بحث عقائدي هل يكذب الإمام سهواً أو نسياناً؟

بقلم: الشيخ علي الفتلاوي

بعد أن عرّف الإمام نفسه للذين أعمى الله تعالى أبصارهم وبصائرهم، لكي يلقي عليهم الحجة يوم عاشوراء قال لهم: «فَإنْ صَدَّقْتُمُوني بِما أقُولُ وهُوَ الحَقُّ، وَاللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُنْذُ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يَمْقُتُ عليه أهْلَهُ...».

قبل التعرض إلى معرفة هذه الرذيلة وآثارها السيئة نريد أن نقف على أمر مهم وهو كالآتي: قال الإمام الحسين عليه السلام فقرة تستوقف المشككين وغير العارفين بمقام الإمام عليه السلام ألا وهي: «وَاللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُنْذُ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يَمْقُتُ عليه أهْلَهُ...».
فينتج منها تساؤل وهو: س: هل يفهم من قوله عليه السلام أنه لم يتعمد الكذب فقط، لكن يحتمل صدور الكذب منه سهواً أو نسياناً؟

سؤال: قوله عليه السلام (منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله) هل أن الكذب صدر عن الإمام قبل علمه بأن الله تعالى يمقت الكاذبين؟


وسنجيب عن هذه الأسئلة بما يلي:

الجواب الأول:


1ــ إن عصمة الإمام التي ثبتت في محلها تمنعه من الوقوع في الكذب عمداً وسهواً ونسياناً وإلاّ انتقض الغرض من الإمامة.

2ــ يفهم من قوله (ما تعمدت) الآتي:

ألف: ربما يكون إشارة إلى أن قول الكذب عمداً يعد ذنباً وما صدر من كذب نسياناً أو اشتباهاً لا يعد كذلك، فلذا أراد الإمام أن يوصل رسالة للمخاطبين أنه معصوم من الذنب عمداً فهو أولى بالخلافة والنصرة من الفاسقين العاصين.

باء: لعله عليه السلام أراد بقوله (ما تعمدت) مداراة عقول المخاطبين الذين يرون الإمام إنساناً كعامة الناس يصيب يُخطئ، وهذا تجسيد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»[1].

جيم: لعله أراد بقوله (ما تعمدت كذبا...) إستغناءه عن الكذب؛ إذ لا يحتاج إلى الكذب إلاّ من آثر رضا نفسه على رضا ربه وانقاد وراء مصالحه، وهو لم ولن يكون هكذا أبدا.

دال: لعله عليه السلام أراد أن يقول إن الكذب يصدر عمداً أو نسياناً أو سهواً، ولا يؤاخذ العبد بالكذب الذي صدر عنه سهواً أو نسياناً، فلذا أراد أن يشير إلى أن تعمد الكذب من دون النسيان أو السهو، هو ما يمقته الله تعالى وأما ما صدر سهواً أو نسياناً فلا مقت على أهله ليتضح للناس يسر الدين الإسلامي وخلوه من الحرج.

هاء: ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»[2].

وما نقله الإمام الحسين عليه السلام من حديث عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه وحق أخيه ليس كذبا، ولذا على الأمة أن ترتب الأثر على مضمون هذا الحديث وهو حفظ دم الحسين عليه السلام كونه أحد السيدين لأهل الجنة.

وفي خاتمة الجواب لا يسعنا إلا أن نقول إن الإمام المعصوم عليه السلام أدرى بمراده وأعلم بما يقول، وما قولنا المتقدم إلا مقدار ما فهمناه من قوله عليه السلام.

الجواب الثاني:


 في مقام الجواب على السؤال الثاني الذي تقدم يكون على شكل نقاط نتسلسله وهو كما يلي:

1ــ إن الإمام الحسين عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام الذين شملتهم آية التطهير.

2ــ يلزم من هذا أن يكون الإمام معصوماً عن الوقوع في الحرام بتسديد من الله تعالى دون أن يكون مجبراً على العصمة، وما استحق الإمام هذا التسديد الإلهي إلا لعلم الله تعالى بأنه سيختار الورع عن المعصية كما أشار الإمام الباقر عليه السلام إلى ذلك بقوله: «إذا عَلِمَ اللهُ تَعالى حُسْنَ نِيَّةٍ مِنْ أحَدٍ اكْتَنَفَهُ بِالعِصْمَةِ»[3].

3ــ إتيان الطاعة وترك المعصية لابد أن يكون مسبوقاً بعلم، لأن لا طاعة إلا بمعرفة فيلزم من هذا أن الإمام علمَ بقباحة الكذب منذ أن اختاره الله تعالى لأمور عباده وهذا ما يؤكده الإمام الرضا عليه السلام بقوله: «إنَّ العَبْدَ إذا اخْتارَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لأمورِ عِبادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذلِكَ، وَأوْدَعَ قَلْبَهُ يَنابِيعَ الحِكْمَةِ، وَألْهَمَهُ العِلْمَ إلهاماً، فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوابٍ وَلا يَحيرُ فيهِ عَنِ الصَّوابِ»[4].

فيظهر من حديث الإمام الرضا عليه السلام أن الإمام أُلهِم العلم بالفضائل والرذائل منذ اختيار الله تعالى له ليكون إماماً، وهذا قبل وجوده الدنيوي كما سيأتي في النقطة اللاحقة.
4ــ اختار الله تعالى أهل البيت عليهم السلام قبل عالم الدنيا، وعلى هذا فالإمام عالم بقباحة الكذب، وعارف بأن الله تعالى يمقت الكاذبين قبل عالم الدنيا والدليل على ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث التالية:

جاء في كتاب المحتضر للحسن بن سليمان: من كتاب السيد حسن بن كبش ممّا أخذه من المقتضب، ووجد في المقتضب أيضاً مسنداً عن سلمان الفارسي رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره فدعاني فأطعته وخلق من نوري عليّاً فدعاه (إلى طاعته) فأطاعه، وخلق من نوري ونور عليّ فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق منّي ومن عليّ و(من) فاطمة[5] الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه فسمّانا الله (عَزَّ وَجَلَّ) بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمّد والله العليّ[6] وهذا علي، والله فاطر وهذه فاطمة والله الإحسان[7] وهذا الحسن والله المحسن[8] وهذا الحسين عليهم السلام، ثمّ خلق [منا] ومن نور الحسين عليه السلام تسعة أئمّة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله [عزّ وجلّ] سماءً مبنيّة، أو أرضاً مدحيّة، أو هواءً أو ماءً أو ملكاً، أو بشراً، وكنّا بعلمه أنوارا نسبّحه ونسمع له ونطيع»[9].

وورد في كتاب كنز الفوائد عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بن مسعود إنّ الله تعالى خلقني وخلق عليّا والحسن والحسين عليهم السلام من نور قدسه، فلمّا أراد أن ينشئ خلقه[10] فتق نوري وخلق منه السماوات والأرض، وأنا والله أجلّ من السماوات والأرض، وفتق نور عليّ وخلق منه العرش والكرسيّ وعليّ والله أجلّ من العرش والكرسيّ، وفتق نور الحسن عليه السلام وخلق منه الحور العين والملائكة والحسن والله أجلّ من الحور العين والملائكة، وفتق نور الحسين عليه السلام وخلق منه اللوح والقلم والحسين والله أجلّ من اللوح والقلم»[11].

ــــــــــــــــ
[1] الكافي للكليني: ج1، ص23، ح15.
[2] عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق: ج1، ص212.
[3] بحار الأنوار: ج78، ص188، ح41. ميزان الحكمة: ج6، ص2645، ح13078.
[4] الكافي: ج1، ص202، ح1. ميزان الحكمة: ج1، ص177، ح948.
[5] ورد في كتاب مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق عليه السلام: ص64، باب: في معرفة الأئمة، «من نوري ونور علي وفاطمة».
[6] ورد في كتاب المحتضر لحسن بن سليمان الحلي: ص267، باب: النص على الأئمة الإثني عشر، «الأعلى».
[7] ورد في كتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص448، باب: معرفة وجود القائم عليه السلام، «والله ذو الإحسان».
[8] ورد في بحار الأنوار للمجلسي: ج15، ص10، باب 1، «والله المحسن».
[9] عوالم العلوم والمعارف والأحوال، الشيخ عبد الله البحراني: ج17، ص5 ــ 6، ح1. بحار الأنوار: ج53، ص142، ح162.
[10] في المصدر: ينشئ الصنعة.
[11] عوالم العلوم والمعارف والأحوال، الشيخ عبد الله البحراني: ج17، ص6، ح2. بحار الأنوار: ج36، ص73.

كيف نقول بأن علم الإمام مطلق وهنالك آيات صرحت بعدم علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم

تأليف صباح عباس حسن الساعدي

لا خلاف في أن كل رواية وكل دليل جاء في سنة النبي وأهل بيته عليهم السلام، لا بد أن يعرض على الكتاب الكريم، فإن وافق الكتاب جاز الأخذ به بل وجب، وإن خالفه فلا يجوز الأخذ به، وهذا أمر لا نقاش فيه بين العلماء، وما ذكر في علم الأئمة عليهم السلام مخالف للكتاب؛ فقد وردت آيات قرآنية دلت على عدم علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

كما في قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[1]. وقوله عز وجل: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}[2]. وقوله: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}[3].

إلى غير ذلك من الآيات المشابهة لما ذكرنا، وهذه الآيات صريحة في نفي العلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبت في محله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جميع الأئمة اتفاقاً، فما يثبت لهم عليهم السلام يثبت له صلى الله عليه وآله وسلم بالأولوية، وكذا ما لا يناله صلى الله عليه وآله وسلم لا يناله الأئمة عليهم السلام بوجه أولى، فبمقتضى الأولوية تكون أدلة الإطلاقية معارضة للقرآن، فلا بد من تركها وضربها عرض الجدار. {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

الجواب عن هذه الشبهة


وفي مقام الجواب على هذه الشبهة نقول:
أولاً: من الممكن أن نذكر توجيها لهذه الآيات؛ بحيث يجعلها منسجمة مع النظرية تمام الانسجام والوئام، وهو أن العلم المنفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العلم الاستقلالي والذاتي له، أي أن المراد من الآيات هو: أنك - أيها النبي - لولا تعليم الله لك وإفاضته عليك لما كنت تعلم شيئاً إطلاقاً، وهذا هو مقتضى فقر البشر إلى الله، لكنه تعالى منَّ عليك فأعطاك علوم الأولين والآخرين، وعلمك كل شيء قابل للتعلم منذ أن خلقك، لعلمه بحقيقتك.

وقد ذكر بعض المحققين كلاماً قريباً مما ذكرنا ناسب نقله لتعميم الفائدة، قال الميرزا أبو الحسن الشعراني:«... وقد أجبنا بذلك عن سؤال ورد علينا في علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، مضمونه: أنكم تقولون: إنهم عليهم السلام كانوا عالمين بكل شيء منذ بدء وجودهم، وقد قال الله تعالى خطاباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ}.

فقلت في الجواب: لا يدعي أحد من الشيعة الإمامية أن النبي والأئمة عليهم السلام كانوا مستغنين عن الله تعالى، بلى ندعي استغناءهم عن الخلق فقط، علمهم بتعليم الله تعالى إياهم، ولم يكن علمهم عين ذاتهم، فإن هذه خاصة لواجب الوجود، ولا ينافي ذلك كونهم عالمين منذ بدء خلقتهم من الله تعالى، ولو لم يكن تعليمه إياهم لم يكونوا عالمين بذاتهم، كما أن وجودهم من الله تعالى، ولولا إيجاده لم يكونوا موجودين بذاتهم، فعدم علمهم مقدَّم على علمهم؛ لأن عدم علمهم ذاتي وعلمهم مقتبس من العلة، وما بالذات مقدم على ما بالغير، والآيتان لا تدلاَّن على مضي زمان عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو جاهل، إلا إنْ ادَّعى مدَّع اختصاص التقدم والتأخر عرفاً ولغةً بالزمانيين، وليس كذلك، بل يطلقان على الذاتيين أيضاً؛ إذ لا يختلف أهل العربية في أن الفاء وثم تدلاَّن على الترتب، ومع ذلك يصح في اللغة أن يقال: تحركت اليد فتحرك المفتاح دون العكس، مع كون الحركتين معاً زماناً، وتأخر حركة المفتاح عن حركة اليد ليس بالزمان بل بالذات؛ فثبت أن أهل العرف واللغة يعرفون معنى التأخر الذاتي ويستعملونه في كلامهم، ولا يجب حمل جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الترتب والتأخر على الزماني، ولا يصح دعوى مَن يدعي اختصاص التأخر الذاتي بأصحاب العلوم النظرية، وأنه شيء لا يعرفه أهل اللغة والعرف، فقوله تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}.  أي: ما كنت تعرفها بنفسك، بل هو شيء عرفته بتعليم الله تعالى إياك منذ أول خلقتك» [4].

ــــــــــــــــ
[1] الأعراف: 188.
[2] الشورى: 52.
[3] هود: 49.
[4] المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج 4، ص 143، هامش رقم 3.

كلما عظمت معرفة المسلم بالأئمة عليهم السلام عظمت حسناته وترقت مرتبته في الجنة

بقلم: الشيخ وسام البلداوي
  1: إن معرفتهم عليهم السلام توجب مضاعفة الأجر والثواب  
عن الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال: (نحن قوم لا نعطي المعروف إلا على قدر المعرفة). (نهج السعادة للشيخ المحمودي ج8 ص286).
فإذا عرفنا أنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ميزان الله سبحانه وتعالى في الأرض، وهم أسماؤه الحسنى، فيكون قانون إعطائهم للمعروف على قدر المعرفة هو قانون الهي ومنهج رباني يتعامل به الله سبحانه مع عباده كما يتعامل به أولياؤه مع بقية خلقه، فيكون المؤمن الأكثر معرفة بالله وصفاته وبأهل البيت وصفاتهم ومنازلهم وفضائلهم هو الأحق بزيادة المعروف، وواحدة من وجوه المعروف هي الثواب الذي يجزى به المؤمن العارف، والعكس بالعكس.

واختلاف الدرجات في العطاء والثواب والجزاء الإلهي من مؤمن لآخر هو حقيقة قرآنية أوضحتها نصوص الكتاب العزيز منها قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ}. (سورة الأنفال الآية 3ــ4).
وواحدة من أهم أسباب التفضيل ورفع الدرجات هي الإيمان والعلم كما قال تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٍ والله بما تعملون خبيرٌ} . (سورة المجادلة الآية رقم 11).

وأشرف العلوم على الإطلاق هو علم التوحيد ومعرفة الخالق جل وعلا، وقد أوضحنا في مقالة أخرى في هذا الموقع المبارك ان هذا العلم لا يأتي بنتائجه الرفيعة العظيمة من دون أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن أهم مقدمات الوصول إلى أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هي معرفتهم ومعرفة منازلهم وفضائلهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، حتى يخرج الإنسان هؤلاء الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عن حدي الغلو والتقصير.

وبناءً على ما تقدم يصبح العلم بمنازل ومراتب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مقدمة لكل خير، وفاتحة لكل فضل، وزيادة لكل كمال، وبه يرفع الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات درجات، كل بحسب سعة معرفته وشدة يقينه وإيمانه وتسليمه بتلك المنازل والصفات.
وقد جاء تصديق كل ذلك على لسان الروايات الشريفة، نختار منها ما يتناسب مع المقام، فمنها ما عن المفضل أنه دخل على مولانا الصادق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقال له: (يا مفضل هل عرفت محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كنه معرفتهم؟ قلت: يا سيدي وما كنه معرفتهم؟ قال: يا مفضل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمنا في السنام الأعلى.

قال: قلت: عرفني ذلك يا سيدي. قال: يا مفضل تعلم أنهم علموا ما خلق الله عز وجل وذرأه وبرأه وأنهم كلمة التقوى وخزان السماوات والأرضين والجبال والرمال والبحار وأنهارها وعيونها، وما تسقط من ورقة إلا علموها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وهو في علمهم، وقد علموا ذلك. فقلت: يا سيدي قد علمت ذلك وأقررت به وآمنت. قال: نعم يا مفضل، نعم يا مكرم، نعم يا محبور، نعم يا طيب، طبت وطابت لك الجنة، ولكل مؤمن بها). (مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج 7 ص 180 ــ 182).

وروى البزنطي قال: (قرأت كتاب أبي الحسن الرضا عليه السلام بخطه: أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجة وألف عمرة متقبلة كلها، قال ــ يعني البزنطي ــ: قلت لأبي جعفر ألف حجة؟ قال: أي والله وألف ألف حجة لمن يزوره عارفا). (الدروس للشهيد الأول ج 2 ص 14 كتاب المزار ثواب زيارة النبي والأئمة عليهم السلام).

وفي هذا الحديث دلالة قطعية على أن المعرفة تضاعف الحسنات وتجعل الحجة بألف حجة، وترفع الدرجات بألف مثلها، وكلما ازداد المؤمن بأئمته معرفة ازداد كمالاً وتألقت درجاته في جنات النعيم، والعكس صحيح فكلما ازداد الإنسان بعداً عن أهل البيت، وإنكاراً لفضائلهم وحرباً لأشخاصهم المقدسة ازداد عن الله بعداً، وتسافل في جهنم ودركاتها منزله ومأواه ومستقره.


  2: إن دخول الجنة متوقف على المعرفة، وازديادها يوجب الترقي في درجاتها  
دلت الآثار المستفيضة على أن معرفة الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين توجب دخول الجنة، وان معرفتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على النحو اللائق بهم يجر على المؤمن الخير الوافر الكثير، وواحدة من أهم هذه الخيرات والنعم هو تغيير الشقاوة والذنوب إلى غفران وسعادة، فعن جعفر بن محمد بن قولويه عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، قال: (قلت له: ما لمن أتى قبر الحسين عليه السلام زائراً عارفا بحقه غير مستكبر ولا مستنكف، قال: يكتب له ألف حجة وألف عمرة مبرورة، وإن كان شقيا كتب سعيدا ولم يزل يخوض في رحمة الله عز وجل). (كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص 307 الباب 67 في ان زيارة الحسين عليه السلام تعدل عتق الرقاب).

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قوله وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم قال نحن أصحاب الأعراف فمن عرفناه كان منا ومن كان منا كان في الجنة ومن أنكرناه في النار). (بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 519).

وعن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في الجنة ثلاث درجات، وفي النار ثلاث دركات، فأعلى درجات الجنة لمن أحبنا بقلبه ونصرنا بلسانه ويده، وفي الدرجة الثانية من أحبنا بقلبه ونصرنا بلسانه، وفي الدرجة الثالثة من أحبنا بقلبه، وفي أسفل درك من النار من أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه و يده، وفي الدرك الثانية من النار من أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه، وفي الدرك الثالثة من النار من أبغضنا بقلبه). (المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي ج 1 ص 153).

وقد عد الشيخ الصدوق كون المعرفة شرطاً لدخول الجنة من اعتقادات الإمامية حيث قال في باب الاعتقاد في الأعراف: (اعتقادنا في الأعراف أنه سور بين الجنة والنار، عليه رجال يعرفون كلا بسيماهم والرجال هم النبي وأوصياؤه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه). (الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق ص 70).

فإذا ثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بمعرفتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن معرفة حقهم توجب مضاعفة ثواب الأعمال، فمن الطبيعي ــ بعد هذا التوضيح ــ أن تصبح درجات المؤمنين في الجنة متفاوتة بتفاوت معرفتهم بأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومتغايرة بتغاير سعة تلك المعرفة ورسوخها في القلب والعقل، وذلك لبداهة أن درجات المعرفة تختلف من مؤمن إلى آخر، فيجب على وقف العدل الإلهي أن تتغاير درجاتهم بتغاير معرفتهم، وتتفاوت منازلهم بتفاوت إحاطتهم بأسرار مقامات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومنازلهم ، فليس من يعرف الاسم والكنية كمن يعرف منازلهم ومراتبهم وشؤونهم وأسرارهم، وليست معرفة أحد عوام هذه الأمة كمعرفة سلمان الفارسي أو غيره من أعاظم أصحاب الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن العدل إذن أن تختلف الدرجات باختلاف مراتب المعرفة، ومن العدل أيضا أن يتعاظم الثواب ويزيد الأجر باختلاف العقول والمدارك التي تؤدي إلى زيادة المعرفة، ومن الظلم ان يتساوى العالم والجاهل، ومن الظلم أن يشترك سلمان العارف بأهل البيت حق معرفتهم مع إنسان لا يفقه من أهل البيت إلا أسماءهم ولا يقر لهم بمنزلة إلا بان زيارتهم تقضي له الحاجات.
نسأل الله سبحانه وتعالى زيادة معرفتهم وقوة اليقين بمراتبهم وشدة البصيرة بمنازلهم والارتفاع في درجات الجنان ببركة رضاهم ورضا الله سبحانه وتعالى انه أرحم الراحمين.

معرفة الله حق معرفته متوقف على معرفة الأئمة حق معرفتهم

بقلم: خالدة البلداوي
عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن علي عن الحسين بن سعيد عن علي بن الصلت عن الحكم وإسماعيل عن بريد قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (بنا عبد الله وبنا عرف الله وبنا وعد الله ومحمد صلى الله عليه وآله حجاب الله). (بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص84).

وعن علي بن جعفر عن أخيه قال: قال أبو عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا فجعلنا خزانه في سماواته وأرضه ولولانا ما عرف الله). (بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص125).

وعن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل و [ لا ] يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا). (الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص 181).

وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه). (الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص 193).

وقال المولى المازندراني في شرح هذا الحديث الأخير ما نصه: (قوله: «الأوصياء هم أبواب الله تعالى» أي أبواب جنته أو أبواب علمه كما قال «أنا مدينة العلم وعلي بابها، والبيوت إنما تؤتى من أبوابها» ومراده أن من طلب العلم والحكمة وأسرار الشريعة والتقرب إلى الله فليرجع إلى الأوصياء وليأت البيوت من أبوابها وليتق الله فان من أتاه من غير بابها سمي سارقاً.
قوله: «ولولاهم ما عرف الله» لأن عظمته أرفع من أن يصل إليه كل طالب ورفعته أجل من أن ينظر إليه كل شاهد وغائب، وصراطه أدق من أن يتطرق إليه قدم الأوهام وشرعه أشرف من أن يقبل مخترعات الأفهام، فلولا هداية الأوصياء وإرشاد الأولياء لبقوا متحيرين في تيه الجهالة وراقدين في مرقد الضلالة كما ترى من أعرض عن التوسل بهدايتهم والتمسك بذيل عصمتهم، فإن بعضهم يقول بالتجسيم وبعضهم يقول بالتصوير وبعضهم يقول بالتحديد وبعضهم يقول بالتخطيط وبعضهم يقول إنه محل للصفات وبعضهم يقول بأنه قابل للحركة والانتقال إلى غير ذلك من المذاهب الباطلة، وبالله العصمة والتوفيق). (شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني ج 5 ص 175).

وجاء عن بعض المحققين ما يؤيد هذه الروايات الشريفة حيث قال: (...كل حكمة وعلم من الحق صدرت فمن طريقهم إلى الخلق وصلت، وكل رحمة من الله انتشرت فبهم انتشرت، وكل عناية منه على الخلائق وقعت فبسببهم تحققت، لأنهم عيبة علمه، ومعدن حكمته، وسبب خيره، ووسائط فيضه، ويده الباسطة، وعينه الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق، والمخلوقون من نوره، والمؤيدون بروحه وبهم يقضي في الخلق قضيته، وإليهم تهبط في مقادير أموره إرادته. بلى، بلى، أيها السالك سبيل الحكمة والطالب بالعرفان طريق السعادة، إليهم، إليهم فإن عندهم الحكمة، وبإتباعهم تحصل السعادة، وبهم عرف الله وبهم عبد الله). (التوحيد للشيخ الصدوق ص 5 كلمات حول الكتاب).

وقال العلامة المجلسي: (بيان: قوله: وبنا عبد الله، أي نحن علمنا الناس طريق عبادة الله، أو نحن عبدنا الله حق عبادته بحسب الإمكان، أو بولايتنا عبد الله فإنها أعظم العبادات، أو بولايتنا صحت العبادات فإنها من أعظم شرائطها. قوله: ولولانا ما عرف الله، أي لم يعرفه غيرنا، أو نحن عرفناه الناس، أو بجلالتنا وعلمنا وفضلنا عرفوا جلالة قدر الله وعظم شأنه). (بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 26 ص 247).

وقال السيد علي خان المدني الشيرازي: (وفي استعارة لفظ الباب إشعار بأنه لا مدخل يتوصل به إليه سبحانه سوى من جعله بابا للوصول إليه إذ لا يدخل إلى الدار ولا يتوصل إليها إلا من بابها، فمن ظن أنه يتوصل إليه سبحانه من غير هذه الأبواب فقد ظن باطلا وأخطأ سهمه الثغرة وضل سواء السبيل). (رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للسيد علي خان المدني الشيرازي ج 7 شرح ص 25).

إذن فعبادة الله حق عبادته ومعرفته تعالى حق معرفته لا تتأتى لأحد من العالمين إلا عن طريق القبول عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لأنهم الباب الذي يدخل منه إلى التوحيد الصادق غير المشوب بالباطل، ولأنهم الوجهة الصحيحة التي يتوجه إليها طالبي الهداية إلى الله سبحانه ودينه وأحكامه، وإن من أخذ بيد غيرهم، واتخذ غير وجهتهم، ضل سواء السبيل.

وهذا القبول عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يتم من دون معرفتهم، لان السائر على الطريق من دون معرفة بالطريق لا يزيده كثرة المسير إلا جهلا وتخبطا،بل وربما يحيد عن الطريق وتزل قدمه وينجرف في غير طريقهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من دون أن يعرف، كما حصل للكثيرين، وذلك لان أهل البيت هم بوصلة الهداية الإلهية فمن لا يعرف البوصلة كيف له أن يسير سيراً مستقيما سليما.

أما السائر على طريقهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عارفا بحقهم وكمالاتهم ومراتب فضائلهم ومنازلهم التي اصطفاهم الله سبحانه ووضعهم فيها لا يزيده كثرة المسير إلا ترقيا في سلم الكمالات، وبصيرة بكل ما يحيط بدرب غيرهم من الظلمات المتراكم بعضها فوق بعض {أو كظلماتٍ في بحرٍ لجيٍ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحابٌ ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نورٍ}. (سورة النور الآية رقم 40).

وما ورد على لسان الروايات من التعبير عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بالأسماء الحسنى دال على هذه الحقيقة فعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا). (الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص 143 ــ 144).

ومعلوم أن معرفة الصفات الإلهية واجبة على كل مكلف فكذلك معرفتهم، ومعرفة الصفات الإلهية يتوقف عليها معرفة الله سبحانه حق معرفته، وكذلك هم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لأنهم مرآة الصفات الإلهية، بل هم تجسيد لها في عالم الإمكان.