القيم التربوية من وجهة نظر الفلسفات الوضعية الغربية

بقلم: الأستاذ المساعد الدكتور حاتم جاسم عزيز السعدي


لقد كانت مشكلة القيم الأخلاقية موضع جدل ومناقشة بين الأخلاقيين منذ زمن بعيد ووضحت مذاهبهم فيها أبان العصر الحديث، وقد صنفها البعض رغم كثرتها في اتجاهين رئيسين، الاتجاه العقلي والاتجاه التجريبي، وعن الاتجاه الأول صدرت جملة المذاهب الميتافيزيقية من حدسية ومثالية وعن الاتجاه الثاني صدرت جملة المذاهب التجريبية من نفعية وتطورية ووضعية وبرجماتية، ويعرف الاتجاه الأول بمذهب الصوريين أو الحدسيين أو المطلقين، في حين يعرف الاتجاه الثاني بمذهب التجريبيين أو الوضعيين أو العمليين وتأسيساً على ما سبق فقد اتخذت الفلسفات من القيم الأخلاقية مواقف متعددة أهمها ما يأتي:


1. اتجاه يرد القيم الأخلاقية إلى طبيعة الأفعال ذاتها، فالخير خير في ذاته بغض النظر عن الظروف المحيطة به، ومن أنصار هذا الاتجاه في العصر الحديث -كودورث- (R. Cudworth) وزملاؤه من أفلاطوني كمبردج.


2. اتجاه يرد القيم الأخلاقية إلى إدارة الجنس البشري ويمثله -كانت-(Kant) في مناداته بالأمر المطلق، الذي يحتم على الإنسان ان يكون سلوكه بمثابة قانوناً عاماً للطبيعة كلها فمثلاً في قوله -افعل بحيث يكون من فعلك قانوناً عاماً للطبيعة كلها-، وهذا يوضح ان(Kant)حين وضع مذهبه الأخلاقي انتزعه من طبيعة العقل نفسه إذ جعل خيرية الأفعال وشريتها قائمة في الإرادة الخيرة دون الاكتراث بالغاية التي تستهدفها هذه الإرادة. 


3. اتجاه يرد القيم الأخلاقية إلى قوة غيبية وحقائق متعالية، ومن أنصار هذا الاتجاه في العصر الحديث برجسون وزملاؤه من الحدسيين[1].


ومن خلال العرض التالي للفلسفات سنجد ان القيم تقسم على صنفين، صنف يلتمس لذاته ويطلب كفاية ويكون مطلقاً لا يحده زمان ولا مكان وصنف نسبي ينشده الناس وسيلة لتحقيق غاية، ولهذا يختلف باختلاف حاجات الناس ومطالبهم، كما ان القيم الخلقية عند البعض لا تتغير ولا تتعدل ولا تتطور فهي لا تخضع لتفكير الجماعات ولا تبالي بإرادة الناس فالقيم الملزمة في الجماعة (أ) تكون كذلك في مختلف الجماعات بغض النظر عن اختلاف الأطر العقائدية والثقافية في هذه الجماعات فهي قيم لها صفة الديمومة دون ارتباطها بزمان معين أو مكان محدد.


 أي انها قيم موضوعية ومطلقة ويمثل هذا الاتجاه قديماً أفلاطون في محاوراته المشهورة مع -ثارميدس- (Charmides) و-ليسيس- (Lysis) إذ اضفى على قيم العفة والاعتدال والشجاعة صفات الواحدية والمطلقية والثبات وعدها صادقة في كل زمان ومكان وإنها لا تتغير ولا تتعدل باختلاف الناس والأحوال. في حين نجدها عند البعض الآخر قابلة للتغير والتطوير مع تغير وتطور المجتمع وهي تختلف من مجتمع لآخر، إذ يعد القيم نسبية متغيرة بتغير المجتمع وما يطرأ عليه من تعديل في الاتجاهات والعادات وأنماط السلوك، فليس هناك خيرية مطلقة ولا شرية مطلقة بل هناك عدة مواقف كل منها يتسم بخيرية أو شرية لا تتشابه مع الموقف الآخر[2].


وفي ضوء هذه الاختلافات والصراعات ما بين الفلسفات سيقوم الباحث بعرض موجز للقيم من وجهة نظر المذاهب الفلسفية الرئيسة وكما يأتي:


الفلسفة المثالية Idealism


اقترن المذهب المثالي بالفلاسفة القدماء - أفلاطون- و-سقراط -، في حين يمثلها من الفلاسفة المحدثين -عمانوئيل كانت- و-باركلي وهيجل-، اما في عصرنا المعاصر فترتبط بكل من -كروتشة- و-جنتلي-، وتعد هذه الفلسفة من وجهة نظر فلاسفتها نظرية كاملة للكون وللحياة، وقد قدم فلاسفتها تصورات هذه الفلسفة وفق مذاهب أو أنماط مختلفة مثل المثالية الأفلاطونية، والمثالية الذاتية، والمثالية النقدية، والمثالية الموضوعية.


ان نظرة الفلسفة المثالية تقوم على أساس الاعتقاد بوجود عالمين احدهما مادي والآخر معنوي (سماوي)، وان الإنسان الكامل يستمد قيمه من عالم السماء[3].


يرى أصحاب الفلسفة المثالية ان القيم مطلقة وغير متغيرة وهي صالحة لكل زمان ومكان فهي لا تتغير بتغير الأفراد من جيل إلى جيل أو من مجتمع إلى مجتمع فهي ثابتة في جوهرها إذ إنها ليست من صنع البشر بل هي جزء من طبيعة الكون ذاتها، ودور الإنسان هو حمل هذه القيم وعلى عاتقه تتحقق الغائية الإلهية على الأرض، فهو همزة الوصل بين الحدث (الواقعة) والقيمة[4].


وتعتمد الفلسفة المثالية على الأساس القيمي الذي وضعه الفيلسوف اليوناني أفلاطون وهو أساس يتمثل عالم القيم الذي يجمعه مثلث القيم العليا عنده وهو الحق والخير والجمال، فقيمة الحق تتعلق بكل ما هو معرفة وقيمة الخير بكل ما هو سلوكي، في حين تختص قيمة الجمال بكل ما هو وجداني، ان هذه القيم العليا الثلاث كامنة في طبيعتها وهي ثابتة لا تتغير بتغير الظروف والملابسات وكائنة في العالم الخارجي أي انها سابقة على الوجود المحسوس وكائنة في عالم المثل[5].


لقد جعل - أفلاطون - الخير مصدراً لوجود الموجودات جميعها، إذ وضع مثال الخير في المنزلة الرفيعة الأولى إذ يقول: (ان جميع الموجودات المعقولة تستمد وجودها وماهيتها من الخير. . . ولا يمكن التطلع إلى مثل الخير من غير مشقة وعناء. ومن غير ان يدرك الفكر ان هذا المثل الأسمى هو سبب كل صالح وجميل)[6].


ما الفرد إلا مطبق للقيم في ضوء الفلسفة المثالية وهي مطلقة وثابتة وموضوعية ولا تتغير بتغير الفرد، ولا تخضع للأفراد واختلافاتهم، فقيم الخير والحق والجمال لا تختلف عن ذواتها بمرور الزمن، فهي مطلقة في جميع الأزمنة والأمكنة تحدد الصالح والسيئ والخير والشر، إذ أكد أفلاطون وجود أشكال خالدة خارج الكون المادي لما هو خير وتحددت مصادر القيم وفق هذه الفلسفة من مصدرين هما مصدر الهي ومصدر عقلاني وترتبط هذه المصادر بطبيعة الأشياء وصفات الأفعال.


وبما إن هذه القيم مطلقة وثابتة فهي أذن صالحة لكل زمان ومكان، واذا ما حصل تنافر بين هذه القيم وبين ما هو مطلوب للحياة، فان هذا لا يعني إن القيم غير صادقة وإنما أساليب حياتنا هي الخاطئة وتحتاج إلى تصحيح، كما ان أي تغيير في نظمنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مقبول ما دام متفقاً مع هذه القيم[7].


الفلسفة الواقعية Realism


يمثل كل من: أرسطو وتوما الاكويني وهوبز وغيرهم من الفلاسفة الواقعيين مثل بيري وهولت وفكن تصورات هذه الفلسفة، ومن الجدير بالذكر فان هناك عدة مذاهب أو أنماط في الفلسفة الواقعية ومن هذه المذاهب الواقعية العقلية، والواقعية الطبيعية، والواقعية الجديدة، والواقعية النقدية المعاصرة[8]. وتقوم فكرة هذه الفلسفة على ان مصدر كل الحقائق هو العالم الواقعي، فلا تؤخذ الحقائق او تستنتج من الحدس والإلهام، إنما تأتي من هذا العالم، أي عالم التجربة والخبرات اليومية، ويشير -جون لوك- (j. Look) احد أقطاب هذه الفلسفة في العصر الحديث، ان المعارف موجودة في العلم الفيزيقي (الطبيعي) ويصل إليها الإنسان من خلال إتباع الأسلوب العلمي والمشاهدات المنطقية الواقعية[9].



وبهذا ُتناقض الفلسفة الواقعية منطلقات الفلسفة المثالية، بل تختلف معها اختلافاً جذرياً، اذ ان المثالية تنكر العالم المادي، وترى ان عالم الحقيقة الوحيدة هو عالم المثل أو عالم الأفكار والفضائل، وان العالم الطبيعي ليس مستقلاً عن الإنسان وحقيقته داخل ذات الإنسان او عقله، لذا نرى الفلسفة الواقعية اتجهت عكس ذلك إذ آمنت بالواقع المادي المحسوس، الماثل للعيان، وله وجوده المستقل عن العقل والمثل[10].


ولذلك رفض الواقعيون أن يكون للقيم أي مكان خارج حدود الطبيعة والعالم، فالخير عندهم ما تلاءم مع الطبيعة والشر هو ما يبعد الأفراد عن هذه الملاءمة. ويرون أيضا، بما ان كلاً من الطبيعة البشرية والطبيعة المادية ثابتة، فان القيم التي توفق بينهما ثابتة أيضا[11].


والقيم عند الواقعيين اجتماعية، تحقق للإنسان سعادة ومنفعة وتكون بمثابة المحفز له على العمل والنجاح لتحقيق الذات. ويتفق الواقعيون على ان القيم موضوعية ذات أساس دائم، لكنهم يختلفون فيما بينهم حول أسباب ذلك الاعتقاد، كما يتفقون على ان الناس يمكن أن يميزوا القانون الخلقي باستعمال العقل الذي وهبه الله للإنسان[12].


وهناك من الواقعيين من يرد القيم إلى الخبرة الحسية دون العقل، وهم أصحاب النزعة التجريبية والوضعية والطبيعية، إذ يعتقدون ان القيم نسبية وليست مطلقة وان هذه القيم تتغير وفقاً للظروف التي تنشأ في ظلها، لذلك فهي تختلف باختلاف بيئتها، ولذا فان دراستها تنصب على وصفها كما هي موجودة بالفعل دون ان تتجاوز المجال الواقعي الى تصوير ما ينبغي أن يكون مما ليس بكائن فعلاً[13].


وينظر الواقعيون للقيم على انها معايير لضبط وتوجيه السلوك الإنساني في المجتمع، وهي حقائق موضوعية قابلة للبحث والتجديد، وتختلف القيم من مجتمع لآخر، فما هو خير في مجتمع، قد يكون شراً في مجتمع آخر، بناءً على المنفعة التي يجنيها اغلب الناس، ذلك ان ثقافة كل مجتمع هي التي تضع للقيم مقاييس، وضوابط، وتضفي عليها معاني ودلالات كي تصبح جزءاً من نسج الأمة.


إلا انه نسبية القيم في الواقعية لا يعني عدم وجود قيم إنسانية متفق عليها لدى التيارات المختلفة في الواقعية، إذ ان رغم وجود اختلافات بينهما، لكننا نجد قاسماً مشتركاً لعدد من القيم، هي محل تقدير واحترام، بغض النظر عن اختلافها الفكري مثل: العمل والإخاء والتعاون وقيم العلم. . . الخ[14].


الفلسفة البرجماتية Pragmatism

 

البرجماتية لفظ مشتق من اللفظ الإغريقي (Pragma) اي العمل ويقال انها قديمة قدم الإنسان نفسه، لأنها تعني أسلوب الحياة أيا كان هذا الأسلوب، ولقد ارتبطت الفلسفة البرجماتية ارتباطاً وثيقاً بالتراث التجريبي الانكليزي الذي يؤكد اننا لا نستطيع أن نعرف شيئاً إلا من خلال خبرتنا الحسية[15].


لقد ظهرت الفلسفة البرجماتية أبان القرن التاسع عشر رد فعل لموجات الفلسفة المثالية التي كانت تطغى على الفكر الأمريكي والتي جاءت إليه من أوربا وعلى وجه التحديد من ألمانيا، فكانت البرجماتية استجابة لمطالب بيئتها وصورة للواقع الأمريكي الجديد وقد تأثرت بنظرية التطور التي ظهرت في ذلك القرن.


ويعد -بيرس- (Peirce) (1839-1914) من الرواد الأوائل للفلسفة البرجماتية إذ كان فيلسوفاً رياضياً عالج الكثير من المشكلات الفلسفية ابتداءً من المنطق والعلم والميتافيزيقيا والقيم، وقد استعمل بيرس كلمة برجماتية من دراسته للفيلسوف الالماني - كانت - وهذا يعني تأثر البرجماتية بالمثالية رغم كونها كانت رد فعل على هذه الفلسفة المثالية كما أسلفنا – وبخاصة فلسفة كانت – إذ ميز كانت بين ما هو برجماني وبين ما هو عملي، إذ إن العملي ينطبق على القوانين الأخلاقية التي يعدها أولية (قبلية) بينما البرجماتي ينطبق على قواعد الفن وأسلوب التناول الذي يعتمدان على الخبرة ويطبقان في مجال الخبرة.


 ويقول ديوي ان البرجماتية في رأي بيرس وحسب ما وردت في المبادي التي تضمنها منهجه ليست مجرد أداة لنفع خاص أو فائدة معينة، وهي لا تجد العمل لذاته، وانما هي تعني اننا كي نفهم المدركات العقلية فلا بد ان نكون قادرين على تطبيقها، والفكرة التي لا تقبل التطبيق تكون فكرة لا معنى لها[16].


أما -وليم جيمس- (1842- 1910 م) فهو يعد أيضا من رواد هذه الفلسفة اذ كانت فلسفته تجريبية متطرفة وقد ناهض المذاهب المثالية فاهتم بتحديد المشكلات الفلسفية وأراد أن يحدد ما إذا كانت هناك مشكلات فلسفية معينة لها معنى حيوي يقيني أو إنها مجرد لهو وسفسطة لفظية.


أما الرائد الثالث في هذه الفلسفة فهو -جون ديوي- (1859- 1952) ويعد صاحب الفضل الأكبر في إرساء معالم البرجماتية الحديثة. . . فهو فيلسوف أمريكا المعبر عن اتجاهاتها العقلية وهو احد صناع التراث الأمريكي، وقد جعل من البرجماتي منهجا ً علمياً تجريبياً محدداً[17].


ولقد وضع لها اسماً جديداً (Instrumentalism) نسبة إلى (وسيلة) وأحيانا تسمى بـ(الآداتية) نسبة إلى (آداة). ويعزى سبب تبني -ديوي- لهذه الأفكار العملية إلى ان الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية في حياته قد تطورت من مجتمع زراعي بسيط إلى أمة صناعية متحضرة ومعقدة، لذا طور ديوي من أفكاره التربوية بشكل موسع لتسجم مع التطور السريع الحاصل في تلك الفترة.


لعل الصفة المميزة لديوي هي محاولته استعمال منهج العلوم في التفكير في القيم الأخلاقية والسياسية والجمالية وغيرها تفكيراً قد ينتهي إلى تغييرها تغييراً يناسب ظروف الحياة الحاضرة أو بعبارة أخرى اتخاذه من الفكر ذريعة للعمل على نحو يحقق للإنسان ما يبتغيه في مجتمع صناعي برجماتي من أول نشأته، إذ انه تأثر في أول مراحله بالفلسفة الهيجلية ثم اتخذ لنفسه اسلوباً خاصاً (البرجماتية) بقية حياته، إذ تعد الأعوام العشرة الممتدة من 1894- 1904م هي التي شكلته من الوجهة الفلسفية تشكيلاً حاسماً[18].


والقيم في ضوء الفلسفة البرجماتية أمر نسبي تتوقف على الظروف والأفراد وخبراتهم، في الحكم على القيم لا يختلف عن الحكم على أي شي آخر من حيث اعتماده على الحقائق، وبما ان الحقائق أمر نسبي وتختلف من ظرف لآخر أو من خبرة لأخرى، فعليه القيم أمر نسبي أيضا، فالقيم لديهم تخضع للتجربة التي من خلالها يتم الاختيار، ونتيجة لذلك فان أحكام الناس ونظراتهم ورغباتهم إلى القيم متغيرة، فالقيم ذاتية وليست موضوعية، فقيمة أي شي تكمن في ما يقدمه من منفعة أو ما يشبع من حاجة ملحة[19].


وبما إن الفلسفة البرجماتية لا تؤمن بوجود قيم مطلقة، فإنها لا تؤمن بقيم الحق والخير والجمال، ويعتقد أصحابها ان هذه القيم من صنع الإنسان وهو الذي يخلق قيمه الخاصة وان هذه القيم تتغير بتغير الزمان والمكان، فالإنسان هو الذي يخلق الجمال من خلال التجربة[20].


والحق حسب رأي -جون ديوي- (يصنع كالصحة والغنى والقوة في سياق الخبرة) ومقابل ذلك فإنهم يتنكرون للمعيار الثابت للسلوك، فيرون انه لا يوجد هناك شيء حقيقي أو خير إلى الأبد، فالقديم يتغير تاركاً مكانه للجديد، وما كان خيراً بالأمس قد لا يكون كذلك اليوم[21].


لذا تقاس القيم البراجماتية بنتيجتها، أي بما يعود منها من خير ومنفعة على الفرد والمجتمع في الموقف الذي تطبق فيه، إذ يقوم الفرد باستنباط القيم من واقع خبرته بنفسه باستخدام ذكائه وتفكيره. ولقد أكد -جون ديوي- ذلك بقوله(إن القيم التي بمقتضاها يعمل الإنسان ويسعى إما أن تكون من خلق الإنسان فيدركها، ثم يعمل على تحقيقها، أو ان تكون من خلق الإنسان، يخلقها لتكون له وسائل يوائم بها بين نفسه وبين العالم الطبيعي والمجتمع الذي يعيش فيه، فهي ليست شيئاً سابقاً بوجوده على وجود العالم)[22].


 ولقد ركز أقطاب هذه الفلسفة على القيم الاجتماعية وذلك لتأكيد دور وأهمية المجتمع. وقد ذكر-جون ديوي- ما اسماه بالذكاء الاجتماعي، ويعني به القدرة على ملاحظة واختيار المواقف الاجتماعية المتعددة وفهمها والعمل بها من اجل الحصول على القوة الاجتماعية لتحقيق أهداف وتطلعات المجتمع. والقيم الأخلاقية وفق رأي أصحاب هذه الفلسفة تخضع للتجربة ويتم التوصل للحقيقي منها عن طريق الاختبار الناقد للتبعات المختلفة المترتبة على كل قيمة، واستعمال الطريقة العلمية في حل المشكلات التي تنتج عن تناقض تبعات مختلفة من اجل الوصول إلى نهج هادف صحيح يتطابق مع نهج المجتمع[23].


وبهذا فالأخلاق لها طبيعة اجتماعية، أي إنها لا تنبع من الذات أو الضمير أو العقل، وإنما يكتسب الفرد القيم الأخلاقية عن طريق خبراته وتفاعله مع ما حوله، مثلها مثل المعارف والعادات والمهارات والاتجاهات والتي يكتسبها عن طريق الخبرة[24].


ولقد عد البرجماتيون القيم أساس الأخلاق، على الرغم من أن نقاد البرجماتية يقولون إنها تخلو من القيم، وهذا الأمر ينكره كل برجماتي. . . يؤكدون ان ما يعنيه مناهضوا البرجماتية ونقادها من انها تخلو من قيم ثابتة وان القيم فيها نسبية، وانها غير مستقرة في مجتمع متغير. لذا فالقيم عندهم لا تعلم وإنما تكتشف من قبل الفرد وهو الذي يختار الأصلح منها لحياته.


وكانت فكرة البراجماتيين عن القيم محاولة لسد الفراغ الذي حدث نتيجة للغارات التي شنتها علوم القرن التاسع عشر على نظريات القيم ويقول -فير تشيلد- في هذا الصدد(نظراً لاهتمام القرن التاسع عشر بالعلوم اهتماماً بالغاً، فأن القيم انزوت في ركن مظلم. فقد بهر ضياء العلوم أبصار الناس وأعماهم عن كل شيء آخر، حتى ان التربية تشبعت بالعلوم، بل وأصبح طلبة الجامعة اللذين يتخصصون فيها ينظرون بأزدراء إلى الطلبة الذين يتخصصون في العلوم الإنسانية او الدراسات الثقافية)[25].

 

الفلسفة الماركسية Marxism

 

اقترن اسم الفلسفة الماركسية بمؤسسها - كارل ماركس - (1818-1883 م) ولقد تميز ماركس بإنكاره للدين واهتمامه بالمادة إذ عدها المحور الأساس لفلسفته، وقد تاثر بالفيلسوف الالماني - هيجل - في وضع فلسفته المادية الجدلية، والمادة عنده تعني كل الكائنات الحية وغير الحية من ابسطها حتى أكثرها تعقيداً، وللمادة وجود مستقل عن الإنسان وعن شعوره، حتى شعوره هذا حصيلة للتطور المستمر للعالم المادي[26].


للماركسية موقفان من القيم احدهما صريح والآخر غير معلن، ففي موقفها الصريح ترد الماركسية القيم إلى الأساس الاقتصادي أما موقفها الآخر(غير المعلن) فموجود في البناء الأعلى أو الأيديولوجية، فالقيم وبخاصة الخلقية منها، تنشا بمولد المجتمع الإنساني وعندئذ يفرض المجتمع على أفراده مطالب محددة، معبراً عنها في المستويات والمقاييس الخلقية وهي موضوعات غير ثابتة، أي متغيرة تتحول بتطور المجتمع بسبب تغير الإنتاج وبخاصة علاقات الإنتاج.


القيم الروحية مرفوضة في الفلسفة الماركسية ولا وجود لها إذ قال ماركس (الدين أفيون الشعوب) وذلك لان الدين في نظره المسكن لحدة الآلام التي تنتج من متناقضات العالم المادي[27].


وبذلك تنكر الماركسية الدين ووجود الله لأنه يعني وجود الكائنات لا تنتمي إلى مكان أو زمان، وهي أسطورة ابتدعها رجال الدين للتغرير بالجماهير، لذا فان العقيدة الدينية عندهم تؤدي إلى الانحراف[28].


لا تؤمن الماركسية بوجود أخلاق أبدية مطلقة، وإنما بوجود أخلاق نسبية واقعية، وهي ترفض أي تعاليم أخلاقية مقررة من قبل، حتى لو كانت باسم الدين، لذا فان الأخلاق لا توجد خارج المجتمع الإنساني، وإنما تتبع مصالح النضال الطبقي البروليتاري، أي إنها تستمد من القضاء على التفاوت الطبقي، ومن إقامة المساواة بين الناس وتحقيق الاشتراكية العلمية[29].


وتسعى هذه الفلسفة إلى تأكيد القيم الوطنية واحترام الكبار وتقدير العاملين للصالح العام والنظام واحترام العمل وهذه القيم هي مثال القيم الأخلاقية في المجتمعات القديمة[30].


وتدافع الماركسية عن نفسها، بان لها أخلاقها الخاصة بها وذلك على لسان -لينين- حين أجاب عن تساؤل: هل توجد أخلاق شيوعية حيث قال: (يزعمون غالباً ليس لنا أخلاق خاصة بنا، وتتهمنا البرجوازية في الأغلب بأننا نهدم كل الأخلاق، وفي ذلك خلط يشوش الأفكار ليزرع الاضطراب، ويبث الضلال في عقول العمال والفلاحين فبأي معين نفكر، نحن الأخلاق، وننكر التخلق)[31].


وترى الماركسية ان الإنسان من حيث هو فرد لا قيمة له، بل يستمد قيمته من مجتمعه الذي يعيش فيه والذي هو جزء منه، فهي تؤمن بالاجتماعية لا بالذاتية أو الفردية، فالفرد لا يرى إلا من خلال المجتمع. والفرد يأخذ عادته وتقاليده وقيمه من المجتمع الذي ينتمي إليه، لذا فهي حاربت غرائز الفرد وميوله[32].


وتجد الماركسية ان قيمة التغيير هي مبدأ الحياة، فكل ما في الوجود قابل للتغيير والتطور، ولا تؤمن بالثبات، اذ ان السكون والجمود على حالة واحدة يعني انعدام الحياة، ويتحقق هذا التغيير نتيجة عوامل داخلية نابعة منه وليس خارجة عنه، وترتكز القيم الماركسية على ثلاثة أسس هي: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، والصراع الطبقي، كما انها ترفض مفهوم القيم بمعناه المتعالي عن الواقع[33].

 

الفلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism

 

ظهرت هذه الحركة الفلسفية في القرن العشرين، مذهباً جديداً جمع بين المنطق والعلم والفلسفة في آن واحد، وأطلقت عليها تسميات عدة منها الوضعية المنطقية والتجريبية المنطقية Logical Empiricism أو كما يحلو للبعض تسميتها بالتجريبية العلمية Scientifi Empiricism، وقد دعا أتباع هذا المذهب إلى إيجاد فلسفة علمية تقوم على توحيد العلوم وجعل مهمة الفلسفة العمل على ربط اللغة بالتجربة ربطاً علمياً، وصياغة الواقع الخارجي صياغة منطقية وهي لذلك استخدمت منهج التحليل المنطقي، بالاستفادة من قيمة المذهب العقلي، وما تم البرهنة عليه من مبادي المنطق، وكذا المذهب التجريبي وما انتهى الاتفاق عليه من مناهج العلوم التجريبية والطبيعية، وذلك من اجل التفكير الفلسفي بخصائص المعرفة العلمية[34].


لذا رفضت الوضعية المنطقية إثارة الأسئلة حول معنى الحياة والموت وذلك لعدم قدرتها على تقديم إجابات محددة حول هذه الأسئلة والتثبت منها تجريبياً، فمواجهة مشكلات الواقع سبيلها التحليل والتحقيق العلميين[35].


ويعد العالم النمساوي -شيليك- مؤسس هذه الحركة الفلسفية وأول من دعا إليها وذلك ضمن جماعة من الفلاسفة أطلقت على نفسها (جماعة فينا) ضمت صفوة من العلماء والفلاسفة منهم -كارناب- و-فيليب فرانك- و-الفرداير-.


وخلاصة فكرهم، انهم يؤمنون بالعلم إلى أقصى حد، ففي رأيهم ان قضايا الفلسفة خالية من المعنى، ومشكلاتها الأساسية ليست مشكلات في حقيقتها، ولا تعدو ان تكون تلاعباً بالألفاظ، وعلى الفلاسفة التقاعد وترك مهمة الفلسفة للعلماء كونهم القادرين على متابعة الفلسفة، بتوضيح الأفكار، وتحليل عبارات العلم والدراسة الدقيقة للواقع، والوصول الى معرفة قوانين العالم الموضوعي[36].


وقد هدفت هذه الحركة الفلسفية إلى رد العالم بمختلف صوره ومفاهيمه ومباحثه الى لغة التحليل، وان وضع الأمور في عالم الواقع وحده مجال البحث العلمي. لذا تقوم هذه الفلسفة بتحليل الدوافع الكامنة وراء السلوك التي تدفعه لاتخاذ قرار ما، فهي موجهة للسلوك[37].


تنظر هذه الفلسفة إلى عالم القيم على انه عالم فريد مستقل بذاته، أي ان القيمة مستقلة عن واقعها، أي منفصلة عن التاريخ والوقائع والأحداث، ولا يمكن أن نفسر وجود القيم عن طريق مختلف الظواهر الوجودية القائمة في الثقافة والمجتمع[38].


والقيم الوضعية نسبية حسب حاجات الفرد والمجتمع، فهي نتيجة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض، ووليدة العمليات الاجتماعية والثقافية.([39]) وعليه تعد القيم عندهم وسائل تعتمد على دوافع اجتماعية، رافضة كل الأسس المعتمدة على النزعات الفردية، الا انه تترسخ لدى الفرد عندما يعلم ان المجتمع موافق عليها وتطفأ عند الفرد اذ ما علم ان المجتمع ضدها[40]. لذا كان أصحاب هذه الفلسفة مع الاجتماعيين في ربط الحياة الخلقية بالحياة الاجتماعية بسبب إن القيم الخلقية وليدة المجتمع تتغير بتغيره وتتطور بتطوره[41]. وتعد القيم عندهم نوعاً من الميتافيزيقيا وذلك لأنها لا تقع تحت الحس أو الفعل أو المكان مثل قيم الحق والخير والجمال، فهي ليست علماً ولا تصلح أن تكون كذلك، بل هي مجرد شعور ذاتي عند الإنسان نحو الشيء وليست كائنة فيه[42].

 

الفلسفة الوجودية Existentialism

 

يمكن تعريف الوجودية من خلال تحليل لفظ (Existentialism) إلى مقطعين، الأول (Existence) ويعني الوجود، والثاني (Lism) ويعني به الأسبقية، وبهذا يكون المعنى أسبقية الوجود، والوجودية تؤكد أسبقية وجود الإنسان الفرد، إذ عدت الوجود الإنساني أولى المشكلات الفلسفية التي ينبغي ان يدور حولها التفكير الفلسفي، ، لان الموجودات الأخرى معانٍ ورموز حية يعيشها الإنسان[43].


لقد برزت هذه الفلسفة إلى الوجود على يد المفكر الدنماركي - سيرن كيركجارد - (1813-1855م) وذلك عند محاولته الرد على الفيلسوف الالماني - هيجل -(1770-1831م) والذي يعد من أصحاب الفلسفة المثالية في التصورات العقلية، وحفل بالمعنى المطلق المنفصل عن الزمن للوجود، وبنى كل الحقائق على المفاهيم الكلية والمجردات العقلية النظرية وأهمل بذلك وجود الأفراد أفراداً وغض النظر عن الموجودات العينية، بل احتقرها وعدها تافهة لأنها لا تمثل الواقع والحقيقة في شي[44].


وقد عدّ - كيركجارد- البعد عن المعاني المجردة والالتصاق بالكائنات الموجودة، ورد المعاني إلى الأفراد الذين يتصفون بها هي الفلسفة الحقيقية، فحسب وجهة نظره لا معنى ولا فلسفة للبحث في الموت فعلاً على انه معنى كلي مجرد، ولكن البحث في هذا الموضوع يصبح ذا معنى إذا اتجه إلى الشخص الذي يموت ويعاني الموت، فذوات الموجودات الفعلية لا المعاني المجردة هي الجديرة بان تكون لب الفلسفة، وبهذا وضع - كيركجارد - أساس الفلسفة الوجودية وجعل ذلك الأساس الفرد الموجود لا العقل والفكرة المجردة وهناك نزعتان غلبتا في الوجودية، يمثل النزعة الأولى كل من - كيركجارد، ويسبرز - أما النزعة الثانية فهي الحادية يمثلها كل من - هيدجر- و-سارتر - إذ يعد سارتر رائد الوجودية في الحاضر، فقد حاول ان يوضح مفاهيمها ويزيل عنها ما اعتراها من غموض[45].


تؤكد الوجودية مبدأً أساسياً هو إن الوجود يسبق الماهية وان الإنسان وحده الذي يحتوي على الوجود أو يعين وجوده وهي ترفض وجود ماهية سابقة على وجود الإنسان أي ان الإنسان يوجد اولاً ثم تتحدد ماهيته فيما بعد، وماهيته تحدد أفعاله، وأفعاله تحدد تكونه ووجوده، ومن خلال وجوده يصنع حقيقته.


وبما ان ماهية الإنسان تتوقف على أفعاله، او ان أفعال الفرد هي التي تحدد كينونته وماهيته، فانه حر في اختيار أفعاله، ليتغلب على ضعفه ونقائصه. وبذلك تختلف الوجودية عن المثالية، إذ تبدا الوجودية بالأفعال في حين تبدا المثالية من الأفكار كما ان الوجودية ترى ان الإنسان يوجد خارج ذاته، بينما ترى المثالية ان وجود الإنسان وجود ذاتي وتؤكد الوجودية حرية الاختيار، فان اختياراتنا هي التي تصنع قيمنا، لهذا ترفض الوجودية عموماً المعايير الأخلاقية المطلقة، حتى وان كانت موجودة فسيظل الإنسان حراً في اختيارها[46].


وبذلك فالإنسان حر في اختيار قيمه، وحريته هذه هي مصدر الزامه وتسقط كل سلطة خارج حريته يفرض قيماً عليه. لذا فأن القيم تنبع من داخل الإنسان، وهي تعيش في داخله. والإنسان الحر هو ينبوع القيمة ومبدعها، لان القيمة ليست شيئاً معطى، بل هي ابداع فاعل على الدوام[47].


إذن فالقيم نسبية وليست مطلقة وهي عاطفية وشخصية، إذ ان كل فرد يبتكر قيمه الخاصة من خلال اختياراته وأفعاله، والقيم التي تستحق التقدير عند الوجودي هي تلك التي تدفع الفرد ليكون أصيلا في فرديته وحريته. فحرية الاختيار تجعل الفرد يمنح الآخرين رخصة في اختيار ما يشاؤون مما يؤدي إلى ابتكار أخلاق اجتماعية وعقد اجتماعي[48].


وتطالب الوجودية الإنسان ان يطور مفاهيمه القيمية والأخلاقية بنفسه وان لا يمتثل للقيم الاجتماعية ومعايير المجتمع المجرد الامتثال أو التبعية، ويرى سارتر ان الإنسان يتعرف على قيمه عن طريق ممارسته لحريته، فحريته هي أساس القيم فالفرد هو المسؤول الأول والأخير عن اختيار قيمه الخاصة به والتي يتبعها في حياته وانه ليس مسؤولاً عن صنع نفسه فحسب، ، بل هو مسؤول عن صنع علمه أيضا، إذ ان كل ما يحدث للإنسان إنما يحدث بسببه[49].

 

الفلسفة الطبيعية الرومانتيكية Romantic Naturalism


لقد نهضت هذه الفلسفة مرتين: أولا عقب الجمود الذي ساد الحياة في العصور الوسطى إذ سادت النزعة الدينية وشاع الزهد في حياة الناس والإعداد ليوم القيامة ليفوز المرء برضا ربه، وذلك عن طريق تعذيب النفس والانقطاع للعبادة والبعد عن الملذات. قامت هذه الحركة الطبيعية لبعث الحيوية في النفوس انطلاقاً من صلة الإنسان بحياته الحاضرة.


أما المرة الثانية فكانت عقب الحرب العالمية الأولى بعد انزواء حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر. فقد قامت الحركة الطبيعية الرومانتيكية بثورتها التربوية على الأوضاع التربوية وقت ذاك فأصابتها بهزة شديدة داعية للتغيير والتجديد[50].


فكانت نهضتها الأولى على يد مؤسسها - جان جاك روسو - (1712-1778م) والذي يعد واضع الملامح الرئيسة لهذه الفلسفة إذ دعا إلى وجوب رجوع الإنسان إلى الطبيعة وهناك يتفق الناس بعقد اجتماعي على إقامة مجتمع عادل يرضى به الجميع، فيقومون بتشكيل حكومة تمنح الجميع كل الحقوق، ولقد أكد - روسو - على التربية كوسيلة لخلق الإنسان الطبيعي، ويقصد الطبيعي هنا الذات المثالية، أو الإنسان الكامل. وان متطلبات إعداد هذا الإنسان تقتضي أن يوضع في متناوله استعراض لكل التراث الإنساني، بحيث يكون من الميسور له الاتصال بالخبرات والحاجات الراهنة[51].


وتلخص المعالم الفلسفية لهذه النظرية في نقطتين: النقطة الأولى هي الاعتقاد بان نفس الإنسان خيرة في تكوينها، مبرأة من الشر عندما هبطت من عليائها وتنزلت على الإنسان من قدسيتها اللاهية. أما النقطة الثانية هي التركيز على الحاضر وعدّه عماد المستقبل واصل تطوره[52].


أما نظرة الطبيعيين وبخاصة -روسو- إلى القيم فأنهم يرون إن القيم والمعايير والمقاييس جميعها التي يعمل على وفقها الناس ما هي إلا انعكاس لميولهم وحاجاتهم ورغباتهم، أو انها تعبير عنها، وأن استمراريتها مرتبطة بالظروف التي خلقتها وأن القيم لم تكن مصنوعة بفعل قوة خارقة مسيطرة على هذا العالم وإنها غير مفروضة على الناس او خالدة[53].


 لذا فهم لا يعتقدون بخلود القيم والمباديء، وإنما هي برأيهم مفاهيم تفرضها الضرورات وتزيلها الضرورات إذا تغيرت الظروف.


لقد أسس -روسو- المباديء الأخلاقية على العاطفة وعدّها المرشد الأمين الكافي لتحقيق السعادة. وانتقد بدوره الأخلاق المؤسسة على العقل وعدّها أخلاقاً صناعية نابعة من الحياة الاجتماعية وهي - بدورها - صناعية[54].


لقد جاءت الفلسفة الطبيعية على النقيض من الفلسفات الأخرى التي غالت في تقديس العقل، وألغت طفولة الإنسان، وجوانبه الوجدانية والعاطفية، وأهملت حرية الإنسان وحقوقه وعدّت الإنسان شريراً عدوانياً، والتربية أداة كبح الشر وإعلاء الغرائز، لذا انطلقت فلسفة التربية الطبيعية من فكرة العودة إلى الطبيعة فهي خير بيئة يمكن ان يعيش فيها مستغلاً، ذلك ان كل ما هو طبيعي يحمل صفة النقاء والسلامة، لان الطبيعة تخضع لقوانين ثابتة وتوازن داخلي وتحافظ ذاتياً على نفسها دوماً[55].


وهي بذلك تجد ان للإنسان حرية في اختيار قيمه من البيئة المحيطة به بما ينسجم مع ميوله وتطلعاته ورغباته من اجل العيش بسعادة وبذلك تختلف القيم باختلاف الطبيعة المحيطة به ومتطلباتها، فالقيم على وفق ذلك نسبية ومتغيرة.


وترى الفلسفة الطبيعية ان الأشياء في ذاتها ليست خيرة أو شريرة أو صحيحة أو خائبة، اذ اننا نصدر هذه الأحكام من واقع تأثيرنا في هذه الأشياء وتأثرنا بها، فالقيم بهذا المعنى هي عبارة عن أحكام يصدرها الإنسان على الأشياء، أي انها تنشق من واقع تفاعلنا مع الأشياء ومن واقع خبراتنا بها في مواقف معينة[56].


ــــــــــــــــــــــــــــ

[1]. احمد، لطفي بركات: في الفكر التربوي الإسلامي، المصدر السابق، ص108-109.

[2]. أحمد، لطفي بركات: في الفكر التربوي الإسلامي، المصدر السابق، ص32.

[3]. قنصوه، صلاح: نظرية القيم في الفكر المعاصر، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1984، ص32.

[4]. نيلر، جورج: مقدمة في فلسفة التربية، ترجمة نظمي لوقا، القاهرة ، مكتبة الانجلو المصرية، 1977، ص39.

[5]. الجعفري، ماهر إسماعيل وآخرين: فلسفة التربية، بغداد، دار الكتب للطباعة والنشر، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1993، ص40.

[6]. افلاطون: محاورات افلاطون، ترجمة زكي نجيب محمود، القاهرة، د. ت، ص13.

[7]. بيومي، محمد احمد: مبحث القيم في علوم الإنسان، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1981، ص163.

[8]. هندي، صالح واخرون: أسس التربية، ط2، عمان، دار الفكر، 1990. ، ص65.

[9]. ناصر، ابراهيم: مقدمة في التربية، ط2، الأردن، 1979. ، ص24.

[10]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، ط1، عمان، دار المناهج، 2002، ص79.

[11]. نيلر، جورج: مقدمة في فلسفة التربية، المصدر السابق، ص96.

[12]. زاهر، ضياء: القيم في العملية التربوية، المصدر السابق، ص13.

[13]. الطويل، توفيق: الفلسفة الخلقية نشأتها وتطورها، القاهرة، دار النهضة العربية، 1967. ص12.

[14]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، المصدر السابق، ص85-86.

[15]. نيلر، جورج: في فلسفة التربية، ترجمة محمد منير مرسي، القاهرة، عالم الكتب،، 1972، ص69.

[16].  Baln,J. I (1946) M enand Movements in American Philosophy – Prentice- Hill Lnc Englwood Cliffs. P. 255.

[17]. مرسي، محروس سيد: التربية والطبيعة الإنسانية في الفكر الإسلامي وبعض الفلسفات الغربية، ط1، القاهرة ، دار المعارف، 1988، ص96-100.

[18]. عسكر، علاء صاحب: المصدر السابق، ص147.

[19]. الحياري، حسن احمد: أسرار الوجود وانعكاساتها التربوية ، اربد، دار الأمل، 1994، ص29.

[20]. حمودة، نبيه محمود: التأصيل الفلسفي للتربية، القاهرة، مطبعة الانجلو المصرية، 1980، ص114-115.

[21]. فرحان، محمد جلوب: دراسات في فلسفة التربية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة الموصل، 1989، ص116.

[22]. الراوي، حسن مسارع: نحو استراتيجية جديدة للتعليم في العراق، بغداد، 1976، ص67.

[23]. مرعي، توفيق احمد ومحمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، ط1، عمان، دار المسيرة، 2000م، ص137.

[24]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، المصدر السابق، ص96.

[25]. بول وودرنج: نحو فلسفة للتربية، ترجمة سعد مرسي احمد وفكري حسن ريان، القاهرة، عالم الكتب، 1966، ص67.

[26]. مرسي، محروس سيد: التربية والطبيعة الإنسانية في الفكر الإسلامي وبعض الفلسفات الغربية المصدر السابق، ص65.

[27]. احمد، لطفي بركات: في فلسفة التربية، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1978، ص32.

[28]. سباني، جورج: تطور الفكر السياسي، ترجمة راشد البراوي، مصر، 1971، 107: 5.

[29]. بيومي، محمد احمد: علم اجتماع القيم، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1981، ص66.

[30]. العراقي، سهام محمود: تاريخ تطور اتجاهات الفكر التربوي، الاسكندرية، 1984، ص250.

[31]. عسكر، علاء صاحب: المصدر السابق، ص134.

[32]. مرسي، محروس سيد: المصدر السابق، ص74.

[33]. الدرابسة، محمد عبدالله عايش: مدى تمثل الايتام للقيم الاسلامية، اطروحة دكتوراه، كلية التربية (ابن رشد)، جامعة بغداد، 2001م، ص46.

[34]. محمد، احمد علي الحاج: المصدر السابق، ص139- 140.

[35]. احمد، لطفي بركات: في مجالات الفكر التربوي، ط1، بيروت، دار الشروق، 1983، ص140.

[36]. احمد علي الحاج: المصدر السابق، ص40-41.

[37]. احمد، لطفي بركات: في مجالات الفكر التربوي، المصدر السابق، ص144.

[38]. مطر، اميره حلمي: مقالات فلسفية حول القيم والحضارة، القاهرة، مكتبة مدبولي، د. ت، ص64.

[39]. احمد، لطفي بركات: القيم والتربية، ط1، الرياض، دار المريخ، 1983، ص79.

[40]. أبو العينين، علي خليل: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن الكريم، ط3، المدينة المنورة، مكتبة ابراهيم الحلبي، 1988، ص92.

[41]. الطويل، توفيق: قضايا في رحاب الفلسفة والعلم، القاهرة، دار النهضة العربية، د. ت، ص46.

[42]. محمود، زكي نجيب: طراز من الفردية الجديدة، مجلة الفكر المعاصر، العدد(12)، الدار المصرية للتاليف والترجمة، 1966، ص110.

[43]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، المصدر السابق، ص 128-129.

[44]. قورة، حسين سليمان: الأصول التربوية في بناء المناهج، ط7، القاهرة، دار المعارف، 1982، ص221.

[45]. خزعلي، قاسم محمد محمود: نحو فلسفة تربوية للطفل في ضوء الرؤية القرآنية والحديث الشريف، أطروحة دكتوراه، كلية التربية (ابن رشد)، جامعة بغداد، 2001م، ص91.

[46]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، المصدر السابق ، ص130-131.

[47]. العوا، عادل: العمدة في فلسفة القيم، دمشق، دار اطلاس للدراسة والنشر، 1986، ص 258-259.

[48]. وليم، ج. صمويلسون وفريد ا. ماركوويتز: مقدمة في فلسفة التربية، ترجمة ماجد عرسان الكيلاني، ط1، عمان، دار الفرقان، 1998، ص22.

[49]. عسكر، علاء صاحب: المصدر سابق، ص 142.

[50]. سرحان، منير المرسي: في اجتماعيات التربية، ط2، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1982، ص49.

[51]. فرحان، محمد جلوب: المصدر السابق، ص93.

[52]. قورة، حسين سليمان: المصدر السابق، ص227.

[53]. الرحيم، احمد حسن: الفلسفة والتربية والحياة، النجف الاشرف، مطبعة الآداب، 1977، ص220.

[54]. فرحان، محمد جلوب: المصدر السابق، ص90.

[55]. محمد، احمد علي الحاج: فلسفة التربية، المصدر السابق، ص125.

[56]. السيد، محمد توفيق وآخرون: بحوث في علم النفس، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1970، ص118. 

إرسال تعليق