعمل على مثاليته حتى تكون خير امة اخرجت للناس عزيزة الجانب ومرهوبة السلطان بقوة العدل والاحسان. اما العصبيات القبلية الجاهلية والعقائد المختلفة التي كان العرب يعتزون بها ويفخرون بمجدها ويشمخرون بقوتها فكانت في نظر العلم سر تأخرهم عن قافلة الامم وافتك ادوائهم ومصدر بلائهم وعلة انحلال وحدتهم القومية رغم ما كانوا يتحلون به من الصفات والمزايا الخلقية الحميدة والخصال الحسنة ومع ما كان لديهم من التقاليد والعادات المحمودة وان قل فيها عنصر الخير فقد اقرها الاسلام واشار اليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لمعاذ بن جبل بقوله: ((أمتْ امر الجاهلية الاما حسن)) ثم انظر الى حالهم حين بعث الله اليهم رسولاً من انفسهم وصار (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلهم الاعلى في حياتهم فكيف تبدل حالهم وتوحدت امتهم في وحدة متماسكة العرى في شعورها وعقيدتها ولغتها وادبها وبذلك تركزت القومية العربية الاسلامية على دعامة العقيدة والايمان الصحيح والخلق المحمدي العظيم واصبحت الامة العربية بفضل تلك القوة الروحية الفعالة في ظل سلطان قاهر وقادتهم الى كنف عز غالب وتعطف الامور عليهم في ذرى ملك ثابت فهم حكام على العالمين وملوك في اطراف الارضين يملكون الامور على من كان يملكها عليهم ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم لا تغمز لهم قناة ولا تقرع لهم صفاة ولم يتم للامة العربية ذلك الا بعد ان نهض رسول الانسانية النبي العربي بتوحيد قبائلها وقضى على عصبيتها الجاهلية الذميمة واخضعها لفكرة الجنس فتكونت امة عربية لها وحدتها  العنصرية والدينية واللغوية والشرعية تحت راية زعيم واحد هو الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد ان تحققت هذه الوحدة العربية تكونت الدولة العربية داخل الجزيرة ثم امتدت الى خارجها فكانت الدولة الاسلامية التي دعامتها الاسلام ذلك الدين القيم الذي اتخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من شريعته وتعاليمها وسائل الاصلاح البشري العام. وقد كانت الوحدة العربية هي الاساس المتين للدولة الاسلامية بعد ان هدم الاسلام النعرة القبلية ونهى عنها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وابطل دعوة الجاهلية وعصبيتها الرعناء واقام مقامها دينه الجديد الانساني وجعل دعامته الوحدة العربية وبدون هذه الوحدة فلا وحدة اسلامية في الحقيقة لان صيغة الاسلام الاولى عربية خالصة ثم البشرية في افقها الواسع ولا تعارض في اهدافها وخططهما الاصلاحية كما يظن بعض انصار القومية المغفلين.

وهذا واضح من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اني نذير لكم خاصة وللناس عامة)) وعلى هذا الاساس قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ))اذا ذل العرب ذل الاسلام))وقد شدد (صلى الله عليه وآله وسلم) في حب العرب وحذر من بغضهم لان في بغضهم النفاق والكفر فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((احب العرب وبقاءهم فان بقاءهم نور في الاسلام وان فناءهم ظلمة في الاسلام)) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((حب العرب ايمان وبغضهم كفر فمن احب العرب فقد احبني ومن ابغض العرب فقد ابغضني)) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قال كيف. قال: تبغض العرب فتبغضني)) الى غير ذلك من الاحاديث القدسية الكثيرة ومنها ندرك اهمية وصاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم والعترة الطاهرة في حديث –الثقلين- ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي اهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيها)) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اذكركم الله في اهل بيتي)) وقال تعالى {قل لا اسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى} قال ابن عباس لما نزلت هذه الاية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال: ((علي وفاطمة وولداهما)).

قدمنا المقدمة الوجيزة بين القارئ الكريم ليقف بعد هذا على موقف بني امية من هذا الانقلاب العظيم الذي تطورت فيه حياة الامة العربية ووحدتها القومية ومن ثم ليقف حضرته على موقفهم العدائي من وحدتها الدينية ودينها العربي الانساني الجديد وعلاقة النهضة الحسينية الخالدة بمواقف القوم وسياستهم العصبية الجاهلية العدوانية ضد الوحدة العربية التي شيد بنيانها وقوى دعائمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

لقد ظل الصراع بين زعماء دعاة الوثنية من البيت الاموي وانصارهم اليهود بزعامة كعب بن الاشرف وبين البيت الهاشمي ابناء شيبة الحمد الحنفاء وهم حماة الوحدة القومية العربية وحملة لواء القرآن الكريم الذي رفع الله به ذكر العرب وفضلهم على العالمين فامعن ابو سفيان وحزبه ورؤساء اليهود الالداء في الكيد للعروبة والاسلام ما شاء لهم الهوى والكيد والانتقام حتى اذاقهم الله وبال امرهم بايديهم وايدي المؤمنين فانتصر الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً.

يقول المستشرق الالماني ((ماربين)) يلزمنا الالتفات قليلاً في تاريخ العرب قبل الاسلام لنفهم الدور الذي لعبه الامويون فانا نرى قرابة  قريبه بين هاشم وبني امية وكان بينهم نفور شديد وحصلت بينهم مجالدات كبيرة وكان بين الطرفين ثارات بلغت نهايتها بظهور الاسلام ولكن تم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الفوز الحاسم بفتح مكة فدخل الامويون في طاعته وكانوا على استعداد للايقاع ببني هاشم حقداً عليهم فلما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتسع لهم المجال لذلك فظفروا بالملك واضطهدوا خصومهم القدامى بني هاشم وانتهى الامر بالانقلاب والثورة باسم الدين وسجلوا لانفسهم الفوز النهائي بصلح الحسن (عليه السلام) نعم لما بزغت شمس الاسلام ثارت ثورة حماة الوثنية واتباعهم وفي مقدمتهم ابو سفيان وابنه معاوية وعتبة بن ربيعة بن حرب جد معاوية الفاسد حسداً منهم لآل البيت الميامين لان في الرسالة المحمدية كل معاني الشرف والنباهة لبني هاشم لكن الرسول ومن معه من المؤمنين لم تصده معارضة هؤلاء فمضى بعزمه الصادق يوحد القبائل العربية ويؤلف بينها تحت راية القرآن حى دوخ الوثنية وقضى على سلطانها.

اما العصبة الاموية فبانت مقهورة تغلي في صدور زعمائها مراجل الحقد الدفين ونار حسد المنافسة على الرئاسة واخذ الثار فبقى الحزب الاموي يكيد لبني هاشم في الخفاء يتحين الفرص واغتنام المناسبات للانقلاب والنكوص على الاعقاب {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً}.

وفي عهد عثمان سنحت الفرصة للحزب الاموي فنهض العدو القديم الاثيم شيخ الطلقاء ابو سفيان ومعه بني امية الموتورون فدخل على عثمان فقال افيكم احد من غيركم ؟ قالوا: لا ! قال: يا عثمان ويا بني امية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به ابو سفيان ما زلت ارجوها لكم ولتصيرن الى صبيانكم وراثة. فانتهره عثمان وساء ما قال. وبلغ ذلك المهاجرون والانصار وقد كان من امر معاوية ما كان بعد مصرع عثمان وكيف انه كاد للمهاجرين والانصار وكيف جرأ على سلب تراث محمد ومواريث العروبة من ايدي بني هاشم واعلن نفسه ملكاً فقال انا اول الملوك فانقلب بذلك نظام الحكم من الشورى الى النظام الملكي الاستبدادي الوراثي كما اراد ابو سفيان محزب الاحزاب مع ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يناديهم (لا تمشوا على اعقابكم القهقرى) أي لا ترجعوا عن دينكم ولا تكفروا بعد ايمانكم فتكونوا كالراجع على عقبه وناكصاً بعد تقدمه الا ان معاوية ورهطه كانوا يسخرون بهذا المنطق النبوي والعياذ بالله فاستولى على الملك واستأثر به وحصره في اسرته وصير الحكم ملكاً عضوضاً وراثياً. ومن اجل ذلك ركب الاعاليل وفعل الافاعيل فعطل احكام الشريعة وقتل وجوه الصحابة الكرام وسم المعصومين من العترة الطاهرة وازدرى بالمثل القرآنية ومزق راية الوحدة العربية باحيائه العصبيات القبلية بين اليمنية والقيسية واستهتر واستهزأ بحرمة بيت النبوة ومعدن الرسالة وبمنصبهم الديني وقد تحلل من قيود الشعائر الاسلامية ولم يتحرج في اخذ البيعة لولده يزيد ونصبه على رقاب المسلمين ناكثاً بذلك عهده المقطوع للامام الحسن (عليه السلام) واندفع بكل دوافع الشهوات والنـزوات والاحقاد الجاهلية لجر مغانم فردية او قبلية وكانت سيرته في سياسته العصبية الاعتدائية خاضعة لهذه النـزغات والنـزاعات الاموية التي ادت الى دك ملك امية وتفويض اركان سلطانها وذهاب ريحها.

هذه الاحداث المفزعة كانت تجري وتتلاحق وشهيد آل البيت () كان قلق الوسادة ينظر اليها وقلبه الشريف يضطرم من نكوص الامة وانحرافها عن المحجة البيضاء ومشيها على اعقابها القهقرى بتولي ولاة السوء امرها واهل الظلم والجور شؤون سياستها وهو لا يقدر ان يحرك ساكناً بحياة اخيه الامام الحسن (عليه السلام) وقد كان كارهاً صلحه مع معاوية حتى هم ابو محمد (عليه السلام) ان يحبس ابا عبد الله الى ان يهلك معاوية، ومن وصية ابي عبد الله الحسين الى اصحابه (ليكن كل رجل منكم حلساً من احلاس بيته مادام معاوية حياً فانها بيعة كنت والله كارهاً فان هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم).

ولما اراد معاوية ان يأخذ البيعة لابنه يزيد بعد وفاة الامام الحسن (عليه السلام) كتب الى الحسين (عليه السلام) كتاباً بذلك فجاوبه جواباً عنيفاً ومنه:

((يا معاوية لكأنك لست من هذه الامة وليسوا منك او لست قاتل الحضرمي الذي كتب اليك فيه زياد انه على دين علي ودين علي هو دين ابن عمه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اجلسك مجلسك الذي انت فيه ولولا ذلك كان افضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منة عليكم وقلت فيما قلت لا ترد هذه الامة في فتنة واني لا اعلم لها فتنة اعظم من امارتك عليها. وقلت فيما قلت انظر لنفسك ولامة محمد واني والله ما اعرف افضل من جهادك فان افعل فانه قربه الى ربي وان لم افعله فاستغفر الله لديني واسأله التوفيق لما يحب ويرضى…)) وجاء في آخر ((واعلم ان الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنه واخذك بالتهمة وامارتك صبياً يشرب ويلعب بالكلاب ما اراك الا وقد اوبقت نفسك واهلكت ديمك واوضعت الرعية والسلام)).

ولما اجتمع معاوية بالحسين (عليه السلام) في المدينة لاخذ البيعة ليزيد نهض ابو الاحرار وابن الكرار وقال: ((هيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس انوار السرج ولقد فضلت حتى افرطت واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وجُرت حتى جاوزت. ما بذلت لذي حق من اتم حقه بنصيب حتى اخذ الشيطان حظه الافر ونصيبه الاكمل وفهمت ماذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد تريد ان توهم الناس في يزيد كانك تصف محجوباً او تنعت غائباً او تخبر عما كان احتويته بعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما اخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش و الحمام السبق لاترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول فما اغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق باكثر مما انت لاقيه فوالله مابرحت تقدم باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت الا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ورأيتك عرضت بنا بعد الامر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ولعمر الله اورثنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولادة وجئت لنا بهاما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ….الخ)).

فاذا نظرنا الى هذه الاحتجاجات الصارخة بعين الفاحص المدقق نجد ان الصراع العنيف بين العصبية الجاهلية التي يمثلها معاوية بعد ابيه نصير الوثنية وبين الايمان الصحيح الذي يمثله شهيد آل البيت حسين السبط (عليه السلام) بعد جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وابيه المرتضى (عليه السلام) مستحكم الحلقات وكان ابو الشهداء على يقين بانه سيكون شهيد القرآن بقوله: ((لابد ان اقتل في سبيل الحق ولا استسلم للباطل)) لذلك كان بنو امية في اضطراب منه وقلق شديد من تربته الحمراء الى ان زالت دولتهم من عالم الوجود وهذه الحقيقة التاريخية تؤيدها وصيته العظيمة الى اخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من الحجاز واليك منها:

((واني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق ومن رد عليّ هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)).

ففي هذه الوصية الكريمة قد وضع (عليه السلام) خطة جهاده في سبيل شريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وبسط منهاجه القومي الاصلاحي في سبيل تجديد الوحدة العربية لنجاة الامة من الانقسام بفتن العصبيات ومعاطب الحميات المهلكة وقد بدأ في تنفيذ خطته ومنهاجه بعد ان هلك معاوية بجريرته وقام يزيد مقامه ليكمل جريمته فحاول اخذ البيعة من ابي الاحرار المغوار وسيد شهداء آل البيت (عليه السلام) فكتب يزيد الى ابن عمه الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ان يأخذ البيعة على اهل المدينة خاصة على الحسين ولا يرخص له في التاخر عن ذلك وان ابى عليه فليضرب عنقه ويبعث برأسه اليه فبعث الوليد على ابي عبد الله (عليه السلام) وعرض عليه الامر فامتنع وقال له: ((انا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا احق بالخلافة والبيعة)).

ثم خرج يتهادئ وهو يتمثل بقول يزيد بن المفرغ:

لا ذعرت السوام في غسق الصبح  ****  ولا دعيـت يـزيــدا

يوم اعطي مخافة من الموت ضيماً  ****   والمنايا يرصدنني ان احيدا

وقد طلب اليه مروان ان يبايع يزيد فقال (عليه السلام)): ((انا لله وانا اليه راجعون وعلى الاسلام السلام اذا بليت الامة براع مثل يزيد ولقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الخلافة محرمة على آل ابي سفيان)) ثم ان الامام قد واصل جهاده على هذا المبدأ المقدس وعلى عقيدته القرآنية الراسخة حتى الساعة التي فقد فيها النصير والمعين وهو يقول في حومة الطف ((لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد)) ثم خاطب اهل الغدر والخيانة من شيعة آل ابي سفيان بكلامه البليغ الجزل: ((فسحقاً لكم يا عبيد الامة فانما انتم من طواغيت الامة وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرفي الكتاب ومطفيء السنن وقتلة اولاد الانبياء ومبيدي عترة الاوصياء وملحقي العار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ولبئست ما قدمت لهم انفسهم وفي العذاب هم خالدون. وانتم ابن حرب واشياعه تعضدون وعنا تتخاذلون وان الخذل فيكم معروف)) ومنه ((الا ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابيه لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام …..الخ)).

وقد اخترنا هذه النصوص من بين النصوص الاخرى الكثيرة للاستدلال بها على مكانة النهضة الحسينية المباركة في تاريخ القومية العربية وهي كافية لاقامة البرهان القاطع على ان نهضته (عليه السلام) وبذل تضحياته الغالية في يوم الطف كانت لصد تيار العصبية الحمقاء وصيانة لتقاليد القومية الصحيحة من ان تلوث بالبدع والغوايات وخلاص افراد الامة من الارهاب والاحكام العرفيه ودفع الظلم والبغي عن الضعفاء ومن بين العدوان على الحق وتجاهل العدوان والطغيان تنبعث الاحرار الابطال. والا لم تكن نهضة الحسين (عليه السلام) من اجل ملك او الاستئثار بالملك او السلطان وبهذه السيرة وحدها ترتفع الانسانية عن دنيا الاثام وتتطهر البشرية من ادرانها وارجامها حتى تعوْا انسانية كاملة تسعى وراء المثل العليا والفضائل الطيبة والخير العام.

وان الألى بالطف من آل هاشم  ***   تأسوا فسنوا للكرام التآسيا

وهذا بعكس ما اراده الامويون من بعث القومية الاعتدائية او العصبية الجاهلية من قبرها لهدم السيادة العربية والجامعة القرآنية واسمع نداء سيد آل البيت(عليه السلام) في آخر لحظة من جهاده المقدس في ساحة كربلاء والذي هز به الآفاق والارجاء وهو لايزال يدوي في اذن الدهر وذلك عندما هجم الاوباش على خيام الحرائر الهاشميات وها هو زئير فتى الكرار في وجه الطغام اللئام:

((ويلكم ياشيعة آل ابي سفيان ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا احراراً في دنياكم هذه وارجعوا الى احسابكم ان كنتم عُرباً كما تزعون)).

واريد ان الفت نظر القارئ اللبيب الى اشارته (عليه السلام) في قوله ((يا شيعة آل ابي سفيان)) فان فيها معنى بليغ ومغزى عظيم فاراد ان يذكرهم بموقف شيخهم ابي سفيان من الدعوة المحمدية وبوجه الشبه بين ذلك الموقف وموقفهم من نهضته الهاشمية وهم يعضدون ابن حرب واشياعه في مقاتلته وهتك حرمته وحرمه أي ان الصراع بين الوثنية والاسلام والعروبة قد تجدد في يوم الطف بين ابي سفيان وبين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ان السبط (عليه السلام) قد دعاهم الى ترك مهاجمة حرم الرسول وترويع اطفاله والى احترام السنن العربية واتباع آداب الفتوة البدوية واريحيه الاحساب والمروءة والشهامة التي يرتكز عليها الخلق العربي الاصيل ان لم يكن لهم دين ولا يخافون يوم المعاد. اذ ان الخلق العربي المهذب وهو الذي دفع سادات العرب الى (حلف الفضول) قبل ان يدينوا بالاسلام وقد كامل مصير دولة الباطل في يوم كربلاء كما قال الاستاذ العقاد ((وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء فاذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد حديد الايام واذا بالغالب في يوم كربلاء اخسر من المغلوب اذا وضعت الاعمار المنـزوعة في الكفتين)).

اجل: وعمر الحق ان صفحة النهضة الحسينية المباركة لاتوال عنوان تاريخ العروبة والاسلام والصفحة اللامعة الوضاءة في سبيل جهاد الاحرار وهي منه كالفاتحة من القرآن.

وان ذكرى النهضة الحسينية لاتزال وستبقى الى الابد ندية عبقة عطرة الشذى في نفوس المؤمنين باعادة مجد الوحدة العربية وتراث الاسلام.

ومن العجب العجاب كيف تذل الامة العربية وتضام قوميتها وفي تاريخها نهضة الحسين بن علي بن ابي طالب وسبط محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رمز الشرف العربي ومجد الاسلام ولابد يوماً ان ترجع مواريث العروبة بفضل الوحي الالهي وقدسية جهاد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبركة نهضة سيد شهداء آل البيت التي هي نبراس احرار العرب في كل جيل هؤلاء الاحرار الذين سيحملون رسالة القرآن الى العالم من جديد وذلك بنفحات شهداء الطف الابرار الذين قدموا ارواحهم الزكية قرابين لنصرة الحرية العربية والجامعة القرآنية رغم انف ابي سفيان ومعاوية ويزيد واشياعهم الانذال فبعداً لهم ولاشياخهم الطلقاء.
 
{يريدون ان يطفأوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}.

إرسال تعليق