سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم صور ومشاهد

بقلم: السيد نبيل الحسني



قبل المضي في بيان بعض الصور التاريخية والمشاهد الروائية عن كيفية سبي بنات النبوة ونساء الرسالة نود أن نشير إلى أن هؤلاء النسوة قد شاء الله تعالى حفظهنّ من القتل ومن التعرض لعفتهن على الرغم من تعدد أنواع الظلم والوحشية التي تعامل بها أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم معهن وذلك بدليل قول سيد الشهداء عليه السلام في وداعه لهن فقال: «استعدوا للبلاء، واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ويعذب عدوكم بأنواع العذاب ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلا تشكوا ولا تقولوا ما ينقص من قدركم»[1].

أولاً: سلب سيد شباب أهل الجنة عليه السلام بعد قتله


إن القارئ لصفحات التاريخ الإسلامي وهو يمر على أحداث سنة 61هـ ليجد نفسه مذهولاً لا يدري أمام تلك المشاهد التي جرت في كربلاء أهو أمام أرض إسلامية وأناس نطقوا بالشهادتين أم هو أمام قبيلة من قبائل الجن أو لعله يوهم نفسه أنه يقرأ لتاريخ قبائل الامزون وأكلة لحوم البشر الذين تجردوا من جميع القيم التي تربطهم ببني جلدتهم فأمسوا لا يعرفون سوى رؤية الدم وهو يصبغ الأديم ولا تأنس آذانهم إلا بآهات النساء الوالهات وصراخ الأطفال الوجلين.

بل لم يشأ القارئ أن يصدق أن هؤلاء القوم لم يكتفوا بممارسة جميع أنواع التعذيب والرعب حتى تصارعوا على سلب ثوب مخرّق.

ويكفي من هذه المشاهد ما رواه أصحاب المقاتل عن سلب سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام على يدي هؤلاء القوم الذين لم يؤمنوا بوجود الجنة طرفة عين منذ أن أبصرت عيونهم الدنيا، ولذا انقضوا على سيد شبابها بهذه الصورة التي يريدها التاريخ قائلا: (وأقبل القوم على سلبه عليه السلام فأخذ إسحاق بن حوية قميصه، وأخذ الأخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي عمامته، وأخذ الأسود بن خالد نعليه وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأودي ويقال رجل من بني تميم اسمه الأسود بن حنظلة.

وجاء بجدل فرأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع إصبعه وأخذ الخاتم وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وكان يجلس عليها فسمي قيس قطيفة، وأخذ ثوبه الخلق جعونة بن حوية الحضرمي وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيمثة الجعفي وهاني بن شبيب الحضرمي وجرجر بن مسعود الحضرمي وأراد رجل منهم أخذ تكة سرواله وكان لها قيمة، وذلك بعدما سلبه الناس يقول، أردت أن أنزع التكة فوضع يده اليمنى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعت يمينه! فوضع يده اليسرى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعتها وهممت بنزع السروال فسمعت زلزلة فخفت وتركته وغشي عليّ، وفي هذه الحال رأيت النبي وعلياً وفاطمة والحسن، وفاطمة تقول: يا بني قتلوك، قتلهم الله، فقال لها: يا أم قطع يدي هذا النائم فدعت عليّ وقالت: قطع الله يديك ورجليك وأعمى بصرك وأدخلك النار فذهب بصري وسقطت يداي ورجلاي فلم يبق من دعائها إلاّ النار)[2].

ثانيا: سلب بنات النبوة وسبيهن


قال أصحاب المقاتل: (لما قتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام مال الناس على ثقله ومتاعه وانتهبوا ما في الخيام وأضرموا النار فيها وتسابق القوم على سلب حرائر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ففررن بنات الزهراء عليها السلام حواسر مسلبات باكيات وإن المرأة لتسلب مقنعتها من رأسها وخاتمها من إصبعها وقرطها من أذنها والخلخال من رجلها، أخذ رجل قرطين لأم كلثوم وخرم أذنها وجاء آخر إلى فاطمة ابنة الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي قالت له: ما لك؟ فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله قالت له: دعني، قال: أخاف أن يأخذه غيري.

ورأت رجلا يسوق النساء بكعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة ولما بصر بها قصدها ففرت منه فأتبعها رمحه فسقطت لوجهها مغشياً عليها ولما أفاقت رأت عمتها أم كلثوم عند رأسها تبكي.

ونظرت امرأة من آل بكر بن وائل كانت مع زوجها إلى بنات رسول الله بهذه الحال فصاحت يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله لا حكم إلا لله يا لثارات رسول الله فردها زوجها إلى رحله.

وانتهى القوم إلى علي بن الحسين وهو مريض على فراشه لا يستطيع النهوض فقائل يقول لا تدعوا منهم صغيراً ولا كبيرا وآخر يقول لا تعجلوا حتى نستشير الأمير عمر بن سعد وجرد الشمر سيفه يريد قتله فقال له حميد بن مسلم: يا سبحان الله أتقتل الصبيان؟ إنما هو صبي مريض! فقال: إن ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين وبالغ ابن سعد في منعه خصوصاً لما سمع العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين تقول: لا يقتل حتى أقتل دونه فكفوا عنه.

وأقبل ابن سعد إلى النساء فلما رأينه بكين في وجهه! فمنع القوم عنهن وقد أخذوا ما عليهن ولم يردوا شيئا فوكل جماعة بحفظهن وعاد إلى خيمته.

وحائرات أطار القوم أعينها *** رعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانت بحيث عليها قومها ضربت *** سرادقاً أرضه من عزهم حرم
يكاد من هيبة أن لا تطوف به *** حتى الملائك لولا أنهم خدم
فغودرت بين أيدي القوم حاسرة *** تسبى وليس لها من فيه تعتصم
نعم لوت جيدها بالعتب هاتفة *** بقومها وحشاها ملؤه ضرم
عجت بهم مذ على إبرادها اختلفت *** أيدي العدو ولكن من لها بهم[3]

ثالثا: أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام تصف سبي الأعداء لبنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


قالت عليها السلام حينما أدخلت السبايا إلى الكوفة وقد اجتمع الناس للنظر إليهن، فقالت: يا أهل الكوفة أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم[4].

رابعاً: فاطمة بنت الحسين عليه السلام تصف سبي الأعداء لبنات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم


قالت في خطبتها بجمع أهل الكوفة: (فكذبتمونا، وكفرتمونا، ورأيتم قتلنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأننا أولاد ترك أو كابل كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم، وفرحت به قلوبكم، إجتراءً منكم على الله، ومكرا مكرتم والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا العظيمة: {فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[5])[6].

خامساً: العقيلة زينب عليها السلام تصف سبي الأعداء لبنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


قالت عليها السلام وهي تخاطب يزيد بن معاوية في مجلسه: (أمن العدل يا بن  الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، يحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناقل، ويبرزن لأهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والغائب والشاهد، والشهيد)[7].

سادساً: الإمام زين العابدين عليه السلام يصف سبي الأعداء لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم


قال عليه السلام في خطبته في مجلس يزيد: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، أنا ابن من انتهكت حرمه، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله....»[8].

سابعاً: كيف كانت حاله عليه السلام حينما أدخلوه وسبايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على يزيد


قال ابن الأثير: (ثم أمر بعلي بن الحسين عليه السلام فأدخل مغلولاً فقال: «لو رآنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغلولين لفك عنا». قال يزيد: صدقت، وأمر بفك غله عنه)[9].

قال السيد المقرم: وجيء بعلي بن الحسين على بعير ظالع الجامعة في عنقه ويداه مغلولتان إلى عنقه وأوداجه تشخب دماً فكان يقول:

يا أمة السوء لا سقياً لربعكم *** يا أمة لم تراع جدنا فينا
لو أننا ورسول الله يجمعنا *** يوم القيامة ما كنتم تقولونا؟
تسيّرونا على الأقتاب عارية *** كأننا لم نشيّد فيكم دينا![10]

ولعل تتبع هذه المشاهد يخرجنا عن البحث إذ عُني بها أصحاب المقاتل؛ إلا أن في ذكرنا كفاية للبيب كي يدرك ماذا جرى على بنات الرسالة وأهل بيت النبوة.

ــــــــــــــــ
[1] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للمقرم: ص290؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام: ص592، نقلا عن الدمعة الساكبة: ج4، ص346؛ جلاء العيون للمجلسي: ص576؛ ناسخ التواريخ: ص290.
[2] مقتل الحسين عليه السلام للمقرم: ص298 ــ 299.
[3] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للسيد المقرم: ص314 ــ 317.
[4] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للمقرم: ص325.
[5] سورة الحديد، الآيتان: 22 و 23.
[6] الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص28.
[7] الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص35.
[8] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج45، ص112 ــ 113.
[9] الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج4، ص86.
[10] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للسيد المقرم: ص332 ــ 333، خطبة السجاد عليه السلام.

خروج بنات رسول الله إلى كربلاء وتصحيحهم لمسار سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمة

بقلم: السيد نبيل الحسني

إن هذا الأثر هو من أدوم الآثار وأقواها استمرارية، بل: يكاد يكون هذا الأثر هو الثمرة الأبرز في خروج بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى كربلاء.

لكن قبل الخوض في بيان مصاديق هذا الأثر نتعرض أولاً إلى بيان مسألة صغيرة لغرض تحديد الوجه في السير في بيان هذه المصاديق، وهذه المسألة هي: التفاوت في رتب الإيمان، وذلك أن القرآن الكريم لم يجعل الأنبياء ولا المرسلين على درجة واحدة ومنزلة واحدة وإن كانوا جميعاً ممن اختارهم ا لله سبحانه للنبوة والرسالة، إذ يجعل القرآن التفاضل فيما بينهم ضمن الحقائق القرآنية فيقول سبحانه: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}[1].

وهذه السنة الكونية حينما جرت في الصفوة من الخلق والمنتجبين لحمل الشريعة كيف لا تكون في غيرهم من بني آدم؟! ولذا: لابد من التفريق بين منزلة الإسلام ومنزلة الإيمان كما نص عليها القرآن الكريم حيث قال سبحانه: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[2].

بمعنى ينحصر التفاوت في الرتب الإيمانية بين اللسان والقلب، فالمسلم من نطق الشهادتين دون أن يقر بها قلبه، والمؤمن من قرّ بها قلبه وإن لم يجهر بها أمام الناس وتلك معضلة لدى الناس لاسيما أن الإنسان محكوم بما يصدر عنه من أقوال وأفعال وفي الأغلب الأعم لا يلتفت أكثر الناس إلا إلى ما يخرج من الأفواه لا إلى ما يصدر من الأفعال وتلك حقيقة يمكن مشاهدتها في كثير من الشواهد التأريخية والمواقف الحياتية.

ويكفي من ذلك شاهداً ما قام به معاوية من انتهاكات لحدود الله وهتك حرمته وحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن هذا الفعل عند كثير من الناس لا يعني لهم شيئا، أو بالأحرى ينظر إلى قوله بالشهادتين بل: الأدهى من ذلك هو القيام بوضع المبررات له والتماس هذا فيما فعل من حربه لعلي بن أبي طالب عليه السلام وقتله الإمام الحسن عليه السلام بن بنت رسول الله وصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كحجر بن عدي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وغيرهم.

إذن: هناك تفاوت في الرتب وهناك فرق واضح بين الإسلام والإيمان وهو ما يدعونا إلى بيان بعض المصاديق التي ظهرت في هذا الأثر، أي: تصحيح مسار سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أن الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأت من بعض الصحابة ما كان كاشفاً عن هذا التفاوت بين الإسلام والإيمان حينما أقدم القوم على كشف بيت فاطمة عليها السلام[3] بضعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

فكان هذا الحدث هو أول انحراف عن مسار سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تنص على أن حرب فاطمة وعلي وولديهما هي حرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن سلمهم سلمه[4].

ثم تتابع هذا الانحراف عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليظهر بأبشع صورة على أرض كربلاء حينما ذبح المسلمون ابن بنت نبيهم وحملوا رأسه على رمح يطاف به في البلاد الإسلامية لينتهي به المطاف في طشت أمام (الحاكم الإسلامي) وهو يقرعه بالعصا والمسلمون ينظرون إليه وكأنهم يشاهدون ــ وبغض النظر عن الطبيعة الإنسانية الرافضة لهذا الأسلوب المتوحش ــ رأس ألد أعدائهم فلم يكفهم قتله بل لم يشفهم سحق جسده بسنابك الخيل وتقطيعه وإنما يفعل برأسه هذا الصنيع.

ومن ثم: أصبح المجتمع الإسلامي في أبعد ما يكون عن الإسلام.

وعليه: لزم أن يكون هناك تصحيح لهذا المسار وأن يصحو المسلمون من هذه الغفلة المطبقة على عقولهم وقلوبهم فكان ذلك من خلال وجود عقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام التي وقفت تدق بكلماتها مع (الحاكم الإسلامي) طاغية بني أمية وفرعونهم الأكبر تلك الجدران التي أحاطت بعقول المسلمين فأصبحوا صماً بكما فهم لا يعقلون إلى المستوى الذي جعلهم يعتقدون أن لا حرمة لرسول الله وأهل بيته وليس لهم منزلة عند الله تعالى.

فكيف يكون لهم المنزلة عند الله تعالى ورأس الحسين عليه السلام يحمل على الرمح ويطاف به البلاد وهو الأمر الذي جعل زيد بن أرقم يتعجب أشد التعجب مما يرى ويسمع من الرأس المقدس حينما طيف به في أزقة الكوفة، قائلاً: (مر به علي وهو ــ الرأس الشريف ــ على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا} [5]. فقف ــ والله ــ شعري وناديت: رأسك والله ــ يا ابن رسول الله ــ أعجب وأعجب)[6].

والحادثة تكشف بوضوح عن آثار هذه المأساة في عقيدة المسلم بشكل خاص وفي عقيدة غير المسلم بشكل عام.

من هنا: نجد أن عقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام قد أزاحت هذا الصدأ عن قلوب كثير من المسلمين حينما خاطبت ابن معاوية لعنه الله تعالى بقولها له: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق  السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا على الله هواناً؟! وبك عليه كرامة؟!. وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}[7]»[8].

إذن: أصبح تصحيح المسار للسنة المحمدية مرتكزاً على إرجاع الناس إلى الاعتقاد بحرمة محمد وأهل بيته وأن الذي جرى عليهم من محاصرتهم بتلك الجيوش وسوقهم كما تساق الأسارى ليس لكونهم هينين على الله تعالى وأن عدوهم الذي فعل بهم هذا الفعل لكرامته على الله وعظيم خطره عنده، فأصبح عدوهم شامخاً بأنفه فرحانا مسرورا بما صنع.

لكن: هذه الغفلة والحيلة انكشفت حينما أظهرت العقيلة زينب عليها السلام الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوث مثل هذه المآسي في الإسلام، وذلك من خلال سنة الافتتان بالدنيا فهي تجر إليها من فتن بها فضلاً عن أن الملك الذي وصل إليه هؤلاء الظالمون هو في الأصل ملك رسول الله وأهل بيته بمعنى: أن الله تعالى جعل الملك والسلطان وسياسة العباد وإصلاح البلاد في الأنبياء ولكن هؤلاء الظالمين هم الذين اعتدوا على ملك غيرهم وانتهبوا سلطان الأنبياء وحكموا العباد بالجور وأشاعوا الفسق والفجور بين الناس، إلا أن كل هذا لا يدوم لهم، وأن بقاءهم فيما هم عليه ليس لكونهم صالحين ومرضيين عند الله تعالى فأضفى عليهم نعمة الإمهال فلم يعاجلهم بالعقوبة وذلك لأنه لن يفوته سبحانه عقابهم.

ولذلك: تقول عليها السلام مذكرة يزيد الذي هو في حقيقة الأمر أنموذج لكل الطواغيت في الأرض؛ لأن الصراع ليس بين الإمام الحسين عليه السلام ويزيد بن معاوية وإنما الصراع بين النور والظلام بين الخير والشر بين الصلاح والفساد، ومن ثم فإن سنة الإمهال التي سنها الله تعالى في حكمه لعباده مردها إلى أن الله تعالى حينما مكنهم من هذا الملك فأملى لهم بالقوة والمال وعبيد الدنيا إنما كان لهدف وغاية وهي كي يزدادوا إثماً ولهم عذاب عظيم.

وبهذا: يكون إعادة مسار السنة النبوية إلى وضعها الصحيح حينما يدرك المسلمون حقيقة هؤلاء الطواغيت في كل زمان وعصر فينبذونهم ويتبرأون منهم ولا يتمسكون إلا بمحمد وأهل بيته عليهم السلام.

وبهذا الأثر نكون قد وفقنا إلى بيان جانب من الحكمة في إخراج الإمام الحسين عليه السلام عياله من المدينة واصطحابهم معه إلى العراق على الرغم من كل تلك المقدمات التي كانت في حقيقة الحال هي نتائج تكشف بوضوح أدق التفاصيل لمأساة كربلاء في يوم العاشر من المحرم لأن ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه قطعي الوقوع، وذلك أنه لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحى.

ولذا: فإن قضية الحسين وقضية عاشوراء بشكل خاص إنما هي نواة الحركة الإصلاحية للأنبياء والمرسلين عليهم السلام التي يرتكز عليها قطب العدل والقسط وهو المهدي الموعود والحجة المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. فبه يتحقق الدين الواحد الذي يظهره الله تعالى على الديانات كلها فلا يبقى إنسان على الأرض لا يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[9].

ـــــــــــــ
[1] سورة البقرة، الآية: 253.
[2] سورة الحجرات، الآية: 14.
[3] قال أبو بكر عند وفاته: «فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب». أنظر في ذلك: تاريخ الطبري: ج2، ص619؛ تاريخ ابن عساكر: ج30، ص420؛ كنز العمال للهندي: ج5، ص632.
[4] عن أبي هريرة قال: نظر النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ إلى علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: «أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم». أنظر: مستدرك الحاكم: ج3، ص149؛ المصنف لابن أبي شيبة الكوفي: ج7، ص512؛ الصحيح لابن حبان: ج15، ص435؛ المعجم الأوسط: ج3، ص180.
[5] سورة الكهف، الآية: 9.
[6] الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص118.
[7] سورة آل عمران، الآية 178.
[8] معالم المدرستين للعسكري: ج3، ص145؛ تفسير الميزان للطباطبائي: ج3، ص143.
[9] سورة هود، الآية: 88.

العلة في اختصاص العقيلة زينب عليها السلام بمصائب عاشوراء دون غيرها من بنات علي أمير المؤمنين عليه السلام

بقلم: السيد نبيل الحسني

لعل القارئ والمتتبع لهذا البحث يرد على ذهنه سؤال مفاده: ما هي العلة في اختصاص العقيلة زينب عليها السلام بهذه المصائب حتى كادت أن تكون هي الوحيدة التي أصيبت من بين أخواتها العشر اللاتي كن حاضرات في يوم عاشوراء، أو لعل القارئ لواقعة الطف وسيرة سيد الشهداء عليه السلام يرتكز في ذهنه بأن العقيلة زينب عليها السلام هي الوحيدة التي أخرجها الإمام الحسين عليه السلام معه إلى كربلاء.

فما هي العلة التي جعلت هذا المعنى يرتكز في ذهن القارئ لفاجعة الطف؟

وأقول: إن ذلك يعود لجملة من الأسباب:

1 ــ إن العقيلة زينب الكبرى هي أكبر أخواتها سناً فقد ولدت في السنة السادسة للهجرة النبوية في المدينة النبوية[1]، ومن ثم فهي أكبرهنّ جميعاً.

2 ــ إنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أوكل إليها أمر العيال وحفظهم وهذه واحدة من خصائصها عليها السلام.

3 ــ إنها برتبة من الفهم والعلم ما جعلها المؤهلة لتحمل تلك الخطوب العظيمة والرزايا الجسيمة التي تندك من حملها الجبال.

ولقد نص على ذلك قول حجة الله تعالى الإمام زين العابدين عليه السلام لها: «أنت بحمده عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة».

4 ــ إنها الوحيدة من بين بنات أمير المؤمنين عليه السلام كانت أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومما يدل عليه:

ألف: إن أختها أم كلثوم التي أشارت المصادر إلى وجودها في كربلاء وتناولت خطبتها في الكوفة لم يقطع المؤرخون أو النسابة أو غيرهم من الباحثين نسبة انتسابها لفاطمة عليها السلام.

نعم هناك من الروايات ما تدل على وجود هذه الشخصية، أي: أم كلثوم بنت علي عليه السلام لكن لم يجزم أحد بأنها ابنة فاطمة عليها الصلاة والسلام.

باء: ذهاب كثير من المحدثين والباحثين إلى أن أم كلثوم بنت فاطمة صلوات الله عليها قد توفيت في المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان وقد شيعها الحسن والحسين عليهما السلام مما يرجح عدم وجودها في الطف وأن أم كلثوم التي خرجت إلى كربلاء هي إحدى بنات علي عليه السلام وأمها أم ولد ــ كما سيمر بيانه ــ.

بمعنى: إن المقصودة في هذه الحرب هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن لم يكن مع السلف في الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام، فهو اليوم يهجم على ابنتها، ومن فاته سلب فاطمة في المدينة فقد سلب ابنتها في كربلاء.

ولذلك: نجدها ــ بأبي وأمي ــ لما قام عبيد الله بن زياد بإدخال عيال الحسين عليه السلام إلى قصر الإمارة في الكوفة (دخلت زينب العقيلة في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى دخلت ناحية من القصر، وحفت بها إماؤها، فقال ابن زياد:

من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم فقالت: زينب عليها السلام: «الحمد الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطهرنا من الرجس تطهيرا، وإنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله»)[2].

إذن: لكونها ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحيدة في كربلاء كما صرح بذلك إماؤها توجه إليها عدو الله ورسوله بهذا الكلام، ولكونها ابنة رسول الله توجه يزيد إلى ضرب شفتي ريحانة رسول الله بالقضيب كي يحرق قلبها، وقلب أمها فاطمة، وقلب جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وقلب أبيها علي أمير المؤمنين.

بقي أن أقول: إن التفاف النساء والأطفال حولها، واهتمام سيد الشهداء بها، وحرصه الشديد عليها، وتفاني العباس وأخوته في صونها، وتسابق الأنصار للذود عنها، إنما لكونها ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنها البقية الباقية من فاطمة فهي الوحيدة التي كان وجودها هو وجود قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وروحه التي بين جنبيه ومَنْ مِنَ المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحرص على إحراز رضا فاطمة واجتناب غضبها، فسلام على زينب العقيلة يوم ولدت ويوم رزيت وفجعت وسبيت، ويوم ماتت ويوم تبعث حية لتشكو إلى ربها وجدّها ما نزل بها.

فلتلك الخصوصية وغيرها ارتكز في ذهن كل متتبع لمأساة كربلاء أنّ العقيلة زينب عليها السلام،كأنها هي الوحيدة التي كانت من بنات أمير المؤمنين عليه السلام في يوم عاشوراء.

ــــــــــــــــ
[1] مستدرك سفينة البحار: ج4، ص316.
[2] الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص116.

بحث في قول الإمام الحسين عليه السلام: قد شاء الله أن يراهن سبايا

بقلم: السيد نبيل الحسني

إنّ حضور المرأة في كربلاء ومن خلال الدراسة في التاريخ الحربي للعرب والمسلمين يعد حضوراً متميزا وفريدا وملهما ومؤسساً لأصول عقائدية وحياتية جديدة لم يعهدها الإنسان قبل كربلاء ولم يتهيأ له مستقبلاً نظير لها، وذلك لما جمع في كربلاء من مقومات اختارتها المشيئة الإلهية لتكون محوراً وسطياً لهذه الأمة في بناء العقيدة والإصلاح.

من هنا: نجد أن الإمام الحسين عليه السلام حينما اعترضه محمد بن الحنفية عند خروجه إلى العراق مستفهما منه عن العلة في إخراجه لهؤلاء النسوة فأجابه عليه السلام:«قد شاء الله أن يراهن سبايا».

لم يكن قوله عليه السلام إسكاتاً لما بدا على ابن الحنفية من تساؤلات عديدة لم يشأ أن يبوح بها فاختزلها بقوله: فما بال حملك لهذه النسوة؟ فقال هذه الكلمات القليلة التي في ظاهر الرواية التاريخية إنها أسكتته فلم يبُحْ بعدها بكلمة حتى بدا للقارئ أن المراد هو هذه النتيجة.

في حين أن الإمام الحسين عليه السلام قد كشف لأخيه أحد أعظم الحقائق التي ارتبطت بهذا الخروج، وما أشبه هذا القول منه عليه السلام بقوله تعالى لأم موسى حينما بدا عليها الخوف وتملكتها الحيرة في التعامل مع ولدها موسى ماذا تصنع به! فجاء الجواب: {...فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[1].

وليت شعري: أي المقامين أعظم؟! فإن كان الملقى في أحضان البحر فرداً واحداً فإن أبناء محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد ألقوا في أخاديد الحراب وافترشوا نصال النبال وعانقوا السيوف؛ وهل رد ابن فاطمة لأمه سالماً معافىً أو رد إليها مقطع الأعضاء؟! لله الأمر من قبل ومن بعد.

إلا أن الآثار والنتائج التي حققها هذا الخروج لم تكن أقل شأناً من آثار إلقاء موسى في البحر ونتائج ذلك إن لم تفقها في مواضع كثيرة، فكم من فرعون وفرعون دكت العقيلة زينب عروشه إلى يوم القيامة، وكم من دفاع عن التوحيد ونبذ للشرك قد أثبتته الظعينة التي أخرجها الإمام الحسين عليه السلام، فضلاً عن الدفاع عن الولاية والنبوة وإعادة الإسلام إلى مساره الذي وضعه له الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعليه: قد يجد القارئ ضرورة في بيان معنى الإشاءة التي تصدرت كلام الإمام الحسين عليه السلام، وما الفرق بينها وبين الإرادة، وهل إن الإشاءة الإلهية تعني رفع العقاب عن القتلة لأن الله شاء أن يراهن سبايا؟ وجوابه في مسائل:

المسألة الأولى: معنى المشيئة الإلهية


هنا ينبغي بنا أن نضع بين يدي القارئ المراد من المشيئة الإلهية كي يتضح لدينا المراد من قول الإمام الحسين عليه السلام: «قد شاء الله أن يراهن سبايا».

وهل تكون المشيئة الإلهية معطلة للعقاب بكينونة أن الله تعالى قد شاء ذلك ومن ثم لا يعاقب الجاني؟ فهذا السؤال وغيره يمكن لنا الإجابة عنه من خلال الوقوف على معنى المشيئة الإلهية، وذلك من خلال اللغة والقرآن والسنة ولو من قبيل الإشارة كي لا نسهب في البيان.

أولاً: المشيئة لغة


لا يختلف معنى الإرادة عند أهل اللغة عن معنى المشيئة، فكلاهما يدل على معنى واحد[2]؛ فـ(المشيئة) مهموزة: الإرادة، وقد شئت الشيء أشاؤه[3]، وقيل: إن المشيئة أخص من الإرادة[4].

وإنما فرق بين قول ما شاء الله وشئت، وما شاء الله ثم شئت، لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشيئة، ومع (ثم) يكون قد قدم مشيئة الله على مشيئته[5]. ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما شاء الله ثم شئت»[6].

وقيل: إن الفرق بين الإرادة والمشيئة: إن الإرادة هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصور الغاية المترتبة عليه من خير، أو نفع، أو لذة ونحو ذلك؛ وهي أخص من المشيئة، لأن المشيئة ابتداء العزم على الفعل فنسبتها إلى الإرادة نسبة الضعف إلى القوة، والظن إلى الجزم، فإنك ربما شئت شيئاً ولا تريده لمانع عقلي أو شرعي. وأما الإرادة فمتى حصلت صدر الفعل لا محالة[7].

ثانيا: المشيئة في القرآن


أما القرآن الكريم فقد اشتمل على آيات كثيرة حول المشيئة مما يجعل تتبعها وبيان معانيها ودلالاتها يعد في حد ذاته بحثاً مستقلاً؛ إلا أن خير ما يمكن أن يظهر معنى المشيئة في القرآن وبشكل موجز ما تناوله الشريف المرتضى في أحدى رسائله العقائدية، فكان كلامه بحق وافياً لمن أراد أن يحيط بمعنى المشيئة وعلاقتها بالإيمان، فقال رحمه الله تعالى وتحت عنوان: الإيمان وحقيقة المشيئة ما يأتي: (فإن سألوا عن معنى قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[8].

قيل لهم: معنى ذلك لو شاء ربك لألجأهم إلى الإيمان، لكنه لو فعل ذلك، لزال التكليف، فلم يشأ ذلك بل شاء أن يطيعوا على وجه التطوع والإيثار لا على وجه الإجبار والاضطرار، وقد بين الله ذلك فقال: {...أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ...}. يريد إني أنا أقدر على الإكراه منك ولكنه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...}[9].

وكذلك الجواب في قوله: {...وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ...}[10]. وقوله تعالى: {...وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ...}[11]. وقوله: {...وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ...}[12].  ولو شاء لحال بينهم وبين ذلك، ولو فعل ذلك لزال التكليف عن العباد، لأنه لا يكون الأمر والنهي إلا مع الاختيار لامع الإلجاء والاضطرار.

وقد بين الله (ذلك) بما ذكرنا من قوله: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}[13].

فأخبر أنه لو شاء لأكرههم على الإيمان. وقد بين ذلك ما ذكرناه من قصة فرعون وغيره أنه لم ينفعهم الإيمان في وقت الإكراه.  وقد بين الله في كتابه العزيز أنه لم يشأ الشرك ، وكذب الذين أضافوا إليه ذلك، فقال تعالى: سَيَقُولُ {الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ...}[14].

فأخبروا أنهم  إنما أشركوا بمشيئة الله تعالى فلذلك كذبهم: ولو كانوا أرادوا أنه لو شاء الله لحال بيننا وبين الإيمان لما كذبهم الله، قال الله تكذيبا لهم: {...كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا...}. يعني عذابنا. .{..قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا...}. يعني هل عندكم من علم أن الله يشاء الشرك ثم قال: {...إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ...}. يعني تكذبون. كقوله: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ}[15]. وقال عز وجل: {...مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}[16]. يعني يكذبون. وقال عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}[17]. خبر أن الرسل قد دعت إلى الإيمان، فلو كان الله تعالى شاء الشرك لكانت الرسل قد دعت خلاف ما شاء الله، فعلمنا أن الله لم يشأ الشرك.

فإن قال بعض الأغبياء: فهل يشاء العبد شيئا أو هل تكون للعبد إرادة؟ قيل له: نعم قد شاء ما أمكنه الله من مشيئته ويريد ما أمره الله بإرادته، فالقوة على الإرادة فعل الله والإرادة فعل العبد. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...}[18].

وقال تعالى: {...فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}[19]. وقال عزّ وجل: {... فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا}[20]. وقال تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ...}[21]. وقال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ...}[22]. وقال عزّ وجل: {...فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا...}[23]. وقال تعالى: {...فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ...}[24]. وقال عزّ وجل: {...لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}[25]. وقال فيما بين أن العبد قد يريد ما يكره الله من إرادته فقال تعالى: {...تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ...}[26]. وقال عزّ وجل: {...وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}[27]. وقال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً...}[28]. فأخبر أنهم لو أرادوا لفعلوا كما فعل من أراد الخروج. وقال سبحانه وتعالى: {...يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ...}[29]. وقال تعالى: {...وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}[30]. وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ...}[31]. وما أشبه ما ذكرنا أكثر من أن نأتي عليه في هذا الموضع.

فإن قال: فما معنى قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ...}[32]؟ قيل له: إن الله ذكر هذا المعنى في موضعين، وقد بينهما ودل عليهما بأوضح دليل وأشفى برهان على أنها مشيئته في الطاعة، فقال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[33]. فهو عز وجل شاء الاستقامة ولم يشأ الاعوجاج ولا الفكر، وقال في موضع آخر: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}[34].  فالله قد شاء اتخاذ السبيل ولم يشأ العباد ذلك إلا وقد شاء الله لهم، فأما الصد عن السبيل وصرف العباد عن الطاعة فلم يشأ عز وجل)[35].

وفيها هذا البيان الوافي والشافي يتضح لنا أن المشيئة الإلهية بريئة مما يقوله العصاة والظالمون فيما يصدر عنهم من أفعال قبيحة ومخالفة للشريعة بأن الله تعالى هو الذي أراد لهم ذلك فتعال الله عما يصفون علواً كبيراً بل هم الذين أرادوا هذا الفعل.

ثالثا: المشيئة في السنة


قد لا يخفى على كثيرٍ من أهل المعرفة أن المراد بالسنة عند مذهب الإمامية هو: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره وقول عترته أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين فرض مودتهم على الخلائق وأوجب على الخلق كافة طاعتهم فهم حجج الله تعالى على البرايا وأوصياء خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم. فقول الأئمة الإثني عشر مع قول أمهم فاطمة بضعة النبوة وفعلهم وتقريرهم هو المراد به بالسنة.

وعليه: فقد ورد في السنة المحمدية أحاديث كثيرة تظهر معنى المشيئة وتدل على مفهومها ومصداقها. ومنها:

1ــ أخرج الشيخ الكليني عن سليمان الديلمي، (عن علي بن إبراهيم الهاشمي: قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: «لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى». قلت: ما معنى شاء؟ قال: «ابتدأ الفعل». قلت: ما معنى قدر؟ قال: «تقدير الشيء من طوله وعرضه». قلت: ما معنى قضى؟ قال: «إذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مرد له»)[36].

2ــ وعنه رحمه الله تعالى، (عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: «أمر الله ولم يشأ، وشاء ولم يأمر، أمر أبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وشاء أن يأكل منها، ولو لم يشأ لم يأكل»)[37].

3ــ وعنه رحمه الله، (عن فتح بن يزيد الجرجاني: عن أبي الحسن عليه السلام قال: «إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن لا يأكلا من الشجرة وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى»)[38].

4ــ وعنه رحمه الله، عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «شاء وأراد ولم يحب ولم يرض شاء ألا يكون شيء إلا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر».

5ــ وعنه رحمه الله عن أبي نصر قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام، قال الله: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً، قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذاك أنني لا أسألك عما أفعل وهم يسألون»[39].

وتدل هذه الأحاديث الشريفة على أن الاختيار في الطاعة والمعصية للعبد وأن البيان لطريق الخير والشر على الله تعالى، ولذا بعث الأنبياء والرسل، ولو شاء لجعل الناس على عماهم لكن أراد لبني آدم الكرامة فبعث لهم الأنبياء والمرسلين ليزكيهم ويهديهم صراطه المستقيم فمن شاء منهم أن يؤمن فقد آمن، ومن شاء منهم أن يكفر، فقد كفر.

المسألة الثانية: المشيئة التشريعية والمشيئة التكوينية


بقي أن نورد ما يتعلق بالمشيئة وأنها في حقيقة تكوينها تنقسم إلى (المشيئة التشريعية و(المشيئة التكوينية) واللتين يتضح بهما معنى قول الإمام الحسين عليه السلام: «قد شاء الله أن يراني قتيلاً، وقد شاء الله أن يراهن سبايا».

فنقول: إن الله تعالى قد شاء أن يجعل الأرض دار اختبار وبلاء، وشاء أن يجعل فيها خليفة وأنبياء ورسلاً وأئمة، وشاء أن يجعل هذا الإنسان مكوناً من غرائز وشهوات وعقل وهذا وما شابهه كله من الإشاءة التكوينية.

وأما الإشاءة التشريعية: فهي أن الله تعالى قد شاء أن يعبد وحده لا شريك له، وأن يؤمن برسله وأنبيائه، وكتبه، وشاء سبحانه من عباده طاعة هؤلاء الأنبياء، وشاء أن فرض عليهم العبادات والمعاملات وشاء أن لا يظلم الإنسان الإنسان وشاء أن يتراحموا ويتباروا وغيرها من التشريعات الإلهية وكلها ضمن مشيئته سبحانه.

إلا أن الإنسان خلط بين المشيئة التكوينية والمشيئة التشريعية؛ كي يجد مبرراً وعذراً لا يقترفه من ذنوب ومعاصٍ وتعدٍ للحدود فيجعل وعلى سبيل المثال؛ القتل غرضاً للسرقة أو للوصول إلى السلطة ثم يقول لو شاء الله لم يقتل فلان أو لم أكن قاتلاً في حين أن الإنسان القاتل هو الذي شاء قتل أخيه بعد أن انقاد لشهواته وغرائزه؛ فالموت هنا: مشيئة تكوينية، لكن طريقة الموت وهو القتل مشيئة تشريعية بمعنى: أن الله تعالى شاء حرمة القتل ونهى عنه وحذر منه وعاقب عليه لكن القاتل بيده شاء ذلك.

من هنا: نجد أن القرآن الكريم يتعرض في أكثر من موضع لهذه الحقيقة وأن المشيئة، هي مشيئتان، مشيئة تكوينية ومشيئة تشريعية، وذلك من خلال قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[40].

وفي بيان هذه المسألة يقول العلامة الطباطبائي رحمه الله: (وقوله تعالى: {...قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ...} جوابهم للدعوة إلى الانفاق، وإنما أظهر القائل ــ الذين كفروا ــ ومقتضى المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق وإعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الاعراض عما تدعو إليه الفطرة من الشفقة على خلق الله وإصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الاظهار في قوله: (الذين آمنوا) للإشارة إلى أن قائل (أنفقوا مما رزقكم الله) هم الذين آمنوا.

وفي قولهم: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم: (أنفقوا مما رزقكم الله) بعنوان أنه مما يشاؤه الله ويريده حكما دينيا فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع في رزقهم وجعلهم أغنياء.

وهذه مغالطة منهم خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء والامتحان وهداية العباد إلى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم وآخرتهم، ومن الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان، وبين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد. ومن المعلوم أن مشيئة الله وإرادته المتعلقة بإطعام الفقراء والانفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا وتمردهم عما أمروا به لا على عدم تعلق الإرادة به وكذب مدعيه.

وهذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية وقد حكى الله سبحانه ذلك عنهم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}[41]. وقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ...}[42]. وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ...}[43]. وقوله عزّ وجل: {...إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[44]. من تمام قول الذين كفروا يخاطبون به المؤمنين أي إنكم في ضلال مبين في دعواكم أن الله أمرنا بالانفاق وشاء منا ذلك)[45].

وبهذا يتضح: أن الله تعالى قد شاء أن يرى بنات الرسالة سبايا مشيئة تكوينية ليرى سبحانه وهو العالم بحقائق الأشياء ومحيط بدقائق الأمور صبرهن وطاعتهن ليكون ذلك، أي الصبر ضمن المشيئة التشريعية، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: قد شاء سبحانه في المشيئة التشريعية أن يبتلي الأمة بمودة آل محمد فكان سبيهن انتهاكا للمشيئة التشريعية لأن الله تعالى لا يشرع الظلم والقتل.

وعليه: فإن انتهاك حرمتهم وقتلهم وسبي نسائهم وأطفالهم من أعظم الانتهاكات التشريعية لما يترتب على ذلك من تعد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الرسالات والتشريعات الإلهية.


ـــــــــــــــــ
[1] سورة القصص، الآية: 7.
[2] القاموس المحيط للفيروز آبادي: ج1، ص296.
[3] لسان العرب لابن منظور: ج1، ص104.
[4] مختار الصحاح لعبد القادر: ص186.
[5] النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ج2، ص517.
[6] النهاية في ترتيب الحديث لابن الأثير: ج2، ص517.
[7] الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: ص35.
[8] سورة يونس، الآية: 99.
[9] سورة البقرة، الآية: 256
[10] سورة الأنعام، الآية: 137.
[11] سورة النمل، الآية: 9
[12] سورة البقرة، الآية: 253.
[13] سورة الشعراء، الآية: 4.
[14] سورة الأنعام، الآية: 148.
[15] سورة الذاريات، الآية: 10.
[16] سورة الزخرف، الآية: 20.
[17] سورة النحل، الآية: 35.
[18] سورة الكهف، الآية: 29.
[19] سورة المزمل، الآية: 19.
[20] سورة نبأ، الآية: 39.
[21] سورة الأحزاب، الآية: 51.
[22] سورة يوسف، الآية: 56.
[23] سورة الأعراف، الآية: 19.
[24] سورة البقرة، الآية: 223.
[25] سورة الكهف، الآية: 77.
[26] سورة الأنفال، الآية: 67.
[27] سورة النساء، الآية: 27.
[28] سورة التوبة، الآية: 46.
[29] سورة الفتح، الآية: 15.
[30] سورة النساء، الآية: 60.
[31] سورة المائدة، الآية: 91.
[32] سورة التكوير، الآية: 29.
[33] سورة التكوير، الآيتان: 28 و 29.
[34] سورة الإنسان، الآيتان: 29 و30.
[35] رسائل المرتضى للشريف المرتضى: ج2، ص234 ــ 238.
[36] الكافي للشيخ الكليني، باب: المشيئة والإرادة، ج1، ص150.
[37] المصدر نفسه.
[38] الكافي للشيخ الكليني، باب: المشيئة والإرادة: ج1، ص150.
[39] الكافي للكليني في باب: المشيئة والإرادة، ج1، ص151.
[40] سورة يس، الآية: 47.
[41] سورة النحل، الآية: 35.
[42] سورة الأنعام، الآية: 148.
[43] سورة الزخرف، الآية: 20.
[44] سورة يس، الآية: 47.
[45] تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: ج17، ص93 ــ 94.

زينب عليها السلام والسبايا في طفيات الشيخ صالح الكواز الحلي

بقلم: الدكتور علي كاظم المصلاوي


لاريب انَّ لموقف زينب عليها السلام يوم الطف وبعده أثرا كبيرا وفعالا في نجاح ثورة الحسين عليه السلام بكل أبعادها، ولما قاد الحسين عليه السلام ثورته بالسيف ضد يزيد وأتباعه واصلتها زينب عليها السلام بسيف الكلام مع أخواتها من بيت الرسالة ومع الإمام العليل زين العابدين عليه السلام، وخطبها، ومواقفها في الكوفة ودمشق لتكشف عن صلابتها وقوة عزيمتها وإيمانها الصادق الحقيقي بما كتب الله جل وعلا عليها وعلى إخوتها من مصاب أليم، واستطاعت أن تهزَّ عرش الأمويين وتقضَّ مضاجعهم وتنبه الناس الغافلين المخدوعين بما آل إليه ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أيدي يزيد وأتباعه، فكانت الامتداد الحقيقي للخطاب الثوري الذي انتهجه الحسين عليه السلام، ولربما فقدت ثورة الحسين عليه السلام جذوتها لولا أخته العقيلة زينب وهو ما أثبته التاريخ والواقع.

ولما نعرج على ما قاله الشاعر في زينب عليها السلام نجده قد وقف متألماً عليها وحالها وحال أخواتها وهنَّ ينظرن إلى الحسين عليه السلام مقتولاً مسلوباً مع أولاده وصحبه وقد سحقت صدورهم خيول الأعداء ثمَّ قاموا بحرق خيامهنَّ وسبيهنَّ بصورة يندى لها الجبين.

فيمثل الشاعر زينب عليها السلام بالعاتبة على أخيها الحسين عليه السلام وهو لا يقوم بنصرتها ويخلصها من أيدي الأعداء، وأي عتب تعتبه على من صار نهباً لسيوف أعدائه ورماحهم وقد توزعت أشلاؤه، إنه عتب لا يجدي ولكنه عتب أليم وتذكره زينب وتذكر معه صفاته الرجولية كسرعة الإجابة ونجدة المستغيث أو تذكره بأنها كانت في الحرم المنيع مصانة مخدرة ولكنها الآن أصبحت بوضع آخر بعده، فيقول[1]:

  وتقول عاتبة عليه وما عسى *** يجدي عتـــاب موزع الأشلاءِ
قد كنت للبعداء أقرب منجــد *** واليوم أبعدهم عن القرباء
أدعوك من كثب فلم أجد الدعـا *** إلا كما ناديت للمتنائي
قد كنت في الحرم المنيع خبيئة *** واليوم نقع اليعملات خبائـي

لقد استعمل الشاعر المقارنة بين حالين كان عليهما الحسين عليه السلام مع أخته زينب، فقد كان أقرب منجد للقرباء والبعداء، وصار اليوم بعيداً عنها وهي القريبة منه، بل أقرب القرباء وإنها لتدعوه إلى نجدتها ولكنه ذهب ونأى بعيداً عنها فأصبحت بحالة جديدة من بعده بعد أن كانت بمعيته في الحرم المنيع مصانة محفوظة لا يطلع عليها الغرباء، ثمَّ تأتي صيحتها الأليمة:

أسبى ومثلك من يحوط سرادقي *** هذا لعمري أعظم البرحاء
ماذا أقول إذا التقيت بشامت *** إني سبيت وإخوتي بازائي

وتسلم زينب عليها السلام إلى الأمر الواقع وحكم الحمام لما هم عليه إخواتها من بلاء:

حكم الحمام عليكم أن تعرضـوا *** عني وإن طرق الهوان فنائــي

ولكنها تتعجي وتنكر على إخوتها أن تهون عليهم وهي تسير إلى أعدائهم من الطلقاء:

ما كنت أحسب أن يهون عليكــم *** ذلي وتسييري إلى الطلقاء

ثمَّ تخبرهم بالواقع الأليم لنساء الوحي والرسالة من بعدهم:

هذي يتامــاكم تلوذ ببعضهــا *** ولكم نساء تلتجــي بنســـاء

وصورة العاتبة لم تنفك تبارح خيال الشاعر فنراه يصفها بقوله[2]:

تعاتبهم وهي العليمة أنهــم *** بريئون مما يقتضي قول عاتبِ

وهنا يبرء الشاعر الحسين عليه السلام وإخوته من عدم إغاثتها فضلاً عن علمها بذلك، ثمَّ يقول:

ومذهولة في الخطب حتى عن البكـا *** فتدعو بطرف جامد الدمع ناضبِ

فهو يصورها بالمذهولة التي جمد دمعها لهول المصاب وهي تخاطب عشائر مفقوديها ليقوموا بنجدتهم ويخلصوهم من هذا الوضع وهم من هم في الشجاعة والنجدة في النوائب ثم تعذرهم فتسلم إلى البكاء والشجن:

عذرتكم لم أتهمكم بجفوة *** ولا ساورتكم غفلة في النوائـب
شكت وارعوت إذ لم تجد من يجيبها *** وما في الحشى ما في الحشى غير ذاهب

ونلحظ الشاعر قد عمد إلى التكرار في عجز البيت الثاني مما أضفى دفعاً حزيناً وثقلاً عتيداً على هذا المصاب الذي لم ولن يبارح القلب والحشا، وهذه الصورة تتكرر عند الشاعر ولكن بتفاصيل أخرى هدفها إبراز الحزن والأسى الذي أصاب العقيلة فنراه يقول[3]:

وزينب تدعو والشجى ملء صدرها *** بمن ملأت صدر الفضاء نوالها

ثمَّ تخاطب أخوتها خطاباً مراً ملؤه العتب والتحسر:

أيا إخوتي لا أبعد الله منكم **** وجوهاً تود الشهب تمسي مثالها
نشدتكم هل ترجعون لحيكم *** فتحيى عفاة أتلف الدهر حالها
نشدتكم هل تركزون رماحكم *** بدار لها الوفاد شدَّت رحالها
وهل اسمعن تصهال خيلكم التي *** يود بأن يمسي الهلال نعالها
وهل انظر البيض المحلاة بالدما *** تقلدتموها وانتضيتم نصالهـا
فيا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة *** ببحبوحة تحمى وأنتم حمى لها
وتمسي دياري مثل ما قد عهدتها *** ملاذ دخيل ظلَّ يأوي حجالها

إنه اعتزاز الأخت بإخوتها الذين كانوا لها كهفاً وملجأ ولما ذهبوا ضاع ذلك العز وهتك ذلك الخدر، وإلحاحها عليهم بتكرار (نشدتكم) مفتتح بيتين متتاليين ثم استعمال أداة الاستفهام (هل) في مفتتح البيتين التاليين تؤكد على عمق الرابطة التي تجمعها بإخوتها وماذا يمثلون لها وكيف تنظر لهم نظرة الإجلال والاحترام والحب، فهم جديرون بها، وهم أصحاب الوجوه النيرة، والرماح الطويلة، والشجاعة والكرم والنجدة، وبيتهم الملاذ الآمن لمن يأوي إليه، وأبدع الشاعر حين جاء بالفعل (يود) الذي يظهر معنى الاشتياق وتلهف وأسنده للهلال كي يكون نعالاً لا لإقدام إخوة زينب عليها السلام وإنما لخيلهم التي يركبونها وهي مبالغة واضحة ولكنها مقبولة إذ جاءت على لسان زينب التي تفدي إخوتها بكل غال ونفيس، فلا يبعد عنها أن ترى في كل ألأشياء في الكون مطاعة لإخوتها الأجلاء.

وإذا ما تركنا صورة العاتبة الشجية الباكية نرى الشاعر يصورها بصورة الواعظة لأعدائها وأعداء أخيها الحسين عليه السلام وإخوتها جميعاً، فقال ممهداً لوعظها الأليم[4]:

لم أنس زينب إذ تقول وقد *** كضَّ المصاب فؤادهــا كضا
لله رزء قد أصاب لنـا *** ندبــا فعطَّل بعده الفرضا
ومضى بصحة ديننــا فغدا *** حتى المعاد يعــد في المرضى

 إنه مصاب جليل قد وقع على هذا الدين حين قتل الحسين عليه السلام ولن يتعافى هذا الدين إلى المعاد فهو يبقى علامة أو ندباً واضحاً لا يمكن تجاوزه، ثمَّ يقول[5]:

وترد تدعو القوم واعظـة *** إذ ليس يسمع كافـر وعظـا

إن الأمر اللافت في هذا البيت هو وعظ زينب عليها السلام لهؤلاء القوم على الرغم من تيقنها من أنهم لا يسمعون وعظها، لأنهم كافرون، والكافر لا يسمع وعظ الكلام.
ثمَّ تخاطبهم على الرغم من ذلك بقولها:

يا قوم قتلكم الحسين أمـــــا *** يكفيـكم عن صدره الرضـــا

إنها متألمة على حال أخيها الذي قضى ظامئاً بحد سيوفهم ثم هؤلاء يرضون صوره بخيولهم بعد قتلهم إياه، ثم تواصل استفهاماتها الإنكارية إذ تقول:

أو ما كفاكم نهبكم خيم النسوا *** نِ عن ابرادهــا تنضـــــــى

إنها تثير بقايا الكرامة والغيرة العربية علها موجودة في قلوبهم القاسية فتسألهم إذا كنتم نهبتم ما في الخيام فلماذا تنضون النساء ملابسها التي تلبسها أما عندكم غيرة أو كرامة ولكن هذه التساؤلات قد ذهبت أدراج الرياح:

أبريتم أصواتنــا جزعــــا *** ولطالما هي تألف الغضـــــا

فهي تشير إلى خدرها وخدر أخواتها من بنات الرسالة إذ لم تـالف أن يسمع لها صوت من الأجنبي ولكنها اليوم لشدة جزعها وما أصابها قد علا صوتها وارتفع، ثم تخاطبهم قائلة:

أرقدتهم عين الضلال بنــــا *** ومنعتم عين الهدى غمضــــا

لقد شخص الشاعر بهذا البيت على لسان زينب عليها السلام عمق المصيبة التي حلت بقتل الحسين عليه السلام، فالحسين ابن الرسالة المحمدية وهو الممثل الحقيقي لها (عين الهدى) التي حاول ألأعداء لرسالة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يغمضوا هذه العين ويطفئوا نور الله جل وعلا فضلاً عن إشارة الشاعر في صدر البيت إلى أن أهل بيت النبوة قد ارقدوا (عين الضلال) وهي إشارة إلى فضل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته في إخراج العالم من ظلم الكفر والطغيان إلى نور الهدى والإيمان.
وهذا الأمر يسترسل به الشاعر فيقول متسائلاً على لسان زينب عليها السلام:

ما كان ذنب محمد لكــم *** حتى قتلتم آلــــه بغضــا

ثم يقول [6]:

بالأمس أبرمنا عهودكــم *** واليوم أسرعتم لها نقضــــا
أكبادكم للغيظ أوعيـــــة *** بالطف ألفيتم بها نفضـــــا
فلشد ماربضت كلابكـــــم *** حذر الأسود فلم تطق نهضــا
جئتم بها شوهاء معضلـــة *** لا تملكون لعارها رحضــــا

إنها تذكرهم بإبرامهم العهود مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد سارعوا اليوم إلى نقضها بقتل ابن بنت نبيه سيد شباب أهل الجنة وهم لم يكونوا صادقين في ذلك فحقدهم وغيظهم منه قد بان في الطف وفي ذلك إشارة إلى المثل المعروف (كل إناء ينضح بما فيه) ولكن الكلاب تخاف الأسود ولشد ما بقت في مكانها مرتعبة من صولاتهم وهم الكلاب فالآن وجدوا الفرصة وقاموا بفعلتهم الشوهاء البغيضة التي بسببها سيلاحقهم العار ولا يستطيعون دحضها ونكرانها إلى أبد الدهور هكذا خاطبتهم العقيلة في خطبها المروية في الكوفة والشام وقد استوحى الشاعر من خطبها تلك المعاني والصور[7].

ونجد الشاعر يميل إلى المقارنة مستغلاً ثقافته التاريخية خير استغلال، فيقول[8]:

ونال شجى من زينب لم ينلــه من *** (صفية) إذ جاءت بدمع مدفــق
فكم بين من للخدر عادة كريمــة *** ومن سيروها في السبايا لجلـــق

فهو يصطنع مقارنة بين موقف زينب (عليها السلام في واقعة الطف وكيف وقفت على جسد أخيها وقد قطع إرباً إرباً وفصل رأسه الشريف وموقف (صفية) اخت (حمزة) عليه السلام عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقفت أيضاً على جسد أخيها أسد الله ورسوله ورأته وقد مثلت به هند بنت عتبة، ولا شك في أن الموقفين عظيمان جداً عليهما ولكن الحال اختلف بعد ذلك فصفية قد عادت إلى خدرها معززة مكرمة مصانة بينما ذهبت زينب عليها السلام مع قاتلي أخيها سبية تساق من بلد إلى بلد على النياق المهزولة لتصل إلى يزيد بن معاوية الذي كنى عنه الشاعر بـ(جلق).

ويستعين الشاعر بالمعين التاريخي مرة أخرى لرصد أبعاد الموقف العصيب على أهل البيت (عليهم السلام)، اذ يقول[9]:

لئن ثوى جسمه في كربلاء لقــى *** فرأسه لنساه في السباء رعـــــى

ثم يحول خطابه إلى الجمع المخاطب من الكرام لينجدوا هذه الكرائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

نسيتم أو تناسيتم كرائمكـم *** بعد الكرام عليها الذل قد وقعا
أتهجعون وهم أسرى وجدهــم *** لعمه ليل بدر قط ما هجعـا
فليت شعري من (العباس) ارقه *** أنينه كيف لو أصواتها سمعا

فهو يذكر موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وقد أسر عمه (العباس) فلم يذق طعم النوم وكانت عينه ترنو إلى عمه خوفاً عليه وعطفاً ومحنَّة وقد سمع أنينه هذا وعمه لم يمس بسوء ولم يعتدى عليه وهو رجل فكيف بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو سمع بناته في ليلة الحادي عشر من محرم الحرام وقد قتل فيه من يدافع عنهم ضد أعدائهم الذين لم يرعوا لهم حرمة أو ذمار وقد أحرقت خيامهم وسلبوا.

ولم يكتف الشاعر بهذه المقارنة التاريخية فألحقها بأخرى ليزيد من الحزن والألم وليثير القلوب والعيون، فقال[10]:

وهادر الدم من (هبار) ساعة إذ *** بالرمح هودج من تنمي له قرعا
ما كان يفعل مذ شيلت هوادجهـا *** قسراً على كل صعب في السرى ظلعا
ما بين كل دعي لم يراع بهــا *** من حرمة لا ولا حق النبي رعــى

و(هبار) هذا كان شاعراً هجا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دمه يوم فتح مكة لأنه روَّع زينب بنت رسول الله زوجة أبي العباس بن الربيع حين حملها حموها إلى المدينة ليلحقها بأبيها بعد وقعة بدر فتتبعها (هبار) وقرع هودجها بالرمح وكانت حاملا فأسقطت ما في بطنها، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: الإسلام يجب ما قبله [11]، فهذا الموقف يوظفه الشاعر بشكل لطيف ليصنع المفارقة في المواقف موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من (هبار) وكيف عفى عنه على الرغم مما فعل وموقف يزيد وأتباعه مع أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما فعلوا فيهم، أركبوهم على ظهور النياق المهزولة، وكانوا يضربونهن بالسياط ويشتمونهن بسبب وبلا سبب كرهاً وبغضاً لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرعوا عهداً ولم يبقوا له حرمة تستر هؤلاء الأدعياء المجرمين.

إن هذا التلميح والتصريح بالإشارات التأريخية يكشف عن وعي الشاعر بحركة التاريخ فضلاً عن استعمال هذه الإشارات بشكل متميز وتوظيفها شعرياً ينبئ عن إمكانية معلوماتية فنية واضحة، وهذا الأمر نجده أيضاً في تعرضه إلى ما أصاب أم عبد الله الرضيع الذي قتل وهو يحمله الحسين عليه السلام ليطلب له الماء من أعدائه وجاءت هذه الأبيات بعد أبيات يصف فيها سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه المرضعة هي واحدة من هذه السبايا، إذ قال [12]:

وربَّ مرضعة منهنَّ قد نظــرت *** رضيعها فاحص الرجلين في التــربِ
تشوط عنه وتأتيه مكابـــــدة *** من حاله وظماهـــا أغظم الكــرب
فقل (بهاجر) (اسماعيل) أحزنها *** متى تشط عنه من حر الظمــا تؤب[13]

فقد قارن الشاعر بين أم إسماعيل (هاجر) عليهما السلام حين تركت رضيعها (إسماعيل) لتبحث له عن ماء عندما تركها إبراهيم عليه السلام في واد غير ذي زرع، ومن سعيها وراء السراب ظناً منها أنه ماء ثم عودتها إلى إسماعيل أصبح السعي بين الصفا والمروة وهو من الشعائر المعروف في الحج، فقارن الشاعر بين هذه الأم وأم عبد الله الرضيع ولكن هذه الأم لم تستطع أن تأتي بالماء إلى ولدها وقد رأته يابس الشفتين فاحص الرجلين في التراب ولكنها عمدت إلى فعل آخر قارنه الشاعر بصورة تاريخية أخرى بقوله:

وما حكتها ولا (أم الكليم) أســى *** غداة في اليم ألقته من الطلــبِ[14]

ففعل أم الرضيع حين عمدت إلى أن تعطي ولدها لأبيه ليطلب له الماء من أعدائه بعد أن يئست ونشف منها حليبها كفعل أم الكليم حين عمدت إلى إلقائه في اليم ليواجه خطر الماء، ولكن ذاك واجه الخطر مع الأعداء وأي أعداء لا يرحمون حتى الرضيع، ثم يبرز حال أم إسماعيل وحال أم الكليم بقوله:

هذي إليها ابنهــا قد عاد مرتضعاً *** وهذه قد سقي بالبارد العـــــذبِ

ولكن حال أم عبد الله الرضيع اختلف وأي اختلاف:

فأين هاتان ممن قد قضى عطشا *** رضيعها عنها أو نأى عنها ولم يؤبِ
بل آب مذ آب مقتولاً ومنتـــهلاً *** من نحره يوم كالغيث منسكـــبِ

لقد عاد رضيعها مسقياً بالدم منحوراً بيد الأعداء، ثم قال[15]:

شاركنهـا بعموم الجنس وانفدت *** عنهنَّ فيما يخص النوع من نسبِ
كانت ترجى عزاءاً فيه بعـــد أب *** له فلـم تحــظ بابن لا ولا بـأب

هكذا هو حال أم عبد الله الرضيع، قتل ابنها وكان رجاءها وذخرها ولم يتوقع أن يقوم الأعداء بقتله فليس له ذنب ولكنها فوق فقدها ابنها وبعلها سبيت مع سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا اختلفت هذه المرأة بما جرى عليها من مصائب مع تلك النساء اللواتي التقت معهن بالولد الرضيع..

وفي إطار السبايا تناول الشاعر الباقي من ذرية الحسين عليه السلام وهو ابنه علي بن الحسين عليه السلام المشهور بـ(زين العابدين) الذي كان عليلاً ولم يستطع القتال فكان الوحيد الناجي، وقد سيق مع النساء من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيصفه الشاعر مقيداً فوق بعير مهزول وهو يرنو إلى عماته وأخواته، فنراه يقول[16]:

أضحى وكانت له الأملاك حاملة *** مقيـداً فوق مهزول بلا قتـــبِ
يرنو إلى الناشرات الدمع طاويــة *** أضـلاعهنَّ على جمرٍ من النـوبِ
و(العاديات) من الفسطاط ضابحة *** و(الموريات) زناد الحزن في لهبِ
و (المرسلات) من الأجفانِ عبرتها *** و(النازعات) بروداً في يد السلبِ
و (الذاريات) ترابـاً فوق أرؤسها *** حزناً لكل صريع بالعرا تــربِ

فنلحظ الشاعر قد وظف أسماء بعض السور القرآنية وما يتجلى من آياتها في وصف هؤلاء النسوة، وجاءت صوره بشكل متقابل بين الصدر الممثل للصورة الأولى والعجز الممثل للصورة الثانية على مدى البيت الثالث والرابع، أما الخامس ابتدأ باسم سورة (الذاريات) ولكن صورته استمرت حتى نهاية العجز معرباً عن تخليه عن هذا اللون من التقابل إلى غيره من الفنون.

ويكرر الشاعر هذا المشهد في قصيدة أخرى، فيقول[17]:

وأمين الله في الأرض بعدا *** لسبطِ أضحى مقيَّداً مستضاما
تارة ينظـــر النســاء وطوراً *** أرؤساً بالرماح تجلو الظلامـا
كيف يسري بيـن الأعادي أسيـرا *** من يغادر وجــودها اعداما
قيدوه من حلمه بقيـود *** ربَّ حلم يقيد الضرغاما

فنلحظ الشاعر يصف الإمام زين العابدين عليه السلام بأنه (أمين الله) في ألأرض بعد أبيه السبط الحسين عليه السلام ولكنه مقيد مستضام مغلوب على أمره بين هؤلاء الأوباش الذين سبوا عماته وأخواته وقطعوا رأس أبيه وإخوته وعمومته وأصحاب أبيه فتارة ينظر إلى النساء وتارة أخرى إلى هذه الرؤوس النيرة التي تجلو الظلام، لقد قيَّد الأعداء حلمه، هذا الحلم النابع من اعتقاد راسخ بضرورة تفويض الأمور إلى الله تعالى، وإن الذي يجري في ذات الله وتحت عينه فإن هذا الحلم سيصبح قيداً يقيده ولا يستطيع فكه.

هذه أبرز جوانب موضوع السبايا التي تناوله الشاعر، وهو موضوع حساس تعامل معه الشاعر بصورة تثير المشاعر بالحزن والألم لما أصاب زينب عليها السلام والإمام زين العابدين عليه السلام وبقية النساء بعد فقدهم الحسين عليه السلام ومن كانوا يحاموهم ويدافعوا عنهم وعكس هذا الموقف ظلم بني أمية لأهل البيت (عليهم السلام) وكيف أنهم لم يراعوا حرمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعهوده ومواثيقه التي عاهدوه بها ونقضوها بفعلتهم النكراء في واقعة الطف..

ــــــــــــــــ
[1] ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي: 18.
[2] م.ن: 21.
[3] م.ن: 40 .
[4] م.ن: 28.
[5] قافية البيت مخالفة لروي القصيدة فاثبتناها كما وجدت في الأصل.
[6] ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي : 29.
[7] تنظر خطبتها في: بلاغات النساء: 20.
[8] ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي : 36.
[9] م.ن: 32.
[10] م.ن: 33.
[11] سيرة النبي: 2 / 480.
[12] ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي : 25.
[13] اشار القران الكريم اجمالا الى هذه القصة في سورة ابراهيم الاية 37 اذ ورد على لسان إبراهيم عليه السلام: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِــندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقــْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). أما تفاصيل القصة التي اعتمدها الشاعر فكانت مرجعياتها سنيَّة متمثلة بأحاديث الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينظر على سبيل المثال لا الحصر: قصص الأنبياء: 203 – 205.
[14] تنظر قصة ذلك في سورة القصص:7.
[15] ديوان الشيخ صالح الكواز الحلي : 25-26.
[16] م.ن: 25.
[17] م.ن: 44.