هل القول بالعلم المطلق للائمة يلزم منه التنافي مع بعض الأفعال التي صدرت عنهم؟

بقلم: صباح عباس حسن الساعدي

هناك مجموعة من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، حكت لنا بعض المواقف الصادرة عنهم، تدل على أنها ناشئة عن عدم الدراية بعاقبة ما يصنعون، وهذه الروايات تنفي كون الأئمة يعلمون الغيب، وتنسفها من الأساس، ولعل من أوضح هذه الأمور هو ما صرح به الإمام الصادق عليه السلام في بعض الروايات، فقد ورد عنه أنه قال: «... قال يا عجباه لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ! ما يعلم الغيب إلا الله، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي، فما علمت في أي بيوت الدار هي...»([1]).

أو قوله عليه السلام في حديث: «قلت له: إن يحيى بن خالد سم أباك موسى بن جعفر صلوات الله عليهما؟ قال: نعم، سمه في ثلاثين رطبة. قلت له: فما كان يعلم أنها مسمومة؟ قال: غاب عنه المحدِّث.

قلت: ومَن المحدث؟ قال: مَلك أعظم من جبريل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع الأئمة صلوات الله عليهم، وليس كل ما طلب وجد. ثم قال: إنك ستعمر. فعاش مائة سنة»([2]).

أو ما ورد من أكل الإمام الرضا عليه السلام بيضة مقامر عليها؛ فقد ورد في الكافي عن عبد الحميد بن سعيد، قال: «بعث أبو الحسن عليه السلام غلاماً يشتري له بيضاً أو بيضتين، فقامر بها، فلما أتى به أكله، فقال مولى له: إن فيه من القمار، قال: «فدعا بطشت فتقيأ فقاءه»([3]).

فهذه تصريحات واضحة في عدم علمهم عليهم السلام، فيثبت أن هذه النظرية - أي: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون بالأشياء علماً حاضراً - أمر باطل لا يمكن الالتزام به.

ولعل ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره في المقام إشارة إلى هذه الشبهة؛ حيث قال رحمه الله: «...تظافرت الأخبار من طرق أئمة أهل البيت، أن الله سبحانه علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام علم كل شيء... وأورد عليه، أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر الناس، فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها، على ما يرشد إليه الأسباب الظاهرية، ويهدي إليه السبل العادية، فربما أصابوا مقاصدهم، وربما أخطأ بهم الطريق فلم يصيبوا، ولو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبداً، فالعاقل لا يترك سبيلاً يعلم يقيناً أنه مصيب فيه، ولا يسلك سبيلاً يعلم يقينا أنه مخطئ فيه...»([4]).


الجواب عن هذه الشبهة

أما في مقام الإجابة عن هذه الشبهة - التي طرحت منذ قرون متقدمة، وأجيب عنها من قِبَل العلماء أيضاً - فإننا نقول:

الجواب الأول: إن هذه الروايات ضعيفة السند

أما الرواية الأُولى، فهي ضعيفة السند بعباد بن سليمان؛ فإنه مهمل في كتب الرجال([5]).

وأما الرواية الثانية، فهي ضعيفة أيضاً بالحسن بن أحمد المالكي؛ كما ذكر بعض الأعلام([6]).

 وأما الرواية الثالثة، فضعفها من جهتين: جهالة عبد الحميد بن سعيد([7])، وضعف سهل بن زياد، فقد ذكر السيد الخوئي رحمه الله في مصباح الفقاهة ذلك بقوله: «... مجهولة لعبد الحميد، وضعيفة لسهل...»([8]).

وقال في موضع آخر من كتابه بعد أن ذكر توجيهاً لها: «... على أن الرواية المذكورة ضعيفة السند»([9]).

وقال السيد الروحاني فيها أيضاً: «... مع أنه محل نظر؛ لجهالة عبد الحميد المذكور...»([10]).

الجواب الثاني: هده الروايات تنفي علم الغيب المستقل لا الذي بتعليم من الله

إن الروايات الواردة في المقام إنما تنفي علم الغيب الحقيقي، لا المستفاد من الله عز وجل، والوجه في ذلك هو أن علم الغيب الحقيقي لا يطلق إلا على علم الله تعالى، وأما علم باقي المخلوقات، فإنه يطلق عليه علم الغيب من جهة تعلقه بالغائبات، ولكن ليس علماً غيبياً كعلم الله، بل هو علم مستفاد من ذي علم.

وقد ذكر بعض المحدثين هذا الوجه بقوله: «قوله: قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام: يعلم الغيب؟ فقال: لا. دل على أن علم الغيب علم غير مستفاد، كعلم الله تعالى، وعلم الإمام - لمَّا كان مستفاداً منه تعالى - لا يكون علماً بالغيب حقيقة، وقد يُسمَّى أيضاً علماً بالغيب؛ نظراً إلى تعلُّقه بالأمور الغائبة، وبه يُجمع بين الأخبار التي دلَّ بعضها على أنهم عالمون بالغيب، ودلَّ بعضها على أنهم غير عالمين به...»([11]).

وقال بعض المحققين: «... إن هذه الروايات - ونظائرها - ناظرة في الأصل إلى نفي الاستقلالية عن الله، بل إن علومهم (صلوات الله عليهم) هي تابعة عليه تبعية الفرع للأصل، وما تراه في الأحاديث المتواترة عنهم، بأنهم يعلمون علم الغيب، إنما يصح مع نفي الاستقلالية، وما من أحد يمكنه القول: بأن علمهم (صلوات الله عليهم) في المغيبات ناجم عن استقلالية عن علم الله جلت قدرته، ولهذا فإن قولهم عليهم السلام: بأنهم لا يعلمون الغيب ليس مطلقاً، وما يقيد هذا الإطلاق هو أقوال القرآن الكريم، المؤكدة لوجود مستثنيات في هذا المجال، كما في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} وهي مقيدة مرة ثانية بما تحدثوا عنه ومارسوه بالفعل بكونهم يعلمون...»([12]).

الجواب الثالث: ان هذه الروايات قد ورد في مقام التقية

هناك تضارب في بعض الروايات في نفسها، ففي صدرها تنفي العلم عنهم عليهم السلام، وفي ذيلها تثبت العلم لهم، كما هو واضح لمن راجع الرواية الأُولى بأكملها؛ حيث جاء فيها: «... قال سدير: فلما أن قام من مجلسه، وصار في منزله، دخلت أنا وأبو بصير وميسر، وقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول: كذا وكذا في أمر جاريتك، ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً، أوَ لا ننسبك إلى علم الغيب؟ قال: فقال: يا سدير، أما تقرأ القرآن؟.
قلت: بلى. قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ؟.
قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأت. قال: فهل عرفت الرجل، وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرني به.
قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم الكتاب. قال: قلت: جعلت فداك، ما أقل هذا. قال: فقال: يا سدير، ما أكثر هذا أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به، يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}؟
قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفْهَم من عنده علم الكتاب بعضه؟! قال: قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله. قال: فأومى بيده إلى صدره، وقال: علم الكتاب - والله - كله عندنا، علم الكتاب - والله - كله عندنا» ([13]).

بل يمكن أن يكون هذا الشق شاهداً على أن الشق الأول من الرواية قد ذكره الإمام عليه السلام في مقام التقية، فلا يبقى أي تضارب بين الشقين.


الجواب الرابع: ان هذه الروايات وردت مراعاة لحال السائل او لخطر محدق بالإمام أو الشيعة

 لو تنزلنا عن جميع الأجوبة المتقدمة، فلا بد من حمل هذه الروايات على التقية، أو مراعاة المصلحة في عدم إظهار علمهم عليهم السلام،؛ حيث صعب على السامعين تقبل هذا الأمر، كما هو الحال في بعض الروايات التي تُشكل خطراً على شخص الإمام، أو على الشيعة، أو على نفس محترمة، وقد تقدم ذكر بعضها في المبحث الأول من هذا الفصل، عند ذكر المحاولة الأُولى من محاولات الجمع بين النظريتين.

وقد قال بعض المحققين في المقام:«... مسألة علم الغيب والإنباء عن المغيبات مسألة لا تتحملها العقول العامة، وإنما هي مسألة من مسائل خاصة الناس، ولهذا فقد يأتي النفي وهو يتخذ من التقية ستاراً، خصوصاً وأن البواعث الموضوعية للالتزام بذلك كانت متوفرة بشكل كبير ودائم.

وهذه البواعث ليست بالضرورة تتخذ صفة سياسية، بل لربما تتخذ صفة اتقاء جهل بعض العوام من الذين لا تحمل إفهامهم قدرة النظر إلى هذه الأمور، بالطريقة التي ينبغي النظر فيها إليها، فيتجهون إما إلى التكذيب والتشنيع والاتهام، وإما إلى الغلو وكلاهما يتقيهما المعصوم عليه السلام، أو تتخذ صفة طائفية؛ فيرتد الأمر بصورة سلبية عليهم وعلى عقيدتهم (صلوات الله تعالى عليهم)...» ([14]).






([1]) الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص250. وأيضاً: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص257.
([2]) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشي)، ج2، ص864.
([3]) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص123.
([4]) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص 192.
([5]) أُنظُر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص293. وأيضاً: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، ص433. وأيضاً: ابن داوود، الحسين بن علي، رجال ابن داوود، ص114.
([6]) أُنظُر: البروجردي، السيد علي، طرائف المقال، ج1، ص232.
([7]) أُنظُر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج10، ص301.
([8]) الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة، ج1، شرح ص582.
([9]) المصدر نفسه، شرح ص583.
([10]) الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق، ج14، شرح ص405.
([11]) المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج6، ص35.
([12]) الصغير، جلال الدين، الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم، ص268.
([13]) الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص250. وأيضاً: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص257.
([14]) الصغير، جلال الدين، الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم، ص269.

إرسال تعليق